موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب العطف - شرح الآجرومية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الآجرومية لفضيلة الشيخ محمد بن خالد الفاضل
  
 
 شرح الآجرومية
 مقدمة الشارح
 أنواع الكلام
 بـــاب الإعـــراب
 باب معرفة علامات الإعراب
 علامات النصب
 علامات الخفض (الجر)
 علامات الجزم
 فصل المعربات
 المعربات بالحروف
 باب الأفعال
 أدوات النصب والجزم
 باب مرفوعات الأسماء
 باب النعت
 باب الفاعل
 باب المفعول الذي لم يسم فاعله
 باب المبتدأ والخبر
 باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر
 باب العطف
 باب التوكيد
 باب البدل
 باب منصوبات الأسماء
 باب المفعول به
 باب المنادى
 باب المفعول معه
 خبر كان وأخواتها واسم إن وأخواتها
 باب المصدر
 باب ظرف الزمان وظرف المكان
 باب الحال
 باب التمييز
 باب الاستثناء
 باب لا
 باب المفعول من أجله
 باب المخفوضات من الأسماء
شرح الآجرومية - باب العطف

باب العطف

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: باب العطف . وحروف العطف عشرة.

وهي: الواو، والفاء، وثم، وأو، وأم، وأما، وبل، ولا، ولكن، وحتى في بعض المواضع، فإن عطفت على مرفوع رفعت أو على منصوب نصبت أو على مخفوض خفضت، أو على مجزوم جزمت.

تقول: قام زيد وعمرو، ورأيت زيدًا وعمرًا، ومررت بزيد وعمرو، وزيد لم يقم ولم يقعد.


هذا الباب هو الباب الثاني من أبواب التوابع، وهو باب العطف، والمؤلف -رحمه الله- عامل العطف هنا معاملته للمبهم، حينما ذكر أنواع المعارف، فذكر المبهم وأغفل الحديث عن الموصول من أنواع المعارف.

وقلنا: إنه ربما يدخل في المبهم، ونلتمس للمؤلف -رحمه الله- العذر في ذلك، وهنا في حديثه عن العطف، تحدث عن عطف النسق فقط، مع أن العطف -كما تعلمون- نوعان، العطف نوعان: عطف البيان، وعطف النسق؛ الأول عطف البيان والثاني عطف النسق.

حديث عطف النسق هو الذي يكون بواسطة حروف العطف، وهو الذي تحدث عنه المؤلف هنا، أما عطف البيان فلم يشر إليه بأي إشارة، ويحسن أن نذكره بشيء ولو بصورة سريعة.

عطف البيان: هو التابع الجامد الذي يوضح متبوعه إن كان معرفة أو يخصصه إن كان نكرة.

للو نظرتم إلى تعريفه لوجدتم أنه مقارب لتعريف النعت. ما الفرق بينهما؟ كلاهما تابع، وكلاهما يوضح متبوعه إن كان معرفة، وكلاهما يخصصه إن كان نكرة. فما الفرق بينهما ؟

الفرق بينهما أن عطف البيان جامد، وأن النعت لا بد أن يكون مشتقًّا، أو مؤولًا بالمشتق، لا بد أن يكون مشتقًّا مثل: قائم وعاقل وجالس ونحو ذلك، أو مؤولا بالمشتق مثل كلمة "أسد" -مثلًا- إذا نعت بها؛ لأنها مؤوله بشجاع، وأنت لا تريد الأسد الحيوان، وإنما تريد الشجاعة، فهو جامد مؤول بالمشتق.

أما عطف البيان: ففإنه التابع الجامد الذي يوضح متبوعه إن كان معرفة، ويخصصه إن كان نكرة.

مثل ماذا عطف البيان؟ عطف البيان هو أن تأتي بلفظ، يعني: كأنك جئت باسْمين لشخص معين لتوضحه زيادة إيضاح بالثاني بعدما لم يكن واضحًا بالأول.

نعم، جاء محمد أبو عمر.

أأقسم بالله أبو حفص عمر *** ..................

هذا بيت شعر، أقسم بالله، الخليفة الثاني هو عمر الفاروق، إلا إذا لم تكن نعتا، الخليفة الثاني هو عمر أبو حفص، هو أبو حفص عمر، أو هو عمر أبو حفص، يعني: حينما تأتي باسم لشخص، ولكن ترى أنه لم يتضح الاتضاح الكامل فتريد أن تزيده إيضاحا فتقول: جاء محمد فإذا بدا على صاحبك الذي تتحدث معه أن الأمر ليس واضحًا تمامًا فتقول: جاء محمد أبو عبد الله يعني: محمد هو أبو عبد الله، وأبو عبد الله هو محمد فهو عطف بيان، وهو يكاد يكون مرادفا للبدل.

