موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فصل في واجبات وسنن الصلاة - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
 المقدمة
 فصل فيما يسن للمسلم عند خروجه من البيت إلى الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم إذا دخل المسجد
 بابُ صفة الصلاة-فصل فيما يسن للمسلم عند إقامة الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم في الصلوات السرية والجهرية وأحكام البسملة
 فصل فيما يجب ويسن للمسلم عند قرأة الفاتحة
 فصل في القرأة في الصلوات
 فصل في صفة الركوع والسجود وما يقال فيهما
 فصل في الجلوس للتشهد وصيغه والسلام
 فصل في الذكر بعد الصلاة وما يكره في الصلاة
 فصل في حكم السترة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في واجبات الصلاة
 فصل في واجبات وسنن الصلاة
 فصل في سجود السهو
 باب صلاة التطوع-فصل في أفضل التطوع
 فصل في آكد التطوع وأوقاته وما يقرأ فيه وأوقات النهي
 فصل في آداب حفظ وتلاوة القرآن
 فصل في التطوع المطلق
 فصل في أوقات النهي عن التطوع
 بابُ صَلاة الجماعَة
 فصل فيمن يعذر بترك الجماعة
 باب صَلاة أهل الأعذار
 بَابُ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) - فصل في واجبات وسنن الصلاة

وَمَا عَدَا ذَلِكَ سُنَنُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ.

فَسُنَنُ الأَقْوَالِ سَبْعَ عَشْرَةَ: الاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَالْبَسْمَلَةُ، وَالتَّأْمِينُ وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الأُولَيَيْنِ وَفِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالتَّطَوُّعِ كُلِّهِ، وَالْجَهْرُ وَالإِخْفَاتُ وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. إِلَى آخِرِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقَوْلُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي"وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَالصَّلاةُ عَلَى آلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْبَرَكَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ.

وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَسُنَنُ أَفْعَالٍ، مِثْلُ: كَوْنِ الأَصَابِعِ مَضُمُومَةً مَبْسُوطَةً مُسْتَقْبِلاً بِهَا الْقِبْلَةَ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ.

وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ، وَجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فِي قِيَامِهِ، وَمُرَاوَحَتُهُ وَتَرْتِيلُ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ فِي الصَّلاةِ.

وَالتَّخْفِيفُ لِلإِمَامِ، وَكَوْنُ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَةَ الأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدُّ ظَهْرِهِ مُسْتَوِيًا، وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ، وَوَضْعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ قَبْلَهُمَا فِي الْقِيَامِ، وَتَمْكِينُ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ مِنَ الأَرْضِ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا إِلَى الأَرْضِ مُفَرَّقَةً، وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَةَ الأَصَابِعِ إِذَا سَجَدَ، وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ مَضْمُومَةً إِلَى الْقِبْلَةِ، وَمُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّى بِيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ، وَقِيَامُهُ إِلَى الرَّكْعَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا بِيَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالتَّشَهُّدُ، وَالتَّوَرُّكُ فِي الثَّانِي وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيِ الأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلاً بِهِمَا الْقِبْلَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي التَّشَهُّدِ.

وَقَبْضُ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ مِنَ الْيُمْنَى، وَتَحْلِيقُ إِبْهَامِهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَالإِشَارَةُ بِسَبَّابَتِهَا وَالالْتِفَاتُ يَمِينًا وَشِمَالاً فِي تَسْلِيمِهِ، وَتَفْضِيلُ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ فِي الالْتِفَاتِ.


قال: (وَمَا عَدَا ذَلِكَ سُنَنُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ) وذلك لأنها صفة في غيرها.

فهذه الأمور الثمانية هي الواجبات، وكلها أقوال، إلا الجلوس للتشهد الأول فإنه فعل، ثم شرع الشيخ -رحمه الله تعالى- بعد ذلك في بيان سنن الصلاة.

قال: (فَسُنَنُ الأَقْوَالِ سَبْعَ عَشْرَةَ: الاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَالْبَسْمَلَةُ، وَالتَّأْمِينُ).

