موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فرض العين وفرض الكفاية - شرح رسالة مختصرة في أصول الفقه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح رسالة مختصرة في أصول الفقه لفضيلة الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان
  
 
 شرح رسالة مختصرة في أصول الفقه
 المقدمة
 خطبة المؤلف
 تعريف أصول الفقه
 الأحكام الشرعية
 الواجب
 الحرام
 المندوب
 المكروه
 المباح
 الأمر
 النهي
 قواعد الألفاظ والترجيح
 قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد
 الصحة والفساد
 فرض العين وفرض الكفاية
 قاعدة المصالح والمفاسد
 اشتباه المباح بالمحرم
 الأمر يقتضي الفورية
 العلة
 السبب و الشرط
 الرخصة والعزيمة
 موانع التكليف
 تعريف السنة
 السنة القولية والفعلية والإقرارية
 الإجماع
 تقسيم الخبر باعتبار وصولها إلينا
 قول الصحابي
 قاعدة إذا خالف رأي الراوي روايته؛ عُمِلَ بروايته دون رأيه.
 قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده, والنهي عن الشيء أمر بضده
 فساد المنهي عنه
 العموم و صيغه
 التخصيص
 المطلق والمقيد
 المجمل والمتشابه
 الظاهر والمؤول
 المنطوق والمفهوم
 النَّسْخُ
 القياس
 قاعدة اليقين لا يزول بالشك
 قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان
 قاعدة لا يزال الضرر بالضرر
 قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
 قاعدة العجز يُسقط الواجب
 قاعدة المشقة تجلب التيسير
 قاعدة الرجوع إلى العرف في كثير من الأمور
 قاعدة الأصل في العبادات المنع
 قاعدة الأصل في العادات الإباحة
 قاعدة ما دل على مقصود المتعاقدين انعقدت به العقود
 قاعدة المقاصد والنيات تعتبر في المعاملات كما تعتبر في العبادات
 الترجيح عند التعارض بين الأدلة
شرح رسالة مختصرة في أصول الفقه - فرض العين وفرض الكفاية

وَمَا كَانَ طَلَبُ الشَّارِعِ لَهُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِالذَّاتِ؛ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَمَا كَانَ الْقَصْدُ مُجَرَّدَ فِعْلِهِ وَالإِتْيَانَ بِهَ، وَتَبِعَ ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْفَاعِلِ؛ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا فَعَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ؛ كَفَى عَنْ غَيْرِهِ، وَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ؛ أَثِمَ كُلُّ مَنْ عَلِمَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ لاَ يَقُومُ بِهِ عَجْزًا أَوْ تَهَاوُنًا.


ثم انتقل الشيخ إلى مسألة؛ وهي ما وعدت بها سابقا عندما قسّمت الواجب إلى تقسيمات، تذكرون هذا؟ وقلت لكم: إن التقسيم الثالث: تقسيم الواجب باعتبار الفاعل إلى واجب عيني وواجب كفائي، وقلت لكم: إن هذا سيأتي أن الشيخ سيذكره، جئنا إليه الآن، الواجب يقسمه الأصوليون بالنظر إلى فاعله إلى قسمين:

القسم الأول: الواجب العيني ويُسمى فرضَ العين؛ وهو: ما طلبه الشارع من كل مكلف بعينه؛ كالطهارة، والصلاة وبر الوالدين، وصلة الأرحام. هذه كلها واجبات عينية، فلا يصلي أحد عن أحد، ولا يتوضأ أحد عن أحد، ولا يقوم بر الوالدين ببعض الأولاد دون بعض،  فلو قال أحد الأولاد: لعلك يا أخي تقوم بزيارة والدتي وتنوب عني! يكفي أم لا يكفي؟! ما يكفي؛ لأن بر الوالدين من فروض الأعيان..

وهكذا صلة الأرحام، لو اتفق الإخوة على أن أخاهم الأكبر هو الذي يزور عمتهم أو خالتهم؛ ما كفى؛ بل لا بد من كلّ واحد منهم أن يَقوم بالصّلة.

أما فرض الكفاية؛ فهو: ما طلب الشارع حصولَه من غير تعيينِ فاعلِه؛ لأن القصد من الفرض الكفائيّ حصولُ الفعل بغضّ النظر عن الفاعل؛ كالأذان، فالشرع يوجب بغض النظر عن كون الذي يؤذن هو زيد أو عمرو.

والشارع يُوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغض النظر عن القائم به، والقضاء والإفتاء.. وغير هذا من فروض الكفايات التي يُطلب تحصيلها بغضّ النظر عن كون الذي يقوم بها فلانا أو علانا.

يقول الشيخ: (وما كان طلب الشارع له من كل مكلف بالذات؛ فهو فرض عين، وما كان القصدُ مجردَ فعله والإتيان به، وتبع ذلك مصلحة الفاعل؛ فهو فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به المقصود؛ كفى عن غيره).

هذا فيه إشارة إلى أن فرض الكفاية إذا فعله البعض؛ سقط الإثم، وسقطت المطالبة عن الباقين.

قال: (وإن لم يفعله أحد؛ أثم كل من علمه وقدر عليه)؛ لأن فرض الكفاية مُوَجَّهٌ إلى الجميع، فلا يسقط إلا بفعل أحدهم، فإذا ما فعله أحد؛ أثم الجميع، لا يأثم زيد أو عمرو؛ لأنه ليس واجبا على زيد أو عمرو، وإنما يأثم جميع الأفراد الذين يَعنيهم هذا الفرض.

