موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المقدمة - شرح اختصار علوم الحديث
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اختصار علوم الحديث لفضيلة الشيخ إبراهيم بن عبد الله اللاحم
  
 
 شرح اختصار علوم الحديث
 المقدمة
 ترتيب ابن الصلاح لأنواع الحديث
 تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا
 الحديث الصحيح
 تعريف الحديث الصحيح
 حاصل حد الصحيح
 مراتب الحديث الصحيح
 أول من اعتنى بجمع الصحيح
 البخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج الصحيح كله
 عدد ما في الصحيحين من الحديث
 الزيادات على الصحيحين
 مصادر الأحاديث الصحيحة
 المستخرجات
 مسند الإمام أحمد وما فيه من الصحيح
 معاجم الطبراني والمسانيد والفوائد والأجزاء
 الأحاديث المختارة للضياء المقدسي
 مستدرك الحاكم
 موطأ مالك
 إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي
 مسند الإمام أحمد
 الكتب الخمسة وغيرها
 التعليقات التي في الصحيحين
 إنكار ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي
 ماذا تفيد أحاديث الصحيحين
 النوع الثاني الحديث الحسن
 تعريف الحديث الحسن
 تعريف الترمذي للحديث الحسن
 تعريفات أخرى للحسن
 أقسام الحديث الحسن
 الحسن الذي كان أصله ضعيفا
 الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن
 أبو داود من مظان الحديث الحسن
 كتاب المصابيح للبغوي
 صحة الإسناد لا يلزم منه صحة الحديث
 قول الترمذي حسن صحيح
 النوع الثالث الحديث الضعيف
 النوع الرابع المسند
 النوع الخامس المتصل
 النوع السادس المرفوع
 النوع السابع الموقوف
 النوع الثامن المقطوع
 تعريف الحديث المقطوع
 ما له حكم الرفع والوقف
 النوع التاسع المرسل
 تعريف الحديث المرسل
 الاحتجاج بالمرسل
 مراسيل الصحابة
 النوع العاشر المنقطع
 النوع الحادي عشر المعضل
 تعريف الحديث المعضل
 الإسناد المعنعن
 الإسناد المؤنن
 إذا أسند الراوي ما أرسله غيره
 النوع الثاني عشر المدلس
 تدليس الإسناد
 تدليس الشيوخ
 النوع الثالث عشر الشاذ
 تعريف الشافعي للحديث الشاذ
 تعريف الحاكم النيسابوي للحديث الشاذ وتعليق ابن الصلاح عليه
 النوع الرابع عشر المنكر
 النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد
 النوع السادس عشر في الأفراد
 النوع السابع عشر في زياد الثقة
 النوع الثامن عشر معرفة المعلل من الحديث
 كيفية معرفة الحديث المعلل
 الكتب التي ألفت في العلل
 النوع التاسع عشر المضطرب
 النوع العشرون معرفة المدرج
 النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع المختلق المصنوع
 النوع الثاني والعشرون المقلوب
 أقسامه
 لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث الحكم بضعفه
 رواية الحديث الضعيف
 عدم رواية الحديث الضعيف بصيغة الجزم
 النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل
 معرفة من تقبل روايته وبما تثبت عدالة الراوي
 معرفة ضبط الرواة
 الاكتفاء بقول الواحد في الجرح والتعديل
 رواية مجهول العدالة ظاهرا وباطنا
 رواية المبتدع إن كفر ببدعته
 رواية التائب من الكذب في حديث الناس
 النسيان من الراوي
 أخذ الأجرة على التحديث
 مراتب الجرح والتعديل
 النوع الرابع والعشرون كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه
 كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
 أنواع تحمل الحديث
 القسم الأول السماع
 القسم الثاني القراءة على الشيخ
 القراءة حفظا أو من كتاب
 إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك
