موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فصل فيما يسن للمسلم إذا دخل المسجد - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول)
 المقدمة
 فصل فيما يسن للمسلم عند خروجه من البيت إلى الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم إذا دخل المسجد
 بابُ صفة الصلاة-فصل فيما يسن للمسلم عند إقامة الصلاة
 فصل فيما يسن للمسلم في الصلوات السرية والجهرية وأحكام البسملة
 فصل فيما يجب ويسن للمسلم عند قرأة الفاتحة
 فصل في القرأة في الصلوات
 فصل في صفة الركوع والسجود وما يقال فيهما
 فصل في الجلوس للتشهد وصيغه والسلام
 فصل في الذكر بعد الصلاة وما يكره في الصلاة
 فصل في حكم السترة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في واجبات الصلاة
 فصل في واجبات وسنن الصلاة
 فصل في سجود السهو
 باب صلاة التطوع-فصل في أفضل التطوع
 فصل في آكد التطوع وأوقاته وما يقرأ فيه وأوقات النهي
 فصل في آداب حفظ وتلاوة القرآن
 فصل في التطوع المطلق
 فصل في أوقات النهي عن التطوع
 بابُ صَلاة الجماعَة
 فصل فيمن يعذر بترك الجماعة
 باب صَلاة أهل الأعذار
 بَابُ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الأول) - فصل فيما يسن للمسلم إذا دخل المسجد

فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، وَيَقُولُ : « بسم الله أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ » « اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَعِنْدَ خُرُوجِهِ يُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَقُولُ : «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ » يَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللهِ أَوْ يَسْكُتُ، وَلا يَخُوضُ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَمَا دَامَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ، وَالمَلائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ .


قال الشيخ -رحمه الله تعالى: (فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى).

أي إذا دخل المصلي المسجد، والدليل على استحباب تقديم الرجل اليمنى ما ثبت في الصحيحين «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ» (1)، وثبت عند الحاكم(2) من حديث أنس(3) -رضي الله عنه- أنه قال: «السُّنَّةُ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى»(4).

وهنا مسائل تتعلق الدخول بالرجل اليمنى، هي:

المسألة الأولى: ما حد المسجد؟ فإن معرفة حد المسجد تنبني عليه أحكام كثيرة، منها ما يتعلق بالائتمام، فإن المرء يصح له أن يأتَمَّ بإمام ولو لم يره، أو لم يرَ الصفوف التي قبله، ما دام في داخل المسجد؛ كمصليات النساء التي تكون في الدور العلوي، أو المساجد الكبيرة ونحو ذلك، ومنها ما يتعلق بقضية دخول المسجد -كما هو معنا- وكذلك البيع في المسجد، ورفع الصوت فيه.. وغيره.

يقول أهل العلم: إن المسجد يطلق في لسان الشارع على معنيين:

المعنى الأول: هو البناء المحاط بسور أو جدار.. أو نحو ذلك.

المعنى الثاني: المسجد هو موضع السجود، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا»(5)، أي: موضعًا للسجود، ويصح لي أن أسجد فيها.

والدخول بالرجل اليمنى إنما هو للمكان المحاط، فإذا دخل أول المكان المحاط فإنه يبدأ برجله اليمنى، ويدعو بما ورد، فإذا دخلت صرحة المسجد فإنك تعتبر حينئذ دخلت المسجد، ولا يلزم أن تدخل المبنى المسقف أو المكيف ونحو ذلك، هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية: مسألة التيمن، فكثير من الإخوان يظن أن اليمين أفضل دائمًا، وهذا ليس على الإطلاق، فإن السنة تقدم اليمين في أمور، منها:

الأمر الأول: ما كان فيه تعظيم وإجلال؛ كدخول المسجد، والخروج منه، فإن يدخل باليمين ويخرج بالشمال؛ تعظيمًا لليمين.

الأمر الثاني: ما كان من باب التطهر للشخص نفسه، ففي حديث عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعْجِبُهُ التيمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»(6)، فما كان من التنظف فإنه يبدأ بشق اليمين؛ كالسواك والترجل والادهان والاغتسال.. ونحو ذلك.