وقوله: (وتبع ذلك مصلحة الفاعل)، هذا فيه إشارة إلى فرق من الفروق بين فرض العين وفرض الكفاية، وهو أن فرض العين ترجع المصلحة فيه إلى الفاعل وفرض الكفاية ترجع المصلحة فيه إلى الجميع، وفيه أيضًا مصلحة للفاعل؛ لأن الفاعل يُثاب، الفاعل الذي يَفعل فرضَ الكفاية يثاب؛ لأنه أدَّى واجبا سقط عن غيره.

إذن: الفائدة أو مصلحة الفاعل لفرض الكفاية هي أصل أم تبع؟ تبع، ومصلحة الفاعل في فرض العين أصل.

ولهذا قال الشيخ في فرض الكفاية: (وتبع ذلك مصلحة الفاعل)، وقال: (قال وإن لم يفعله أحد؛ أثم كل من علمه وقدر عليه). هذا قول الجمهور من أهل العلم، وهو أن فرض الكفاية موجه إلى الجميع وإذا لم يفعله أحد يأثم الجميع؛ لأنهم مطالبون به.

ثم قال: (وهو يصير فرضَ عين في حق من يعلم أن غيره لا يقوم به عجزا أو تهاونا)؛ يعني أن فرض الكفاية قد يصير فرض عين في حق مَنْ يعلم أنّ غيره لا يقوم بهذا الواجب، إما عجزا أو تهاونا.

فمثلا: لو عندنا قرية وهذه القرية بحاجةٍ إلى قاضٍ، ولكن لا يُوجد في هذه القرية من يصلح للقضاء إلا شخص واحد، فما حكم القضاء أو تولّي القضاء بالنسبة لهذا الشخص؟ يكون فرض عين؛ لأن هذا القاضي يعلم أن بقية الرجال الموجودين في القرية كلهم عاجزون عن تولي القضاء.

مثلا: إنسان سقط في ماء وهو في طريقه إلى الغرق إنقاذه فرْض كفاية، لكن لو كان ما يوجد أو ما يعرف من الموجودين السباحة إلا شخص واحد، ماذا يكون حكم الإنقاذ بالنسبة له؟ يكون فرض عين.

في الإسعاف بالمستشفى جئنا بمريض يحتاج إلى إسعاف، وفي الإسعاف خمسة أطباء ما حكم إسعاف المريض بالنسبة للأطباء الخمسة؟ فرض كفاية، إذا قام واحد منهم وأسعف المريض؛ سقط الإثم عن الباقين، لو لم يقم واحد منهم؛ أثم الجميع، لكن لو جئنا إلى إسعاف وما وجدنا إلا طبيبا واحدا؛ فما حكم الإسعاف بالنسبة له؟ يكون فرض عين.

هناك فروق غير الذي مر علينا من فروق، الفرق بين فروض الكفاية وفروض الأعيان أولا يتفقان في الخطاب؛ أنهما يجبان ابتداء، ولهذا قلنا: هذا واجب كفائي، وهذا واجب عينيّ.

إذن: يتفقان في الابتداء؛ يعني أن كلا منهما واجب موجه إليه الخطاب، لكن يفترقان في ثاني الحال، ما هو المراد بثاني الحال؟ أي التنفيذ والفعل، واضح، فيصير فرض العين واجبا على كل مكلف بعينه، وفرض الكفاية ليس واجبا على كل مكلف بعينه. طبعا هنا أنا ذكرت الاتفاق.

إذن: ما بدأنا بالفروق.. الفارق الأول: أن كليهما قد يكون دينيا وقد يكون دنيويا؛ يعني فروض الأعيان هناك ديني وهناك دنيوي، وفروض الكفاية منها دينية ودنيوية.

ففروض الأعيان الديني مثلما مر، وفروض الأعيان الدنيوية؛ مثل الوفاء بالعهود، والعقود، والشروط التي يلتزم بها المكلف، ومثل أداء الأمانات، ومثل رد الودائع، كل هذه تعتبر من فروض الأعيان الدنيوية.

أما بالنسبة إلى فرْض الكفاية مَثَّلْنا فروض الكفاية الدينية، فروض الكفاية الدنيوية؛ مثل: تعلّم العلوم التي تحتاجها الأمة؛ مثل: الطب، والهندسة مثلا، أو العلوم التي جدَّت؛ مثل علوم الحاسب ونحو هذا.. فهذه تعتبر من فروض الكفايات.

الفارق الثاني أو حتى الآن ما بدأنا بالفروق هذا التابع لما يتفقان في أمرين.

الفارق الأول: مرَّ علينا؛ أن فرض العين المصلحة الفاعل، وفرض الكفاية المصلحة للمجتمع، ومصلحة الفاعل تكون تَبَعًا.

الفارق الثاني: أن فرض العين يتكرر وفرض الكفاية قد لا يتكرر؛ مثل إنقاذ الغريق قد لا يتكرر، وإسعاف المريض قد لا يتكرر.

الفارق الثاني: أن مَنْ تَرَكَ فرض العين يُجبر عليه غالبًا ومن ترك فرض الكفاية لا يُجبر عليه غالبًا، نكتفي بهذا.