موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المقدمة - شرح الرد على الجهمية والزنادقة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الرد على الجهمية والزنادقة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
  
 
 شرح الرد على الجهمية والزنادقة
 مقدمة
 بيان ما أنكرت الجهمية أن الله تعالى كلم موسى
 الرد على الجهمية فيما أنكروا من كلام الله تعالى لموسى
 الرد على الجهمية فيما أنكروه أن الله تعالى لا يتكلم
 الرد على شبهة الجهمية أن الكلام لا يكون إلا من جوف أو لسان
 ما ورد في ترجمة خضر بن مثنى صريح في نسبة الكتاب للإمام أحمد
 الرد على الجهمية في تشكيكهم في نسبة الكتاب للإمام أحمد
 زعمهم جهالة الخضر بن مثنى
 نفي جهالة الخضر بن مثنى
 وجود نسخة من الكتاب بخط عبد الله بن أحمد
 إثبات علماء الأمة الرسالة ونسبتها للإمام أحمد
 احتجاج أهل العلم بالرسالة على أنها للإمام أحمد
 تصنيف الإمام أحمد للكتاب وهو في الحبس
 نقل ابن تيمية مقدمة الرسالة في كتبه مؤكدا نسبتها للإمام أحمد
 التشكيك في نسبة الرسالة للإمام أحمد لا وجه له
 المقدمة
 بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن
 شبهتهم في قوله تعالى " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى " هذا يوم لا ينطقون" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون: والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "خلقكم من تراب" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "رب المشرق والمغرب" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ويوم نحشرهم جميعا. ..." والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون. ..." والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "يوم يجمع الله الرسل. ..." والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة. ..." والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين " والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ليس لهم طعام إلا من ضريع" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا...." والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "إن الله يحب المقسطين" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "اليوم ننساكم" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا" والرد عليها
 شبهتهم في قوله تعالى "إنني معكما أسمع وأرى" والرد عليها
 الجهم وأتباعه دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن الحديث فضلوا وأضلوا
 لقاء الجهم والسمنية
 ضلال الجهم في رده على السمنية
 الآيات التي بنى عليها الجهمي أصل كلامه
 تفسير الجهمية لقوله تعالى "ليس كمثله شيء" والرد عليهم
 نفاق الجهمية بادعائهم عبادة مدبر الخلق مع وصفهم له تعالى بالجهالة
 شبهتهم في نفي الكلام عن الله تعالى والرد عليها
 الرد على شبهة الجهمي القول بخلق القرآن
 شبهته في قوله "إنا جعلناه قرآنا عربيا" وأن جعل بمعنى خلق
 كلمة جعل في القرآن من المخلوقين بمعنى فعل وبمعنى التسمية
 كلمة جعل من الله في القرآن على معنى خلق وغير خلق
 أمثلة من القرآن لكلمة جعل على معنى خلق
 أمثلة من القرآن لكلمة جعل على معنى غير خلق
 الجهمي فسر جعل بمعنى خلق من غير دليل
 الجهمي من الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه
 معنى "إنا جعلناه قرآنا عربيا" جعل فعل من أفعال الله
 خطأ من فسر "إنا جعلناه قرآنا عربيا " بمعنى أنزلناه
 الرد على شبهة الجهمي هل القرآن هو الله أو غير الله
 بيان ما فصل الله بين قوله وخلقه
 قال الله عن القرآن "أمرا من عندنا" فالقرآن هو الأمر
 القول غير الخلق فالله يخلق ويأمر
 باب بيان ما فصل الله بين قوله وخلقه وأمره
 باب بيان ما أبطل الله أن يكون القرآن إلا وحيا وليس بمخلوق
 الرد على شبهة الجهمي أن القرآن شيء والله خالق كل شيء
 تلبيس الجهمي على الناس بما ادعاه
 القرآن ليس شيئا
 الشيء لا يطلق إلا على المخلوق
 شيء لا تفيد العموم المطلق
 الأدلة على أن صفات الله لا تدخل في عموم الأشياء
 وجوب التوبة من القول بخلق القرآن
 ادعاء خلق القرآن قول بغير علم
 القول بخلق القرآن كذب على الله
 القرآن كلام الله
 تكرار ذكر أن القرآن كلام الله
 استدلال الإمام أحمد على بطلان القول بخلق القرآن
 أمر الله بالقول الحسن
 أمرنا الله بأقوال ليس منها القول بخلق القرآن
 أمرنا الله بأقوال ليس منها القول بخلق القرآن
 شبة عدم النهي عن القول بخلق القرآن
 نواهي القرآن ليس فيها النهي عن القول بخلق القرآن
 الملائكة تسمي القرآن كلام الله
 شبهة أن القرآن محدث
 استدراج الخصم
 الشيئان إذا اجتمعا في اسم يجمعهما
 أمثلة على شيئين اجتمعا في اسم يجمعهما
 رد شبهة حدوث القرآن
 الدليل على بطلان شبهة الحدوث
 التوجيه الصحيح للآية
 القرآن محدث بالنسبة إلى النبي
 الخلق يقع على ذكر الرسول
 شبهة تسمية عيسى بكلمة الله
 تخطئة جهم في فهم القرآن
 رد شبهة جهم
 كذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى
 عيسى بالكلمة كان
 معنى "عيسى روح الله"
 الإضافة إلى الله تشريف
 شبهة خلق السموات والأرض وما بينهما في خلق القرآن
 رد شبهة خلق السموات والأرض وما بينهما
 باب إنكار الجهمية رؤية الله
 أدلة أهل السنة على رؤية الله
 حجب الكفار عن رؤية الله
 حجب الكفار دليل الرؤية
 إنكار الجهمية لكلام الله والرد عليهم
 شبههم في إنكار كلام الله
 الأدلة على كلام الله
 الرد على شبههم في إنكار كلام الله
 بهتان جهم
 إقرار جهم وروغانه
 حديث موسى لقومه بعد كلام الله له
 كلام الله لعيسى دليل على كلام الله
 سؤال الله الناس دليل على كلام الله
 إنكار كلام الله فرية عظيمة
 قول جهم لله كلام لكنه مخلوق
 تشبيه كلام الله لكلام الناس
 معنى خلق التكلم عدمه في الماضي
 جمع الجهمية بين الكفر والتشبيه
 كلام الله صفة أزلية
 صفات الله كلها أزلية
 رد الجهم على القول بأزلية صفات الله
 شبهة الجهم: أن أزلية الصفات تشبه بالنصارى والكافرين
 القول بأزلية الصفات بلا كيف أو تشبيه
 قول الجهمية: قد كان الله ولا شيء
 كان الله بذاته وصفاته ولا شيء سواه
 صفات الذات لا تنفك عنها
 صفات الله قديمة أزلية لم تنفك عنه في وقت من الأوقات
 مثال على أن الصفة لا تنفك عن الذات
 باب صفة الاستواء
 مذهب الجهمية: الله في كل مكان
 الرد على ما زعموه أن الله في كل مكان
 الله في العلو
 وصف الله نفسه بالعلو وذم أهل السفل
 أمثلة على صفة العلو وإحاطة العلم
 باب تأويل الجهمية لمعية الله
 رد أهل السنة في معية الله
 معية الله بعلمه
 يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه
 مناقشة الجهمية في معية الله
 كذب وافتراء الجهمية
 دليل عقلي في إثبات صفة العلو
 باب إثبات المعية
 الأدلة على إثبات المعية
 مذهب الجهمية في الحلول
 آراء المذاهب الأخرى في الحلول
 مناقشة الإمام أحمد للجهمية
 باب إثبات العلم لله عز وجل
 الدليل العقلي في إثبات العلم لله
 مناقشة الجهمية فيما زعموا أن اسم الله في القرآن مخلوق
 مناقشة الجهمية فيما زعموا أن الله لم يتكلم
 باب بيان ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق
 الجواب على شبهة الجهمية أن القرآن مخلوق
 باب ما تأولت الجهمية من قوله تعالى "هو الأول والآخر"
 الرد على الجهمية في قولهم بفناء الجنة والنار والعرش والكرسي
 مناقشة الجهمية في قولهم إن الله في كل مكان
 مناقشة الجهمية في قوله الله نور كله
شرح الرد على الجهمية والزنادقة - المقدمة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رضي الله عنه، وأثابه الجنة وغفر لنا وله بمنه وكرمه آمين-: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل. أخبرنا أبو الطاهر المبارك بن مبارك بن معطوش في كتابه: أن أبا الغنم أن محمد بن محمد بن أحمد ابن المهدي بالله أجاز له أن أبا القاسم عبد العزيز علي الأسدي، أجاز لهم عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلال، قال: أنبأ أبو بكر الخلال، قال: أخبرنا الخضر بن مثنى الكندي، قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى - قال: هذا ما أخرجه أبي -رحمه الله - في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى ورضي عنه:. ..

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتل لإبليس فقد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبّهون عليهم -فنعوذ بالله من فتن الضالين.


هذه هي خطبة الإمام أحمد -رحمه الله - في هذه الرسالة، وهي خطبة عظيمة، ما زال العلماء ينقلونها في كتبهم ويستشهدون بها، كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم. كثير من أهل العلم يستشهدون بهذه الرسالة، قال الإمام أحمد في رسالة الرد على الزنادقة: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم… " ويسردونها. فهي خطبة عظيمة، واستشهاد العلماء من أهل السنة والجماعة ونقل هذه الرسالة في كتبهم أيضًا من الأدلة التي تثبت نسبة هذه الرسالة للإمام -رحمه الله-. قوله: "الحمد لله الحمد ": هو الثناء على المحمود في صفاته وأعماله مع حبه وإجلاله وتعظيمه، هذا هو الحمد: ثناء على الصفات وعلى الأعمال والأفعال مع حبه وإجلاله وتعظيمه، بخلاف المدح: فإنه ثناء بدون حب وإجلال، فأنت تمدح الأسد فتقول: قوي العضلات، ولا تحب الأسد، تمدح الأسد ولا تحبه، فهذا هو الفرق بين المدح وبين.. إيش؟ وبين الحمد. المدح: ثناء وإخبار بالصفات، لكن لا يلزم أن يكون معه حب وإجلال وتعظيم.