الأمر الثالث: يُشرع فيه تقديم اليمين عند الخصومة، فعندما يتخاصم اثنان على حق ما، فإنه يقدم الأيمن، ودليل ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أوتي بسقاء ماء أو لبن فشرب منه، كان عن يمينه أعرابي أو غلام -روايتان مختلفان- وعن يساره بعض الأشياخ -وفي بعض الروايات أنه أبو بكر(7)- فآثر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعطي أبا بكر، لكن لوجود الخصومة استأذن مَن على يمينه، فقال مَن على يمينه: لا أوثر بسؤرك أحدً(8)، فدَّل ذلك أنه عند وجود التخاصم أو التنازع فإنه يبدأ باليمين؛ لذا استحب الفقهاء للمتداعيين إذا كانا أمام القاضي أن يبدأ المدعي، فإن لم يعرف القاضي المدعي مِن المدعى عليه، فإنه يبدأ بالأيمن منهما.

الأمر الرابع: عند إرادة تكريم أحد الشخصين؛ فلو كان عندك شخصان، وتريد أن تكرم أحدهما بدخول بيت أو تقديم طعام.. ونحو ذلك، فإنك تبدأ بالأكبر أو الأشرف منهما، ودليل ذلك جمع من الأحاديث؛ منها: حديث ابن عمر في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كَبِّرْ كَبِّرْ (9)»، أي: ابدأ بالأكبر منهما.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما أوتي بالإناء الذي فيه ماء أو لبن، لم يُعْطَ مَن على يمين المجلس، وإنما بُدِئ بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أشرف القوم وأكبرهم قدرًا وشرفًا ومكانة؛ لذا ذكر ابن مفلح في الآداب أن يحيى بن سعيد القطان(10) ومعه رجل آخر كانا عند باب، فتقدم يحيى بن سعيد القطان، فخرج أو دخل قبل صاحبه، ثم قال: لو أني أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمتك ولكن هي السنة، إذن المقصود أن استخدام اليمين ليس على إطلاق(11).

يقول الشيخ: (وَيَقُولَ: «بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»).

هذا الدعاء مكون أربع جمل؛ الجملة الأولى قوله: (بِسْمِ اللهِ)، فذكر البسملة عند الدخول، وهذا ورد عند ابن ماجه والترمذي(12)وغيرهم، من حديث فاطمة وغيرها -رضي الله عنها، وأما قوله: («أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»)، فرواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهم(13)، قال صاحب الكشاف: إنه ليس في سنن أبي داود لفظة: («وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»)، والثابت في سنن أبي داود وجود هذه اللفظة.

ومعنى القديم هنا ليس ما يقصده المتكلمون أنه القديم الذي لا مبتدأ لحدوثه، وإنما القديم له معنى آخر، ثم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه وردت عند الترمذي وغيره، وأما قوله: («وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»)، فثابت في صحيح مسلم(14)؛ إذن هذه الجملة أربعة أدعية مختلفة متفاوتة في الصحة.

قال الشيخ: (وَعِنْدَ خُرُوجِهِ يُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَقُولُ: «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»).

أي: يقدم رجله اليسرى عند الخروج؛ لحديث أنس عند الحاكم وتقدم ذكره، ثم يقول هذا الدعاء حال الخروج، وقول الشيخ: (وَ)، قبل كلمة: (افْتَحْ)، يدل على أنك تقول ما سبق كله، فتقول: («بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَعِنْدَ خُرُوجِهِ يُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَقُولُ: «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»)، إذن الواو تقتضي العطف على الجملة التي قبلها.

قول الشيخ -رحمه الله تعالى: («وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ»)، هذا اللفظ ورد عند ابن السني(15) في عمل اليوم والليلة(16)، وهذه الجملة ثابتة في صحيح مسلم، بلفظ: «أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»(17)، ولكن اللفظة الذي اختاره الشيخ تبعًا لصاحب الإقناع هي: «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ».

يقول الشيخ -رحمه الله تعالى: (وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»)(18).

إذا دخل المسجد الذي له بناء يحيط به، وليس المقصود أي مكان السجود؛ كالمصلى الذي يكون في البيت، وإنما يقصد به المسجد الاصطلاحي الذي هو المكان المحاط، فالسنة ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهنا مسائل:

المسألة الأولى: قول الشيخ -رحمه الله تعالى: («فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»)، فركعتين نكرة، والنكرة في سياق الإثبات تفيد عموم الأوصاف، وليست عموم الأشخاص، فالنكرة في سياق الإثبات تفيد عموم الأوصاف، وبناء على ذلك، فكل صلاة يصليها المرء إذا دخل المسجد تغنيه عن هاتين الركعتين، وهذا يدخل في قاعدة عند الفقهاء تسمى: قاعدة تداخل العبادات، فلو دخل المرء لصلاة الفجر، والإمام يصلي الفجر، فإنه يجزئ عن الركعتين اللتين هما تحية المسجد.

