موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بابُ صَلاة الجماعَة - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
 المقدمة
 فصل فيما يسن للمسلم عند خروجه من البيت إلى الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم إذا دخل المسجد
 بابُ صفة الصلاة-فصل فيما يسن للمسلم عند إقامة الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم في الصلوات السرية والجهرية وأحكام البسملة
 فصل فيما يجب ويسن للمسلم عند قرأة الفاتحة
 فصل في القرأة في الصلوات
 فصل في صفة الركوع والسجود وما يقال فيهما
 فصل في الجلوس للتشهد وصيغه والسلام
 فصل في الذكر بعد الصلاة وما يكره في الصلاة
 فصل في حكم السترة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في واجبات الصلاة
 فصل في واجبات وسنن الصلاة
 فصل في سجود السهو
 باب صلاة التطوع-فصل في أفضل التطوع
 فصل في آكد التطوع وأوقاته وما يقرأ فيه وأوقات النهي
 فصل في آداب حفظ وتلاوة القرآن
 فصل في التطوع المطلق
 فصل في أوقات النهي عن التطوع
 بابُ صَلاة الجماعَة
 فصل فيمن يعذر بترك الجماعة
 باب صَلاة أهل الأعذار
 بَابُ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) - بابُ صَلاة الجماعَة

بَابُ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ

وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ، فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا، حَتَّى فِي خَوْفٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ وَتَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَتُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ. وَالْعَتِيقُ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الأَكْثَرُ جَمَاعَةً، وَكَذَلِكَ الأَبْعَدُ، وَلا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلاَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي نَفْلٍ، وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الإِمَامِ، وَتُجْزِئُ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لِفِعْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِتْيَانُهُ بِهِمَا أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ، وَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ، وَيُسَنُّ دُخُولُهُ مَعَهُ لِلْخَبَرِ، وَلاَ يَقُومُ الْمَسْبُوقُ إِلاَّ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلَّى مَعَهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ » وَلا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَأْمُومٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ فِيمَا لاَ يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ، وأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ لِلأَدِلَّةِ، وَيَشْرَعُ فِي أَفْعَالِهَا بَعْدَ إِمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ، فَإِنْ وَافَقَهُ كُرِهَ، وَتَحْرُمُ مُسَابَقَتُهُ، فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ سَهْوًا رَجَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ بِلاَ عُذْرٍ فَكَالسَّبْقِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ عَجَلَةِ إِمَامٍ؛ فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلاتِهِ، وَقَضَاهَا بَعْدَ سَلامِ الإِمَامِ، وَيُسَنُّ لَهُ إِذَا عَرَضَ عَارِضٌ لِبَعْضِ المَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ أَنْ يُخَفِّفَ، وَتُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا مِنْ فِعْلِ مَا يُسَنُّ. وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ انْتِظَارُ الدَّاخِلِ لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى المَأْمُومِينَ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ أَقْرَأَ مِنْهُ كَأُبَيٍّ وَمُعَاذٍ فَأَجَابَ أَحْمَدُ أَنَّ ذَلِكَ لِيَفْهَمُوا أَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي الإِمَامَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا قَدَّمَهُ مَعَ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» عُلِمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَجَاوَزُونَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَتَعَلَّمَ مَعَانَيَهُنَّ وَالْعَمَل بِهِنَّ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ يَرْفَعُهُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلا يَؤُمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» أي إسلامًا . وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَمْ يُصَلَّى خَلْفَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ إِمَامٍ يَقُولُ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَان بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟! وَلاَ يُصَلَّى خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، وَهُوَ كُلُّ إِمَامٍ رَاتِبٍ إِذَا اعْتَلَّ صَلُّوْا وَرَاءَهُ جُلُوسًا، وَإِنْ صَلَّى الإِمَامُ وَهُوَ مُحْدِثٌ، أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ إِلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلاةِ لَمْ يُعِدْ مَنْ خَلْفَهُ، وَأَعَادَ الإِمَامُ وَحْدَهُ فِي الْحَدَثِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ، وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ. وَالسُّنَّةُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الإِمَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ لَمَا وَقَفَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ أَخَذَ بَأَيْدِيهِمَا فَأَقَامَهُمَا خَلْفَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا صَلاَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِعَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدَ وَهُوَ بَيْنَهُمَا -إِنْ صَحَّ وَقْفُهُ- فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّ الْمَكَانَ كَانَ ضَيِّقًا. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلاَ تَبْطُلُ تَحْرِيمَتُهُ وَإِنْ أَمَّ رَجُلاً وَامْرَأَةً، وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالمَرْأَةُ خَلْفَهُ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقُرْبُ الصَّفِّ مِنْهُ أَفْضَلُ، وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَا تَوَسُّطُ الصَّفِّ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَسِّطُوا الإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ»، وَتَصِحُّ مُصَافَّةُ صَبِيٍّ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ: صَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ خَلْفَنَا، وَإِنْ صَلَّى فَذًّا لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ المَأْمُومُ يَرَى الإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ صَحَّ وَلَوْ لَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَرَى أَحَدَهُمَا إِنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ... وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ الاقْتِدَاءَ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ كَالْمُشَاهَدَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ وَانْقَطَعَتِ الصُّفُوفُ لَمْ يَصِحَّ، وَاخْتَارَ الْمُوَفِّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ الاِقْتِدَاءَ لِعَدَمِ النَّصِّ وَالإِجْمَاعِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ المَأْمُومِينَ... وَلاَ بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنَهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ثِقَاتٍ وَلاَ بَأْسَ بِعُلُوٍّ يَسِيرٍ كَدَرَجَةِ مِنْبَرٍ؛ لِحَدِيثِ سَهْلٍ "أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى وَسَجَد" الحديث. وَلاَ بَأْسَ بِعُلُوِ مَأْمُومٍ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَيُكْرَهُ تَطَوُّعُ الإِمَامِ فِي مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ بَعْدَهَا لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مَرْفُوعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لاَ أَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرٍ، وَلاَ يَنْصَرِفُ الْمَأْمُومُ قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالانْصِرَافِ» وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ اتِّخَاذُ مَكَانٍ فِي الْمَسْجِدِ لاَ يُصَلِّي فَرْضَهُ إِلاَّ فِيهِ؛ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن إِيطَانٍ كَإِيطِانِ الْبَعِيرِ.


 

بابُ صَلاة الجماعَة
 أقلها اثنان في غير جمعة وعيد وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً حتى في خوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ(1) الآية وتفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وتفعل في المسجد . والعتيق أفضل وكذلك الأكثر جماعة وكذلك الأبعد، ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف، وإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الشروع في نفل، وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة، ومن أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، وتدرك بإدراك الركوع مع الإمام، وتجزيء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع لفعل زيد بن ثابت وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه فإن أدركه بعد الركوع لم يكن مدركاً للركعة وعليه متابعته ويسن دخوله معه للخبر ولا يقوم المسبوق إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية فإن أدركه في سجود السهو بعد السلام لم يدخل معه وإن فاتته الجماعة استحب له أن يصلى معه لقوله  صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» ولا تجب القراءة على مأموم لقوله تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة . وتسن قراءته فيما لا يجهر فيه الإمام أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه خروجاً من خلاف من أوجبه لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة ويشرع في أفعالها بعد إمامه من غير تخلف بعد فراغ الإمام فإن وافقه كره، وتحرم مسابقته فإن ركع أو سجد قبله سهواً رجع ليأتي به بعده فإن لم يفعل عالماً عمداً بطلت صلاته، وإن تخلف عنه بركن بلا عذر فكالسبق به، وإن كان لعذر من نوم أو غفلة أو عجلة إمام فعله ولحقه، وإن تخلف بركعة لعذر تابعه فيما بقي من صلاته وقضاها بعد سلام الإمام، ويسن له إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف وتكره سرعة تمنع مأموماً من فعل ما يسن .

 ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أطول من الثانية، ويستحب للإمام انتظار الداخل ليدرك الركعة إن لم يشق على مأموم .

 وأولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله . وأما تقديم النبي  صلى الله عليه وسلم أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه كأبي ومعاذ فأجاب أحمد أن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى، وقال غيره: لما قدمه مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة علم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم، لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من

القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهنَّ وروى مسلم عن أبي مسعود البدري يرفعه «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» .

 ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وفي الصحيحين: «يؤمكم أكبركم» وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» أي إسلاماً .

 ومن صلَّى بأُجرة لم يصلّ خلفه . قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أُصلي بكم رمضان بكذا وكذا فقال: أسأل الله العافية ومن يصلي خلف هذا ؟ ! ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي - وهو كل إمام مسجد راتب - إذا اعتل صلوا وراءه جلوساً، وإن صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه وأعاد الإمام وحده في الحدث ، ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق ويصح ائتمام متوضيء بمتيمم .

 والسنة وقوف المأمومين خلف الإمام لحديث جابر وجبّار لما وقفا عن يمينه ويساره أخذ بأيديهما فأقامهما خلفه رواه مسلم . وأما صلاة ابن مسعود بعلقمة والأسود وهو بينهما فأجاب ابن سيرين أن المكان كان ضيقاً . وإن كان المأموم واحداً وقف عن يمينه وإن وقف عن يساره أداره عن يمينه ولا تبطل تحريمته وإن أمّ رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث أنس رواه مسلم وقرب الصف منه أفضل وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض وكذا توسطه الصف لقوله  صلى الله عليه وسلم: «وَسِّطُوا الإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» وتصح مصافّة صبي لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا، وإن صلى فذّا لم تصح، وإن كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه صح ولو لم تتصل الصفوف وكذا لو لم ير أحدهما إن سمع التكبير لإمكان الاقتداء بسماع التكبير كالمشاهدة وإن كان بينهما طريق وانقطعت الصفوف لم يصح واختار الموفق وغيره أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص والإجماع .

 ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين قال ابن مسعود لحذيفة: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك ؟ قال: بلى . رواه الشافعي بإسناد ثقات ولا بأس بعلو يسير كدرجة منبر لحديث سهل أنه  صلى الله عليه وسلم، صلّى على المنبر ثم نزل القهقرى وسجد، الحديث . ولا بأس بعلو مأموم لأن أبا هريرة صلّى على ظهر المسجد بصلاة الإمام رواه الشافعي، ويكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعدها لحديث المغيرة مرفوعاً رواه أبو داود لكن قال أحمد: لا أعرفه عن غير علي ولا ينصرف المأموم قبله لقوله  صلى الله عليه وسلم: «لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف»، ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي فرضه إلا فيه لنهيه  صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير .

قال الشيخ رحمه الله تعالى: (بَابُ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ، فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ).

أي: أقل ما تنعقد به صلاة الجماعة اثنان، ولو كان امرأتين، أو كان رجلاً وامرأةً، فإن الجماعة تنعقد بهما، وقوله: (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ)؛ لأن الجمعة والعيد في مشهور المذهب يشترط لها عدد، وهو أربعون رجلاً.

قال: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا، حَتَّى فِي خَوْفٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ(2)).