أما الحمد فهو ثناء في الصفات الاختيارية الجميلة والأفعال مع الحب والإجلال؛ ولهذا جاء الحمد. .الله تعالى وصف نفسه بالحمد ولم يصف نفسه بالمدح، ﴿الحَْمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمَيِنَ (1) ، ولم يقل: أمدح الله رب العالمين. الحمد: ثناء على الله -عز وجل - مع حبه وإجلاله وتعظيمه -سبحانه وتعالى. والحمد أعم من الشكر من وجه وأخص من وجه، فالحمد والشكر بينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهي، يجتمعان في شيء، ويختلفان. فالشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، هذا أعم، من هذه الجهة يكون الشكر أعم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (2) . فالشكر يكون بالقول ويكون بالعمل، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، أما الحمد فإنه يكون باللسان مع اعتقاد القلب، مع القلب؛ ولهذا قال الشاعر:

أفادتكـم النعمـاء مني ثلاثـة *** يدي ولساني والضمير المحجبا

والحمد أيضًا يكون في مقابل الجميل وبدون مقابل، فالله تعالى يُحمد -سبحانه وتعالى-؛ لِمَا اتصف به من الصفات العظيمة؛ ولما أنعم به على عباده من النعم العظيمة، خلقهم ووجدهم من عدم، ورباهم بنعمه، وهداهم وعلمهم وأعطاهم السمع والأبصار والأفئدة، فهو -سبحانه وتعالى - يستحق الحمد؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة، والأفعال الجميلة، ويستحق الحمد؛ لإنعامه وإفضاله -سبحانه وتعالى. أما الشكر فإنه يكون في مقابل النعمة، تشكر الشخص في مقابل الإحسان، أما إذا لم يكن هناك إحسان فلا يكون هناك شكر، وبهذا يكون الحمد أعم من جهة، وأخص من جهة، الشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، والحمد يكون باللسان. الحمد يكون في مقابل النعمة، وفي غير مقابل النعمة. والشكر لا يكون إلا في مقابل النعمة.

"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم" هذه الرسالة -كما سبق- سماها المؤلف -رحمه الله-: "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله". الجهمية: نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي، نسبت إليه الجهمية، وهي نفي الصفات عن الله -عز وجل-؛ لأنه أظهر هذه البدعة، وإن لم يكن أول مَن تكلم في هذه البدعة، فإنه سبقه شخص آخر يقال له: الجعد بن درهم، سبق الجهم وتكلم، أول من تكلم … أول من حُفظ عنه في الإسلام مقالة التعطيل هو الجعد بن درهم. والتعطيل: إنما هو في كلمتين: قال: إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا. لكن هاتين الصفتين ترجع إليهم جميع الصفات، قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، أنكر الخلة والمحبة، وقال: ليس هناك خلة، ليس هناك محبة؛ لأنه لا نسبة؛ لأن المحبة لابد أن تكون هناك نسبة بين المحب والمحبوب، ولا نسبة بين الخالق والمخلوق.

معناه: قطع الصلة بين العباد وبين ربهم، وأنكر أن يكون الله كلم موسى تكليمًا، أنكر التكليم، وإنكاره التكليم معناه إنكار للرسالات والشرائع. الرسالات والشرائع بالكلام، الله تعالى تكلم، أرسل الرسل وأنزل الكتب بالكلام، فإنكار الكلام إنكار للرسائل، إنكار للرسالات والشرائع. فلهذا أفتى العلماء -وهم من التابعين- بقتل هذا الرجل، وأنه يستحق القتل والإعدام، فقتله خالد بن عبد الله القصري أمير العراق والمشرق بواسط، لما أفتاه علماء أهل زمانه -وهم من التابعين- أفتوا باستحقاقه القتل، قتله، وذلك في يوم عيد الأضحى، بعدما صلى العيد صعد المنبر وخطب الناس، وقال في آخر الخطبة -وكان الجعد بن درهم عنده في أصل المنبر مقيدا -: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه ذبح الشاة، شكره العلماء وأثنوا عليه. من ذلك العلامة ابن القيم في "الكافية الشافية " قال:

ولــذا ضحـى بجعــد بـن *** خالد القصري يـوم ذبائح القربان

إذ قـال إبراهيـم ليـس خليلـه *** وليس مـوسى بالكليـم الـداني

ثم قال:

شكر الضحية كل صـاحب سنةٍ *** لله درك مــن أخــي قـربـان

ولا شك أن أهل السنة شكروه بهذا، ولا شك أن هذه الأضحية يعدل أجرها كثيرا من الضحايا؛ لأن في هذا قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، فهي أفضل من الأضحية. الأضحية سُنَّة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولكن هذا قطع لدابر الفتنة والبدعة والضلالة. لكن الجهم بن صفوان كان قد اتصل به قبل أن يُقتل، اتصل به هذا الرجل -الجهم بن صفوان- فتقلد عنه هذه المقالة، وتبنى عقيدة نفي الصفات، ونشرها ودافع عنها حتى نسبت المقالة إلى الجهمية، فقيل: الجهمية: نسبة إلى جهم بن صفوان، وإلا الأصل أن أول من تكلم: الجعد بن درهم، الأصل أن يقال: الجعدية، لكن الجعد قتل في أول إظهارٍ لهذه البدعة، قبل أن تنتشر، ثم نشرها الجهم بن صفوان.

وجهم بن صفوان أيضًا قيد الله به من يقتله، قتله سلم بن أحوذ أمير خراسان بها؛ ولهذا سمى المؤلف الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- هذه الرسالة الرد على الجهمية والزنادقة. الزنادقة: جمع زنديق، وتطلق الزنادقة على. ..تطلق الزنديق: على الملحد الجاحد للخالق، المتحلل من الأديان، ويطلق على المنافق، يسمى زنديقا، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره: كان السابقون يسمونه منافقا، الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان يسمى منافقا، ثم اصطلح المتأخرون على تسميته بالزنديق، وهي كلمة فارسية معربة، زنديق: تطلق على الجاحد المعطل المتحلل من الأديان، وتطلق على المنافق.

ولهذا ذكر أهل اللغة -كما في المصباح المنير- قالوا: إن الزنادقة: جمع زنديق، وهو والذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر، وفي التهذيب: أنه هو الذي لا يؤمن بالآخرة، ولا بوحدانية الخالق، هذا الزنديق. إذًا الزنديق: يطلق على الملحد الجاحد المعطل، ويطلق على المنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان والإسلام. المؤلف قال: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل" الزمان: معروف، جمع أزمنة، وهو الوقت، يطلق على الوقت القليل والكثير، والسنة: أربعة أزمنة، وهي الفصول الأربعة: الربيع والخريف والشتاء والصيف. الزمان: هو الوقت، والفترة: هي الانقطاع، والمعنى "على فترة من الرسل" يعني: على انقطاع بعثهم، ودروس أعلام دينهم. وتطلق الفترة على ما بين الرسولين، ما بين عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- يسمى فترة "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم" يعني: في الوقت الذي يكون فيه انقطاع ودروس واندراس أعلام الدين يقيض الله من أهل العلم بقايا يدعون الناس إلى الخير.

جاء في هذا المعنى، في معنى ما ذكره الإمام أحمد حديث: « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها »(3) ، هو حديث لا بأس بسنده، رواه أبو داود وغيره، فهذا يؤيد ما ذكره الإمام -رحمه الله- في هذه الخطبة، "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم". يعني: كلما اندرس الدين وضعف وحصل انقطاع ودروس من أعلام الدين فإن الله -سبحانه وتعالى - يهيئ من أهل العلم بقايا يدعون الناس إلى الحق، ويردونهم إلى الصواب.

فالفترة: هي الانقطاع، وتطلق الفترة…. يقال: فتر عن العمل: انكسرت حدته، وفتر عن الحر: إذا انكسر. والفترة من الرسل يعني: انقطاع ودروس أعلام الدين، ففي هذا الوقت يقيض الله من يجدد للناس دينهم ويدعوهم إلى الهدى، ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى " يدعون الضال، يدعونه إلى الهدى، يردونه إلى الصواب. الضلال: هو الانحراف، الانحراف عن شرع الله ودينه يقال له: ضلال. والهدى: هو العلم النافع. والعلم النافع: هو المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله.

فالذين انحرفوا عن الحق وعن جادة الصواب يدعونهم هؤلاء البقايا من أهل العلم في زمان الفترة، يدعونهم إلى الهدى، إلى العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم. "ويصبرون منهم على الأذى" هكذا شأن الدعاة والمصلحين، يتأسون بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- يصبرون على الأذى. لأن الداعية إذا دعا الناس إنما يقف في وجوههم ويصدهم عن رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم، وهم لا يرضون بذلك، فلابد أن يؤذوهم، إما بقول أو بفعل، فلابد من الصبر، فإذا لم يتسلح العالم أو الداعية بسلاح الصبر فإنه لا يستطيع أن يقوم بالدعوة، لابد من الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى في كتابه العظيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (4) ، لابد من الصبر، فالصبر لابد منه في أداء الفرائض والواجبات، ولابد منه ترك المحرمات، ولابد منه في الدعوة إلى الله، من لم يصبر لا يستطيع أن يقوم بالدعوة.

ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: إن هؤلاء العلماء هؤلاء البقايا من أهل العلم في الزمان الذي تندرس فيه أعلام الدين، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، إذا سبوهم أو شتموهم أو ضربوهم صبروا، لابد من الصبر تأسيًا بالرسل. الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أوذوا وصبروا، في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبيًّا ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون »(5) . ونوح -عليه الصلاة والسلام- أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم ويصبر هذه المدة الطويلة، وهم يردون عليه ردًّا سيئًا، ويقابلونه مقابلة سيئة، ويقولون: إنه مجنون، حتى أخبر الله عنه أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (6) .

هكذا نبي الله -عليه الصلاة والسلام- يصبر، وأولوا العزم لهم من القوة والتحمل والصبر والجلد ما ليس لغيرهم، حتى قال الله لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (7) ، نبينا -عليه السلام- صبر صبرًا عظيمًا، دعا قومه في مكة، وضعوا على ظهره السلا وهو ساجد - سلا الجاذور -، وأتاه أبو جهل مرة وخنقه -عليه الصلاة والسلام- حتى جاء أبو بكر وأطلقه وقال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ (8) كسرت رباعيته يوم أحد، وجُرحت وجنتاه، وسال الدم على وجهه -عليه الصلاة والسلام. فالصبر لابد منه، الصبر هو الذي يتحلى به الرسل والدعاة والمصلحون أسوة برسل الله، ومنزلة الصبر من الدين كمنزلة الرأس من الجسد، من لا صبر له لا دين له.

ولهذا قال: " ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى" هكذا، هؤلاء الدعاة وهؤلاء العلماء اتباع الرسل يحيون بكتاب الله الموتى؛ لأن الكافر ميت القلب، فإذا أسلم وآمن وقرأ كتاب الله وآمن به أحياه الله، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا (9) فالكافر ميت القلب، وإن كان يمشي حيًّا بين الناس؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب؛ ولهذا سمى الله القرآن: روحًا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، سماه: نورًا؛ لتوقف الهداية عليه، قال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (10) .

ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله " أهل العمى، هكذا الجاهل والضال والكافر أعمى القلب، وإن كان يبصر؛ لأنه لا يرى الحق ولا يعمل به، والعمى في الحقيقة عمى القلب ليس عمى البصر؛ لأن الإنسان إذا عمي بصره وقلبه حيّ ودينه صحيح فلا يضره، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (11) ، وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (12) . يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: " فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه" كم: للتكثير يعني: كثير، كم من قتيل، كم من شخصٍ قتله إبليس فأحياه أهل العلم، كيف قتله إبليس؟ قتله: يعني: قطع رأسه بالسيف؟ لا. قتله بالإضلال، قتل روحه وقتل قلبه وقتل اعتقاده، قتله، بأن سوّل له الكفر، سوّل له الضلال، سول له الانحراف، فكان بذلك قتيلًا لإبليس، هذا هو القتيل الحقيقي. القتيل: هو الذي قتل قلبه، وهو الذي أزيل اعتقاده، ولم يعتقد اعتقادًا صحيحًا في الله وأسمائه وصفاته، هذا هو القتيل، أما قتيل الجسد: فهذا إذا قُتل وعقيدته سليمة وأعماله مستقيمة ما يضره إذا كان مظلوما يكون شهيدا، لكن المصيبة قتيل الروح والاعتقاد والدين.

"فكم من قتيل" يعني: قتيل … قتل دينه واعتقاده وتفكيره السليم، "فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه " يعني: ما أكثر الذين قتلهم إبليس وأحياه العلماء !؛ لأن "كم" هنا للتكثير، كما قال سبحانه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ (13) ، يعني: كثير. " فكم من قتيل لإبليس قد أحياه أهل العلم، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدوه " يعني: كثير من الضلّال الذين ضلوا عن الصواب وتاهوا عن طريق الحق قد هداه أهل العلم، ما أكثرهم! إذ يقول الإمام أحمد: ما أكثر الذين قتلهم إبليس فأحياه أهل العلم، وما أكثر الذين ضلوا عن الصواب وتاهوا عن الحق والهدى قد هداهم أهل العلم، هدوهم يعني: دَعَوْهُمْ إلى الحق، وبينوا لهم، وأوضحوا لهم، فهداهم الله بسببهم، "فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم !" ما أحسن أثر العلماء على الناس! وما أقبح أثر الناس على العلماء !. قوله: "فما أحسن أثرهم " يعني: العلماء على الناس، "وأقبح أثر الناس عليهم " يعني: على العلماء، يعني: "ما أحسن" للتعجب. "ما أحسن أثر الناس على العلماء" ما هو أثرهم؟ ما أحسن أثر العلماء على الناس؟ ما هو أثر العلماء على الناس؟ دعوتهم وإرشادهم ونصيحتهم وتنبيههم والنصيحة لهم، ينقذونهم من ظلمات الشرك والجهل والبدعة إلى نور العلم واليقين والسنة، هذا أحسن أثر. فهم ينقذونهم من الضلالة، ينقذونهم من الكفر، ينقذونهم من البدعة، هذا أثر عظيم يفوق إطعامهم وكسوتهم والنفقة عليهم؛ لأن الإطعام والنفقة والكسوة وإن كان النفقة معروفا فضلها، لكن هذه نفقة وإطعام وكسوة للجسد، والجسد في هذه الدنيا يهيئ الله له من يقيم أوده، ولكن التعليم والإنقاذ من الجهل والكفر والضلال والبدعة هذا أمر عظيم، يفوق الإحسان إلى الناس بالمال.

ولهذا قال الإمام أحمد: "فما أحسن أثرهم " يعني: العلماء على الناس! أثرهم طيب، وفي المقابل قال: "وأقبح أثر الناس عليهم" ما أقبح أثر الناس على العلماء؟ ما هو أثر الناس على العلماء؟ يؤذون العلماء، ولاسيما الجهال، يسبونهم، يشتمونهم، يرمونهم بالبدعة، وقد يقتلونهم، حتى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ماذا فعل بهم أقوامهم وهم مقدمة العلماء؟ الأنبياء أعلم الناس بالله -عز وجل- ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (14) ، وفي مقدمة العلماء الأنبياء والرسل -عليهم السلام- هم العلماء، علم الناس بالله، ثم أتباعهم من بعدهم، ما هو أثر الناس على الأنبياء؟ ضربوا الأنبياء وجرحوهم وشتموهم وقتلوا بعضهم. قال الله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (15) زكريا -عليه السلام- قُتِلْ، ويحيى -عليه الصلاة والسلام- قُتِلْ، قتلوهم، هذا أثرهم، أثر الناس عليهم ما هو؟ بعض العلماء وبعض الأنبياء يعدمهم الناس ويقتلونهم لماذا؟ لأنهم دعوهم إلى الله، هم يدعونهم إلى الله، ينقذونهم من الجهل والكفر وهم يقتلونهم، وبعضهم ضربوهم، ضربه قومه حتى أدموه. بعض العلماء سُجِن، بعض العلماء ضُرب بالسياط كالإمام أحمد، ضرب وسُحِب وسُجِن هذا أثر الناس على … إيش؟ على الإمام، على العلماء. إذًا أثر العلماء على الناس هذا حسن؛ ولهذا قال الإمام أحمد: " ما أحسن أثر العلماء على الناس !" وأما أثر الناس على العلماء؟ سيئ، بالعكس، "وأقبح أثر الناس على العلماء !".

الناس أثرهم على العلماء سيئ، يعني: من لم يوفق … القتل والضرب والسجن والإيذاء والشتم والرمي بالبدعة والتكفير … إلى غير ذلك، هذا أثر… إيش؟ هذا أثر الناس على العلماء. وأما أثر العلماء على الناس فهو إيش؟ الدعوة والإرشاد والإيضاح والإنقاذ من الجهل؛ ولهذا قال الإمام أحمد: "ما أحسن أثر العلماء على الناس! وما أقبح أثر الناس على العلماء! ". هذا مرجع الضمائر "ما أحسن أثرهم" أي: العلماء "على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم" أي: العلماء. ثم قال -رحمه الله- يبين وصف العلماء وأعمالهم الجليلة قال: "ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين" هذه من أعمالهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، النفي: الإزالة، يعني: يزيلون ويبعدون عن كتاب الله تحريف الغالين. ما هو التحريف؟ التحريف: التغيير والتبديل، تحريف الكلام أن يعدل به عن جهته، وقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ (16) أي: إلا مائلًا لأجل القتال، لا مائلًا هزيمة، فالتحريف معناه: التغيير كيف يغير الكتاب؟ "ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ". كيف يحرف الكتاب؟ قد يحرف اللفظ، وقد يحرف المعنى، من تحريف اللفظ تحريف بعض الجهمية في قراءتهم، قرءوا قول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (17) قرءوها: "وكلم اللهَ موسى تكليمًا". تحريف… ليش لماذا؟ يريدون أن يكون الله هو المُكلَّم، وموسى هو المُكَلِّم، حتى ينفون الكلام عن الله، يقولون: إن الله ما يتكلم. فإذا قلت: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (17) قالوا: لا، معناها: "وكلم اللهَ" قراءتهم، "وكلم اللهَ موسى" إذًا موسى هو المتكلم والله هو المُكَلَّم ولا يتكلم. " وكلمَ اللهَ موسى" هذا التحريف في المعنى.

ولما قال لهم بعض الجهمية لما استدل عليهم أهل السنة على إثبات الكلام في قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (17) قال الجهمي: "وكلم اللهَ موسى" فالله هو المُكَلَّم لا يتكلم. فقال له: كيف تفعل بقول الله -عز وجل-: ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (18) ، فقال المعنى: جرحه بأظافر الحكمة، أوله، هذا تغيير المعنى، جرحه بأظافر الحكمة، قال: كلم معناها: الجرح، ومنه قول العرب: فلانٌ كلْمه يدمى، جرحه. قالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ (19) أي جرحه بأظافر الحكمة، هذا تغيير للمعنى، هذا التحريف تحريف الغالين، تحريف في المعنى، وتحريف في اللفظ. ومن ذلك أيضًا تحريف الجهمية والمعتزلة معنى قوله: ﴿اسْتَوَى (20) قالوا: معناه: استولى حرفوا. وكذلك تحريفهم … قالوا معنى الرحمة: الإنعام، إرادة الإنعام. والغضب: إرادة الانتقام. والرضا: إرادة الثواب، هذا تحريف المعنى. إذًا العلماء ينفون التحريف عن كتاب الله، هذا تحريف لكتاب الله، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، الغالي: هو الشيء الذي … هو الذي يزيد عن الحد، يقال له: غال، يقال: غلا في الدين غلوًّا أي: تصلب وشدد حتى جاوز الحد، ويقال: غلا في الدين، ومنه قول الناس: غلا السعر، أي: ارتفع، وغلت القدر، وغلا في الأمر غلوًا أي: جاوز الحد، ومنه قول الله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ (21) .

فالغلاة في هذا: الذين يغلون … كثيرون منهم من غلا في الصفات، منهم من غلا في القَدَر، ومنهم من غلا في الصحابة، فمثلًا: الجهمية والمعتزلة ينفون الصفات عن الله -عز وجل- والأسماء، هذا تعطيل هذا وتقصير، بزعمهم أنهم ينزهون الله، هذا غلوًا في التنزيه، هذا يصلح مثال غلو في التنزيه، غلوا في التنزيه قالوا -بزعمهم-: نحن الآن نريد أن ننزه الله، كيف تنزهون الله؟ قالوا: لو أثبتنا لله أسماء وصفات لشابه المخلوقين، فنحن ننزه الله عن مشابهة المخلوقين، فننفي الأسماء والصفات. نقول: هذا غلو في التنزيه، زدتم عن الحد، التنزيه هو أن يقال: إن الله -سبحانه وتعالى- لا يشبه المخلوقين في شيء من صفاتهم، لكن لا تنفوا عنه الصفات، له صفات وأسماء -سبحانه وتعالى - تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين، لا يشابه الله أحدًا من خلقه في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ذاته.