قوله: (الاسْتِفْتَاحُ)، أي: دعاء الاستفتاح، وتقدم بيانه والدليل عليه، وقوله: (وَالتَّعَوُّذُ)، وله صفتان وتقدم أيضًا، وقوله: (وَالْبَسْمَلَةُ)، وسبق أيضًا الحديث عنها والاستدلال لها، وقوله: (وَالتَّأْمِينُ)، أي: قول آمين بعد قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(1)،تقدم أيضًا الحديث عنها، وأنها ليست جزءًا من الفاتحة مما يدل على استحباها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: آمِينَ، فَقُولُوا: آمِينَ»(2).

قال: (وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الأُولَيَيْنِ وَفِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالتَّطَوُّعِ كُلِّهِ، وَالْجَهْرُ).

فإن ما زاد عن الفاتحة فهو سنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينص إلا على وجوب الفاتحة وحدها الأمرُ السادسُ وقوله: (وَالْجَهْرُ)، فإن الجهر في أفعال الصلاة كلها سنة.

فمما يجهر فيه بالقراءة في الأوليين، وتكبيرات الانتقال، وترك الجهر فيها ترك للسنة، وليس تركًا للواجب، وإذا عرفت ذلك فإنك تعرف حكم سجود السهو لها -كما سيأتي بعد قليل- لأن بعض الناس ينسى الجهر في الصلاة الجهرية، أو ينسى الجهر في التكبير، وأحيانًا يقول الإمام وهو قائم: الله أكبر، بصوت خافت من غير جهر، فهنا يكون قد ترك سنة ولم يترك واجبًا، وسيأتي حكم سجود السهو لترك السنة.

قال: (وَالإِخْفَاتُ وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. إِلَى آخِرِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) والزيادة على المرة في تسبيح السجود.

هذا هو الأمر السابع فيما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الإسرار فيه، وقوله: (وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. إِلَى آخِرِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ)، أي: بعد قول: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات وملء الأرض.. إلى آخر الدعاء، وقد سبق بيانه.

والتاسع: (وَمَا زَادَ عَلَى المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ)، والعاشر: (وَمَا زَادَ عَلَى المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ)؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما ذكر واحدة، وما زاد عن ذلك فهو سنة.

قال -رحمه الله: (وَقَوْلُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي" بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَمَا زَادَ عَنِ المَرَّةِ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي).

الحادي عشر: أن الزيادة على قول: ربِّ اغفرْ لي، كما في حديث ابن عباس: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحُمْنِي وَعَافَنِي»(3)، وأما: «رَبِّ اغْفِرْ لِي»، فإنها واجبة.

قال -رحمه الله: (وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَالصَّلاةُ عَلَى آلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْبَرَكَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ).

السنة الثانية عشر: (وَالتَّعَوُّذُ)، فإنه جاء في بعض الروايات التعوذ بالله فيه، والسنة الثالثة عشر: (وَالصَّلاةُ عَلَى آلِ النَّبِيِّ)؛ لأن من صور الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم: اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، فقولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد سنة زيادة كلمة محمد؛ لأنها ثبتت في بعض الروايات دون بعض(4)، والرابع عشر من سنن الأقوال: (وَالْبَرَكَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ)، والمراد قول: بارك على محمد وعلى آل محمد؛ لأنها جاءت في بعض الروايات، ولم تأتِ في الروايات الأخرى؛ مما يدل على أنها سنة وليست بواجبة.

هذه أربعة عشر سنة، والشيخ ذكر أن السنن سبعة عشر، ويتمم هذه الأربعة عشر، ثلاث أخر فاتت الشيخ وهي موجودة في الإقناع، وهي: الدعاء في التشهد الثاني، فإن الدعاء بعده سنة، وقد سبق معنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- له أكثر من صيغة في التشهد الأول، فالزيادة على الحد المجزئ سنة، والسنة السابعة عشر من سنن الأقوال في الصلاة، هي: القنوت في الوتر.

يقول الشيخ -رحمه الله تعالى: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَسُنَنُ أَفْعَالٍ).