أما وجوب الصلاة على الأعيان فهذا حق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، لَوْلاَ مَا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَةِ»(3)، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحرق البيوت على أمر مسنون، وإنما لم يجعل هذه العقوبة إلا لأمر واجب، بل هو في مرحلة متقدمة من الوجوب، وثبت عند الدراقطني بإسناد على شرط الصحيح -كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز(4)- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ»(5)، مما دل على أن صلاة الجماعة واجبة، وفي المسجد أيضًا.

والأحاديث التي تدل وجوب الجماعة كثيرة، وتتجاوز العشرة، وهي واجبة حضرًا وسفرًا، أما الحضر ففي المسجد -كما سيأتي بعد قليل بيانه- وأما في السفر، أي: إذا كان مع المرء رفقة، وأما إذا كان المرء مسافرًا وحده؛ فإنه لا تجب عليه صلاة الجماعة، فإن السفر في هذه الحالة مسقط لوجوب الجماعة عليه، وقوله: (حَتَّى فِي خَوْفٍ)، سيأتي إن شاء الله في صلاة أهل الأعذار.

قال: (وَتَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ المُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً،).

لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح(6) وغيره، وقوله: (وَتُفْعَلُ فِي المَسْجِدِ)، أي: يجب أن تصلى صلاة الجماعة في المسجد، ولاستظهار هذه المسألة، نقول: إن صلاة المرء جماعةً في المسجد إذا فعلها، فإنه يكون قد أتى بثلاث واجبات:

الواجب الأول: أنه أدى الصلاة في وقتها.

الواجب الثاني: أنه صلاها جماعة.

الواجب الثالث: أنه صلاها في المسجد.

وذكرت لكم ما روى الدارقطني بإسناد على رجال صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلْمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ».

وأما مَن صلى في بيته جماعة، هو وأبناؤه، أو هو وإخوانه.. نحو ذلك، فإنه يكون قد أتى بواجبين، وترك ثالثًا، أتى بصلاة الجماعة، لكنه ترك الصلاة في المسجد، فيأثم إن ترك الصلاة في المسجد، إلا أن يكون له عذر؛ كبُعْدٍ.. ونحو ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى -وهو ابن أم مكتوم(7): «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟»(8)، فإن كان لا يسمع النداء عرفًا، فإنه لا يجب عليه الصلاة في المسجد، وأما إن صلى المرء في بيته وحده، فإنه يكون قد أتى بواجب واحد، وترك واجبين عليه؛ لذلك بعض أهل العلم يقولون: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ صَلاَةَ الْمَرْءِ فِي الْمَسْجِدِ تَعْدِلُ صَلاَتَهُ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ»(9)، أي: في سوقه؛ سواء كان منفردًا أو في جماعة، والله أعلم بصحة هذا الاستدلال.

قال: (وَالْعَتِيقُ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الأَكْثَرُ جَمَاعَةً، وَكَذَلِكَ الأَبْعَدُ).

أي: الصلاة في المسجد العتيق أفضل؛ لأن أفضل المساجد هو الصلاة في البيت الحرام؛ لأنه أول بيت وضع للناس، وفُضِّلَ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على مسجد الضرار، بأنه بُني قبله، وقوله: (وَكَذَلِكَ الأَكْثَرُ جَمَاعَةً)، فقد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأفضل جماعة أفضلُ أجرً(10).

وقوله: (وَكَذَلِكَ الأَبْعَدُ)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا بَنِي سَلَمَةَ: دِيَارَكُمْ؛ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»(11)، وقوله: «دِيَارَكُمْ»، بالنصب، أي: الزموا دياركم، تكتب آثاركم، ولأنه قد ثبت في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ سَيِّئَةٌ»(12).

فكلما كان المسجد أبعد كان أعظم أجرًا له عند الله عز وجل، غير أن الفقهاء هنا استثنوا مسألة، وهو أن المسجد الذي لا تنعقد الجماعة فيه إلا به، تكون أفضل من هذه الأمور جميعًا، فبعض المساجد إذا لم يحضر بعض الناس فيه، فإنه لا تنعقد الجماعة؛ لكون هذا الشخص مثلاً هو الذي يُحسن القراءة وحده، أو أنه لا يحضر في المسجد إلا شخص، بعض المساجد –للأسف- إما لكون عدم وجود جيران للمسجد لا يحضر لصلاة المسجد إلا شخص واحد، فيعلم بعض الناس أنه إن لم يحضر للمسجد؛ فإنه لن تنعقد الجماعة؛ لعدم حضور إلا شخص واحد، فهنا نقول: الأفضل لك أن تحضر في هذا المسجد لكي تنعقد فيه الجماعة.

قال: (وَلا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ).

إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك؛ لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف(13) رضي الله عنهما، فإمام المسجد هو أحق الناس بالصلاة فيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»(14)، وإمام الحي يعتبر ذا سلطان في مسجده؛ لأنه يكون مسؤولاً عنه، وقوله: (الحي)، ليس المقصود بالحي الأحياء التي تعارفنا علينا، وإنما يعنون بالحي المكان الذي يتجمع فيه الناس ويسكنون.

(إِلاَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ)، أي: تأخرًا يشق، فقالوا: يجوز أن يتقدم الشخص عن الإمام بأحد أمرين:

الأمر الأول: إما بالشرط، أو بالإذن النصي أو العرفي، والنص الشرطي أن يقول الإمام للمؤذن مثلاً: اليوم لن أحضر، فتقدم أنت، أو العرفي بأن يقول: أنا يوم السبت لن أحضر، أو إن تأخرت دقيقتين فأقم الصلاة... ونحو ذلك، فهذا يسمى إذن عرفي، فهنا يجوز أن يتقدم غير الإمام في الإنابة عنه.

الأمر الثاني: إذا تأخر تأخرًا يشق على الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر، فأم بعضُ الصحابةِ الصحابةَ رضوان الله عليهم، ثم حضر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، مما يدل على أن التأخر يكون عذرًا لتقدم غير الإمام الراتب.

قال الشيخ: (وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي نَفْلٍ، وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً).

سواءً كان النفل مطلقًا أو مقيدًا، مثل: السنن الرواتب ونحوها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَفْرُوضَةُ»(15)، وحملها الفقهاء على النهي عن الشروع في صلاة جديدة، أي: ابتداء الصلاة.

وقوله: (وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً)، أي: في النافلة، ومشهور مذهب الحنابلة أنه لا ينفتل من النافلة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(16)، وحملوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَفْرُوضَةُ»، على النهي عن ابتداء صلاة جديدة.

قال: (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الإِمَامِ، وَتُجْزِئُ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ)، (وَإِتْيَانُهُ بِهِمَا أَفْضَلُ).

لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقوله: (وَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الإِمَامِ)، تكلمنا عن ذلك سابقًا، وقوله: (وَتُجْزِئُ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ)؛ لفعل زيد بن ثابت(17)، وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، أي: أن المرء إذا دخل مع الإمام وهو في ركوعه، فالواجب عليه فقط تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإحرام يجب أن تكون حال القيام، ولا تكون حال الانتقال، أي في الطريق، فيجب أن يستتم قائمًا في مقامه، فيقف ثم يكبر تكبيرة الإحرام، وإن شاء أتى بتكبيرة ثانية للركوع، واستحبت مراعاةً للخلاف في المسألة، ولكن الواجب عليه تكبيرة واحدة؛ لأن تكبير الانتقال للركوع قد سقطت عنه؛ لأن القيام والقراءة والركن فيها قد سقطت عنه، فكذا الثانية؛ ولأنه لا يشرع فعلان متشابهان متواليين.

قال: (وَإِتْيَانُهُ بِهِمَا)، أي: وإتيانه بالتكبيرتين؛ تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الانتقال للركوع معًا، (أَفْضَلُ)، خروجًا من خلاف مَن أوجبه، وتكلمنا عنها، ولكن الذي يهمنا أن كثيرًا من فقهاء الحنابلة -كما نص ابن عقيل(18) في الواضح في أصول الفقه- يستحبون بعض المسائل مراعاةً للخلاف، ويكرهون بعض المسائل مراعاة للخلاف؛ فيستحبونها مراعاةً لخلاف مَن أوجبها، ويكرهون بعض الأفعال مراعاة لخلاف مَن حرَّمها.

ففي مسألة معينة: هناك مَن أوجبها، مثل: التكبيرة الثانية لمن دخل مع الإمام في الركوع، فمراعاةً لخلافهم قالوا: يستحب.

مع أن استدلالهم بالحديث لا يصح، لكن مراعاة لخلافهم، وكذلك تكره بعض الأفعال مراعاة لخلاف مَن قال من أهل العلم: إنها حرام، ومراعاة الخلاف إنما تكون لمن أوجب أو حرم، ولا تكون مراعاة الخلاف مَن استحب أو كره، ومراعاة الخلاف لها صور: فقد تكون مراعاة الخلاف قبل الوقوع، مثل هذه الصورة، وقد تكون مراعاة الخلاف بعد الوقوع، وتسمى مراعاة الخلاف في الفتوى، وهذه مسألة أخرى.

يقول: (فَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ، وَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ، وَيُسَنُّ دُخُولُهُ مَعَهُ لِلْخَبَرِ).

أي: مَنْ وجد إمامه قد رفع من ركوعه، فإنه -في هذه الحالة باتفاق- لا يكون قد أدرك الركعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ»(19)، وهذا لم يدرك الركوع، كما أنه يستحب أن يدخل مع الإمام، وإن لم يدرك الركعة، وقد جاء عن إبراهيم النخعي(20)-كما في البخاري- أنه قال: لا أعلم أي السجدتين أرجى(21)، أي: إن دخولك مع الإمام وسجودك لهاتين السجدتين، قد تكون أعظم أجرًا عند الله -عزّ وجلّ، وأرجى ثوابًا عنده سبحانه وتعالى، فيسن للمرء أن يدخل مع الإمام، وإن لم يعتد بهذه الركعة.

قال: (وَلا يَقُومُ المَسْبُوقُ إِلاَّ بَعْدَ سَلامِ الإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلامِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ).

لأن التسليمة الثانية ركن أيضًا، فإذا قام قبل التسليمة الثانية يعتبر قد سابق الإمام، وقوله: (فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلامِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ)، بمعنى أن الإمام إذا سلم لسجود السهو بعد السلام لا يدخل المأموم معه؛ لأن الإمام قد خرج من صلاته بالتسليمة الأولى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(22).

قال: (وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلَّى مَعَهُ).

لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ»(23)، وهذا يدل على أنه يجوز تكرار الجماعة في المسجد الواحد، وقد ثبت ذلك من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، ومن فعل الصحابة -رضوان الله عليهم- في حديثين، بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وأما من قال: بأنه لا يجوز تكرار الجماعة في المسجد الواحد، وحملها على هذه الصورة، فهي رواية عن الإمام مالك، ونقلها ابن القاسم(24)كما في مدونة سحنون(25) عنه.

يقول الشيخ: (وَلا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَأْمُومٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(26)، وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ).

قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، وقوله: (وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ)، فأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه، خروجًا من خلاف مَن أوجبه، لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة.