 التحدث في مجلس السماع
 السماع من وراء حجاب
 القسم الثالث الإجازة
 القسم الرابع المناولة
 القسم الخامس المكاتبة
 القسم السادس الإعلام
 القسم السابع الوصية
 القسم الثامن الوجادة
 النوع الخامس والعشرون كتابة الحديث وضبطه وتقيده
 اختلاف السلف في كتابة الحديث وعدم كتابته
 ما ينبغي لكاتب الحديث أو غيره
 إرشادات لكاتب الحديث
 النوع السادس والعشرون صفة رواية الحديث
 اشتراط الرواية من حفظ الراوي
 اختلاف الحافظ وكتابه
 رواية الحديث بالمعنى
 اختصار الحديث بحذف بعضه
 علم العربية وصلته بالرواية
 إكمال السند إذا أسقط منه ما لا بد منه
 الزيادة في نسب الراوي وتقديم المتن على الإسناد
 الإحالة
 إبدال لفظ بلفظ سائغ مكانه
 الرواية في حال المذاكرة
 النوع السابع والعشرون آداب المحدث
 النوع الثامن والعشرون آداب طالب الحديث
 النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل
 النوع الثلاثون والحادي والثلاثون معرفة المشهور والغريب والعزيز
 النوع الثاني والثلاثون معرفة غريب ألفاظ الحديث
 النوع الثالث والثلاثون معرفة المسلسل
 النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
 النوع الخامس والثلاثون معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا
 النوع السادس والثلاثون معرفة مختلف الحديث
 النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد
 النوع الثامن والثلاثون معرفة الخفي في المراسيل
 النوع التاسع والثلاثون معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
 تعريف الصحابي
 أمور تتعلق بالصحابة
 النوع الموفي أربعين معرفة التابعين
 النوع الحادي والأربعون معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر
 النوع الثاني والأربعون معرفة المدبج
 النوع الثالث والأربعون معرفة الإخوة والأخوات من الرواة
 النوع الرابع والأربعون معرفة رواية الآباء عن الأبناء
 النوع الخامس والأربعون رواية الأبناء عن الآباء
 النوع السادس والأربعون معرفة رواية السابق واللاحق
 النوع السابع والأربعون معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد
 النوع الثامن والأربعون معرفة من له أسماء متعددة
 النوع التاسع والأربعون معرفة الأسماء المفردة والكنى
 النوع الخمسون معرفة الأسماء والكنى
 النوع الحادي والخمسون معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية
 النوع الثاني والخمسون معرفة الألقاب
 النوع الثالث والخمسون معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب
 النوع الرابع والخمسون معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب
 النوع الخامس والخمسون الأسماء المتشابهة في الرسم
 النوع السادس والخمسون معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة
 النوع السابع والخمسون معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم
 المنسوبون إلى أمهاتهم
 من ينسب إلى جده
 النوع الثامن والخمسون في النسب التي على خلاف ظاهرها
 النوع التاسع والخمسون في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء
 النوع الموفي الستين معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم
 النوع الحادي والستون معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم
 النوع الثاني والستون معرفة من اختلط في آخر عمره
 النوع الثالث والستون معرفة الطبقات
 النوع الرابع والستون معرفة الموالي من الرواة والعلماء
 النوع الخامس والستون معرفة أوطان الرواة وبلدانهم
شرح اختصار علوم الحديث - المقدمة

