موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة الشارح - شرح اللؤلؤ المكنون
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اللؤلؤ المكنون لفضيلة الشيخ عبدالكريم الخضير
  
 
 شرح اللؤلؤ المكنون
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 أهمية السنة ومنزلتها من القرآن
 نشأة علم المصطلح
 موضوع علم الحديث وتعريف الحديث والأثر والخبر
 أنواع الحديث على سبيل الإجمال
 تعريف الخبر المتواتر وشروطه
 أقسام خبر الآحاد وتعريف المشهور
 الحديث العزيز والغريب
 المتابعات والشواهد
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح
 مراتب الصحيح
 أصح الأسانيد
 معنى قولهم على شرط الشيخين
 الحسن لذاته والصحيح لغيره وزيادة الثقة
 شرط الشيخين
 التمييز بين الحسن والصحيح
 الحسن لذاته إذا حف بطرق أخرى
 وصف الحديث بالصحة والحسن
 مسألة زيادة الثقة
 الحسن لغيره
 مقدمة الجزء الثاني
 الحسن لغيره
 تعريف الحديث الحسن لغيره
 المدلس والتدليس
 الضعف الشديد والضعف اليسير
 قبول خبر الواحد
 تقسيم المقبــول من حيث العمل
 المحكم والمعارض
 تعريف المحكم والمعارض
 العدول عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم
 الجمع بين النصوص المتعارضة ما أمكن
 صرف الأمر من الوجوب إلى الجواز
 صرف الأمر من التحريم إلى الكراهة
 تخصيص العموم وتقيد المطلق
 حمل المطلق على المقيد
 الجمع بين النصوص
 لا يجوز رد المعارض إذا أمكن الجمع
 الناسخ والمنسوخ
 أقسام الضعيف
 المردود
 تعريف الضعيف
 شروط قبول الضعيف
 أسباب الرد
 بيان الخبر الموضوع
 الكذب على النبي
 خبر الفاسق والمبتدع
 رواية المجهول
 المعل
 الشاذ
 المنكر
 المدرج
 المقلوب
 المزيد في متصل الأسانيد
 المضطرب
 المصحف
 رواية سيئ الحفظ
 المعلق
 المرسل
 المعضل والمنقطع
 التدليس
 المرسل الخفي
 حكم العمل بالحديث الضعيف
 أقسام الخبر باعتبار قائله
 المرفوع
 الموقوف
 المقطوع
 المسند
 الإسناد العالي وأقسامه والإسناد النازل
 رواية الأكابر عن الأصاغر ورواية الأبناء عن الأباء
 رواية الأقران والمدبج
 رواية الإخوة عن بعضهم
 المسلسل
 طرق التحمل وصيغ الأدا
 أسماء الرواة وأنسابهم وكناهم وألقابهم ومواليدهم ووفياتهم وطبقاتهم
 المتفق والمفترق
 المهمل
 المؤتلف والمختلف
 المتشابه
 الوحدان
 طبقات الرواة
 مراتب الجرح والتعديل وألفاظهما
 المبهمات
 أسباب ورود الحديث وتاريخه
 معرفة الولاء
 سن التحمل
 آداب الشيخ والطالب
 صفة كتابة الحديث وضبطه
 صفة أداء الشيخ لحديثه
 صفة التصنيف في الحديث
 خاتمة
شرح اللؤلؤ المكنون - مقدمة الشارح
مقدمة الشارح

نظم اللؤلؤ المكنون

مقدمة الشارح

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلا يخفى على من حضر فضل العلم الشرعي وما أعده الله -جل وعلا- من ثواب عظيم لحملته، بل لمن سعى في طلبه ولو لم يدركه، وجاء في الحديث: « من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة »1 مجرد أن يسلك الإنسان الطريق يثبت له إن كان مخلصا لله -عز وجل- هذا الموعود الصادق، فإذا كان العلم يؤثر في الحيوانات بل في أخسها، فماذا عن مسلم مؤمن يبتغي بهذا العلم وجه الله والدار الآخرة.