ومسألة قراءة المأموم للفاتحة، هل واجبة أم ليست واجبة؟ مشهور مذهب الحنابلة أنها ليست واجبة على المأموم في الركعات التي يأتم فيها بالإمام، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، واختار الشيخ محمد بن عبد الوهاب -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ- أن الفاتحة إنما تقرأ في الركعات السرية، وأما الركعات التي يجهر فيها الإمام بالقراءة فإنه لا يقرأ فيها بالفاتحة، في ظهر حديث جابر بن عبد الله(27)رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»(28)، وهذا الحديث وإن كان فيه إرسال، إلا أن بعض أهل العلم قد صححه بشواهده؛ كابن كثير في مقدمة التفسير وغيره؛ لذلك فإن اختيار الشيخ محمد أنه تقرأ الفاتحة في السرية أو في الركعات السرية دون الركعات الجهرية، والشيخ إنما استدل على ذلك بمراعاة الخلاف، وتقدم معنى مراعاة الخلاف في المسألة.

يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (وَيَشْرَعُ فِي أَفْعَالِهَا بَعْدَ إِمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ).

أي أن المأمون إذا كان مسبوقًا، فإنه يشرع في قضاء ما فاته من الركعات بعد إمامه، وسيأتي في الأركان بعد قليل، وهنا مسألة تتعلق بهذه الجملة، وهي: هل ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته أم أخرها؟ أي: إذا دخل مع المأموم فأدرك ركعتين مع الإمام، فهل هاتان الركعتان هما أول صلاته أم آخرها؟ فيها قولان:

القول الأول -وهو مشهور المذهب: أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وأن ما سيصليه بعد السلام هو أول الصلاة، واستدلوا بما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»(29)، وفي آخر الحديث قال: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»(30)، والقضاء يحاكي الأداء، وقد فات المأموم أول صلاته، فيجب عليه أن يكون ما يؤديه له حكم أول الصلاة.

القول الثاني: هو اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ، وانتصر له ابن رجب، أن ما أدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته، وأن ما يأتي به هو آخرها؛ لأن الرواية الثانية في صحيح مسلم -وقد مال بعض أهل العلم إلى ترجيحها على الرواية الثانية- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُوا»(31)، وينبني على ذلك مسائل كثيرة جدًّا -كما قال ابن رجب(32)في القواعد(33)- منها:

أنه على مشهور المذهب: من فاتته ركعة فإنه يستحب له إذا قام لأداء الركعة التي فاتته أن يقرأ الفاتحة مع سورة أخرى، وأما على القول الثاني: فإنه يقرأ الفاتحة وحدها.

أيضًا لو فاته ركعتان من المغرب، فعلى القول الأول -وهو مشهور المذهب- فإنه يصلي هاتين الركعتين من غير تشهد، وعلى القول الثاني -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ(34)- فإنه يصلي ركعة، ثم يجلس للتشهد الأول في حقه هو، ثم يقوم فيصلي الركعة الثالثة، وعلى كلٍّ فالخلاف في هذه المسألة خلاف سائغ وسهل، فأيًّا من القولين أخذت فإنه الأمر فيه واسع.

وهذه الجملة قصد بها الشيخ قضية متابعة المأموم للإمام، والمأموم متابعته للإمام لها أربع حالات، هي:

الحالة الأولى: ونبدأ بها باعتبار الأفضلية، وهي المتابعة، ونعني بالمتابعة: أن يأتي المأموم بالركن بعد فعل الإمام له كاملاً، أي: بعد أن يفعل الإمام هذا الركن كاملاً يأتي به المأموم، وعلى ذلك فإن المأموم لا ينتقل لأحد الأركان حتى ينتقل له الإمام بكليته، فلا يسجد المأموم إلا إذا رأى الإمام قد سجد واستقر ساجدًا، أو يسمع الإمام قد انتهى من تكبيرة الانتقال كاملة؛ لأن تكبيرة الانتقال إنما تكون بين الركنين، فانتهاؤه من تكبيرة الانتقال معناه أنه انتهى، وشرع في الركن الذي بعده.

وهنا ننبه إلى مسألة أن بعض الأئمة يمد تكبيرات الانتقال مدًّا كبيرًا، فيوقع الناس في مسابقته، فيقول: الله أكبر، والناس يستعدون لهيئة الركوع أو السجود، فمده هذا يجعلهم يسابقونه، ولو فعل السنة لما أوقع الناس في الحرج، فالسنة الحذف في السلام، فإنه يقتصر فيقول: الله أكبر، بلا مد للصوت.

ومن الأشياء التي تجعل الناس يسابقون الإمام، أن بعض الناس يخالف السنة، فيأتي بتكبيرة الانتقال في غير محلها، مثال ذلك: بعض الأئمة لأجل أن يدرك اللاقط لا يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستتم قائمًا، وهذا غير صحيح، بل إنه عند بعض أهل العلم يبطل الصلاة؛ لأنه أتى بواجب في غير محله، وهو تكبيرة الانتقال، فقد أتى بها بعد انتهاء وقتها، لكن هنا يراعى جهله وخطؤه في المسألة، لكن فعله لخلاف السنة أوقع الناس في خطأ المسابقة.

الحالة الثانية: التراخي عن الإمام، فلا يجوز للمأموم أن يتراخى عن إمامه، وله صورتان:

الصورة الأولى: إن كان التراخي في أثناء الركن الواحد كُرِه، فإذا كان في أثناء السجود وسجد الإمام ثم تأخرت عنه، وهو يطيل في السجود فهذا مكروه ما دام في أثناء الركن، ودليل الكراهة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا»(35)، والفاء تفيد التعقيب، أي أنه يكون عقبه مباشرة.

الصورة الثانية: إذا كان التراخي عنه لأكثر من ركن حرم -وسيأتي تفصيله بعد قليل- ومثاله: أن الإمام يسجد، وأنا ما أزال واقفًا، ثم بعد ذلك يجلس الإمام بين السجدتين، فهنا يحرم.

الحالة الثالثة: موافقة الإمام في الفعل، بأن يفعل المأموم مثل الإمام، فيكبر معه، ويركع معه، ويسجد معه، وهذا ممنوع محرم، لكنه أخف تحريمًا مما بعده.

الحالة الرابعة: مسابقته، بأن يفعل المأموم شيئًا قبل إمامه، فيركع والإمام لم يركع، أو يسجد قبل أن يسجد الإمام، فهذا حرام ويبطل الركن الذي فعله، إذن أصبح عندنا أربع حالات، ولكل واحدة حكمها.

قال: (وَتَحْرُمُ مُسَابَقَتُهُ، فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ سَهْوًا رَجَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ).

وتحرم مسابقة الإمام، (فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ سَهْوًا رَجَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ)، أي: إذا ركع المأموم أو سجد قبل الإمام رجع ليأتي به بعده، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)، أي: لم يرجع عالمًا عمدًا بطلت صلاته؛ لأن الركن لم يأتِ في محله، ومعروف أن التخلف عن الإمام مبطل للصلاة، من فعل شيئًا على خلاف ما فعله إمامه بطلت صلاته؛ لذلك الفقهاء يقولون: إن الإمام إذا فاته التشهد الأول واستتم قائمًا ولم يرجع، لكن المأموم جلس للتشهد، ولم يتابع إمامه في القيام، فإنه تبطل صلاته، والسبب أنه خالف أفعال الإمام، وهذه القاعدة متفق عليها في مشهور المذاهب الأربعة، وتدل هذه القاعدة أن أفعال العباد إذا كانت أكثر من أفعال المأموم فإنها تبطل الصلاة؛ لأن فيها مخالفة.

قال: (وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ بِلا عُذْرٍ فَكَالسَّبْقِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ عَجَلَةِ إِمَامٍ؛ فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلاتِهِ، وَقَضَاهَا بَعْدَ سَلامِ الإِمَامِ).

فإن تأخر عنه فسبق الإمام بركن فأكثر، فإنه يعتبر كالسبق، فيجب عليه أن يأتي بهذا الشيء، فإن لم يأتِ به بطلت الصلاة، وقوله: (وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ عَجَلَةِ إِمَامٍ؛ فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ)، كيف يكون الشخص في صلاته نائمًا ويعذر؟ أليس النوم ناقضًا للوضوء؟ يقول: الشيخ: إن كان الشخص في أثناء صلاته، وتأخر عن الإمام بعذر ففاته ركوع أو سجود بسبب أنه نائم، فكيف نجمع بأن النوم ينقض الوضوء، وبين أن التأخر في أثناء الصلاة بالنوم يجعل الشخص لو فاته ركن أو أكثر بإمكانه أن يتابع؟ وما النوم اليسير على مشهور المذهب؟

هناك أقوال في المقصود بالنوم اليسير وضابطه، ومشهور المذهب أن العبرة بالنوم اليسير والنوم الكثير الذي يكون ناقضًا الهيئة، أي: هيئة النائم، فإن كان نام واقفًا أو راكعًا لم ينتقد وضوؤه ولو طال، لكن لو نائم جالسًا أو متكئًا أو ساجدًا انتقض وضوؤه، فهم ينظرون للهيئة، وهنا كان على خلاف الشرط، ويشكل عليهم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه فنام حتى نفخ، ثم يقوم فلا يتوض(36).

فهنا النبي صلى الله عليه وسلم نام مضطجعًا، ومع ذلك لم ينتقد وضوؤه؛ فلذلك اختيار شيخ الإسلام وهو الأقرب، دلالة أن العبرة ليست بالهيئة، وإنما العبرة بإدراك الشخص من حوله، فإن كان الشخص يعرف مَن حوله فإنه لا ينتقض وضوؤه على أية هيئة كان.

قوله: (وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ عَجَلَةِ إِمَامٍ؛ فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ)، هذه المسألة يتصور لها صورة رابعة، وهو الخطأ، فبعض الأئمة عندما يكون في القنوت يجعل قنوته قبل الركوع، ثم بعد انتهاء القنوت يكبر لركوعه، وبعض المأمومين ينسى فيسجد، ولا ينتبه إلا والإمام يقول: سمع الله لمن حمده، فهنا فاته مع الإمام ركن الركوع، فيقولون: عليه يجب عليه أن يستتم قائمًا، ثم يهوي للركوع، ثم بعد ذلك يتابع إمامه في القيام، لكن من الخطأ إذا كان ساجدًا أن ينتقل من السجود الركوع مباشرة، بل يجب عليه أن يستتم قائمًا؛ لأن الهوي من القيام إلى الركوع واجب، وهنا لم يهوي من قيامه إلى ركوعه، وإنما هوى إلى سجود، وكان مخطئًا فيه.

وقوله: (وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ)، فقهاء الحنابلة يقولون: إن سبقه الإمام بركنين بطلت الركعة، أما ركن واحد فيصح، وهنا لم يذكرها الشيخ، بمعنى أن الشخص لو كان في حال القيام فركع الإمام، ثم قام من ركوعه ثم سجد، نقول: بطلت الركعة؛ لأنه سُبِق بركنين، ففاته الركوع، وفاته القيام من الركوع، لكن الركن الواحد يتساهل فيه.

وقوله: (وَقَضَاهَا بَعْدَ سَلامِ الإِمَامِ)؛ لأنها تكون باطلة، وهذا واضح، فإن تخلف عن ركعة كاملة فإنها تعتبر باطلة، ويتابعه فيما بقي ويبني عليه.

قال: (وَيُسَنُّ لَهُ إِذَا عَرَضَ عَارِضٌ لِبَعْضِ المَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ أَنْ يُخَفِّفَ).

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَمَّ مِنْكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ»(37)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صوت بكاء الصبي فيخفف صلاته.