اختصار علوم الحديث

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذا درس ضمن الدورة العلمية التي ينظمها المكتب التعاوني بالدعوة والإرشاد بحي سلطانة بالرياض، في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية.

ومن حق القائمين -أو المنظمين لهذه الدورة- حقهم علينا أن نشكرهم، وأن ندعو لهم بظهر الغيب، وعلى رأس هؤلاء فضيلة الشيخ إمام هذا المسجد الشيخ فهد الغراب، فله جهد مشكور، نسأل الله -تعالى- أن يجعله في ميزان حسناته.

ويسرني جدا أن أشارك الأخوة في هذه الدورة؛ لأستفيد أولا، ولعله -أيضا- يُستفاد مما أقوله، ودرس هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- نبتدئ به في التعليق على كتاب الحافظ ابن كثير، الذي وَسَمَه بـ"اختصار علوم الحديث".

علوم الحديث أو كتاب علوم الحديث أصله لابن الصلاح، الإمام المعروف، وابن الصلاح -رحمه الله تعالى- تولى تدريس مادة الحديث في إحدى مدارس دمشق، فرأى أن يُقدِّم لذلك بدروس تتعلق بمصطلح الحديث، أو بعلوم الحديث.

ولكنه لم يجد كتابا مجموعا مهذبا مختصرا مرتبا مما أُلِّفَ قبله؛ فإن التأليف قبل ابن الصلاح كان على طريقة أئمة أهل السلف -رحمهم الله تعالى- وهو التأليف عن طريق الإسناد؛ يبوِّب العالم للموضوع الذي يريد بكلمة من عنده، ثم يسوق ما تحت هذا الباب من نصوص للعلماء.

فرأى ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أن يجمع هذا، ويهذبه، ويرتبه، ويجعله على شكل، أو على طريقة أنواع لعلوم الحديث، فصار يُحضِّر كتابه شيئا فشيئا، ثم يمليه على طلبته، فجاء الكتاب المعروف المشهور بـ"علوم الحديث" وهو مشهور أيضا بـ"مقدمة ابن الصلاح".

فهو مشهور بهذين الاسمين، وقد رأيت لبعض الباحثين -يعني كلاما- يقول فيه: إن اسم "مقدمة ابن الصلاح" هذا اخترعه بعض طابعي الكتاب، وهذا الكلام غير دقيق، ليس بدقيق، هذا الاسم الذي هو مقدمة ابن الصلاح -يعني- أُطلِقَ عليه من قبل، ورأيته في شرح الملا علي القاري، فمثل هذا الكلام -يعني- لم يتمعن فيه صاحبه.

فالكتاب مشهور بـ"علوم الحديث" ومشهور أيضا، اشتهر أخيرا عندنا جدا بـ"مقدمة ابن الصلاح".

هذا الكتاب لما ألفه مؤلفه -رحمه الله تعالى- فرح به الناس في العالم الإسلامي كله، ويدلك هذا على أن العالم الإسلامي في ذلك الوقت بحاجة إلى كتاب مختصر مرتب، يقدم لهم علوم الحديث بأسلوب سهل، فلما خرج هذا الكتاب تلقاه العلماء بالقبول، فاشتغلوا عليه.

اشتغل عليه العلماء، منهم من اختصره كالنووي، وابن دقيق العيد، وابن كثير، ومنهم من اختصر بعض مختصراته كالنووي مثلا، اختصر كتابه "المختصر" وكالذهبي اختصر كتاب ابن دقيق العيد الذي هو… اختصره بالموقظة.

ومنهم من نظمه مثل العراقي والسيوطي، ومنهم من وضع عليه نكتا وفوائد، واشتغل عليه الناس، بحيث يمكن أن يقال -يعني-: إنه من الكتب النوادر التي كثرت عليها المؤلفات.

إذا كنا نعرف -مثلا- أن على صحيح البخاري -يعني- لصحيح البخاري -يعني- يقولون: أكثر من مائة شرح أو نحو ذلك، فإن كتاب ابن الصلاح -رحمه الله- ملحق بهذه الكتب التي كثر التأليف عليها، كَثُر، بلغ العشرات، كلها تدور حول كتاب ابن الصلاح، ومن هذه الكتب كتاب الحافظ ابن كثير الذي سندخل فيه -إن شاء الله تعالى- هذا اليوم.