أما هؤلاء غلوا فزادوا حتى نفوا الأسماء والصفات عن الله، هذا غلوًا، العلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، كذلك أيضًا المشبّهة الذين غلوا في الإثبات، قالوا: نحن نثبت لله الأسماء والصفات، لكن نقول: لله أسماء وصفات مثل صفات المخلوقين، ومثل أسماء المخلوقين، قالوا: إن الله يعلم كعلمنا ويقدر كقدرتنا، ويرى كرؤيتنا، حتى قالوا: إن الله مثل الإنسان، وعلى صورة الإنسان، حتى قال غلاتهم -وهم من الشيعة الغلاة الكفرة-: إن الله يندم ويحزن ويبكي، وأنه ينزل عشية على عرفة ويُسامر ويُحاضر ويُصافح، وينزل عشية عرفة على جبل -قبحهم- وأغلبهم من غلاة الشيعة، كفرة. هذا غلوّ، زادوا غلوا في الأسماء والصفات حتى قالوا: إن الله مثل المخلوقين، فهذا الغلو ينفيه أهل العلم، هذا معنى قول الإمام: "وقد ينفون… " إيش؟ "… ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين". كذلك القَدَرية، القَدَرية: طائفتان: طائفة تنفي أفعال العباد، وتقول: إن … طائفة النفاة والغلاة، فالنفاة يقولون: إن الله تعالى لم يقدر أفعال العباد وأن العباد خالقون لأفعالهم، هذا غلو في إثبات أفعال العباد، ويستدلون بالمتشابه.

كما قال الإمام أحمد: المتشابه. .. حتى قالوا: إن العباد خالقون لأفعالهم ويستدلون بمثل قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (22) . ويقولون: إن العبد يستحق الثواب على الله، كما يستحق الأجير أجره؛ لأنه هو الذي خلق فعله لقول الله تعالى: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) ، كما أن العاصي الذي يموت على الكبيرة يجب على الله أن يعذبه به وأن يخلده في النار، هكذا أوجبوا على الله، هذا غلوّ. وهناك القدرية الجبرية: الذين يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله، وأنه ليس له أفعال، وأفعاله كلها اضطرارية، كحركات المرتعش والنائم، ونبض العروق، فهؤلاء الغلاة … هؤلاء غلو في إثبات أفعال العباد، حتى قالوا: إن العباد خالقون لأفعالهم. أولئك غلوا في سلب العبد من أفعاله، حتى قالوا: إنه لا أفعال له، وأن أفعاله كلها اضطرارية، فهذا غلو. فالعلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين. إذًا هذا كله من التحريف، وهذا كله من الغلو الذي ينفيه العلماء عن كتاب الله -عز وجل. وهؤلاء وهؤلاء. . كلهم يستدلون بالقرآن، لكن كما قال الإمام أحمد: يستدلون بالمتشابه، ويشككون الناس، ويتأولون القرآن على غير تأويله؛ ولهذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين".

الانتحال: نسبة الشيء، وهو أن ينسب إليه شيءٌ ليس فيه؛ ولهذا في اللغة: نحلته القول: إذا أضفت إليه قولًا قاله غيره، وادعيته عليه، ونحله القول -في القاموس- كمنعه: نسبه إليك، وهم… فالمبطلون ينسبون إلى القرآن ما ليس منه، كما سيأتي في الأمثلة الكثيرة التي يذكرها الإمام أحمد -رحمه الله- أنهم يقولون مثلًا: إن في القرآن أن الناس يُعَذَّبُون في غير جرم، وأن هناك جلودًا تعذب لم تذنب، ويستدلون بمثل قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا (24) . هذا من المتشابه، هذا من نسبة المبطلين إلى القرآن ما ليس منه ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ (25) قالوا: إن القرآن فيه أن هناك أرضا ثانية غير هذه الأرض، ويستدلون بالآية، مثلًا، وسيأتي الجواب على هذا. هذا من الباطل الذي نسبه المبطلون إلى القرآن، فالعلماء ينفون عن القرآن انتحال المبطلين، العلماء ينفون عن القرآن انتحال المبطلين.

لعلنا نقف الآن -إن شاء الله- وإن شاء الله المقدمة هذه إذا انتهينا من شرحها نمشي؛ لأن بعدما تنتهي المقدمة تكون هناك … كلها نصوصا متشابهة، ويبين الإمام أحمد -رحمه الله- الجمع بينها، لكن الخطبة هذه نتكلم على بعض فقراتها -إن شاء الله- ونترك إن كان هناك أسئلة. وفق الجميع لطاعته ورزق الله الجميع بالعلم النافع والأمر الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله وسلم.

س: فضيلة الشيخ هذا يقول: نرجو بيان توجيه أهل السنة لهذين الحديثين: قوله -صلى الله عليه وسلم-: « أما إنك لو زرته لوجدتني عنده »(26) ما مفهوم العندية هنا ؟

ج: الحديث سيأتي، الحديث هذا أوله، يقول الله تعالى- حديث قدسي-: « مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدت ذلك عندي، عبدي، جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي، استسقيتك فلم تسقني، قال: وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي استسقاك؟ فلو أسقيته لوجدت ذلك عندي »(27) . فالحديث صريح بأن الله لم يمرض، ولم يأكل ولم يشرب، وإنما العبد هو الذي مرض وطعم وسقي، والمعنى: لوجدت ذلك أي: ثواب ذلك عندي، يعني وجدت ذلك، يعني ثوابه، ثواب العمل، لوجدت ذلك عندي، وإلا فالله -سبحانه وتعالى- فوق العرش، مستوٍ على العرش، بائنٌ من خلقه، وهذا. . إن النصوص محكمة، النصوص التي فيها إثبات العلو وأن الله فوق العرش... يقول العلماء: أكثر من ثلاثة آلاف نص، تزيد على ثلاثة آلاف نص، كلها تدل على أن الله في العلو، وأن الله فوق السماوات، ولا يتعلق بمثل هذا الحديث من المتشابه إلا أهل الزيغ، كما قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (28) فالحديث صريح بأن الله ما مرض، ولا طعم ولا شرب، وإنما هذا العبد؛ ولذلك قال: أما علمت أن عبدي مرض؟ أما علمت أن عبدي جاع؟ أما علمت أن عبدي استسقى؟ فالعبد هو الذي مرض وهو الذي جاع، وهو الذي استسقى، لوجدت ذلك عنده يعني ثوابه. نعم.

س: وهذا يقول: أحسن الله إليكم، هل الجهمية الكفار ؟

ج: ذكر ابن القيم -رحمه الله- أنه كفرهم خمس مائة عالم، خمس مائة عالم كفروا الجهمية، قال:

ولقد تقلـد كفـرهـم خمسـو *** ن في عشرٍ من العلماء في البلدان

واللالكائي الإمام وقد حكاه عنـه *** بـل قد حكـاه قبـله الطبراني

خمسون في عشرة، كم؟ خمس مائة عالم. ومن العلماء من كفر الغلاة، منهم من كفرهم بإطلاق، ومنهم من بدعهم، ومنهم من كفر الغلاة دون العامة، وهذا القول وسط له وجاهته، لابد من قيام الحجة وإلا فالعلماء لهم نصوص كثيرة في تكفير الجهمية. نعم.

س: وهذا يقول -أحسن الله إليكم-: هل الإباضية من الزنادقة؛ لأنهم يؤولون الصفات وما حكم الصلاة خلفهم ؟

ج: الإباضية طائفة من الخوارج، والمعروف عند جمهور العلماء أن الخوارج مبتدعة وليسوا كفارًا، كما فعل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقال: إن الصحابة أجمعوا على.. أو إن الصحابة عاملوا الخوارج معاملة المبتدعة ولم يعاملوهم معاملة الكفار. سُئِلَ الإمام علي -رضي الله عنه- الخليفةُ الراشد عن الخوارج أهم كفار؟ قال: من الكفر فروا. فالمشهور عند جمهور العلماء أنهم مبتدعة، وبعض العلماء كفرهم، واستدل بالأحاديث التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتلهم قال: « لئن لقيتهم لأقتلنهم قتلا، قال: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »(29) وفي بعضها: « يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه »(30) وفي بعضها: « لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد »(31) شبههم بقتل عاد، وهم قوم كفار، والأحاديث في الصحيحين وفي غيرهما فيها: أن النبي قال: « يمرقون من الدين »(32) قال: « يمرقون ثم لا يعودون إليه »(33) شبههم بعاد. فاستدل بعض أهل العلم بكفرهم بهذه الأحاديث وهي أحاديث قوية، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة، وهو عليه عمل الصحابة، كما بين ذلك شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم. نعم.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ - أحسن الله إليكم- بعض المتعالمين في بلدنا يقول: الأمة الآن محتاجة للتكاتف والتجمع، وبعض الشباب -هداهم الله- يسهرون الليل وهم يدرسون ويقولون: إن الله فوق العرش، وإن الله له يدا، ويقول ذلك مستهزئًا منهم، فما ردكم على مثل ذلك ؟

ج: الأمة محتاجة إلى الاجتماع على الحق لا الاجتماع على الباطل، وهذا. .. والحق لا يكون إلا بعقيدة صحيحة، باعتقاد صحيح، ولابد للمسلم أن يعتقد أن الله فوق العرش، وأن له يدا، من لم يعتقد أن الله فوق العرش فإنه كافر، كيف تجتمع الأمة بدون عقيدة ؟! لابد من الاجتماع على الحق، الاجتماع على الباطل لا يفيد، الكفار والكفرة والمبتدعون ما أكثرهم !. لابد من الاجتماع على الحق، ومن يقول هذا يخشى عليه من الردة إذا كان يستهزئ بالصفات، يخشى عليه من الردة، نسأل الله السلامة والعافية، فالاجتماع لابد أن يكون على الحق. نعم.

س: وهذا يقول: فضيلة الشيخ، هل بيان الأخطاء والتحذير منها من منهج السلف الصالح ؟

ج: نعم، يُبين الأخطاء ويرد على المبطل، ما زال العلماء يرَدون قال الإمام مالك: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم. لابد من بيان الحق، ولكن مع التأدب مع العلماء، فالعالم تكلم بكلام.. . إذا أمكن مناصحته فيما بينك وبينه، هذا طيب أما إذا نشر شيئا فلابد أن يرد المنشور، إذا لم يرجع هو ويرد النشر، وينشر نقضًا للباطل الذي نشره، فلابد أن يرد عليه حتى يرد الباطل بالحق، المقصود أن الرد …. أما كون الإنسان متتبعا سقطات العلماء أو زلات العلماء هذا شيء آخر، في الكتب وفي غيرها، لكن التنبيه هذا لابد منه. نعم.