قال: (وَتُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا مِنْ فِعْلِ مَا يُسَنُّ).

السرعة التي تمنع من فعل المسنون مكروهة؛ كالاقتصار على تسبيحة واحدة في الركوع والسجود، هذا مكروه كراهة شديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك مطلقًا؛ لأن أدنى الكمال ثلاث؛ فلذلك الواجب على الإمام ألا يسرع سرعة شديدة تمنع من فعل ما يسن، وأما السرعة التي تمنع من فعل الواجب فلا شك أنها ممنوعة؛ لأنها لا تنعقد الصلاة بها.

قال: (وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ انْتِظَارُ الدَّاخِلِ لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى المَأْمُومِينَ).

لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ انْتِظَارُ الدَّاخِلِ لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى المَأْمُومِينَ)؛ لما في ذلك من المصلحة للمأموم بأن يدرك الأجر، والمؤمن دائمًا يحرص على أن ينال غيره الأجر تامًّا.

قال: (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ...  فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ).

لما ثبت في الحديث وسيأتي، وأما تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه: كأبيٍّ (38) ومعاذ(39)، فأجاب أحمد: بأن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى، وقال غيره: لما قدمه مع قوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»(40)، عُلِم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئًا من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن.

وروى مسلم عن أبي مسعود البدري(41) يرفعه: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَواءً فَأَعْلَمُهُمُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا»(42)، هذه المسألة: مَن أولى بالإمامة؟ الأولى بالإمامة لا شك الأقرأ، ومعنى الأقرأ: أي الذي يعرف إعراب القرآن ويحسنه، وليس المقصود بالأقرأ الذي يعلم دقائق أحكام التجويد، فإن الغالب من الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا يقرؤون القرآن بلسان العرب، مما يدل على أن دقائق التجويد ليست هي علامة الأقرأ، وإنما الأقرأ: الأعلم بالإعراب، والأجمع للقرآن حفظًا، وأن يكون أجمع في صدره لكتاب الله -عزّ وجلّ.

ووجه الشيخ أن أبا بكر قُدِّم مع وجود أبيٍّ ومعاذٍ أن هذا من باب إماء النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبا بكر هو الخليفة بعده، وقد ذكر أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أومأ إلى خلافة أبي بكر بأمور منها:

تقديمه له في مرض موته صلى الله عليه وسلم، ورفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم غيره، ومنها: سد النبي صلى الله عليه وسلم لكل الخوخات، إلا خوخة أبي بكر -رضي الله عنه- في المسجد(43)، ومنها: أن المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم مَن تسأل إذا لم تجده؟ فقال: «سَلِي أَبَا بَكْرٍ»، فهذه الأحاديث وغيرها، تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أومأ لكون أبي بكر -رضي الله عنه- خليفة بعده، والذي عليه كثير من أهل السنة والجماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم- أومأ لخلافة أبي بكر ولم يصرح بها.(44)

وقوله: (فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ)، المراد بالسنة: أي الأحكام الشرعية، وهي الفقه، وهذا يدلنا على أن الفقه في الحقيقة إنما يؤخذ من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن معرفة السنة فروعًا مجردة من غير معرفة لكلام الله -عزّ وجلّ- وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن المرء بذلك لا يكون فقيهًا على الحقيقة، وإنما يكون جامعًا، والفقهاء يقرون بذلك، فإن الفقه درجات، وعد بعضهم طبقات الفقهاء سبعًا، كما ذكر ابن حمدان(45)في: (صفة المفتي والمستفتي)، من كتب الحنابلة، وذكر ابن الصلاح(46) ذلك، وبعضهم أوصلها إلى ثلاثين طبقة، مثل: ابن كمال باش(47)، وهو من فقهاء الحنفية، فالفقهاء ليسوا في درجة واحدة، فبعضهم يحفظ فروعًا مجردة، ولا يجوز له الإفتاء ولا التعليم، وبعضهم يجوز له التعليم، ولا يجوز له الإفتاء، وبعضهم يجوز له الفتوى بنقل الفتوى، وبعضهم يجوز له الفتوى بنقل الفروع الفقهية، وبعضهم يجوز له التخريج، وبعضهم يجوز له الترجيح، وبعضهم يجوز له الاجتهاد في المسائل، وبعضهم يجوز له الاجتهاد في الأصول.

لذلك هناك كلمة رائعة للإمام الشافعي، وهو من أعظم فقهاء الإسلام، وقد ذكر الإمام أحمد أن هذا الفتى -يعني الشافعي- له منة في أعناق أهل الحديث؛ لأنه عني بفقه الحديث واهتم به، وقاللإسحاق(48) لما أتى مكة: لئن فاتك علم هذا الفتى -يقصد الشافعي- لا تدركه عند غيره، ولئن فاتك حديث بعلو، أدركته عند غير صاحبك بنزول، فيقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى: الفقه كالتفاح الشامي سهل التناول، فكل واحد يستطيع أن يكون فقيهًا، وهذا من تيسير الله -عزّ وجلّ- للناس، فـ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»، كما جاء عند الطبراني(49)(50) فالفقه سهل، لكن بلوغ الدرجة المتقدمة في الفقه تحتاج إلى تعب ونصب، وبذل جهد، وقبل ذلك وبعد توفيق الله -عزّ وجلّ- أخيرا

أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبئك عن تحصيلها ببيان

ذكاء وحرص واصطبار وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان

وأقصد من هذه الجملة أن العناية بالسنة هي عناية بالفقه، وعندما نقول: السنة ليس معناها أن نرمي كلام فقهاء، هذا رأي غير صحيح، بل إن فيها من العلم والفقه الشيء الكثير، ولا ينال المتأخرون العلم إلا بما ناله به المتقدمون، وأما ما جاء عن عمر بن العزيز(51) من النهي عن كتابة الرأي؛ فلكي لا يختلط بالسنة، كما في البخاري(52) أن عمر بن عبد العزيز أمر أبا بكر بن حزم أن يكتب السنة؛ لما خشي اندراسها، وقال: لا تكتب فيها شيئًا من الرأي؛ لكي لا تختلط بالسنة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم- كان يأمر أصحابه بكتابة القرآن، ويمنعهم من كتابة حديث صلى الله عليه وآله وسلم- فالمقصود هو عدم اختلاط هذا بهذا.

وقد تمم الله -عزّ وجلّ- هذا لأمة محمد، فيجب على المرء أن يعنى بالأمرين معًا: الأصل وهو الكتاب والسنة، وأن يعنى بكتب الفقهاء، فإنهم قد حرروا المذاهب ونقحوها، وعرفوا الجمع والفرق، وأصول المسائل والأشباه والنظائر، فجعلوا كل مذهب مستقلاً بنفسه.

والفقه لا يناله المتأخر إلا بما ناله به المتقدم، وما زال الأعلام منذ الأئمة الأول بعد القرون المتقدمة الثلاثة من حين أفصلت المذاهب يأخذون العلم عن طريق المذاهب، فليس لك الحق أن تقول: إن المذهب الفلاني أفضل من المذهب الفلاني، وقد ذكر ابن مصلح عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ -كما في كتاب الفروع- أن من قال: إن الحق في مذهب فلان من الأربعة أو غيرهم دون غيره، أنه يخشى عليه الكفر؛ لأنه خص الدين بمذهب واحد، وإنما تعنى بالمذهب الذي في بلدك، وعليه الأشياخ، فتتفقه عليهم، ولا تأتي بغريب، ثم بعد ذلك يتفقه في هذا المذهب، فإن رزقت فهمًا وسعة اطلاع وحسن اجتهاد، فبإمكانك أن تنظر في الخلاف، سواء العالي أو النازل، وتقول بما يسر الله -عزّ وجلّ- لك، وليعلم المرء أنه كلما ازداد علمًا كلما ازداد رهبة للاجتهاد وخوفًا منه، وقد ذكر الإمام الشافعي أن الفقه أربعة أرباع:

الربع الأول: مَن تعلمه وظن أنه أعلم الناس، فاجتهد في كل مسألة، وصحح وضعف، وقوم غيره من العلماء، وهو أقلها.

الربع الثاني: إذا تعلمه المرء وعلم أنه قد فاته بعض العلم، فأراد أن يزداد في العلم.

الربع الثالث: إذا تعلمه المرء علم أن ما فاته أكثر بكثير مما أدرك، فهنا يهاب ويخاف؛ لذلك الإمام أحمد كان في كثير من الأحيان إذا سئل قال: لا أدري، لا أدري، فلما قيل لأبي بكر الأثرم(53): لماذا يكثر أحمد من: لا أدري؟ فقال: لعلمه بالخلاف، فمن علم الخلاف، ورأي كلام أهل العلم هاب الفتوى، ناهيك عن أن يهاب الاجتهاد والتصدر في المسائل، والمرء إنما هو موقع عن الله -عزّ وجلّ- ومخبر عن شرعه، فيتقي الله -عزّ وجلّ- في نقله، فإن بعض الناس ينقل القول على غير وجهه، ناهيك عمَّن يتجرأ ويجتهد في كل مسألة، وكأنه حاز قصب العلم، ومنتهى السبق في الفقه!

الربع الرابع: لا يناله أحد، إذ العلم لا منتهى له، والناس إنما يتفاوتون في الثالث والثاني، تقدمًا وتأخرًا فيه.

يقول الشيخ -رحمه الله تعالى: (فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلا يَؤُمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ).

قوله: (فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا)، أي: أكبرهم سِنًّا، وقوله: (فِي سُلْطَانِهِ)؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- في الصحيح، فلا يجوز لشخص أن يتقدم على شخص ولا يجلس على تكرمته، أي: المكان الذي يجلس هو فيه (إِلاَّ بِإِذْنِهِ)، والنبي صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين لما دخل منزل عتبان(54)، وقال له عتبان: أريدك أن تصلي لي صلاة لأجعلها للمصلى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ أُصَلِّي»(55)، فدلنا ذلك على أن المرء إذا دخل بيت أحد فلا يجلس في مكان حتى يعلم أن صاحب البيت أذن له، إما بنصه أو بعرفه، بأن يكون المجلس كله كراسي فيجلس في المكان الذي جعل للناس ليجلسوا فيه.

قال: (وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»(56)).

أي: سنًّا، وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُكُمْ سِلْمًا»(57)، إي: إسلامًا، ومسألة تقديم الأكبر مهمة، فالشرع عني بتقديم الأكبر كثيرًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا»(58)، فإجلال الكبير وتعظيمه مقصود شرعًا، والأكبر مقدم شرعًا في كثير من الأحكام، فهو مقدم في مسألة الإمامة، كما في الحديث الذي معنا، ومقدم في أخذ العلم، فقد جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: لا تزال هذه الأمة بخير ما أخذوا العلم عن الأكابر، أي: أكابر السن، فالأمة لا تزال بخير ما أخذوا العلم عن أكابر السن، الذين أمضوا أعمارهم وكدوا سنين حياتهم في أخذ العلم، ولأن كبر السن قرينة بأمر الله -عزّ وجلّ- على التوفيق فيه؛ لذا يقول ابن قتيبة(59)-ونقلها عنه الخطيب البغدادي(60) في نصيحته لأهل الحديث- قال: لا يكن شيخك شابًّا، وإن كان محدثًا، وإن كان مسند دهره، أي: وإن كان مسند عصره وإمام عصره، فإن الشاب لا يؤمن عليه الفتنة، ولا الهوى، وهذا بيِّن، فإن كثيرًا من الشباب تتغير آراؤهم بين الفينة والفينة.