مثل: كون الأصابع مضمومة مبسوطة، مستقبلاً بها القبلة عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع والرفع منه.

قال: (وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ).

سبق الاستدلال لها وصفتها في بيان صفة الصلاة، وهذه المسألة من السنن لم تمر علينا، وهي حط اليدين عقب التكبير، فقد استحب العلماء -رحمهم الله تعالى- أن المرء إذا كبر تكبيرة الإحرام أو رفع يديه في تكبيرات الانتقال، أن يحط يديه قبل أن يقبضهما على صدره، فإذا كبر تكبيرة الإحرام يقول: الله أكبر، ثم يسدل يديه، ثم بعد ذلك يقبض يديه بعد ذلك، ودليلهم في أن حط اليدين عقب التكبير سنة؛ قالوا: لكي ينفصل فعل التكبير عن هيئة القبض لليدين؛ فيكون رفع يديه لأجل التكبير فقط وليس لأجل قبضهما، وهذا الاستحباب منهم من باب المعنى؛ للفصل بين الثنتين والتمايز بينهما، فيقولون: ارفع يديك بالتكبير ثم حطهما، أي: اسدلهما مباشرة، بعد ذلك اقبض اليدين، ولم يرد -فيما أعلم- حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.

قال: (وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ، وَجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فِي قِيَامِهِ، وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَهُمَا).

قوله: (وَقَبْضُ الْيَمِينِ)؛ لحديث وائل(5) -رضي الله عنه- وتقدم، وقوله: (وَالنَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ)؛ لحديث علي(6) -رضي الله عنه- وتقدم أيضًا، وقوله: (وَالنَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ)، تقدم أيضًا الاستدلال له، وقوله: (وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فِي قِيَامِهِ)؛ لحديث أبي حميد(7): «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ»(8)، وقوله: (وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَهُمَا)، أي: والسنة المراوحة بين القدمين، ومعنى المراوحة أن يعتمد على إحدى القدمين ويريح الأخرى، ثم يقلب بعد ذلك، فيريح التي كان اعتمد عليها، ويعتمد على الرجل الثانية.

وروي في ذلك حديث عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يراوح بين قدميه، ورفعه للنبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الحديث ضعيف(9)؛ لذلك فإن الفقهاء يقولون: إن المراوحة بين القدمين سنة إذا كان أمرًا يسيرًا أي: لا يطيل في المراوحة، وكان القيام طويلاً كقيام الليل والتراويح؛ فالمراوحة بين القدمين جائزة.

قال: (وَتَرْتِيلُ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ فِي الصَّلاةِ، وَالتَّخْفِيفُ لِلإِمَامِ، وَكَوْنُ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ).

لأمر الله -عز وجل- بترتيله، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»(10)، وقوله: (وَالتَّخْفِيفُ لِلإِمَامِ)، فإن السنة للإمام أن يخفف في صلاته، وألا يطيل على المأمومين؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ»(11)، ومن السنن أيضًا (كَوْنُ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ)؛ لثبوت ذلك في هيئة صلاته -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه(12).

(وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَةَ الأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدُّ ظَهْرِهِ مُسْتَوِيًا، وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ، وَوَضْعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ قَبْلَهُمَا فِي الْقِيَامِ، وَتَمْكِينُ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ مِنَ الأَرْضِ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا إِلَى الأَرْضِ مُفَرَّقَةً).

كل هذه السنن سبق بيانها والاستدلال لها، إلا قوله: (وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا إِلَى الأَرْضِ مُفَرَّقَةً)، أي: يستحب تفريق القدمين عند السجود، وعدم ضمهما، ورووا في ذلك حديثًا عند الحاكم في المستدرك: «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّقَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ»(13)؛ أي: نصب قدميه وفرق بينهما، لكن هذا الحديث ضعيف، ويعارَضُ بمفهوم حديث آخر في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها فقدت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: فأوهيت بيدي فوقعت على قدميه ساجدً(14)، ففهم بعض أهل العلم أن اليد لا تقع على القدمين إلا إذا كانتا مضمومتين، وعلى العموم فالأمر في ذلك سهل، والخلاف فيه يسير، سواء عمل الشخص بمفهوم الحديث الصحيح، أو بمنطوق الحديث الذي فيه مقال عند الحاكم في المستدرك.

