موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - انتقاء الأصحاب - شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)
 انتقاء الأصحاب
 نباهة المؤمن
 خصال الخير
 النهي عن الغضب
 النهي عن الكبر
 فلاح المؤمن
 وصية موجزة
 احترام الضعفاء
 قاتل ومقتول في الجنة
 النهي عن تمني الموت
 فتنة الدنيا والنساء
 شعب الإيمان
 طرق اتقاء النار
 النهي عن الاختلاف
 الرحمة بالخلق
 صلة الرحم
 الحث على حب الرسل والصالحين
 دعاء السفر
 الاتباع في المناسك
 ثواب سورة الإخلاص
 حسن التصرف في المال والعلم
 جامع الدعاء
 طريق البعد عن النار
 ما يحبه الله لنا ويكرهه
 نفقة الأولاد على الأب
 القضاء وقت الغضب
 النهي عن الإسراف والكبر
 بشرى المؤمن
 الحث على رضا الوالدين
 سبل تنقية القلب
 قلة الكمال في البشر
 فضل المؤمن آخر الزمان
شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث) - انتقاء الأصحاب

 

شرح جوامع الأخبار (الجزء الثالث)

انتقاء الأصحاب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمه الله تعالى: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحزيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة »1 متفق عليه .


 

هذا الحديث أصل في اختيار الجليس، وهو مشتمل على ضرب المثل للجليس الصالح وجليس السوء، وضرب الأمثال هي من طرق البيان وتقريب المعاني، وفي القرآن من ذلك كثير، والله تعالى قد قال : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾2 هذه الآية جاءت بعد قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾3 ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾4 وفي السنة كذلك أمثال هذا منها، فالمثل يتضمن تشبيه، مشبه ومشبه به، التشبيه له أركان: مشبه، ومشبه به، وأداة تشبيه، ووجه شبه.

 

فهنا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير »5 في الحقيقة أنهما مثلان ولكن قد تداخلا فذكر المشبه أولا ثم أتبعه بذكر المشبه به في المثلين، وإلا فهما مثلان: مثل الجليس الصالح كحامل المسك، مثل الجليس الصالح يعني: صفة الجليس الصالح كأنه قال الجليس الصالح كحامل المسك، ما المشبه ؟ الجليس الصالح، والمشبه به حامل المسك، وأداة التشبيه هي الكاف كحامل المسك، ووجه التشبيه ذكره في المشبه به، ويعلم وجه الشبه في المشبه، الجليس الصالح كحامل المسك الذي معه مسك يحمله معه، حامل المسك إذا جالسته لا تعدم الخير إما أن يهديك مجانا، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه أقل الأحوال أن تجد منه رائحة طيبة، الواحد لو دخل محل بيع الطيب وخرج كيف يجد من لقيه ؟ يقول له: ما شاء الله ما إيش الطيب الذي عندك ؟ هذا نتيجة إيش ؟ أنك دخلت مكانا يباع فيه الطيب بس استفدت فائدة ريح الطيب، هذا أمر محسوس حامل المسك هذا يعني: شيء حسي، المسك نوع من الطيب أكثر ما يذكر في النصوص هو المسك فهو من أطيب الطيب.

الجليس الصالح كحامل المسك، الصالح، من الصالح ؟ الجليس الصالح: الصالح في دينه، وصلاح الدين يكون بالعلم والعمل والخلق، بالعلم: الجليس الصالح هو من يكون على علم بدين الله وعلى تقوى وعلى جانب من حسن الخلق، هذا الجليس الصالح، هذا هو الذي ينبغي أن يختار المسلم مجالسته ويتخذه جليسا وقرينا وصاحبا . الله، الجليس الصالح لا تعدم هذا الجليس، شبه الجليس الصالح هو طيب المؤمن التقي طيب ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾6 الرسول شبه الصالح بحامل المسك فشبه الطيب بالطيب كل الطيب ؛ لكن هذا طيب يحس بالمشام طيب محسوس ترد في إدراكه وفي معرفته سائر الناس.

وهذا الجليس الصالح أيضا هو طيب ويحمل أطيب الطيب يعني هو ذو علم وذو تقى وذو خلق فإما أن تستفيد منه علوما يتحفك بها فهذا من نوع الإهداء في المشبه به أو الابتياع، تستفيد منه علما وفقها في الدين بنصائح بوصايا بمسائل، أو تكون لك فيه قدوة تقتدي به، إن لم تنل منه علما مباشرا يعني بطريق التعليم انتفعت به اقتداء تقتدي به في هديه في سيرته، قدوة إمام صالح تتأسى به، الله، فعلمت منه في ربح مجالستك له ربح تربح دائما في ربح في مجالسته في أقواله في أفعاله، أقواله فيها خير، فيها يعني حكم، فيه وصايا، فيه تذكير - تذكير بالله - تذكير بنعم الله - تذكير بآيات الله - تدبر تفكر، لو قدر أن لا تحصل على شيء من هذا ولا ذاك فإنك ستربح السلامة مما لو جالست غيره، السلامة، السلامة ربح أيضا ومكسب تسلم من المآثم، سوف لا يقرك على محرم ستسلم مما قد تبتلى به لو جالست غير هذا العبد الصالح ، « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده »7 سلامة، لا يؤذيك لا يجاريك في أمور مكروهة أو محرمة فأنت تربح السلامة، هذا يمكن أن نقول: إن من جنس يعني في المشبه به « أو تجد منه رائحة طيبة »8 هذا مغنم وفي هذا أبلغ حث على اختيار الجليس، الجليس له شأن له أثر والإنسان ينسب لصاحبه إذا رئي الإنسان مع من يكون يعني من الصالحين ومن المحمودين في سيرتهم وأخلاقهم من يشاهد معه يكتسب من هذا الثناء ويستدل به ،

لا تسأل عن المرء وسل عن قرينه

 

فكــل قــرين بالمقـارن يقتـدي

يشرف الإنسان بمصاحبة الأخيار، إذا رأيت إنسانا مع أهل العلم ومع طلبة العلم ومع الأجواد مع الصالحين مع العباد هذا عنوان خير والحمد لله.