وتتعدد اجتهاداتهم، ولم تستقر قدمهم على مقام واحد في الفقه، بينما إذا تقدم المرء في السن فإنه يكون أسلم طريقة لأمر الله -عزّ وجلّ، وقد ذكر ابن الجوزي(61)-رحمه الله تعالى- عن إمامنا أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- أن رجلاً من المحدثين قال: دخلت بغداد سنة مائتين وثلاث من الهجرة، فسألت عن أحمد، فقيل: إن أحمد في بيته لا يحدث، ثم جئت سنة أربع ومائتين من الهجرة، فسألت عن أحمد، فإذا هو في جامع المنصور، وإذا حلقته أكبر الحلقات، قال ابن الجوزي أبو الفرج في مناقب أحمد: وفي هذه السنة أتم الإمام أحمد أربعين سنة، فالمقصود أن المرء يعنى بالأخذ عن المشايخ الأكبر سنًّا، الذين ابيضت لحاهم في طلب العلم، وفي بذله وتحصيله، فإن الأخذ عنهم علامة التوفيق بأمر الله -عزّ وجلّ.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا»(62)، بيَّن الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعنى فقال: أي: أقدم إسلامًا.

يقول الشيخ: (وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَمْ يُصَلَّى خَلْفَهُ).

قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أصلي بِكُم رمضان بكذا وكذا! فقال: أسال الله العافية، ومَن يصلي خلف هذا! يقول الفقهاء: إنه لا يجوز أخذ الأجرة على أعمال القُرَب، ومن أعمال القرب الصلاة بالناس والآذان، وتعليم الناس القرآن، وكان السلف -رحمه الله تعالى- يشددون في ذلك؛ لأن أعمال القرب ليست من الأعمال التي تقوَّمُ بأعمال الدنيا؛ لأنها لو كانت تقوم بالأموال لما كان للشخص أجر عند الله -عزّ وجلّ؛ لذلك فإنه لا يجوز أخذ الأجرة على أعمال القرب، سواء كانت إمامة أو أذانًا أو تعليمًا للناس القرآن أو الرقية.

حتى الرقية لا يجوز أخذ الأجرة عليها، لكن يجوز أخذ الجعل، وخاصة إن كان الجعل من إمام، أو وقف فإنه يجوز، وما زال عمل المسلمين على ذلك منذ القدم، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري(63)-رضي الله عنه- أنه عندما رقى اللديغ، اشترط أن يجعل له جعلاً، فتحرجوا من ذلك؛ لأنه على قربة، فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهم ذلك، وقال: «وَاقْسِمُوا لِي سَهْمًا»(64)، فدل على أن الجعل يجوز، بينما الأجرة لا تجوز.

والفرق بين الجعل والأجرة فرق كبير جدًّا، سواء من حيث الصفة أو من حيث الأثر، أما الفرق من حيث الصفة: فالجعل هو أجرة -إن صح التعبير- على النتيجة، فالذي رقى اللديغ أخذ الأجرة على الشفاء، ولم يأخذها على قراءة القرآن، وأما الأجرة فإنها تكون على العمل، مثل: أنك تحمل لشخص حطبًا، فحمل الحطب هذا عمل، فالأجرة تكون على العمل، والجعالة تكون على النتيجة.

أما من حيث الاستحقاق: فلا يستحق العامل في الجعالة شيئًا إلا بإتمام العمل، بينما في الإجارة تتجزأ بتجزأ ما فعل، ومن حيث الضمان والجواز واللزوم.. وغير ذلك من الأحكام، وقد ذكر أهل العلم أنه يجوز الصيرورة إلى القول الضعيف لحاجة، فمن أهل العلم مَن أجاز أخذ الأجرة على الإمامة، فدل ذلك على أنه تجوز الصيرورة لهذا القول حفظًا لمساجد المسلمين، إن لم يكن في تلك البلد إمام يصلي بالناس.

لكن لا شك أن مَن لا يأخذ أجرة أعظم أجرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَتَّخِذْ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا»(65)، فهو أعظم أجرًا عند الله -عزَّ وجلَّ، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ يَغْزُونَ فَيَغْنَمُونَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ»(66)، مما يدل على أن مَن يعلم العلم والقرآن، أو يعمل شيئًا من القربات لله -عزّ وجلّ- من غير أجرة ولا جعالة، أنه أعظم أجرًا عند الله -عزّ وجلّ.

قال: (وَلا يُصَلِّي خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، وَهُوَ كُلُّ إِمَامٍ رَاتِبٍ إِذَا اعْتَلَّ صَلُّوا وَرَاءَهُ جُلُوسًا).

فلا يجوز للشخص أن يصلي خلف عاجز عن القيام؛ لأن مَن صلى خلف عاجز عن القيام؛ فإنه يجب عليه أن يصلي جالسًا، فيكون قد ترك ركنًا من أركان الصلاة كالقيام.. ونحوه، ولا يجوز تركها من غير عذر، أو سبب موجب؛ لذلك لا يجوز أن يُصلَّى خلف مَن هو عاجز عن القيام، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَإِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا»(67)، وذكرت المذهب في هذه المسألة.

وقوله: (إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ)، وهو كل إمام راتب، فيجوز أن يصلى خلفه وإن كان عاجزًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم- صلى بالناس -وهو الإمام الراتب- جالسًا، فصلى خلفه الناس قيامًا، وفي حديث أبي بكر أنه لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا أشار لهم أن اجلسوا، فقال: «وَإِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا»(68)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام الراتب.

وقوله: (وَهُوَ كُلُّ إِمَامٍ رَاتِبٍ إِذَا اعْتَلَّ صَلُّوا وَرَاءَهُ جُلُوسًا)، أي: إذا افتتح صلاته جالسًا، وأما إذا فتح صلاته قائمًا، ثم عرض عليه عارض، فإنه يصلي جالسًا ويصلي المأمومون خلفه قيامًا، وهذا هو مشهور مذهب الإمام أحمد جمعًا بين الأدلة، وظاهر السنة العمل بالحديثين معًا.

قال: (وَإِنْ صَلَّى الإِمَامُ وَهُوَ مُحْدِثٌ، أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ إِلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلاةِ لَمْ يُعِدْ مَنْ خَلْفَهُ، وَأَعَادَ الإِمَامُ وَحْدَهُ فِي الْحَدَثِ).

هذه المسألة خالف فيها الشيخ -رحمه الله تعالى- مشهور المذهب، وهي مسألتان:

المسألة الأولى: إذا صلى الإمام وعليه نجاسة، والنجاسة تكون في ثلاثة أمور: إما في بدن الإمام، أو في ثوبه الذي يتحرك بحركته، أو في موضع سجوده -أي: في البقعة التي يصلي فيها- ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة، فإن صلاته صحيحة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة، فخلع نعله، فخلع الصحابة -رضوان الله عليهم- نعالهم، فلما انفتل من صلاته قال: «إِنَّ جِبْرَائِيلَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- أَتَانِي آنِفًا، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِي نَعْلِي أَذًى»(69)، أي: نجاسة، فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم ببطلان الركعات الأُوَل، مع أنه كان في نعله نجاسة، هكذا مَن صلى حتى انتهت صلاته وهو عليه نجاسة، فإنه لا يحكم بفساد صلاته، والحديث صريح في هذا.

المسألة الثانية: إذا كان محدثًا وصلى، ولم يعلم إلا بعد انتهاء صلاته، وسأذكر المذهب، ثم أذكر ما رجحه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المذهب: أنه يفرق بين حالتين:

الحالة الأولى: أنه إذا ابتدأ الصلاة محدثًا فإن صلاته وصلاة المأمومين خلفه باطلة، ودليلهم على أنها باطلة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»(70)، فهذا نفي بالكلية، فلا تقبل صلاته، فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين، بخلاف النجاسة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: لا تقبل صلاته.

الحالة الثانية: إذا كان الحدث في أثناء الصلاة، أي: استطلقت ريح من الإمام فانتقض وضوؤه، فهنا الإمام يستخلف، وأول صلاته صحيح، فإن استمر في صلاته بطلت صلاته، وبطلت صلاة المأمومين، هذا هو المذهب.

أما ما رجحه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هو ما ذهب له شيخ الإسلام ابن تيمية، أن المحدث إذا لم يعلم بعد انتهاء الصلاة، إنما تفسد صلاة الإمام وحده دون صلاة المأمومين، سواءً كان في الحالة الأولى أو في الحالة الثانية، ولا فرق بين الحالتين.

وقوله: (وَأَعَادَ الإِمَامُ وَحْدَهُ فِي الْحَدَثِ)، أما في النجاسة فلا يعيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد، وحملوا حديث أبي هريرة: «لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأُ»(71)، على الإمام وحده.

قال: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ، وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ).

قوله: (يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ)، أي: بسبب حق كديانة ونحوها، وقوله: (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ)؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ»(72)... الحديث، وهنا المقصود بالكراهة كراهة الحق، أما الكراهة التي تقع بين النفوس: من التحاسد.. ونحوه، فإنها غير معتبرة، وقوله: (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ)؛ لأنه مرتفع حدثه، وليس هذا له تعلق بالإباحة.

قال: (وَالسُّنَّةُ وُقُوفُ المَأْمُومِينَ خَلْفَ الإِمَامِ).

لحديث جابر(73) وجبار(74)، لما وقفا عن يمينه ويساره صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيديهما فأقامهما خلفه(75)، وحديث جابر وجبار(76)، وكذا حديث ابن عباس(77) يدلان على أن السنة أن يكون المأمومون خلفه، وليس واجبًا، ومما يدلنا على أنه من السنة أنهما وقفا عن جنبه، ثم أرجعهما، ولو كان واجبًا لما صحت ابتداء صلاتهم عن يمينه وعن شماله، فدل ذلك على أن وقوف المأمومين خلف الإمام سنة، ووقوفهم بجانبه خلاف السنة، ووقوفهم أمامهم مبطل للصلاة.

قال: (وَأَمَّا صَلاةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِعَلْقَمَةَ(78) وَالأَسْوَدَ(79) وَهُوَ بَيْنَهُمَا) إِنْ صَحَّ وَقْفُهُ(80).

وقف بينهما، فأجاب ابن سيرين(81) أن المكان كان ضيقًا، أو أنه يدل على الجواز، وليس على السنية، والحديث فيه مقال، لذلك قال: (إن صحَّ)، ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إن صح وقفه.

قال: (وَإِنْ كَانَ المَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلا تَبْطُلُ تَحْرِيمَتُهُ).

لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه لما رأي النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا في صلاة الليل، عندما بات في بيت ميمونة، قال: فصففت عن يساره، فأخذ برأسي من وراء ظهره، ثم جعلني عن يمينه(82)، فهنا انعقد التحريم، وهو أنه وقف عن يساره، مما يدل على أن الوقوف على اليسار ليس ممنوعًا على الإطلاق، والوقوف على اليمين هو السنة، وبعض الناس يقول: إن السنة أن يتأخر المأموم عن الإمام قليلاً، وهذه لم يرد فيها نص عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: (وَإِنْ أَمَّ رَجُلاً وَامْرَأَةً، وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالمَرْأَةُ خَلْفَهُ، وَلا تُصَافُّ المَرْأَةُ الرَّجُلَ).