الأمر في غاية الأهمية، ومقابله في غاية الخطورة، لأن العلم الشرعي ويراد به ما يعتمد على الوحيين من أمور الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك، فمن تعلم ليقال: عالم، هذا مصيره أن يكون أحد الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ولو قيل: إنه عالم، ولو تبوأ منزلة بين الناس، ولو تبوأ المنازل والمناصب بين الناس، ليستوفي حقه في الدنيا ويدخر له العذاب يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية.

والعلم الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح حامليه هو العلم الشرعي، والعلم الشرعي المعتمد على الوحيين، أما ما سواه من العلوم فهو كغيره مما يعانيه الناس من أمور دنياهم، إن احتسب به نفع المسلمين أُجر عليه كما يؤجر الصانع والمزارع وغيرهما، وإن خلا عن النية فلا له ولا عليه، وهذا بخلاف هذا العلم الذي هو في الحقيقة عبادة بل من أجلّ العبادات، ولذا يقرر أهل العلم في أبواب صلاة التطوع يرتبون ما يتطوع به العبد بعد الفرائض ويجعلون العلم وطلب العلم ومدارسة العلم في رأس القائمة، والمراد به علم الوحيين الكتاب والسنة.

وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون العلم من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة ودون وسائط، فلا يحتاجون إلى وسائل تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فلما وجدت الوسائط بين من ينشد العلم ويطلبه وبين مبلغه عن ربه --عليه الصلاة والسلام-- احتيج إلى مثل هذه الوسائل.

في القرن الأول والثاني العهد قريب، والقرائح باقية، والفطر على ما كانت عليه، ثم لما وجدت الحاجة إلى أن يؤلَّف في علوم الوسائل إلى المقصد الأصلي هو علم الوحيين هذه الحاجة أوجدت هذه العلوم، فألف الناس في العقائد، وبينوا العقائد الصحيحة المتلقاة من كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما يبين ذلك من أقوال الصحابة والتابعين لما وجد المخالف في هذا الباب، فبينت هذه العقائد ودونت فيها الكتب حماية للمسلمين وردا على المخالفين.

بعد العهد واختلط العرب بغيرهم فاحتاجوا إلى ما يعينهم على فهم كلام الله -عز وجل- فألفت التفاسير، كثرت الوسائط بين الناس وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- فاحتيج إلى أن تبحث أحوال هذه الوسائط جرحا وتعديلا، واحتيج أن يصنف في قواعد من قبل أهل العلم تضبط ما يقال في هؤلاء الرواة من جرح وتعديل، فالحاجة أوجدت هذه العلوم، والعلماء أدوا ما عليهم في خدمة الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة.

احتيج أيضا إلى تدوين أقوال سلف هذه الأمة في القضايا والنوازل ليفاد منها في كيفية التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فألفت كتب الفروع، ووجدت القواعد والضوابط والأصول التي يستعين بها طالب العلم في كيفية التعامل مع النصوص، فألفت بقية العلوم لتخدم الكتاب والسنة.

وهذا العلم -أعني: علم مصطلح الحديث- من هذا النوع، وأُلف للتوصل به وبواسطته إلى معرفة المقبول والمردود مما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فكان موضوعه الأسانيد والمتون الذي نظم فيهما هذا النظم الذي بين أيدينا.

هذا الكتاب الذي معنا كتاب جامع متوسط، لم يكن اختصاره مخلا كالبيقونية وغرام صحيح وغيرهما، ولم يكن مطولا كالألفيات وغيرها مما زاد عليها، قد يقول قائل: هذا نظم وجاءت النصوص بذم الشعر فكيف نتقرب إلى الله -عز وجل- بما جاء ذمه في النصوص، ﴿ والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾2 وجاء في الصحيحين: « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا »3 هذا ذم للشعر، لكنه محمول عند أهل العلم على من امتلأ جوفه وذهنه وحافظته من هذا النوع من الكلام.

وإذا امتلأ هذا الظرف وهذا الوعاء فإنه لن يكون لما أُمر به من حفظ للكتاب والسنة من كلام الله -عز وجل- وكلام نبيه -عليه الصلاة والسلام، لن يكون له مكانة، فمن كان ديدنه الشعر حتى يمتلئ بحيث لا يستطيع أن يستوعب غيره معه، يرِد فيه مثل هذا الحديث.