س: أحسن الله إليكم - يقول: فضيلة الشيخ، الصفات الذاتية والفعلية التي لم تثبت لله -تعالى- لا في كتاب ولا في سنة، فهل لنا أن نثبتها أم ننفيها أم نتوقف؟ مثل الفم والشفتين والحيز والجهة وغيرها، وأحسن الله إليكم ؟

ج: الذي لم يرد في الكتاب والسنة لا يسمى من الصفات، ليس من الصفات، لا يقال: ذاتية ولا فعلية. الصفات -قاعدة- … الصفات: توقيفية، ومعنى توقيفية: أنه يوقف فيها على الكتاب والسنة، ما جاء في الكتاب والسنة أثبتناه، وما جاء في الكتاب والسنة إثباته وجب إثباته، وما جاء في الكتاب والسنة نفيه وجب نفيه، وما لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة نتوقف فيه، ما نثبته ما نقول: إثبات فم، لسان، شفتين، لابد من دليل، الصفات: توقيفية. وأما ما يطلقه أهل البدع من الجسم والحيز والعرض وغيرها، هذه يُتوقف فيها، لا يطلقونها لا نفيًا ولا إثباتًا، ومن أطلقها يُسأل عن مرادها، إن أراد حقا قبل، قبل الحق ولكن يقال: عبر بالتعبيرات التي جاءت في النصوص، وإن أراد باطلًا رُد، رُد اللفظ والمعنى جميعًا.نعم.

س: يقول: فضيلة الشيخ، يقولون: إن الإمام النووي -رحمه الله- كان أشعريًّا فهل هذا صحيح ؟

ج: نعم مشى على طريقة الأشاعرة، وكذلك الحافظ بن حجر -رحمه الله- في تأويل الصفات، وقد لا يكون أشعريًا … يتمذهب بالأشعرية، ولكن في مسألة الصفات في شرح صحيح مسلم مشى على نفي الصفات، وكذلك الحافظ بن حجر، ولكن هؤلاء العلماء الكبار … السبب في هذا أنهم ما وفقوا منذ الصغر في وقت الطلب لمن ينشئهم على معتقد أهل السنة والجماعة، فظنوا أن هذا هو الحق وأن هذا هو التنزيه، ونسأل الله أن يغفر لنا ولهم، وأن يكون هذا الخطأ مغفورا في بحور حسناتهم الكثيرة؛ لأنهم علماء وأئمة فطاحل من أهل العلم، لكن حصلت لهم هذه الغلطات وهذه الهفوات لا عن عمد، ظنوا أن هذا هو الحق بسبب أنهم نشئوا على هذا المعتقد، معتقد الأشاعرة وظنوا أن هذا هو الصواب نعم.

س: أحسن الله إليكم- حديث: « إن قلوب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن »(34) هل في ذلك دليلٌ على الحلول، وأحسن الله إليكم ؟

ج: ليس فيها دليل على الحلول، كما يليق بجلال الله وعظمته، والبينية أمرها واسع، أمَا تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (35) ، هل هناك ملامسة؟ ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (35) السحاب بين السماء والأرض ما فيه بينية، لا يلزم من البينية الملامسة، ولا يلزم من ذلك الحلول، أين السحاب من السماء؟ وأين من الأرض؟ هل السحاب حال في الأرض؟ أوحال في السماء؟ لا. نعم.

أحسن الله إليكم وأثابكم، جعل ما قلتم في ميزان حسناتكم ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وفق الله الجميع لطاعته وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد …

فقبل أن نبدأ الدرس الجديد نريد أن نسأل عما تكلمنا عنه في الدرس الماضي، تكلمنا عن كتاب الرد على الجهمية والزنادقة. ما المراد بالجهمية؟ من هم الجهمية؟ تفضل... هم الذين ينتسبون إلى جهم بن صفوان. جهم هذا من هو؟ جهم بن صفوان الترمذي السمرقندي، ما معتقده؟ نعم ما معتقده ؟ نعم، نفي الأسماء والصفات، الجهم هذا اشتهر بعقيدة نفي الأسماء والصفات، واشتهر أيضًا بعقائد أخرى، تزّعم أربع عقائد، كلها عقائد فاسدة.

العقيدة الأولى: عقيدة نفي الصفات، اشتهر بها.

العقيدة الثانية: عقيدة الإرجاء، يعني: القول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، بل وليست مراده، فالإيمان هو معرفة الإنسان ربه بقلبه، والكفر هو جهل الإنسان ربه بقلبه عند الجهم. وعلى هذا إذا عرف الإنسان ربه بقلبه، لو فعل جميع المنكرات ما يضره عند الجهم، فألزمه العلماء بأن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، وإن فرعون مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه. قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ (36) ، وهذا من أبطل الباطل، وأبو طالب مؤمن، واليهودي مؤمنون، كل هذا إلزام له.

العقيدة الثالثة: عقيدة الجبر، القول بأن الإنسان مجبور، وأنه ليس له عمل، وليس له اختيار ولا إرادة، بل هو كالريشة في الهواء، حركاته كحركات المرتعش، ونبض العروق، وحركات الأشجار، والهبوب والرياح.

ويقول الجهمية: إن الإنسان وعاء للأفعال، كالماء … كالكوز الذي يصب فيه الماء، فالإنسان وعاء، والله صب الماء فيه، يقول: الأفعل أفعال الله نسبة إلى العبد مجازا. العقيدة الرابعة التي اشتهر بها الجهم: القول بفناء الجنة والنار، يقولون بأن الجنة والنار يفنيان، هذه عقائد خبيثة، الإرجاء والجبر توصله إلى النار نعوذ بالله، تهجيم كلها: إرجاء جبر … الرد على الجهمية والزنادقة، الزنادقة… ما المراد بالزنادقة؟ الزنادقة –نعم-: جمع زنديق، وهو –نعم- يطلق على المنافق، ويطلق على المتحلل من الأديان، الذي لا يؤمن بالخالق، ولا بالبعث، ويطلق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، كما كان شيخ الإسلام يطلق هذا عليهم، ويقول: تكثر الزندقة في هذا الكلام وفي الرافضة. ثم … طيب نريد الآن أيضا أن نعرف شبهة من قال: إن هذه الرسالة "رسالة الرد على الجهمية والزنادقة" ليست للإمام أحمد، والرد عليه، شبهته…؟ ما هي شبهته ؟ نعم، الطعن في … يقولون: هذا من رواية الخلال، الرسالة من رواية الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله ابن الإمام أحمد عن الإمام أحمد، قالوا: والخضر هذا مجهول، بم نرد على هذا؟ الرد. نعم. قبل هذا… أولا: الخلال عرف الخضر، فهو معروف لدى الخلال، ثم أيضًا الخلال وجد هذا بخط عبد الله بن أحمد، وجد الرسالة بخط الإمام احمد، فهي موجودة، حصلت له وجادة وسند، وأحب أن تكون الرواية عن طريق النقل والسند بالإضافة إلى الوجادة. ثالثا: أن العلماء أثبتوا أن هذه الرسالة للإمام أحمد، كالقاضي أبي يعلى في إبطال تأويلات شيخ الإسلام ابن تيمية في عدد من كتبه، في "بيان تلبيس الجهمية" تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (37) ، "منهاج السنة" كذلك العلامة ابن القيم -رحمه الله -، ابن عقيل أيضًا من الحنابلة والجماعة.

والعلامة ابن القيم ولا سيما في كتابه: "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية". فهي لا شك أنها للإمام أحمد، ولكن الجهمية والمعتزلة لا يريدون أن تثبت، لا يريدون، فالغالب أن الذين يشككون هم من أهل البدع، من أهل الكلام. الجهمية والمعتزلة وغيرهم، لا يريدون أن تثبت؛ لأنها رد عليهم. ثم قال الإمام "الحمد لله" الحمد. . ما معنى الحمد؟ ما المرد بالحمد؟ الحمد:. .بس الثناء، قاصرهذا. الثناء على المحمود مع محبته وإجلاله وتعظيمه، فيكون الفرق بين الحمد والمدح: الحمد لايلزم أن يكون معه محبة، الحمد يكون معه محبة، الحمد معه محبة، والمدح لا يلزم أن يكون معه محبة. فأنت تمدح الشيء بالصفات التي فيه، وقد لا تحبه، فأنت تمدح الأسد بأنه قوي وشجاع، ولا يلزم من ذلك المحبة، أما الحمد: فهي الثناء على المحمود بصفاته الجميلة مع محبته وإجلاله وتعظيمه. طيب الفرق بين الحمد والشكر؟ الحمد والشكر هل هناك فرق بينهما؟

تفضل..الحمد: أعم من الشكر من وجه، والشكر أعم من الحمد من وجه، يقول العلماء: بينهما عموم وخصوص وجهي، الحمد أعم من جهة إيش؟. بأن الحمد ثناء على المحمود بصفاته الجميلة، وبالنعمة التي أسداها، فأنت تثني عليه بالنعم التي أسداها، وتثني عليه بالصفات الحميدة، بخلاف الشكر فإنه خاص … فإنك لا تشكر إلا من أسدى إليك معروفا، يعني: الشكر يكون لمن أسدى إليك معروفًا، والحمد يكون لمن أسدى إليك معروفا، ولمن لم يسد إليك معروفًا، أعم من هذه الجهة. فالله تعالى محمود؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة، والأسماء الحسنى، والأفعال العظيمة؛ ولما أسداه وأولاه إلى عباده من النعم العظيمة، بالأمرين، أما الشكر إذا قال: شكر فلان وفلانا، يعني: شكره على معروف، على صنيع، لكن إذا لم يسد إليه معروفًا ما يقال: شكره، لكن يقال: حمده. فيكون الحمد من هذه الجهة أعم؛ لأنه يكون ثناء على المحمود مقابل النعمة، وبدون مقابل، ومن غير مقابل، أما الشكر فلا يكون إلا في مقابل النعمة. والشكر أعم من جهة أخرى، الشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، كما قال الشاعر:

أفعبدتكـم النعمـاء مني ثلاثة *** يـدي ولساني والضمير المحجبا

أما الحمد فلا يكون إلا. .إيش؟ إلا باللسان، الحمد يكون باللسان، فيكون الشكر أعم من جهة، وأخص من جهة، أعم من جهة أنه يكون باليد، بالقلب واللسان واليد، وأخص من جهة أنه لا يكون إلا على فعل المعروف. والحمد أخص من جهة أنه لا يكون إلا باللسان، وأعم من جهة أنه يكون ثناء على المحمود في مقابل النعمة، وفي غير مقابل النعمة. "الحمد لله" الله: هذا أعرف المعارف، وهو لفظ الجلالة، وأصل الله: الإله، سُهّلت الهمزة، ثم التقت اللام واللام فشددت، الله. الله: هو أعرف المعارف، علم على الذات المقدسة، علم على الرب -سبحانه وتعالى-، لا يسمى به غيره، وهو مشتق من الألوهية، أَلهَ يأْلَه: إذا عبد، أله يأله إلهةً: عبد يعبد عبادة. فالله هو الاسم، اسم على الذات العلية، أعرف المعارف، كل أسماء الرب -سبحانه وتعالى- مشتقة … مشتملة على الصفات، مشتمل على … يدل على صفة الألوهية، "الله": اسم لله، وهو يدل على صفة الألوهية، فالرحمن: اسم مشتمل على صفة الرحمة، العليم: اسم مشتق من صفة العلم، القدير: اسم … صفة القدرة، وهكذا. وأسماء الله قسمان: قسم خاص به، لا يسمى به غيره، وقسم مشترك، فالله خاص به لا يسمى به غيره -سبحانه وتعالى-، علم على الرب -سبحانه وتعالى-، الرحمن: كذلك علم، لا يسمى به غيره؛ ولهذا لما تسمى مسيلمة الكذاب بالرحمن لزمه ولصق به وصف الكذب، فلا يطلق مسيلمة إلا ويوصم بالكذب، فيقال: مسيلمة الكذاب؛ لأنه تسمى بالرحمن -قبحه الله- وهو كذاب. والأسود العنسي ادعى النبوة بالإيمان. كذاب، لكن ما يقال… ما لصقه. .. ما لزمه اسم الكذب، ما يقال: الأسود العنسي الكذاب، هو كذاب، لكن لزم مسيلمة؛ لأنه تسمى باسم الرحمن، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذاب. مالك الملك، خالق الخلق، النافع الضار المحيي المميت، هذه كلها أسماء خاصة بالله.