هذا مثل واحد « مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحزيك »9 يهديك إليك « وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة »10 الحمد لله، وما أروعه من مثل، مثل عظيم مصور.

وفي المقابل « مثل جليس السوء كنافخ الكير »11 أعوذ بالله، الكير آلة يعني من نوع المنفاخ، المنفاخ الآن أصبح يعني أثري عند الناس راح ؛ لكنه منفاخ من نوع خاص، يعني الكير منفاخ من نوع ثان - يعني عبارة - كأنه جلد كأنه قربة يسحبها هذا صاحب الحداد اللي يوقد النار على الحديد لصهر الحديد وتليين الحديد، يعني أدركناه ..يسحب هذا ويضغطه إذا ضغطه هذا النفخ هذا الكير إذا نفخ طار الشرار إذا ضغط الكير طار الشرارات من هنا وهناك مثل المنفاخ اللي تعرفونه يمكن الآن، الحديد إذا وضع على النار تفوح منه روائح عفنة لأن المقصود صهر هذه المواد لتخليص الحديد من الصدأ مما علق به فتفوح منه روائح، كنافخ الكير اللي يدخل على صاحب الكير أو يجلس مع صاحب الكير خلاص يا ويله إما أن يتطاير الشرار فيحرق ثيابه، وإما أكل شيئا إذا خرج فإذا هو منتن الرائحة من دخان الحديد والمواد المنصهرة، هذا شوف المثل مثل تعبير مصور، هذا المثل الثاني.

« ومثل الجليس السوء »12 هو ضد الجليس الصالح تماما، أعوذ بالله، جهل، الجليس السوء يعني صفه بنقيض ما تقدم: جهل، سوء خلق، يعني: أحمق، غضوب، مغتاب، نمام، خائن، مفرط في جنب الله، لا علم، ولا تقوى، ولا خلق، هذا جليس سوء، هذا جليس سوء، وكمان الصالحون يتفاضلون، كذلك الآخرون من ذوي الجهل والفجور يتفاوتون « ومثل جليس السوء كنافخ الكير »13 الرسول ذكر وجه الشبه في المشبه به كما قلنا في الأول يدرك منه وجه الشبه في المشبه به، جليس السوء ماذا تستفيد منه ؟ أعوذ بالله، تستفيد منه الغفلة، الوقوع في ما حرم الله، تكسب منه - يعني - تزيين الباطل تشويه الحق، التنفير عن الخير، هذه نتائج مجالسة جليس السوء، أيضا يوقعك بسوء خلقه يوقعك في مشاكل، تدخل معه في مشاكل في خصومات مثل نافخ الكير، نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وتخسر الثوب وتروح بدونه، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة، جليس السوء لو قدر أنك سلمت منه تكون ما ربحت، لو قدر أنك ما يوقعك في حرام تكون ما ربحت شيئا إلا السمعة السيئة، من تراه مع الأراذل والسفهاء والجهلاء والفسقة والفجرة قرينهم خلاص منسوب القرين إلى القرين منسوب، فلان يجالس فلانا، فلان يجلس مع المدخنين ... وهذا أقل الأمور مع المدخنين، مع الشراب، مع فسقة، مع تاركي الصلوات، مع يعني: أصحاب الفجور والباطل هذا عنوان.

فهذا الحديث اشتمل على مثلين لكن الرسول - عليه الصلاة والسلام - صاغهما بأسلوب يعني: ذكر المشبه أولا، ثم ذكر المشبه به بطريقة ما يسمى في علم البديع إيش ؟ اللف والنشر المرتب، قال : « مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير »5 هذا لف ونشر مرتب، ثم جاء التفسير : « فحامل المسك »14 كذا : « ونافخ الكير »15 كذا وبهذا يعرف وجه الشبه في المشبه، فالمشبه في الأول والمشبه به ووجه الشبه كله طيب في طيب ؛ لكن المقصود الطيب المعنوي في الأول وذاك الطيب الحسي حامل المسك يعني طيبه بما يحمله، هذا أصل هذا الحديث أصل في اختيار الأصحاب في الصحبة، اختر لنفسك، وهذه الصحبة تنشأ عن المودة وعن الولاء ؛ لأن الإيمان يوجب محبة، الإيمان والعلم يوجب محبة الصالحين ومحبة الخير والأخيار، والجهل وضعف الدين وضعف الإيمان يثمر - يعني - الركون والميل إلى أشرار الناس.

هذا حديث عظيم ينبغي للمسلم أن يتخذه منهجا في من يصاحبه ومن يجانبه، فصاحب الأخيار وجانب الأشرار، فهذا يقال فيه: نعم الجليس، وهذا يقال: بئس الجليس . والله أعلم .

 

1 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
2 : سورة العنكبوت (سورة رقم: 29)؛ آية رقم:43
3 : سورة العنكبوت (سورة رقم: 29)؛ آية رقم:41
4 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:89
5 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
6 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:32
7 : البخاري : الإيمان (10) , ومسلم : الإيمان (40) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (4996) , وأبو داود : الجهاد (2481) , وأحمد (2/191) , والدارمي : الرقاق (2716).
8 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
9 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/408).
10 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
11 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
12 : البخاري : البيوع (2101) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
13 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
14 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).
15 : البخاري : الذبائح والصيد (5534) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2628) , وأحمد (4/404).