وبعض أهل العلم حمل هذا الحديث وما جاء في معناه على الشعر المذموم، ولا شك أن الشعر كلام حسَنُه حسن وقبيحه قبيح، وسمع النبي -عليه الصلاة والسلام- الشعر، وأُنشد الشعر بين يديه -عليه الصلاة والسلام- استمع للشعراء، وأمر حسانا بأن يهجو الكفار، فدل على أن الشعر إذا خلا مما ذكر فإنه يكون من قبيل المباح، ثم إذا اشتمل هذا الشعر على ما ينفع من دفاع عن الإسلام وأهله يرد فيه نحو: « اهجهم وروح القدس يؤيدك »4 كونه مأمورا به، إذا كان فيه بيان للدين ودفاع عنه، ورد على المخالفين يكون مما أمر به.

كانت البدايات في نظم العلوم ضعيفة ومقتصرة على التواريخ والأدب، وأنا دونت بعض من نظم في التواريخ من الأوائل: أبان بن عبد الحميد اللاحقي المتوفى سنة مائتين نظم في الأدب والأخلاق كتاب كليلة ودمنة، ونظم في التاريخ سيرة أنوشروان وسيرة أردشير. جاء بعده بشر بن المعتمر الهلالي المعتزلي متوفى سنة عشر ومائتين فنظم قصيدة يقال أنها في أربعين ألف بيت رد فيه على جميع المخالفين لاعتقاده.

جاء بعده علي بن الجهم القرشي متوفى سنة تسع وأربعين ومائتين فنظم أرجوزة تاريخية ذكر فيها تاريخ الخلق منذ آدم -عليه السلام- حتى الخليفة المستعين بالله، جاء بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ست وتسعين ومائتين فنظم أرجوزته في تاريخ الخليفة المعتضد وغيره، وتقع في عشرين وأربعمائة بيت، ثم جاء ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة فنظم أرجوزة تاريخية في مغازي عبد الرحمن الناصر، ورتبها على السنين وتقع في خمسة وأربعين وأربعمائة بيت، وأرجوزة أخرى في العروض تقع في ثلاث وتسعين ومائة بيت.

استمر الحال على ذلك الضعف إلى أن جاء العصر العباسي الرابع الذي يبدأ من سبعة وأربعين وأربعمائة وينتهي بسقوط بغداد بالكارثة الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، فتغيرت حال الشعراء عما كانوا عليه، وانصرفت القرائح إلى نظم العلوم الشرعية فأودعوا علومهم في قصائد طويلة تارة وقصيرة تارة أخرى، ليسهل حفظها وتذكرها.

والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، فمن أطول هذه القصائد مما وجد نظم ابن عبد القوي -رحمه الله- للمقنع المسمى عقد الفرائد، وهذه طويلة جدا "عقد الفرائد وكنز الفوائد" مطبوع في مجلدين تزيد أبياتهما على اثني عشر ألف بيت، وهذه المنظومة لا شك أن فيها ضبط لفقه الحنابلة على طولها، ولا مانع أن يعتني بها طالب العلم كما يعتني بغيرها من كتب الفقه، يقرؤها قراءة وإذا وجد بيتا يشتمل على فائدة نادرة أو ضابط يمكن أن يحفظه فهو أحسن من النثر.

نونية ابن القيم تذكر في هذا المجال وهي منظومة نافعة عظم نفعها بلغت في عد خمسة آلاف وثمانمائة وعشرين بيتا، والألفيات في كل علم أشهر من أن تذكر، هناك ألفية ابن مالك، وألفية العراقي، وألفية السيوطي.. الألفيات كثيرة، ألفية في الفرائض ألفية في الفقه.

هناك المختصرات المنظومات المختصرة التي عم نفعها كالرحبية في الفرائض، البيقونية على اختصارها في المصطلح، ونظم الآجرومية، ونظم الورقات، وغير ذلك من المنظومات التي لا ينكر نفعها، فهذه منظومات مهمة والنظم كما عرفنا يقابل النثر، ومنه نظم العقد وجمع مفرداته في خيط واحد، كما أن النظم نظم الكلام جمع كلمات البيت الواحد في عقد واحد وهو البيت، بل في عقود وهي الأبيات.