ابن كثير معروف عندنا، ليس بحاجة إلى التعريف، فهو -يعني- من العلماء المشهورين، ومن العلماء الذين وصفوا بالموسوعات، وما معنى كونه موسوعة؟ العالم ما معنى كونه موسوعة ؟

يعني: اشتغل بعدد من الفنون، فله الكتاب المشهور في التاريخ الذي هو "البداية والنهاية" وله الكتاب المشهور في التفسير الذي هو "تفسير القرآن العظيم" المعروف.

وأيضا في الحديث اشتغل بهذا الكتاب، وله الكتاب المعروف أيضا "جامع المسانيد" وكتب في الرجال، في الجرح والتعديل، واشتغل أيضا بالفقه، وله كتاب "الأحكام الكبير".

فهو من العلماء الموسوعات الذين اشتغلوا بعدة فنون، وصار إماما في كل فن، وهو -رحمه الله- عاش في القرن الثامن، ولد سنة إحدى وسبعمائة للهجرة، وتوفي سنة أربع سبعين وسبعمائة.

وتتلمذ على أئمة فضلاء، من أشهرهم ابن تيمية -رحمه الله-، وأيضا المزي الذي كان له -لهذا الرجل الذي هو المزي- أثر كبير في عصره بالنسبة للسنة النبوية؛ لأنه -رحمه الله- ليس من العلماء الذين وصفوا بأنهم موسوعات، وإنما هو من الذين اشتغلوا بالتخصص، فليس له كتب، أو ليس له اشتغال إلا بالحديث. فتخرج به أئمة منهم: الذهبي، وابن تيمية، وجماعة.

المهم أن ابن كثير تتلمذ على المزي، وتزوج أيضا بابنته، صاهره، وأيضا تتلمذ على الذهبي، وعلى أئمة كثيرين. هذا هو مؤلف هذا الكتاب.

أما عمله في الكتاب، سنقرأ مقدمة، يعني: سنقرأ ماذا سيعمل في الكتاب، ولكن أحب أن أشير إلى نقطة مهمة في شخصية ابن كثير، وفي اشتغاله بعلم الحديث، وفي قيامه باختصار كتاب ابن الصلاح دليل عظيم على أهمية الاشتغال بعلم المصطلح، أو بعلوم الحديث.

وعلوم الحديث إذا أُطلقت تشتمل على شيئين:

الشيء الأول: ما يُعرف عندنا بمصطلح الحديث، مصطلح الحديث ما هو؟ معناه: معرفة مصطلحات أهل الحديث، فإذا قالوا كلمة، ماذا يريدون بها؟ ما معناها عندهم؟

فإذا قالوا -مثلا-: هذا الحديث مرسل. ماذا يريدون بها؟ إذا قالوا: هذا الحديث موصول. ماذا يريدون بها؟ إذا قالوا: فلان مدلس. ماذا يريدون بهذه الكلمة؟ إذا قالوا: هذا الحديث منكر. ماذا يعنون بمنكر؟

إذا قالوا: هذا الحديث -مثلا- مسلسل، هذا الحديث معلق، هذا الحديث منقطع، ماذا يريدون بهذه الكلمات؟

هذا هو مصطلح الحديث.

وكذلك يضم علوم الحديث يضم جانبا آخر، أو تتضمن جانبا آخر، أو جزءا آخر، وهو المهم، وهو من الأمور المهمة، أو هذا الجانب هو الأمور المتعلقة بقواعد النقد، الأمور المتعلقة بالقواعد.

يعني: مثلا نحن نقول -مثلا-: عندنا مصطلح تعارض الوصل والإرسال. نشرح كلمة تعارض، ونشرح كلمة وصل، ونشرح كلمة إرسال، هذا الأمر يتعلق بأي شيء؟ بالمصطلح أم بالقواعد؟

هذا الشرح يتعلق بالمصطلح، فيه جانب آخر، ما الحكم إذا تعارضا وصلا وإرسالا؟ فهذا الأمر يتعلق بالقاعدة، يعني: جانبا آخر، وهما جانبان متميزان.