لأن مصافة الرجل الواحد تكون عن اليمين، (وَالمَرْأَةُ خَلْفَهُ)؛ لحديث أنس(83) أنه قال: صففت أنا واليتيم خلف النبي صلى الله عليه وسلم والعجوز من ورائن(84)، فالمرأة تصف -ولو كانت وحدها- صفًّا مستقلاًّ، وقوله: (وَلا تُصَافُّ المَرْأَةُ الرَّجُلَ)؛ لأن المرأة لا تصاف الرجل مطلقًا، ولو كانت محرمًا له فلا تكون معه في صف واحد.

قال: (وَقُرْبُ الصَّفِّ مِنْهُ أَفْضَلُ، وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَا تَوَسُّطُ الصَّفِّ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَسِّطُوا الإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ»، وَتَصِحُّ مُصَافَّةُ صَبِيٍّ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ: صَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ خَلْفَنَا، وَإِنْ صَلَّى فَذًّا لَمْ تَصِحَّ).

قوله: (وَقُرْبُ الصَّفِّ مِنْهُ أَفْضَلُ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الدنو(85)، والدنو يشمل الدنو من الإمام باعتبار الصف الأول؛ لأنه الأفضل من الصف الثاني، ويشمل دنو الصف الأول من الإمام، وقوله: (وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)؛ لأن قرب الصفوف من بعض يكون فيه سماع للصوت، ورؤية للأفعال، وقوله: (وَكَذَا تَوَسُّطُ الصَّفِّ)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَسِّطُوا الإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ»(86)، أما قوله: «وَسِّطُوا الإِمَامَ»، فإن الحديث فيه ضعيف.

وقوله: (وَتَصِحُّ مُصَافَّةُ صَبِيٍّ)؛ لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز خلفن(87)، ولا يسمى المرء يتيمًا إلا إذا كان دون سن البلوغ، فهنا صفَّ مع صغير، ولو كانت مصافة اليتيم لا تصح لصف أنس بجانب النبي صلى الله عليه وسلم كأنه شخص واحد، والمشهور من المذهب أن المصافة التي تصح، إنما تكون ممن كان فوق سن التمييز، أي: فوق السابعة أو السادسة، فمن كان دونها فإنه لا تصح مصافته.

وقوله: (وَإِنْ صَلَّى فَذًّا لَمْ تَصِحَّ)؛ لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صلاة الفذ خلف الصف(88)، وفي رواية عن الإمام أحمد بإسناد صحيح أنه أمر بإعادة صلاة الفذ خلف الصف(89)، فدلَّ على أن مَن صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة، ويجب عليه إعادتها، والحديث صريح بوجوب الإعادة.

قال: (وَإِنْ كَانَ المَأْمُومُ يَرَى الإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ صَحَّ ولو لَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَرَى أَحَدَهُمَا إِنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ... وَاخْتَارَ المُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ الاقْتِدَاءَ).

بإمكانه الاقتداء بسماع التكبير كالمشاهدة، وإن كان بينهما طريق قاطعة الصفوف لم تصح، وقوله: (وَاخْتَارَ المُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ الاقْتِدَاءَ)؛ لعدم النص والإجماع، وهذه مسألة مهمة وهي: مَن يصح له الاقتداء بالإمام؟ يقول الفقهاء: إن مَن يقتدي بالإمام له حالتان:

 الحالة الأولى: أن يكون في داخل المسجد -أي: المأموم- ويسمع التكبير ولو بمبلغ، فقد لا يسمع صوت الإمام، لكن يسمع صوت المبلغ، كأبي بكر عندما بلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم فهنا يصح الائتمام، مثال ذلك: لو كان النساء في مصلى بعيدات عن الرجال لكنهن يسمعن صوت الإمام بالتكبير عن طريق الميكروفون، فإنه حينئذ يصح الائتمام.

أو أن يكون في داخل المسجد، ويرى المأموم الصفوف أمامه -فلا يشترط أن يرى الإمام- وإن لم يسمع الصوت، فيراهم يقومون ويركعون ويسجدون... ونحو ذلك، فحينئذ يصح الائتمام؛ لأنه بالرؤية يعرف قيامهم وقعودهم وسجودهم... ونحو ذلك، وبإمكان أحد الرائين أن يبلغ الباقين عما يراه فيصح الإتمام، وهذا إذا كانوا في داخل المسجد.

أما إذا انعدم الوصفان فإنه لا يصح الائتمام، مثاله: عندما يكون المصلون في قبو المسجد، وينقطع مكبر الصوت (الميكروفون)، سواء قبل الإقامة أو في أثنائها، فإنه حينئذ لا يصح ائتمامهم بالإمام؛ لأنهم لا يرون الصفوف التي تأتم بالإمام، وإن كانوا كثيرين ولا يسمعون صوته ولا صوت مبلغ عنه، فحينئذ ينفتلون منه إن كانوا لم يدركوا أول الصلاة، ويصلون: إما جماعة أخرى، أو كل واحد على حدة، وإن كان في أثناء الصلاة فيجوز لهم الأمران: إما أن يقدموا أحدهم ليتم بهم الصلاة، أو أن ينفتل كل واحد منهم فيصلي وحده، وهذان الأمران روايتان في المذهب منصوص عليهما.

الحالة الثانية: إذا كان المأموم خارج المسجد، كأن يكون في الفضاء الذي خارج المسجد.. ونحو ذلك، فهنا يصح ائتمام المأموم بالإمام في خارج المسجد بشرط واحد -ليس بوصفين مثل داخل المسجد- وهو اتصال الصفوف، فيجب أن تتصل الصفوف، ومعنى اتصال الصفوف ألا يكون بين المأمومين الذين في خارج المسجد، وبين المأمومين الذين في داخل المسجد طريق سالك، أو ما فيه حكمه كنهر يجري، فإن كان بينهم فاصل كطريق، فإنه حينئذ لا يصح الائتمام، وبعض المساجد يجعلون مصلى النساء في خيمة، ويفصل بينها وبين المسجد شارع، نقول: الائتمام لا يصح.

قال: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ المَأْمُومِينَ... وَلا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ).

قال ابن مسعود لحذيفة(90): ألم تعلم أنهم ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، رواه الشافعي بإسناد ثقات(91)، ولا بأس بعلو يسير كدرجة منبر؛ لحديث سهل(92) أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر، ثم نزل القهقرى وسجد... الحديث(93)، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر، كان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات، وسجد -عليه الصلاة والسلام- في أصل منبره.

وقوله: (وَلا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ)، كأن يصلي في الدور الثاني ونحو ذلك؛ لأن أبا هريرة صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، رواه الشافعي(94).

(وَيُكْرَهُ تَطَوُّعُ الإِمَامِ فِي مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ بَعْدَهَا... وَلا يَنْصَرِفُ المَأْمُومُ قَبْلَهُ).

لحديث المغيرة مرفوعًا، رواه أبو داود(95)، لكن قال أحمد: ولا أعرفه عن غير عليٍّ، وقوله: (وَلا يَنْصَرِفُ المَأْمُومُ قَبْلَهُ)؛ لقوله –صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالانْصِرَافِ»(96)، قلنا: إن المراد بالانصراف أحد أمرين: إما السلام وهذا واجب، وإما: القيام من مكانه، وقلنا: إن هذه سنة، ونقل

ابن رجب(97)-رحمه الله تعالى- في فتح الباري عن كثير من السلف استحباب ذلك؛ ولذلك قالوا: يستحب للإمام ألا يطيل في مكانه.

قال: (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ اتِّخَاذُ مَكَانٍ فِي المَسْجِدِ لا يُصَلِّي فَرْضَهُ إِلاَّ فِيهِ).

لنهيه صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير، فيكره للمرء أن يكون في موضع واحد لا يتغير، وقالوا في قول الله -عزّ وجلّ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا(98)، جاء في بعض الآثار -وإن كان فيه نظر: أن معنى إخراج الأرض أثقالها: أن تشهد للعبد بأنه صلى في موضع كذا وموضع كذا.


(1) النساء: 102

(2) النساء: 102.

(3) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (644، 657، 2420، 7224) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف... (651) بنحوه، من حديثأبي هريرة -رضي الله عنه.

(4) عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن باز. الشيخ العلامة الداعية الفقيه الزاهد. ولد في الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاث مئة وألف بمدينة الرياض، وكان بصيرا ثم أصابه مرض الجدري المنتشر في تلك الفترة، وضعف بصره ثم فقده عام خمسين وثلاث مئة وألف. حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض، ولما برز في العلوم الشرعية واللغة؛ عُين في القضاء. وشغل الإفتاء إلى أن مات -رحمه الله- قبيل فجر الخميس في السابع والعشرين من المحرم سنة عشرين وأربع مئة وألف. من مؤلفاته: "الفوائد الجلية في المباحث الفرضية"، و"التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة"، وغيرها كثير. انظر: علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (1/77) وله ترجمة موعبة في موقعه على الشبكة العنكبوتية.

(5) صحيح: أخرجه الدارقطني (1/ 420) قال الألباني في مشكاة المصابيح (1077): صحيح.

(6) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (645) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف (650) بنحوه، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما.

(7) ابن أم مكتوم القرشي العامري. مختلف في اسمه؛ فأهل المدينة يقولون: عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي، العامري. وأما أهل العراق؛ فسموه عمرًا. وأمه أم مكتوم هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية. من السابقين المهاجرين، وكان ضريرا، مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بلال، وسعد القرظ، وأبي محذورة، مؤذن مكة. هاجر بعد وقعة بدر بيسير. مات بالمدينة، وقيل: استشهد في القادسية. انظر الاستيعاب (ص:380 ترجمة 1299) وأسد الغابة (3/ 346 ترجمة 3136).

(8) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء (653) والنسائي: كتاب الإمامة، باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن... (850) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(9) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب الصلاة في مسجد السوق (477،647،2119) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف (649) بنحوه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(10) حسن: أخرجه أحمد في مسنده (21265) أبو داود: كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة (554) النسائي: كتاب الإمامة، باب الجماعة إذا كانوا اثنين (843) بمعناه، من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن.

(11) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد (665) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه.

(12) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب الصلاة في مسجد السوق (477،647،2119) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات (666) بنحوه.

(13) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو محمد. أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، القرشي الزهري. وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام. كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو. ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين. كان رجلا طوالا، حسن الوجه، رقيق البشرة، فيه جنأ، أبيض، مشربا حمرة، لا يغير شيبه. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. انظر: الاستيعاب (ص: 442 ترجمة 1530) والإصابة (4/ 346 ترجمة 5183).

(14) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه.

(15) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن (710) بنحوه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(16) محمد: 33.

(17) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة. أبو سعيد، وأبو خارجة. الخزرجي، النجاري الأنصاري. الإمام الكبير، شيخ المقرئين، والفرضيين، مفتي المدينة، كاتب الوحي -رضي الله عنه. ولد في السنةِ الثانيةِ للهِجرة، وتوفي سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية. انظر: الاستيعاب (ص: 245 ترجمة 805) وأسد الغابة (2/ 346 ترجمة 1824).