اللؤلؤ المكنون عندنا العنوان نظم اللؤلؤ المكنون جاء في تفسير القرطبي على قوله -جل وعلا: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ﴾5 من سورة الطور يقول: كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون في الصدف، والمكنون المصون، وقال الكسائي: كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته.

وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى في الكن وفي النفس جميعا، تقول: كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومُكَن، وكننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة ومُكَنّة.

واللؤلؤ: هو الدر عبارة عن أجسام مستديرة بيضاء لماعة تتكون في الأصداف من رواسب بعض الحيوانات المائية، واحدتها لؤلؤة والجمع لؤلؤ ولآلئ.

"في أحوال الأسانيد والمتون" يعني: في توضيح وبيان أحوال الأسانيد وذكر السند والمتن، سيأتي في النظم لكن وروده هنا في أول مكان يغنينا عن إعادته فيما بعد إن شاء الله -تعالى.

"الأسانيد": جمع سند، وهو لغة: ما ارتفع من الأرض وما يليك من الجبل وما قابلك مما يليك من الجبل وعلا عن السفح، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند وسند، ويقال: أسند في الجبل إذا صعده، كما يقال: فلان سند أي: معتمَد، فالسند ما يستند إليه ويعتمد عليه من متكأ ونحوه.

اصطلاحا: عرفوه بأنه الإخبار عن طريق المتن، قال ابن حجر: حكاية طريق المتن، يعني: الطريق الموصِل إلى المتن، والإسناد يأتي بمعنى السند، حديث إسناده حسن أو سنده حسن لا فرق، وإن كان الأصل الإسناد وهو المصدر رفع الخبر إلى قائله أو رفع الحديث إلى قائله.

والسند كما تقدم بعبارة يمكن نصوغها تكون أوضح مما تقدم هو: سلسلة الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداء بشيخه وانتهاء بالنبي -عليه الصلاة والسلام.

"والمتون": جمع متن وهو ألفاظ الحديث التي هي الغاية من دراسة هذا العلم، وأما دراسة الأسانيد فهي وسيلة ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني، مأخوذ من المماتنة وهي المباعدة في الغاية، لأن المتن هو غاية السند، أو من المتن وهو ما صلُب وارتفع من الأرض، لأن المسنِد يقوي المتن بالسند ويرفعه إلى قائله، أو من تمتين القوس أي: شدها بالعصب، لأن المسند يقوي الحديث ويسنده أو يقوي الحديث بسنده.

والأسانيد والمتون هي موضوع علوم الحديث، يعني علوم الحديث موضوعه في الأسانيد والمتون يقول السيوطي:

علم الحـديث ذو قوانين تحــد يـدرى بها أحــوال متن وسـند

فذلك الموضوع، وقُدم الموضوع على الحد للحاجة إلى شرح عنوان الكتاب، وإلا فالأصل تقديم الحد، والمبادئ العشرة معروفة:

إن مبـادئ كـل علـم عشــرة الحد والموضـوع ثـم الثمــرة
ونسـبته وفضلــه والــواضع والاسم والاستمداد ثم حكم الشارع

على كل حال الذي يعنينا من هذا تعريف علوم الحديث وموضوعه بقية المبادئ العشرة بحثها موجود، فعلوم الحديث ويسمونه أصول الحديث ويسمونه مصطلح الحديث، وهو بمنزلة علوم القرآن وأصول الفقه وهو القوانين المعرفة بحال الراوي والمروي، يعني بحال السند والمتن بحال الموضوع.

هذا أخصر ما قيل فيه، وإن كان له تعريفات باعتبار أسمائه وشهرته في مصطلح الحديث في هذه الكلمة وهي عبارة عن جزأين، رُكب أحدهما على الآخر، جزأين متضايفين: مصطلح وحديث، وله تعريف باعتبار جزأي المركب، وتعريفه الذي مضى باعتباره علم على هذا العلم.

المصطلح: هو العرف الخاص، يعني ما يتعارف عليه أهل علم من العلوم، فإذا كان هذا المصطلح لا يتضمن مخالفة لما تقرر في أي علم من العلوم فإنه لا مشاحة فيه، وأهل العلم يطلقون: لا مشاحة في الاصطلاح مع أنه ينبغي أن تقيد بما لا يخالف نصا شرعيا أو ما تقرر في أي علم من العلوم.