فإذا قيل: مصطلح الحديث. فالمراد به معرفة المصطلح ماذا يريد به أئمة الحديث؟

وعندنا جانب آخر، الذي هو جانب قواعد النقد، وطالب العلم أول ما يبتدئ به بأي النوعين؟ أول ما يبتدئ به، أو أيهما أسهلهما؟

بلا شك الجانب المتعلق بالمصطلح، ويبتدئ به الشخص، في كتب علوم الحديث مثل كتاب ابن الصلاح مخلوطة الأمور، ليس هناك شيء يقال له: هذا مصطلح، وهذا قاعدة، بس أنا -يعنى- أريد أن يتصور طالب العلم ما الذي يأخذه في هذا الفن.

غرضي من هذا الكلام هو أن في شخصية ابن كثير -رحمه الله تعالى- دليل، واختصاره لكتاب ابن الصلاح، واشتغاله بفن المصطلح دليل عظيم على ضرورة الاشتغال بهذا العلم، وأن ما يقال من أن علم الحديث -الذي هو نقض السنة- من العلوم التي يقولون: طُبخت واحترقت.

بعض العلماء قسم العلوم إلى ثلاثة أقسام:

منها ما طُبخ ولم ينضج، فهو بحاجة إلى أي شيء؟ إلى مزيد طبخ.

ومنها ما طُبخ ونضج، فهو بحاجة إلى أي شيء؟ إلى الاستفادة منه.

ومنها ما طُبخ ونضج واحترق، وجعل من العلوم التي طُبخت ونضجت و احترقت علم نقد السنة.

وهذا الكلام قاله غير متخصص، يعني: أطلقها كلمة واستعجل فيها، ونقده العلماء، لكن الشاهد ما هو هنا؟ انظروا إلى أثر علم مصطلح الحديث، أو أثر علوم الحديث على الحافظ ابن كثير، وعلى -يعني- المسلمين عامة في شخصية ابن كثير، ما الذي أريده هنا؟

نحن نعرف أن كتب التفسير -ابتداء من الكتب الجوامع، مثل جامع البيان، ومثل تفسير ابن أبي حاتم، وهذه التفاسير التي جمعت كل شيء، كل ما قيل في التفسير بالمأثور، ثم تلتها كتب مثل: الثعالبي أو الثعلبي، وكتاب البغوي، والبيضاوي، كتب الزمخشري، وكتب في التفسير كثيرة جدا.

من الأشياء التي اشتهرت بها هذه الكتب في العصور المتأخرة -بكل أسف- أنها محشوة بأي شيء؟ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومحشوة -أيضا- داخلها موضوع خطير، وهو متعلق بأي شيء؟ بالإسرائيليات. ما هو الجديد في هذا الأمر؟

انظروا في نهاية القرن، أو في منتصف القرن الثامن يقوم إمام، ويقوم بجهد كبير جدا في سبيل تنقية علم التفسير من هذه الأمور التي دخلت عليه، من هو هذا الإمام؟

هو ابن كثير -رحمه الله تعالى-، هو ابن كثير، ونحن نعرف أن من أهم مميزات تفسيره نقده للمرويات، ولهذا:

أولا: قام بحذف شيء كثير جدا من التفسير مما أُودع قبله من قبل ابن جرير وغيره.

وثانيا: يورد بعض الأحاديث، وبعض المرويات، ثم يقوم بنقد هذه المرويات. نعم، بقي في تفسيره أشياء تحتاج إلى نقد، ولكنه -رحمه الله تعالى- قدم هذا الجهد، ما الذي جعله يقوم بهذا؟ ما الذي جعله يتولى هذا الأمر، أو يحس بهذا الأمر، أو يؤهل للقيام بهذا الأمر؟

إنما هو اشتغاله بعلوم الحديث، وأنت الآن خذ أي مؤلف -مثلا- تدرك لأول وهلة من قراءتك لكتابه إن كان مهتما بالتصحيح والتضعيف، أو كان غير مهتم بذلك، فهو يجمع ويستدل بأحاديث ربما تكون موضوعة.