(18) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، أبو الوفاء الحنبلي، العلامة البحر، شيخ الحنابلة، المتكلم، صاحب التصانيف، كان يسكن الظفرية، ومسجده بها مشهور. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة ثلاث عشرة وخمس مئة. له من المؤلفات: "الواضح"، و"الفنون". انظر: سير أعلام النبلاء (19/ 443 ترجمة 259) والذيل على طبقات الحنابلة (1/ 316 ترجمة 67).

(19) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة (580)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة من الصلاة (607)، بمعناه، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ.

(20) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع، أبوعمران النخعي. الإمام، الحافظ، فقيه العراق. وهو ابن مليكة أخت الأسود بن يزيد. وقد دخل على أم المؤمنين عائشة وهو صبي. قال ابن حجر في التقريب: ثقة إلا أنه يرسل كثيرا. مات سنة ست وتسعين ومئة، وله سبع وخمسون سنة. انظر: تهذيب الكمال (2/ 233 ترجمة 265)، وسير أعلام النبلاء (4/ 520 ترجمة 213).

(21) لا أجده، بل لعل الصواب أن يقال: الأفضل أن تدخل مع الإمام ثم تقضي ما فاتك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أخرجه البخاري (635)، مسلم (602). ووجه للجنة الدائمة للإفتاء هذا السؤال:  (ذهبت مرة للجامع لصلاة العصر حيث وجدت المصلين قد أدوا ثلاث ركعات والباقي واحدة شرعوا فيها بالفعل وسجدوا، هل علي أن ألحق بهم أو أنتظر حتى يفرغوا؟
الجواب:
المشروع في مثل حالتك أن تلحق بهم، فما أدركت معهم فصل وما فاتك فاقض، وإذا كان لحوقك بهم بعد الرفع من ركوع آخر ركعة فالحق بهم واقض صلاتك كلها بعد تسليم الإمام، لما رواه أبو داود رحمه الله (893) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود؛ فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة). ولعموم ما رواه الشيخان البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا تيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ووجه لها سؤال آخر فيه:
من أدرك التشهد الأخير وقبل تسليم الإمام هل يعتبر أدرك فضل صلاة الجماعة أم أجر المنفرد, وما هو الأفضل إذا دخل المسجد والإمام في التشهد الأخير هل يكمل التشهد أو الأفضل ينتظر أشخاصًا قادمين ليصلوا معه؟
الجواب: لا يعتبر من أدرك مع الإمام التشهد الأخير من الصلاة مدركًا للجماعة, لكن له ثواب بقدر ما أدرك مع الإمام من الصلاة, وإنما يعتبر مدركًا للجماعة من أدرك مع الإمام ركعة على الأقل, لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
والأفضل له أن يدخل مع الإمام لعموم حديث: "ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فاقضوا" رواه البخاري (635) ومسلم (602). وبالله التوفيق) اهـ. من "فتاوى اللجنة" (7/ 319-320). والله تعالى أعلم.

(22) حسن صحيح: أخرجه أحمد في المسند (1006، 1072)، أبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء (61)،والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (3)، وابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة الطهور (272) من حديث علي -رضي الله عنه-، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح

(23) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (11019، 11613، 11808)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في الجمع في المسجد مرتين (574)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: إسناده صحيح. من حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب من حديث أبي أمامة.

(24) عالم الديار المصرية ومفتيها عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة أبو عبد الله العتقي. صاحب مالك الإمام. ولد ابن القاسم سنة اثنتين وثلاثين ومئة. روى عن مالك، وعبد الرحمن بن شريح، ونافع بن أبي نعيم المقرئ، وبكر بن مضر، وطائفة قليلة. وعنه: أصبغ، والحارث بن مسكين، وسحنون، وعيسى بن مثرود، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وآخرون. وكان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، وقيل: كان يمتنع من جوائز السلطان، وله قدم في الورع والتأله. وكان يختم كل يوم وليلة ختمتين. قال ابن حجر في التقريب: ثقة. توفي في صفر سنة إحدى وتسعين ومئة، وعاش تسعا وخمسين سنة. انظر: تهذيب الكمال (17/344 ترجمة3930)، سير أعلام النبلاء (9/120 ترجمة 39).

(25) الإمام العلامة، فقيه المغرب، أبو سعيد، عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة بن عبد الله التنوخي، الحمصي الأصل، المغربي القيرواني المالكي، قاضي القيروان، وصاحب "المدونة"، ويلقب بسحنون. ولد سنة ستين ومئة. ارتحل وحج. وسمع من: سفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ووكيع بن الجراح، وأشهب، وطائفة. ولم يتوسع في الحديث كما توسع في الفروع. لازم ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، حتى صار من نظرائهم. وساد أهل المغرب في تحرير المذهب، وانتهت إليه رئاسة العلم. وعلى قوله المعول بتلك الناحية، وتفقه به عدد كثير. وكان قد تفقه أولا بإفريقية على ابن غانم وغيره. وكان ارتحاله في سنة ثمان وثمانين ومئة، وكان موصوفا بالعقل والديانة التامة والورع، مشهورا بالجود والبذل، وافر الحرمة، عديم النظير. توفى في رجب سنة أربعين ومئتين، وله ثمانون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 63 ترجمة 15)، والديباج المذهب (2/ 32).

(26) الأعراف: 204.

(27) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن الأنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، الفقيه الإمام الكبير، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان مفتي المدينة في زمانه. شهد ليلة العقبة مع والده، وأطاع أباه يوم أحد، وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة، وقد ورد أنه شهد بدرا. شاخ، وذهب بصره، وقارب التسعين. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص: 114 ترجمة 296)، وأسد الغابة (1/ 492 ترجمة 647).

(28) حسن: أخرجه أحمد في المسند (14643)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا (850) وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: حسن.

(29) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخسب (378)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

(30) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (7250، 7664، 8223، 10893)، النسائي: كتاب الإمامة، باب السعي إلى الصلاة(861)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال الألباني في صحيح النسائي: صحيح، وأصله في الصحيحين.

(31) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار (636)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (602) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(32) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي، زين الدين، الشيخ، الحافظ، المحدث، الإمام المشهور. جمع نفسه على التصنيف والإقراء. مع عبادة وتأله وذكر. شرح البخاري، والترمذي، وأربعي النووي. توفي سنة خمس وتسعين وسبع مئة. انظر: إنباء الغمر (1/ 460 ترجمة 16)، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (2/ 474 ترجمة 296).

(33) "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" (1/18) ومواضع أخرى انظرها في (4/11-14).

(34) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: الواسطية، ومنهاج السنة. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/ 10 ترجمة 619).

(35) سبق تخريجه.

(36) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب التخفيف في الوضوء (138، 698، 859، 6316)، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (763) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما.

(37) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (467) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ.

(38) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. سيد القراء، أبو منذر الأنصاري النجاري المدني المقرئ البدري، ويكنى أيضا أبا الطفيل. شهد العقبة، وبدرا، وجمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض على النبي -عليه السلام-، وحفظ عنه علما مباركا، وكان رأسا في العلم والعمل -رضي الله عنه-. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليهنك العلم أبا المنذر». مات سنة اثنتين وثلاثين. انظر: الاستيعاب (ص: 42 ترجمة 2)، وأسد الغابة (1/ 168 ترجمة 34).

(39) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي. أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود. توفي في طاعون عَمَوَاس سنة ثماني عشرة. انظر: الاستيعاب (ص: 650 ترجمة 2270)، وأسد الغابة (5/ 187 ترجمة 4960).

(40) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-.

(41) عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود الأنصاري، ويعرف بأبى مسعود البدري؛ لأنه كان يسكن بدرا. شهد العقبة واختلفوا في شهوده بدرا. قيل: مات سنة أربعين، وقيل: قبلها، وقال الحافظ: والصحيح أنه مات بعدها؛ فقد ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة. انظر: الاستيعاب (ص: 561 ترجمة 1895)، والإصابة (4/524 ترجمة 5610).

(42) صحيح: أخرجه النسائي: كتاب الإمامة، باب من أحق بالإمامة (780)، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح. وأصله في مسلم بلفظ: «فأقدمهم سلما».

(43) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (3904)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر -رضي الله عنه- (2382) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

(44) اختلف أهل السنن في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها تثبتُ بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي. انظر: "شرح الطحاوية" لابن أبي العز (2/712-722)، و"شرح الطحاوية" للبراك ص:364-370، و"منهاج السنة" (1/486-526).

(45) الإمام الفقيه أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن محمود بن شبيب بن غياث الحراني، النميري، الحنبلي، نجم الدين، أبو عبد الله، نزيل القاهرة. ولد سنة ثلاث وست مئة بحران. جالس المجد ابن تيمية، وبحث معه كثيرا. وبرع في الفقه، وانتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه وغوامضه، وكان عارفا بالأصلين والخلاف والأدب. صنف تصانيف كثيرا؛ منها: "الوافي"، و"الرعاية الكبرى". توفى يوم الخميس سادس صفر سنة خمس وتسعين وست مئة بالقاهرة. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 266 ترجمة 57)، وشذرات الذهب (7/ 748).

(46) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري الحافظ تقي الدين أبو عمرو المعروف بابن الصلاح الشافعي الدمشقي صاحب كتاب علوم الحديث. ولد سنة سبع وسبعين وخمس مئة. اشتغل، وأفتى، وجمع وألف، وتخرج به الأصحاب، وكان من كبار الأئمة.وكان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنا بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، معظما عند السلطان. وكان مع تبحره في الفقه مجودا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفننا في الحديث متصونا، مكبا على العلم، عديم النظير في زمانه. مات سنة ثلاث وأربعين وست مئة بدمشق في خامس عشرين ربيع الآخر. انظر: سير أعلام النبلاء (23/140 ترجمة 100)، طبقات الشافعية الكبرى (8/ 326 ترجمة 1229).

(47) الإمام العالم، العلامة، الرحلة، الفهامة أحمد بن سليمان بن كمال باشا. كان إماما بارعا في التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبديع، والبيان، والكلام، والمنطق، والأصول. بحيث إنه تفرد في إتقان كل فن من الفنون. درس في بلاده بعدة مدارس، ثم صار قاضياً بمدينة أدرنة، ثم قاضيا بالعسكر المنصور في ولاية أناطولي، ثم عُزل، وأعطي تدريس دار الحديث بأدرنة. ولم يزل في منصب الفتوى حتى لحق باللطيف الخبير في سنة أربعين وتسع مئة. انظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية (1/ 355 ترجمة 199)، وشذرات الذهب (10/ 335).

(48) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي. أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه. نزيل نيسابور، أحد أئمة المسلمين وعلماء الدين. مولده في سنة إحدى وستين ومئة. اجتمع له الحديث، والفقه، والحفظ، والصدق، والورع، والزهد. ورحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام، وعاد إلى خراسان، فاستوطن نيسابور إلى أن مات بها وانتشر علمه عند أهلها. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد ابن حنبل ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير. مماته سنة ثمان وثلاثين ومئتين. له مسائل جمعها الكوسج مع مسائل الإمام أحمد. انظر: تهذيب الكمال (2/ 373 ترجمة 332)، وسير أعلام النبلاء (11/ 358 ترجمة 79).