وكذا إذا كان المرء يصلي سنة أخرى؛ كالسنة القبلية للفجر أو الظهر، أو السنة القبلية للعصر؛ لثبوت الحديث فيها، وأنها أربع ركعات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (19)، فإن هذه الركعات تجزئ عن تحية المسجد من باب تداخل العبادات.

المسألة الثانية: قوله: («فَلا يَجْلِسْ»)، فهذا مطلق، ولم يستثنِ الشيخ شيئًا، والأصل -وهو المذهب- أن هذا مخصوص بغير أوقات النهي، فإن مشهور مذهب الحنابلة أنه لا يصلى تحية المسجد في غير أوقات النهي، وكأن الشيخ -رحمه الله تعالى- يشير للخلاف بين الشيخ تقي الدين، وبين مشهور المذهب في هذه المسألة.

قال -رحمه الله: (وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»، وَيَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللهِ أَوْ يَسْكُتُ، وَلا يَخُوضُ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَمَا دَامَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ، وَالمَلائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ).

يقول: (وَيَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللهِ)، وذكر الله -عز وجل- أنواع؛ فمن ذكر الله -عز وجل- الصلاة والدعاء وقراءة القرآن، فالدعاء يسمى ذكرًا لله -عز وجل، وإن كان الذكر أشمل، ولكن إذا أطلق أحدهما في مقابل الآخر خصه؛ لحديث أبي سعيد: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مُسَائَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِي السَّائِلِينَ»(20)؛ مما يدل على أن الذكر من الدعاء، لكن إطلاق الذكر العام الذي فيه ثناء على الله -عز وجل- أفضل، وأفضله كتاب الله -عز وجل، كما قرر ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى.

ويدل على لذلك حديث أبي بن كعب(21) -وإن كان فيه ضعف- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: كم أجعل لك من صلاتي؟ أي: كم أصلي عليك في صلاتي؟ وصلاتي أي دعائي، وليست الصلاة المعروفة، قال: «نِصْفَهَا»، قال: إن شئت أكثر، إلى أن قال: «كُلَّهَا»، قال: «إِذَنْ تُكْفَى هَمَّكَ، وَتُعْطَى سَؤْلَكَ»(22)، فهذا الحديث إن صح فإنه يدل على أن الانشغال بذكر الله -عز وجل- والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل من الطلب، إلا في حالة واحدة، وهي المواضع التي يكون الدعاء فيها واردًا؛ كالسجود فالدعاء فيه أفضل، وقبل السلام، والمواضع التي ورد فيها الدعاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كالجلسة بين السجدتين.. ونحو ذلك.

قوله: (أَوْ يَسْكُتُ)، أي: لا يتكلم مع أحد؛ لأن كلام الشخص في أمور الدنيا يفوت عليه الأجر المترتب في هذا الحديث، إذ قد ثبت في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» (23)، فهذا يدل على أن المرء إذا كان في مصلاه، ينتظر الصلاة، فإن الملائكة تصلي عليه، أي: تدعو له، فتقول: اللهم صلِّ على فلان، اللهم ارحمه.

فلذلك فإنه يستحب له ألا يقطعه بانشغال بأمور الدنيا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ»» (24)، ولِشُرَّاحِ الحديث في وقوله: «يُحْدِث»، توجيهان: فبعضهم قال: يُحدِّث -بالتشديد- وبعضهم قال: يُحدِث -بالتسهيل، ورجح بعض المحدثين (يُحدِث) بالتسهيل، من باب الحدث المحرم، أو الإحداث الذي هو نقض الطهارة، ومن ضبطه بالتشديد يكون بمعنى الكلام، وهذا هو وجه استدلال الشيخ -رحمه الله تعالى- بهذا الحديث.


(1)متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل (168) واللفظ له، ومسلم: كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره (268) من حديث عائشة.