وهناك أسماء مشتركة كالعزيز والعليم الحي القدير السميع البصير، كل هذه مشتركة تطلق على الله وعلى غيره ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ (38) ، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (39) ، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (40) ، وهكذا. "الحمد لله الذي جعل" يقول الإمام أحمد -رحمه الله- في خطبته " الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ". الزمان قلنا يطلق على أيش؟ على الوقت القليل والكثير، والزمان والوقت قليلًا كان أو كثيرًا يطلق عليه زمان، "فترة" الفترة. ما المراد بالفترة؟ تطلق على ما بين الرسولين، والمراد على فترة من الرسل: انقطاع … انقطاع واندراس... انقطاع بعثهم، واندراس أعلام دينهم، وهذا فيه إشارة إلى الحديث: « إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها »(3) "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى" هذه خصلة … هذه وظيفة الرسل وأتباعهم، "يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى"؛ لأن الداعية والعالم والمصلح –وقبله الرسل –عليهم الصلاة والسلام- لا بد أن ينالهم أذى، إما بالقول أو بالفعل، فلا بد من الصبر، فإذا لم يصبر العالم أو الداعية، فإنه لا يستطيع أن يقوم بواجبه؛ ولهذا قال: "ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى" هذا وصف العلماء، يحيون بكتاب الله الموتى، هل الناس موتى؟ نعم، نعم الجهل موت، قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (41) ؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة الروح والقلب؛ ولهذا سمى الله القرآن روحًا لتوقف الحياة الحقيقية عليه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (10) ؛ ولهذا قال: "يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى". هل الناس عُمي؟ نعم.

الجاهل أعمى ولو كان يبصر بعينيه؛ لأن البصيرة هي البصر حقيقة، بصيرة الإنسان وعلمه هذا هو النور الحقيقي؛ ولهذا سمى الله تعالى كتابه نورا، قال: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (10) . "فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه" يقول الإمام أحمد في خطبته: "فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه " هل إبليس يقتل الناس؟ نعم. نعم يقتل، بأي شيء يقتلهم؟ بإضلالهم وتسويل الشرك والمعاصي، فمن زين له الشيطان الشرك وأطاعه فقد قتله، والمعاصي قتل نسبي ليس قتلًا كاملًا، القتل الكامل هو قتله بالشرك، والمعاصي وسيلة إلى القتل الكامل؛ ولهذا قال: "فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه". يعني العلماء أحيوا كثيرا ممن قتلهم إبليس من المشركين وعباد الأوثان، دعوا عباد القبور والأوثان، وهم قد قتلهم إبليس، فدعوهم إلى الله فآمنوا ووحدوا وأخلصوا العبادة فأحيوهم، أنقذوهم ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ (41) أنقذوهم بتوفيق الله وهدايته، وكذلك العصاة والمبتدعة، أنقذوهم منه؛ ولهذا قال: "كم" كم: للتكثير. "كم قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد أهدوه" يعني: كثير من الضلال الذين تاهوا عن الحق وضلوا الطريق المستقيم من المشركين والمبتدعة والضلّال العصاة قد هدوه، وبينوا له طريق الحق وطريق الصواب، فاهتدى بإذن الله.

"فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم" المؤلف -رحمه الله- الإمام أحمد يتعجب من قبح أثر الناس على العلماء، ومن حسن أثر العلماء على الناس، "فما أحسن أثرهم" يعني: العلماء "على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم!" فما هو أثر العلماء على الناس؟ وما هو أثر الناس على العلماء؟ أثر العلماء على الناس الذي يتعجب الإمام من حسنه، ما هو؟ نعم. تعليمهم وهدايتهم وإرشادهم وإنقاذهم من ظلمات الشرك والبدع والمعاصي. هذا أثر حسن، أنقذوهم من الضلال، أنقذوهم من النار، هذا شيء حسن، أحسن من إنقاذ أجسامهم، يفوق إنقاذ أجسامهم، فأنت إذا أنقذت غريقا أو حريقا ألا تكون أحسنت إليه، فالذي ينقذ المشرك والمبتدع أفضل وأعظم ممن ينقذ الغريق والحريق وأعظم أجرًا؛ لأن الغريق والحريق لو مات وهو مؤمن موحد لا يضره، والموت لا بد منه، لكن إذا مات المشرك على الشرك هلك هلاكًا أبديًا. وبهذا يتبين أن … أيش؟ أن إنقاذ العلماء للمشركين والمبتدعة والعصاة أعظم من إنقاذ رجال الإطفاء لأهل الحريق وإنقاذ الغريق وغيرهم ممن أشرف على الهلكة، وإن كان هذا كله فيه فضل وأجر عظيم، لكن هذا أعظم، هذا أثر العلماء على الناس، "فما أحسن أثرهم على الناس!" أثر العلماء على الناس "وأقبح أثر الناس عليهم!" ما هو أثر الناس على العلماء؟

ها..أيوه. السب والتكفير، وقد يكون الضرب والحبس والقتل أيضًا، ألم يقتل أحد من العلماء؟، بل الأنبياء قتلوا، قال الله تعالى عن بني إسرائيل ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (15) . زكريا قُتل -عليه الصلاة والسلام- ويحيى قتل، هذا أثر الناس على العلماء، وفي مقدمة العلماء، الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - إذا منهم من قُتل، ومنهم من سجن، ومنهم من ضرب، ومنهم من حبس، ومنهم من أوذي، ومنهم من لطم، ومنهم من سب وشتم وضلل وكفر، هذه كلها أثر الناس على العلماء، "فما أحسن أثرهم على الناس !وأقبح أثر الناس عليهم!".

"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين " هذه وظيفة العلماء، ينفون عن لله تحريف الغالين، ما المراد بالتحريف؟ تغيير الشيء، يعني التغيير والتبديل، والتغيير الذي قد يكون في القرآن قد يكون تغييرا في اللفظ وقد يكون تغييرا في المعنى، تغيير في اللفظ مثل تغيير بعض. .. أيش؟ بعض الجهمية قراءته الآية: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (17) قرأ بنصب لفظ الجلالة، قال: "وكلم اللهَ موسى تكليمًا" حتى يكون موسى هو المكلّم، وقصدهم من ذلك إنكار أن يكون الله متكلما، فلما قال هذا قال له بعض العلماء: هب يا عدو الله أنك استطعت أنك تحرف هذه الآية، فكيف تقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (18) لا تستطيع أن تحرف لفظا، حرفت المعنى. قال المعنى: وجرحه بأظافر الحكمة، حرف المعنى قال: وعندي دليل، قال: دليل أن العرب تقول: فلان كَلْمه يدمى، كلمه يعني: جرحه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (18) جرحه بأظافر الحكمة، هذا تغيير، تحريف في المعنى. ومثل تحريف المبتدعة للاستواء، قالوا: معناها استولى، تحريفهم للرحمة، قالوا معناها الإنعام، والرضا: الثواب، والغضب: الانتقام، أو إرادة الانتقام، وهكذا ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين.

الغالون: أقسام: نفاة الصفات: غلوا في التنزيه، غلاة، نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة غلوا في التنزيه، زعموا أنهم ينزهون الله فزادوا وغلوا في هذا التنزيه حتى نفوا الأسماء والصفات عن الله، هذا غلو. فجاء العلماء ونفوا عن كتاب الله تحريف الغالين، كما أن الممثلة والمشبهة غلوا في الإثبات، حتى وصلوا إلى التشبيه، قالوا: نثبت الأسماء والصفات لله، ونقول إن الله يتكلم، يرضى يغضب، لكن مثل صفات المخلوقين سواء بسواء، هذا غلو في الإثبات. فجاء العلماء فنفوا هذا التحريف، كذلك القدر غلا فيه قوم فنفوا أفعال العباد، حتى جعلوهم لا يتحركون، جعلوهم كالريشة في الهواء، وهم الجبرية، فقالوا: إن العبد لا فعل له، الأفعال هي أفعال الله، والحركات تنسب إليه مجازا، وهذا إنكار المحسوس، نرى الإنسان يتحرك ويذهب ويجيء، عنده اختيار في البيت، يستطيع أن يقوم، يستطيع أن يذهب، يستطيع أن يجلس، فجاء العلماء ونفوا هذا الغلو، وقالوا: إن العبد له فعل وله مشيئته، وله إرادة، لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادة الله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (42) .

والقدرية النفاة: غلوا بالعكس، ضد هؤلاء، غلوا في إثبات أفعال العبد، حتى قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالًا من دون الله، قالوا: هو العبد …هو الذي يخلق الطاعات والمعاصي، حتى يكون مستحقا للثواب، إذا أطاع ومستحقا للعقاب إذا عصى، حتى قالوا: إنه يستحق الثواب على الله، كما يستحق الأجير أجره؛ لأنه هو الذي خلق فعل نفسه، كما أنه إذا عصى وجب على الله أن يعذبه، وليس له أن يغفر له، وأن يخلده في النار إذا فعل الكبيرة. فجاء العلماء ونفوا هذا التحريف، كذلك الخوارج والمعتزلة، غلوا في الأسماء الصفات، في أسماء الدين والإيمان، فقالوا: إن من فعل المعصية والكبيرة كفر، يقول الخوارج: كفر وخرج من الملة، ويستحلون دمه وماله، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، هذا غلو.