(49) الحافظ الثقة الرّحّال الجوال، محدث الإسلام، علم المعمرين، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي، أبو القاسم الطبراني. من طبرية، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها من المؤلفات. ولد سنة ستين ومئتين، وتوفي في يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مئة، ودفن يوم الأحد آخر يوم من ذي القعدة إلى جنب حممة الدوسي بباب مدينة جي. انظر: سير أعلام النبلاء (16/119 ترجمة 86)، طبقات الحفاظ (ص73).

(50) حسن: أخرجه الطبراني في الكبير (19/395رقم 929)، وفي مسند الشاميين (758)، من حديث معاوية.
وفي الأوسط (2663)، وفي مسند الشاميين (2103)، من حديث أبي الدرداء. حسنهما الألباني في السلسلة الصحيحة (342). وفي الباب من حديث أبي هريرة.

(51) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو حفص المدني، ثم الدمشقي. أمير المؤمنين، الإمام العادل، والخليفة الصالح، وأمه أم عاصم حفصة، وقيل ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وَلِيَ الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان من أئمة العدل، وأهل الدين والفضل، وكانت ولايته تسعة وعشرين شهرا مثل ولاية أبي بكر الصديق. قال ابن حجر في التقريب: عُد مع الخلفاء الراشدين. ولد سنة ثلاث وستين، ومات يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومئة. انظر: تهذيب الكمال (21/ 432 ترجمة 4277)، وسير أعلام النبلاء (5/ 114 ترجمة 48).

(52)ذكره البخاري: كتاب العلم، بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ.

(53) الحافظ العلامة، أبو بكر، أحمد بن محمد بن هانئ، الإسكافي الأثرم الطائي، وقيل: الكلبي، أحد الأعلام، ومصنف السنن، وتلميذ الإمام أحمد. خراساني الأصل. ولد في دولة الرشيد. مات بمدينة إسكاف في حدود الستين ومئتين. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ. انظر: تهذيب الكمال (1/ 467 ترجمة 103)، وسير أعلام النبلاء (12/ 623 ترجمة 247).

(54) عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي. بدري كان إمام قومه بني سالم. وكان أعمى، وقيل: كان في بصره ضعف. مات في خلافة معاوية. انظر: أسد الغابة (3/ 454 ترجمة 3535)، والإصابة (4/ 432 ترجمة 5400).

(55) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت (425)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر (33) من حديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- بنحوه.

(56) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد (628، 631، 685، 819، 6008، 7246)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (647) من حديث مالك بن الحويرث -رضي الله عنه.

(57) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (673) من حديث ابي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه.

(58) حسن: أخرجه أحمد في المسند (22755) من حديث عبادة بن الصامت، قال الألباني في "الصحيحة" (5/195): هذا إسناد حسن.

(59) العلامة الكبير، ذو الفنون، النحوي اللغوي أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، الكاتب، صاحب التصانيف. نزل بغداد، وصنف وجمع، وبعد صيته. حدث عن: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد بن عبيدالله الزيادي، وزياد بن يحيى الحساني، وأبي حاتم السجستاني، وطائفة. حدث عنه: ابنه القاضي أحمد بن عبد الله، بديار مصر، وعبيد الله السكري، وعبيد الله بن أحمد بن بكر، وعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، وغيرهم. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة دينا فاضلا. وكان رأسا في علم اللسان العربي، والأخبار وأيام الناس. من مصنفاته: "عيون الأخبار"، و"غريب الحديث". مات في شهر رجب، سنة ست وسبعين ومئتين. انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 296 ترجمة 138)، وإنباه الرواة (2/ 143 ترجمة 357).

(60) الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ. ولد يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخر سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة. سمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، وارتحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، وإلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وإلى الشام وهو كهل، وإلى مكة، وغير ذلك. وكتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبذّ الاقران، وجمع وصنف وصحح، وعلل وجرح، وعدل وأرخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق. وكان من كبار الشافعية، تفقه على أبي الحسن بن المحاملي، والقاضي أبي الطيب الطبري. وكان مهيبا وقورا، ثقة متحريا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ. توفي في السابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربع مئة ببغداد، ودفن بباب حرب إلى جانب بشر بن الحارث. انظر: سير أعلام النبلاء (18/270 ترجمة 137)، وطبقات الشافعية الكبرى (4/ 29 ترجمة 259).

(61) عبد الرحمن بن علي بن محمد. جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الإسلام، مفخرة العراق، التيمي البكري البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف. له مؤلفات جياد؛ منها: زاد المسير، وفنون الأفنان. ولد سنة تسع -أو عشر- وخمس مئة، وتوفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 365 ترجمة 192)، والذيل على طبقات الحنابلة (2/ 458 ترجمة 227).

(62) أخرجه مسلم: كتاب المسياجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه.

(63) سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج، أبو سعيد الخدري، الإمام المجاهد، مفتي المدينة. واسم الأبجر: خدرة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر. استشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. مات سنة أربع وسبعين. انظر: الاستيعاب (ص: 286 ترجمة 915)، وأسد الغابة (2/ 451 ترجمة 2036).

(64) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب (2276)، مسلم: كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن (2201) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه.

(65) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (16270)، أبو داود: كتاب الصلاة، باب أخذ الأجر على التأذين (531)، الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا (209)، النسائي: كتاب الأذان، باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرا (672)، ابن ماجه: كتاب الأذان والسنة فيها، باب السنة في الأذان (714)، من حديث عثمان بن أبي العاص، قال الألباني في صحيح أبي داود: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(66) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم (1906) من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما.

(67) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنا جعل الإمام ليؤتم به (688)، مسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (412) من حديث عائشة -رضي الله عنها.

(68) سبق تخريجه.

(69) صحيح: أخرجهأحمد في المسند (11152، 11877)، أبو داود: كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل (650)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(70) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور (135)، مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة (225) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه.

(71) سبق تخرجه.

(72) حسن: أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن أم قوم وهم له كارهون (360) قال الترمذي: حسن غريب، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن.

(73) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن الأنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، الفقيه الإمام الكبير، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان مفتي المدينة في زمانه. شهد ليلة العقبة مع والده، وأطاع أباه يوم أحد، وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة، وقد ورد أنه شهد بدرا. شاخ، وذهب بصره، وقارب التسعين. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص: 114 ترجمة 296)، وأسد الغابة (1/ 492 ترجمة 647).

(74)جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن عنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، ثم السلمي. يكنى أبا عبد الله. مات سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وهو ابن اثنتين وستين سنة. انظر: الاستيعاب (ص: 117 ترجمة 312)، والإصابة (1/ 449 ترجمة 1057).

(75) أخرجه مسلم: كتاب، الوهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (3014) من حديث أبي اليسر -رضي الله عنه.

(76) سبق تخريجه.

(77) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم (117)، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (763) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ.

(78) علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهل، ويقال: ابن كهيل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النخع النخعي، أبو شبل الكوفي. يعد من المخضرمين. وكان عقيما لا يولد له. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت. قيل: مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو خمس وستين، وقيل: اثنتين أو ثلاث وسبعين، وله تسعون سنة. انظر تهذيب الكمال (20/ 300 ترجمة 4017)، وسير أعلام النبلاء (4/ 53 ترجمة 14).

(79) الإمام، القدوة، الأسود بن يزيد بن قيس، أبو عمرو النخعي الكوفي. وقيل: يكنى أبا عبدالرحمن. كان يصوم حتى يسود لسانه من الحر، حج واعتمر ثمانين مرة لم يجمع بينهما. قال ابن حجر في التقريب: مخضرم ثقة مكثر فقيه. مات سنة خمس وسبعين على الراجح. تهذيب الكمال (3/ 233 ترجمة 509)، وسير أعلام النبلاء (4/50 ترجمة 13).

(80) أخرجه مسلم: المساجد ومواضع الصلاة، باب الندب وضع الأيدي على الركب في الركوع (534) من حديث عبد الله بن مسعود.

(81) محمد بن سيرين، أبو بكر الأنصاري، الأنسي البصري. مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. التابعي الجليل. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. كان نسيجَ وحده. لم يكن بالبصرة أعلم منه، وكان حسن العلم بالفرائض، والقضاء، والحساب. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت عابد كبير القدر. توفي بعد موت الحسن البصري بمئة يوم، سنة عشر ومئة. انظر: تهذيب الكمال (25/ 344 ترجمة 5280)، وسير أعلام النبلاء (4/ 606 ترجمة 246).

(82) سبق تخريجه.

(83) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا، وروى عنه علما جما، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة. دعا له النبي بالبركة، فرأى من ولَده وولَدِ ولَدِه نحوا من مئة نفْس. مات سنة إحدى وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص: 53 ترجمة 43)، والإصابة (1/ 126 ترجمة 277).

(84) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (380)، مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على الحصير (658).

(85) صحيح: أخرجه أبو داود: كتاب الطهاة، باب في الغسل يوم الجمعة (345)، والنسائي: كتاب الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة (1381، 1384، 1398)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة (1087)، من حديث أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ. قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(86) ضعيف: أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مقام الإمام من الصف (681)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقال الألباني في ضعيف أبي داود: إسناده ضعيف.

(87) سبق تخريجه.

(88) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (16297)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (1003)، قال الألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح.

(89) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (18002)، أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده خلف الصف (682)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده (230،231)، قال الترمذي: حسن، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (1004)، من حديث وابصة، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(90) حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي. من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهو صاحب السر. واسم اليمان: حِسْل -ويقال: حُسَيْل- ابن جابر العبسي، اليماني، أبو عبد الله، حليف الأنصار، من أعيان المهاجرين. وأمه الرباب بنت كعب بن عدي الأنصارية. توفي سنة ست وثلاثين بعد مقتل عثمان. انظر: الاستيعاب (ص: 138 ترجمة 390)، وأسد الغابة (1/ 706 ترجمة 1113)، والإصابة (2/44 ترجمة 1649).

(91) صحيح: أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يقوم مكانًا أرفع من مكان القوم (597)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(92) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي. من مشاهير الصحابة يقال: كان اسمه حزنا، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم- حكاه ابن حبان. مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. مات سنة إحدى وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص: 308 ترجمة 1050)، والإصابة (3/ 200 ترجمة 3535).

(93) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على السطوح والنبر الخشب (377)، مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (544) من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه.

(94) ضعيف جدا: أخرجه الشافعي في المسند (205).
ذكره البخاري تعليقا: كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب. وقال الألباني في "إرواء الغليل" (2/333): إسناده واهٍ جدا.

(95) صحيح: أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة (1006)، من حديث أبي هبيرة، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(96) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما (426) من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنهما.

(97) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي، زين الدين، الشيخ، الحافظ، المحدث، الإمام المشهور. جمع نفسه على التصنيف والإقراء. مع عبادة وتأله وذكر. شرح البخاري، والترمذي، وأربعي النووي. توفي سنة خمس وتسعين وسبع مئة. انظر: إنباء الغمر (1/ 460 ترجمة 16)، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (2/ 474 ترجمة 296).

(98) الزلزلة: 1 – 2.