(2) الإمام الحافظ، الناقد العلامة، شيخ المحدثين،محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، أبو عبد الله بن البيع الضبي الطهماني النيسابوري، الشافعي، صاحب المستدرك. مولده في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة بنيسابور. وطلب العلم في صغره بعناية والده وخاله، وأول سماعه كان في سنة ثلاثين وثلاث مئة، وقد استملى على أبي حاتم ابن حبان في سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة وهو ابن ثلاث عشرة سنة. توفي في سنة ثلاث وأربع مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (17/162 ترجمة 100)، وطبقات الشافعية الكبرى (4/ 155 ترجمة 329).

 (3) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا، وروى عنه علما جما، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة. دعا له النبي بالبركة، فرأى من ولَده وولَدِ ولَدِه نحوا من مئة نفْس. مات سنة إحدى وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص: 53 ترجمة 43)، والإصابة (1/ 126 ترجمة 277).

 

(4) حسن: أخرجه الحاكم (1/338)، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (2487): حسن.

(5) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب التيمم (335، 438) واللفظ له، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب... (521) من حديث جابر بن عبد الله.

(6) سبق تخريجه.

(7) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأشربة، باب الأيمن فالأيمن في الشرب (5619)، ومسلم: كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ (2029) من حديث أنس بن مالك بنحوه، وفيه ذكر أبي بكر، دون قوله (لا أوثر بسؤرك أحدًا).

(7) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب المساقاة، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوما كان أو غير مقسوم (2451، 2605، 5620)، مسلم: كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ (2030) بنحوه، من حديث سهل بن سعد.

(9) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الجزية، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال (3173)، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة (1669) من حديث سهل بن أبي حثمة.

(10) يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو، وقيل: يحيى بن سعيد بن قيس بن قهد. الإمام العلامة المجود، عالم المدينة في زمانه، وشيخ عالم المدينة، وتلميذ الفقهاء السبعة أبو سعيد الأنصاري الخزرجي النجاري المدني القاضي. مولده قبل السبعين زمن ابن الزبير. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت. توفي بالهاشمية بقرب الكوفة، وله بضع وسبعون سنة، سنة ثلاث وأربعين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (31/ 346 ترجمة 6836)، وسير أعلام النبلاء (5/ 468 ترجمة 213).

(11) الآداب الشرعية لابن مفلح (3/415).

(12) صحيح: أخرجه الترمذي: كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء ما يقول عند دخول المسجد (314، 315)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب الدعاء عند دخول المسجد (771)، واللفظ له، من حديث فاطمة، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح.

(13) صحيح: أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (466)، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(14) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد (713) من حديث أبي حميد أو عن أبي أسيد.

(15) أبو بكر، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الهاشمي الجعفري مولاهم الدينوري، المشهور بابن السني. الإمام الحافظ الثقة الرحال. جمع وصنف كتاب "عمل اليوم والليلة" وهو من المرويات الجيدة. ولد في حدود سنة ثمانين ومئتين، وتوفي في ذي القعدة سنة سبعين وثلاث مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 255 ترجمة 178)، وطبقات الشافعية الكبرى (3/ 39 ترجمة 87).

(16) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (87)، من حديث عبد الله بن الحسن الكوفي عن أمه عن جدته.

(17) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد (713) من حديث أبي حميد أو عن أبي أسيد.

(18) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (444، 1163)، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما (714) من حديث أبي قتادة.

(19) حسن: أخرجه أحمد (5980)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل العصر (1271)، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأربع قبل العصر (430) وقال غريب حسن، من حديث عبد الله بن عمر، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن.

(20) ضعيف: أخرجه الترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- (2926) وقال: حسن غريب، قال الألباني في ضعيف الترمذي: ضعيف.

(21) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. سيد القراء، أبو منذر الأنصاري النجاري المدني المقرئ البدري، ويكنى أيضا أبا الطفيل. شهد العقبة، وبدرا، وجمع القرآن في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعرض على النبي -عليه السلام-، وحفظ عنه علما مباركا، وكان رأسا في العلم والعمل -رضي الله عنه-. قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليهنك العلم أبا المنذر». مات سنة اثنتين وثلاثين. انظر: الاستيعاب (ص: 42 ترجمة 2)، وأسد الغابة (1/ 168 ترجمة 34).

(22) حسن: أخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه (2457) بنحوه، وقال حسن صحيح، قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن.

 (23) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (647، 2119)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (649) بنحوه، من حديث أبي هريرة.

(24) المصدر السابق.