فنفى أهل العلم هذا التحريف، وقالوا لهم: إن العبد لا يكفر، ولكن إيمانه يضعف إذا فعل المعصية، يضعف بدليل أن الله سمى العصاة مؤمنين، وقابلهم المرجئة، فالمرجئة قالوا: إن العبد إذا فعل … إذا آمن وعرف ربه بقلبه، وإذا فعل جميع المنكرات والكبائر لا يضره، وهو مؤمن كامل الإيمان، وهو في الجنة، يدخل الجنة من أول وهلة، عكس الخوارج والمعتزلة. هذا غلو منهم، فجاء أهل الحق، أهل العلم، ونفوا هذا. الغلو واضح، هذه أمثلة. كذلك في الصحابة … الروافض كفروا الصحابة، وقالوا: إنهم كفروا وارتدوا بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغلوا في أهل البيت، حتى عبدوهم من دون الله، فجاء النواصب وهم الخوارج ونصبوا العداوة لأهل البيت، هؤلاء غلوا، وهؤلاء غلوا، هؤلاء غلوا في أهل البيت -الروافض- حتى عبدوهم، والنواصب سبوا أهل البيت وآذوهم وعادوهم، وهم الخوارج. فجاء أهل الحق، وأهل اعلم ونفوا غلو الرافضة وغلو النواصب، وعرفوا لأهل البيت حقهم، لم يعبدوهم كما تفعل الرافضة، ولم يؤذوهم ويعادوهم كما تفعل الخوارج، بل أحبوهم ووالوهم، وهكذا لا يزال العلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين.

كما قال الإمام -رحمه الله-. "وانتحال المبطلين" الانتحال: نسبة الشيء إلى القرآن أن ينسب إلى القرآن ما ليس منه، فهؤلاء المبطلون ينسبون إلى القرآن ما ليس منه، يقولون: إن القرآن دل على كذا، نسبوا إلى القرآن أن الله تعالى يعذب أحدا بغير جرم، واستدلوا بقوله تعالى ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا (24) ، فجاء أهل العلم وبينوا ونفوا هذه النسبة الباطلة للقرآن، وقالوا: إن القرآن دل على … لم يدل على هذا، وإنما المعنى: أن جلودهم تجدد، ليس المراد أنه يعذب أشخاصا آخرين. وكذلك نفى العلماء عن كتاب الله تأويل الجاهلين، الذين أوّلوا القرآن على غير تأويله، والتأويل: له ثلاث معان مشهورة: معنيان صحيحان، ومعنى محدث، فالمعنيان الصحيحان: يطلق التأويل على الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كقوله سبحانه لما في قصة يوسف، لما ذكر له الرؤيا في أول السورة وأنه قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (43) ثم لما سجدوا له في آخر الأمر في آخر السورة، ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ (44) تحققت.

حقيقة لما سجد له إخوته وأبواه قال: هذا تأويل رؤياي من قبل، هذه هي الحقيقة التي أول بها الحلم، وكذلك حقائق ما أخبر الله به في الجنة، في يوم القيامة تأويلها وقوعها، وكذلك الأوامر والنواهي تحقيقها تأويلها فعلها. ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (45) كان بعد ذلك يقول -عليه الصلاة والسلام- … يكثر أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك! اللهم اغفر لي، قالت عائشة: يتأول القرآن. هذا التأويل، يعني يعمل به، ويأتي التأويل بمعنى التفسير، تأويل الكلام: تفسيره، تأويل المعنى تفسيره، ومنه قول الإمام ابن جرير -رحمه الله- في تفسيره: القول في تأويل قول الله تعالى. يعني في تفسير قول الله تعالى.

ويطلق التأويل على صرف الكلام أو اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح لدليل يقترن به، هذا أحدثه المتأخرون، صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر بدليل يقترن به، هذا باطل. مثل صرفهم معنى ﴿اسْتَوَى (46) لاستولى، يقول: استوى ظاهر أنه استواء حقيقي، استقرار، استوى معناها: استقر وعلا وارتفع، وصعد، هذا المعنى اللغوي، لكن كيفية الاستواء. الله أعلم. المعنى اللغوي معروف كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، وهو الاستقرار والعلو والصعود والارتفاع، أما المعنى.. أما الحقيقة فهذه لا يعملها إلا الله، تأويل أهل الكلام الباطل قالوا نؤوّل استوى بمعنى: استولى، فإذا قيل لهم: لماذا تؤولون؟ الاستواء المراد: هو الاستواء الحقيقي قالوا: لا.. صحيح … اللفظ الظاهر أنه الاستواء الحقيقي، هذا المعنى الظاهر وهو المتبادر، لكن نصرفه إلى معنى مرجوح، نصرف هذا المعنى –الاستواء- إلى معنى آخر وهو الاستيلاء، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالوا: عندنا الدليل، وهو العقل يمنع أن يكون الله استوى على العرش؛ لئلا يلزم أن يكون … لئلا يلزم عليه أن يكون الله مشابها للمخلوق، إذا قلنا: إن الخالق استوى، والمخلوق استوى، شابه الخالق المخلوق؛ فلهذا عندنا دليل، فنصرف الاستواء عن المعنى الظاهر المتبادر إلى معنى آخر مرجوح.

والدليل: العقل الذي يدل على أن الله لا يمكن أن يكون مستويًا استواء حقيقيًا هذا، باطل. هذا من تأويل الجاهلين الذي ينفيه أهل العلم، هذا معنى قول المؤلف … مثال لقول المؤلف: "وتأويل الجاهلين والمبطلين". الباطل ينفيه أهل العلم عن كتاب الله -عز وجل- كذلك أيضًا قول النزول أولوه، قالوا: ليس نزولًا حقيقيًا، صحيح المعنى المتبادر: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا أنه نزول حقيقي، قالوا: لا نصرفه إلى معنى بعيد، نقول: جاء أمره، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالوا: عندنا الدليل، العقل يمنع أن نحمل النزول على معناه الحقيقي؛ لأن الله لا يجوز عليه الانتقال ولا..والنزول من صفات المخلوقين. نقول: هذا باطل، نقول: ينزل ولا نكيف النزول، وهكذا جميع الصفات التي أوّلها أهل الجهل والمبطلون وأهل الكلام، نفاها أهل العلم عن كتاب الله -عز وجل-، هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-:"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".

ثم وصفهم الإمام -رحمه الله- بقوله: "الذين عقدوا ألوية البدعة " هذا فيه بيان لشدة تمسك أهل البدع ببدعهم، من شدة تمسكهم كأنه جيش يُعقد له لواء، فقائد الجيش إذا عقد اللواء –خلاص- تم توجيه الجيش، إذا عقد اللواء وجه الجيش، يعني: ثبت، أما قبل أن يعقد اللواء قد يوجه الجيش، وقد لا يوجه. فإذا عقد اللواء توجه الجيش، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة يعني: صمموا ولزموا البدعة كما أن قائد الجيش يصمم حينما يعقد اللواء للجيش، يصمم على إنفاذه، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة. يعني: لزموها وتمسكوا بها وصمموا عليها. "وأطلقوا عقال الفتنة " يعني: أن هؤلاء المبتدعة حينما أولوا كتاب الله وحرفوه وأولوه ونسبوا إليه ما ليس منه، هذا فتنة فتنوا الناس عن دينهم وصرفوهم عن الحق، فكأنهم فتحوا باب الفتنة على مصراعيه، أطلقوا عقال الفتنة، الفتنة كانت ممسكة ثم أطلقها هؤلاء، كما أن البعير إذا أطلقت عقاله ذهب البعير. البعير … معروف عند العرب أن البعير إذا أنيخ يكون هناك عقال تربط به يده حتى لا يقوم، وإذا ربطت اليدين أوثقته، ما يتحرك، فإذا أطلقت العقال قام وذهب، إذا أطلقت العقال …. العقال: هو الخيط أو الحبل الذي يربط به يد البعير، إذا ربطت يد البعير خلاص عقلته، يقال: عقل البعير يعني: أمسكه … بإيش؟ أمسكه بهذا الحبل الذي يربط به يده، حتى لا يهذب، فإذا أطلقت العقال قام ومشى، فكذلك هؤلاء، كانت الفتنة معقلة ممسكة فجاء أهل البدع فأطلقوها فانتشرت –نسأل الله السلامة والعافية.

هذا بيان من الإمام -رحمه الله- وكيفية نشر هؤلاء للفتنة والبدع أطلقوا عقال الفتنة فانتشرت بين الناس، وذلك بتحريفهم الذي فيه غلو، ونسبتهم إلى القرآن ما ليس منه، وتأويلهم الباطل، بهذا نشروا الفتنة بين الناس؛ ولهذا قال المؤلف: "الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب ". الاختلاف هنا عندنا يقول المؤلف: "فهم مختلفون في الكتاب " مخالفون للكتاب: مجمعون على مفارقة الكتاب، مختلفون في الكتاب، الاختلاف في الكتاب: اختلاف في تنزيله واختلاف في تأويله، فاختلاف في تنزيله بعض الناس قال: إن القرآن لم يتكلم الله به، ما تكلم الله به، وليس وصفًا من أوصافه، وإنما هذه الألفاظ والمعاني خلقها في غيره، فصار بها متكلما، كما يقول ذلك المعتزلة والجهمية. يقولون: إن الله تعالى ما تكلم بالقرآن، ولا قاله، وليس وصفا من أوصافه، لكنه نسب إليه على سبيل المجاز، فيقولون: إن القرآن مخلوق، هذه الألفاظ والمعاني خلقها في غيره، فصار بها متكلمًا، وإن كان واقعا بقدرته ومشيئته إلا أنه لم يتكلم به. وقال آخرون: إن الله تكلم … إن هذا القرآن وصف من صفاته، لكنه ليس واقعًا بمشيئته وقدرته، السالمية قالوا: إن القرآن وصف قائم بالله، ألفاظه ومعانيه، لكنه لا يتعلق بقدرته ومشيئته والكلابية، والأشاعرة قالوا: إنه وصف قائم بالله إلا أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ومع قولهم: إنه وصف بالله قالوا: ليس حرفًا ولا صوتًا، وإنما هو معنى قائم بنفسه، كما يقوم العلم به.

هذا اختلاف في تنزيله، وكذلك الاختلاف في تأويله، اختلفوا في تأويله، كل يقول … يؤول القرآن على تأويله الذي هو … أي يعتقده، ويرد المعنى الذي يقوله غيره، فيقول مثلًا: يقول: كل منهم يجعل رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه، ويجعل رأي غيره هو المتشابه الذي يجب نفيه أو تأويله. فالجهمية يقولون: قولنا هو الحق في نفي الأسماء والصفات، وقول المعتزلة هو الباطل. والاشاعرة يقولون: قولنا هو الحق، وقول المعتزلة هو الباطل. فكل منهم يتأول القرآن على غير تأويله، ويقول: إن قوله ومذهبه هو الحق، وقول غيره هو الذي يجب تأويله أو تفريغه، هذا اختلاف في الكتاب، فهم مختلفون في الكتاب. "مخالفون للكتاب" خالفوا الكتاب، كل يدعي أن قوله هو الصواب وهو الحق، ويتأول القرآن على غير تأويله، ويضرب كتاب الله بعضه ببعض.