قال: (وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَةَ الأَصَابِعِ إِذَا سَجَدَ، وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ مَضْمُومَةً إِلَى الْقِبْلَةِ، وَمُبَاشَرَةُ المُصَلِّى بِيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ، وَقِيَامُهُ إِلَى الرَّكْعَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا بِيَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالتَّشَهُّدُ، وَالتَّوَرُّكُ فِي الثَّانِي).

وهذه تقدم الاستدلال لها وبيانها، وقول الشيخ: (وَالافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدُ) أي: الأول، فلا بد هنا من إضافة كلمة الأول، وهي موجودة في أصل الكتاب (الإقناع).

قال: (وَوَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيِ الأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلاً بِهِمَا الْقِبْلَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي التَّشَهُّدِ، وَقَبْضُ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ مِنَ الْيُمْنَى، وَتَحْلِيقُ إِبْهَامِهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَالإِشَارَةُ بِسَبَّابَتِهَا).

لحديث عبد الله بن الزبير(15)(16)، وحديث عبد الله بن عمر(17) -رضي الله عنهما- في الباب.

قال: (وَالالْتِفَاتُ يَمِينًا وَشِمَالاً فِي تَسْلِيمِهِ، وَتَفْضِيلُ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ فِي الالْتِفَاتِ).

فالتسليم ركن، والالتفات فيه سنة، وسبق بيان صفة الالتفات والدليل عليه، وقوله: (وَتَفْضِيلُ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ فِي الالْتِفَاتِ)، أي: والسنة أن يكون هناك فرق في الالتفات يمينًا وشمالاً؛ بحيث يكون الشمال أكثر، وهذا من حيث التفضيل، هذا من الجهة الأولى، والجهة الثانية: أن يكون اليمين يجهر بها، والثانية يخافت بها، وذكرت لكم وجه الدلالة في ذلك، وبيان ضعف الحديث في هذا الباب، وتقدم ذلك بنصه.


(1) الفاتحة: 7.

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين (780)، مسلم: كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين (410) من حديث أبي هريرة.

(3) حسن: أخرجه أحمد في المسند (2895، 3514)، أبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين (850)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين (284)، قال الترمذي: غريب، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين (898). وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود: حسن.

(4) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا (3370)، مسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد (406) من حديث كعب بن عجرة.

(5) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام (401).

(6) ضعيف: أخرجه أحمد في المسند (875)، أبو داود: كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (756)، وقال الألباني في ضعيف سنن أبي داود: ضعيف.

(7) عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، ويقال: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: اسم جده مالك، وقيل: هو عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو، ويقال: إنه عم سهل بن سعد. شهد أحدا وما بعده. توفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد بن معاوية. انظر: الاستيعاب (ص: 790 ترجمة 2888)، والإصابة (7/ 94 ترجمة 9787).

(8) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد (828)، بمعناه..

(9) ذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار (1379)

(10) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله -تعالى-: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (7527)، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن (792) من حديث أبي هريرة.

(11) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (90، 702، ،704 6110،7159)، مسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة تخفيف الصلاة في تمام (466) من حديث أبي مسعود الأنصاري. وفي الباب من حديث أبي هريرة، وأبي عثمان بن أبي العاص.

(12) سبق تخريجه.

(13) لم أقف عليه.

(14) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (486).

(15) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي. أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق. ولد عام الهجرة، وحفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، وحدث عنه بجملة من الحديث. بويع بالخلافة سنه أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وحنكه النبي -صلى الله عليه وسلم- وسماه باسم جده وكناه بكنيته. قُتل في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. انظر: الاستيعاب (ص: 399 ترجمة 1375)، الإصابة (4/ 89 ترجمة 4685).

(16) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين (579).

(17) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين (580).