يعني لو قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن تكون السماء وهي في مكانها أقول: تحت، الناس يقولون: فوق، والأرض فوق وإن كانت تحت؛ لا مشاحة في الاصطلاح. نقول لك: هذا يخالف ما تقرر عند جميع العقلاء، فليس لك أن تصطلح لنفسك ما يخالف ما تقرر، لو قال: أنا أجعل الشمال جنوبا والجنوب شمالا، أجعل في اصطلاحي أن اليمن في جهة الشمال وأن الشام في جهة الجنوب، نقول له: هذا يخالف مصطلح ما اصطلح عليه.

لكن لك أن تصطلح لنفسك ولا مشاحة في الاصطلاح أن تقلب الخارطة فبدلا من أن يكون الشام في رأس الخارطة واليمن في أسفلها اقلب لا بأس ما فيه مانع، لأن هذا لا يغير من الواقع شيئا. أقول هذه المسألة التي تطلق على ألسنة أهل العلم هي بحاجة إلى مثل هذا التقييد، ولا نريد أن نسترسل أكثر من هذا.

فنأتي إلى التعريف بالمؤلف: المؤلف -رحمة الله عليه- أشهر من نار على علم، فهو بالنسبة لاسمه الشيخ العالم العلامة وإن صغر سنه فالعبرة بما حواه من علم وعمل، اسمه: حافظ بن أحمد بن على الحكمي، نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة، ولد -رحمة الله عليه- نريد أن نختصر اختصار شديد جدا، لأن سيرة الرجل -رحمة الله عليه- العطرة كُتب فيها رسائل علمية، ودونت في متون الكتب ضمن التراجم بإفاضة، استوفيت حياته -رحمة الله عليه- شيوخه، تلاميذه، مؤلفاته، شيء من أخباره، المقصود أن هذا مستوفى لا نستطرد بذكره

ولد -رحمة الله عليه- سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة وألف في شهر رمضان بقرية يقال لها السلام، تابعة لمدينة المضايا حاضرة قبيلة الحكّامية، الحكامية أنتم أعرف بضبطها التي ينتسب إليها، ثم انتقل إلى قرية الجاضع التابعة لمدينة صامتة، تعلم مبادئ القراءة والكتابة في الكتاب حيث ألحقه أبوه بكتاب القرية، حفظ القرآن وبعض المتون العلمية في وقت مبكر جدا.

لزم الشيخ عبد الله القرعاوي الذي انتقل إلى المنطقة هناك في جيزان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف في شعبان، رزقه الله حافظة قوية وفهما ثاقبا، حصل في مدة يسيرة جدا من العلوم ما لا يدرك في عقود.

ومؤلفاته شاهدة على ذلك التي من أشهرها: سلم الوصول شرح معارج القبول، أعلام السنة المنشورة، دليل أرباب الفلاح في المصطلح، المنظومة النونية في الوصايا والآداب العلمية، وهذه المنظومة لا يستغني عنها طالب علم، أودعها -رحمة الله عليه- وصايا يحتاج إليها كل طالب علم، النور الفائض في علم الفرائض وغير ذلك من مؤلفات الشيخ الكثير.

توفي الشيخ -رحمة الله عليه- بعد أن أدى الحج سنة سبع وسبعين وثلاث مائة وألف وكان عمره خمسا وثلاثين سنة وأشهرا؛ يعني: إذا كان النووي -رحمة الله عليه- يضرب به المثل في وجود البركة في عمره ومدته على قصرها، فالشيخ حافظ -رحمة الله عليه- أصغر منه بعشر سنوات مع ما قدمه للأمة من علم محرر محقق، والله المستعان.

1 : مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي : العلم (2646) , وأحمد (2/252) , والدارمي : المقدمة (344).
2 : سورة الشعراء (سورة رقم: 26)، آية رقم:224
3 : البخاري : الأدب (6154) , وأحمد (2/39) , والدارمي : الاستئذان (2705).
4 : البخاري : بدء الخلق (3213) , ومسلم : فضائل الصحابة (2486) , وأحمد (4/302).
5 : سورة الطور (سورة رقم: 52)، آية رقم:24