كما ثبت في الحديث: « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يومًا على بعض أصحابه، وهذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فُقئ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أمرتم ؟! أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! فما علمتم منه فاعملوا به، وما لم تعلموا فكِلوه إلى عالم »(47) أو كما قال –عليه الصلاة والسلام. هذا اختلاف في الكتاب كل واحد ينزع بآية، كل واحد يقول: إن قولي هذا هو الحق، ويستدل بالقرآن على قوله، والآخر يستدل بالقرآن على قوله، ويضرب كتاب الله بعضه ببعض، فهذا مخالفة للكتاب. الله تعالى أمر بالاعتصام قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (48) ، فالاختلاف والتفرق هذا مخالفة للكتاب الذي أمر الله به بالاعتصام به ولزومه، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (49) ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (48) . فالمعتزلة يقولون: قولنا هو الحق، وقول الجهمية هو الباطل، والخوارج كذلك يقولون: قولنا هو الحق، نحن الأدلة عندنا تدل على أن العاصي مخلد في النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (50) ، ويقولون: هذا هو الحق، وقول أهل السنة هو الباطل، الذي يجب تأويله، والمعتزلة يقولون: قولنا هو الحق، يدل قولنا … النصوص تدل: العاصي خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.

والمرجئة يقولون: قولنا هو الحق، والنصوص تدل على أن المؤمن لا يضره –أي- شيء مع إيمانه. وهكذا فكل يدعي وصلا لليلى وليلى لاتقر لهم بذاك، كل من هؤلاء المبتدعة يدعي أن قوله هو الحق، وأن قول خصمه هو الباطل الذي يجب تأويله وتفريغه. فهذا مخالف للكتاب وهم مجمعون على مفارقة الكتاب، حيث لم يعملوا بالقرآن، وقالوا: إن دلالته -دلالة القرآن- لفظية لا تفيد اليقين، يقولون: إن دلالة القرآن لفظية ظنية لا تفيد اليقين، فهي مظنونة. فالمتواتر القرآن والحديث المتواتر هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. فمثلا ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (51) يقولون: هذه قطعية ثابته ما في إشكال، قرآن. وكذلك السنة المتواترة، لكن كونه يدل على الاستواء الحقيقي هذا مظنون، ظني؛ لأنه قد يراد به الاستيلاء، فالدلالة ظنية.

وأما أحاديث الآحاد، قالوا: هذه ظنية الثبوت وظنية الدلالة لا يحتج بها لا من جهة السند ولا من جهة المتن، فثبوتها ظني، والدلالة ظنية. والقرآن ليس لهم حيلة فيه في أن يقولوا: ليس بثابت، يقولون: صحيح قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، فسدوا على القلوب معرفة الله من كتاب الله -عز وجل- معرفة الله بأسمائه وصفاته من كتاب الله -عز وجل-، وقالوا … ثم أيضًا القرآن، والسنة أدلة لفظية أدلة نطقية والأدلة اللفظية والنطقية لا تفيد اليقين ما تفيد إلا الظن، ما الذي يفيده اليقين؟ قالوا: الذي يفيده اليقين هو الأدلة العقلية، يسمونها قواطع، القواطع العقلية براهين يقينية، وهي المقدمات التي يرتبها أهل المنطق، ويستخرجون النتائج منها، مثل قولهم: الله ليس بجسم، وكل ما ليس بجسم لا يُرى، فالنتيجة: الله لا يرى. هذا … مثلًا يركبون الدليل من مقدمتين ونتيجة: الله ليس بجسم وكل ما ليس بجسم لا يرى، فالنتيجة: الله لا يرى، يقول: هذا دليل قطعي يقيني، برهان يقيني.

أما القرآن والسنة أدلة لفظية، والأدلة اللفظية لا تفيد اليقين. إذًا أبطلوا الاحتجاج بالقرآن والسنة. هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-: "مجمعون على مفارقة الكتاب، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم ". يقولون على الله بلا علم، في أسمائه وصفاته وشرعه، يقولون بغير علم، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، القول على الله بلا علم من أعظم الجرائم، وأعظم الكبائر، حتى إن الله -سبحانه وتعالى- جعله فوق الشرك بالله -عز وجل-، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (52) . جعلها فيها مرتبة فوق الشرك؛ لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، كل مشرك قد قال على الله بلا علم، بلسان المقال وبلسان الحال، من عبد مع الله غيره أو أشرك بالله أو جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة فقد قال على الله بلا علم. فالقول على الله بلا علم يشمل الشرك ويشمل الضلال والبدع، كل قول على الله بلا علم … وقد جعل الله تعالى القول بلا علم من إرادة الشيطان في قوله -عز وجل-: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ (53) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (54) . فجعله من أمر الشيطان. فالقول على الله بلا علم هذا من أعظم الجرائم والكبائر.

ومن ذلك أن يقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته، يقول: إن الله لم … إن هذه الأسماء والصفات قول بعض المبتدعة، هذه الأسماء ليست أسماء الله وإنما هي أسماء لمخلوقاته. هذا قول على الله بلا علم، القول بأن معنى ﴿اسْتَوَى (46) : استولى قول على الله بلا علم، القول إن أباح كذا أو حرم كذا في الشرع بغير دليل قول على الله بلا علم، وهو يشمل القول على الله بلا علم في أسمائه وفي صفاته وفي شرعه، ويشمل الشرك والبدع والمعاصي. فالمشرك قائل على الله بلا علم؛ ولهذا قال المصنف –رحمه الله- قال المؤلف الإمام أحمد: يقولون على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ودينه، فالذي يفتي بغير علم، قال على الله بلا علم، إن الله أباح كذا أو حرم كذا على غير بصيرة فهو قائل على الله بلا علم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (55) . فإذًا القول على الله بلا علم مرتبة فوق مرتبة الشرك؛ لأنه يشمل الشرك وما دونه ويشمل القول على الله بلا علم، في أسماء الله أو في صفاته أو في أفعاله أو في شرعه ودينه. "يقولون على الله بلا علم وفي الله" "يقولون في الله بغير علم" في الله: يعني: يقولون: إن الله ليس على العرش هذا قول في الله بغير علم، المبتدعة يقولون: إن الله لم يستو على العرش، والحولولية يقولون: إن الله حل في كل مكان، والمعتزلة الذين ينفون أسماءه وصفاته قالوا على الله بغير علم، قالوا في الله بغير علم.

كما أن القول على الله بلا علم يشمل ما يقوله المدارية، وما يقوله الجبرية، وما يقوله الخوارج والمعتزلة من أن القرآن دل على كذا، هذا قول على الله بغير علم، وفي كتاب الله… أيضًا يقولون في كتاب الله بغير علم -كما سبق- يقولون: إن كتاب الله دل على أن الله لم يتصف بالصفات؛ لأنها أسماء لمخلوقاته. يقولون: إن كتاب الله دل على أن العاصي مخلد في النار، كما يقول الخوارج. .يقولون: إن كتاب الله دل على أن المؤمن يخرج من الإيمان بالمعصية، وهكذا كذلك يشمل كل من قال في كتاب الله ونسب إلى كتاب الله ما ليس منه كما سيتبين من ذكر المؤلف -رحمه الله- الأمثلة الكثيرة.

فيقول: إن كتاب الله دل على أنه لم يتصف بالصفات، دل على أن العاصي يخلد في النار، دل على أن العاصي يكفر، هذا قول على الله بلا علم، وهذا معنى قول المؤلف: "يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس، يتكلمون بالمتشابه من الكلام كما ذكر المؤلف يعني يأتون بالآيات المتشابهة ويتأولونها على غير تأويلها، يخدعون بذلك الجهال بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين". وسيسرد المؤلف -رحمه الله- أمثلة، سيذكر اثنين وعشرين مثالا في بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وهو قول على الله بلا علم، وقولهم في كتاب الله بغير علم. كل هذه الأمثلة أمثلة لقول الإمام -رحمه الله-: "يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين". نعم نقرأ.


(1) سورة الفاتحة: 2
(2) سورة سبأ: 13
(3) أبو داود : الملاحم (4291).
(4) سورة العصر: 1 - 3
(5) البخاري : أحاديث الأنبياء (3477) , ومسلم : الجهاد والسير (1792) , وابن ماجه : الفتن (4025) , وأحمد (1/453).
(6) سورة نوح: 5 - 9
(7) سورة نوح: 35
(8) سورة غافر: 28
(9) سورة الشورى: 122
(10) سورة الشورى: 52
(11) سورة الشورى: 46
(12) سورة إبراهيم: 1
(13) سورة البقرة: 249
(14) سورة فاطر: 28
(15) سورة البقرة: 87
(16) سورة الأنفال: 16
(17) سورة النساء: 164
(18) سورة الأعراف: 143
(19) سورة البقرة: 253
(20) سورة طه: 5
(21) سورة النساء: 171
(22) سورة المؤمنون: 14
(23) سورة النحل: 32
(24) سورة النساء: 56
(25) سورة إبراهيم: 48
(26) مسلم : البر والصلة والآداب (2569).
(27) مسلم : البر والصلة والآداب (2569).
(28) سورة آل عمران: 7
(29) البخاري : المغازي (4351) , ومسلم : الزكاة (1064) , والنسائي : الزكاة (2578) , وأبو داود : السنة (4764) , وأحمد (3/68).
(30) البخاري : التوحيد (7562).
(31) النسائي : الزكاة (2578).
(32) البخاري : المناقب (3610) , ومسلم : الزكاة (1064) , والنسائي : الزكاة (2578) , وأبو داود : السنة (4764) , وأحمد (3/4).
(33) البخاري : التوحيد (7562).
(34) مسلم : القدر (2654) , وأحمد (2/168).
(35) سورة البقرة: 164
(36) سورة النمل: 14
(37) سورة الإخلاص: 1
(38) سورة يوسف: 51
(39) سورة الإنسان: 2
(40) سورة يونس: 31
(41) سورة الأنعام: 122
(42) سورة التكوير: 29
(43) سورة يوسف: 4
(44) سورة يوسف: 100
(45) سورة النصر: 1 - 3
(46) سورة طه: 5
(47) ابن ماجه : المقدمة (85) , وأحمد (2/195).
(48) سورة آل عمران: 103
(49) سورة الأنعام: 153
(50) سورة النساء: 10
(51) سورة طه: 5
(52) سورة الأعراف: 33
(53) سورة المائدة: 91
(54) سورة البقرة: 168 - 169
(55) سورة النحل: 116 - 117