فالقول بأن الناس أو بأن الاشتغال بعلوم الحديث انتهى دوره، هذا كلام خطير لا ينبغي أن يُلْتَفَت له؛ فالناس في كل زمان بحاجة إلى رجال، وإلى علماء في كل فن، حتى لو كان انتهى هذا العلم، أو طبقت قواعده؛ لأن المستفتي أو السائل لو قال لك: ما حكم، أو هذا الحديث المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما درجته؟

هل يمكن أن تقول له: ترى ابن معين تكلم فيه، اذهب وانظر ماذا قال؟ لا يمكن هذا، ولا يعرف هو ابن معين، ولا يعرف الكتب.

إذن، الناس بحاجة إلى من يوجههم في كل فن، ومن هذه الفنون التي هم بحاجة إليها -ولاسيما في الوقت الحاضر- هو علم نقد السنة، أو علوم الحديث، ما نعرفه باسم علوم الحديث، ولا سيما في هذا الوقت الذي انتشرت فيه الكتب، وطبعت فيه، وسَهُل الوصول إلى الحديث في أماكنه، واطلعنا على شيء كثير من كلام العلماء، فهو بحاجة إلى مقارنة.

العلماء يختلفون، والعلماء لهم مصطلحات، قد يقول الإمام: هذا حديث صحيح. ولا يريد به الصحة المطلقة، قد يقول: هذا حديث ضعيف. يريد من حديث هذا الصحابي، وقد يقول شيئا، ولا يريد به، يعني: كلامه مقيد.

من الذي يستطيع أن يميز هذا من هذا؟ إنما هو المشتغل بنقد السنة.

وقَلَّ، أو لا يخلو علم من علوم الشرع، أو من العلوم المتعلقة بالشرع -حتى العلوم اللغوية والنحوية- من الحاجة إلى علم مصطلح الحديث؛ اللغة، النحو، التفسير، الفقه، أصول الفقه. كل هذه العلوم محتاجة، أو يحتاج صاحبها إلى علوم الحديث.

لا تستغربون أن يكون النحو بحاجة إلى علوم الحديث، نحن نعرف أنه قام بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- من النحاة بتقعيد قواعد، أو بتأكيد قواعد مختلف فيها استدلالا بأي شيء؟ بالحديث. ولكن هذه الأحاديث التي استدل بها هي بحاجة إلى أي شيء؟ إلى نقد، وإلى تمييز ماذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن يتمعن قليلا في، أو من يقرأ في "فتح الباري" للحافظ ابن حجر سيجد نماذج من الاستدلال بالحديث في علوم، اترك علم الفقه، هذا واضح لا إشكال فيه، أو التفسير، تفسير مثلا نقل إلينا شيء كثير من التفسير بالمأثور هو -بلا شك- بحاجة إلى نقد.

لكن العلوم الأخرى التي قد القارئ لا يتصور أنها بحاجة إلى علوم الحديث، علم اللغة، علم النحو، البلاغة، الأمثال، علوم كثيرة بحاجة إلى علم مصطلح الحديث.

والآن -يعني- بعد هذه المقدمة، ندخل في الكتاب، والكتاب -كما هو معروف بالنسبة لهذه الدروس- يعتبر هو اختصار، ولكنه بالنسبة لهذه الدروس يعتبر أو يعد -يعني- ليس بالمختصر، ولهذا نحن بحاجة إلى التقليل من التعليق عليه؛ إنما أعلق عليه بما يُفْهَم، أو بتفسير كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-، وبما يتيسر، والقارئ أيضا سيسرع.

نرجو من الأخوة المتابعة بسرعة، سيسرع القارئ، ولعلنا -إن شاء الله تعالى- نتمكن من إتمام هذا الكتاب، فهذا أمر مطلب مهم، نستعين بالله- تعالى- القارئ. نعم.

تقرأ من قوله: "وهذا تنويع الشيخ أبي عمرو وترتيبه -رحمه الله-".. نعم.