بمعنى أنه كل ما صحَّ أن يكون عطف بيان صحَّ أن يكون بدلا، فجاء محمد أبو عبد الله، لك أن تقول بأن: محمد أبو عبد الله عطف بيان، أو تعربها بدلًا.

إلا في مسألتين، سنتحدث عنهما إذا وصلنا إلى باب البدل.

ففعطف البيان يكاد يكون مرادفًا للبدل، ولعلَّ هذا من الأمور التي تشفع للمؤلف في عدم ذكره؛ لأنه استغنى بالبدل؛ لأن كل ما صح أن يعرب عطف بيان يصح أن يعرب بدلًا، إلا في مسألتين ذكرهما العلماء، ونشير إليهما -إن شاء الله- إذا عرفنا باب البدل.

فعطف البيان إذًا هو التابع الجامد الذي يوضح متبوعه إن كان معرفة، أو يخصصه إن كان نكرة.

مسألة توضيح المعرفة هذه قضية متفق عليها، أما تخصيص النكرة فبعض العلماء يشكك في مجيء عطف البيان للنكرة، لكنه جاء، ويحملون عليه قوله -تعالى-: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ (16)يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ(1) فماء هنا وضَّحت نوعية هذا الماء بأنه صديد، فهو عطف بيان له، وليس صفة، وليس نعتا له؛ لأن الصديد ليس صفة للماء، وإنما بيان لنوع هذا الماء أي الماء الذي هو الصديد فصديد هنا يقال: إنها عطف بيان، وهما نكرتان.

ولذلك قلت لكم: إن عطف البيان لا بد فيه أن يتبع متبوعه السابق في أربعة من عشره، يعني: في كل الأمور يعني: لا بد لعطف البيان أن يطابق المتبوع الذي قبله في الإعراب، فلا بد من رفعهما معًا أو نصبهما أو جرهما معًا.

تقول: جاء محمد أبو عبد الله، رأيت محمدًا أبا عبد الله، ومررت بمحمد أبي عبد الله.

ولا بد أن يطابقه في الإفراد والتثنية والجمع؛ لأنك إنما تريد أن توضحه، فلا يصح أن تقول: جاء أبو عبد الله الرجال أو المحمدون، لا بد إذا كان هذا مفردًا أن يكون هذا مفردًا كذلك، ومثله التثنية والجمع، ولا بد من التعريف أن يتطابقا في التعريف والتنكير، والتعريف هو الكثير المشهور، والتنكير فيها قليل، ولا بد أيضًا أن يتطابقا في التذكير والتأنيث، فلا يصح أن تقول: جاء محمد أُم عبد الله؛ لأن هذا غير هذا، فلا بد من مطابقتهما.

فعطف البيان إذًا: تابع جامد يوضح متبوعه إن كان معرفة، ويخصصه إن كان نكرة، ولا بد من مطابقته لمتبوعه كالنعت الحقيقي في أربعة من عشرة، لا بد أن يطابقه في كل الأوجه.

أما النوع الثاني من أنواع العطف فهو: عطف النسق.

عطف النسق ما هو ؟

عطف النسق هو: الذي يصدق عليه اسم العطف إذا أطلق.

إذا قيل: عطف عاطف ومعطوف فإنه ينصرف إلى عطف النسق فقط.

عطف النسق ما هو ؟

هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف التسعة على قول، أو العشرة على قول، هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف العشرة أو التسعة التي ذكرها المؤلف.

هذه التوابع بصفة عامه لماذا سميت بالتوابع ؟

أصل تسميتها بالتوابع، كل أبواب التوابع الخمسة، أصل تسميتها بالتوابع هو لأن هذا التابع يوافق متبوعه ويتبعه بإعرابه. هذا هو الأصل، الأصل فيها أن هذا المتبوع، أو هذا التابع يوافق الاسم الذي قبله الذي جاء تابعًا له في إعرابه، وربما وافقه في أمور أخرى؛ في تعريفه وتنكيره، في تذكيره وتأنيثه، في إفراده وتثنيته وجمعه فسمي تابعا؛ لأنه تبعه، من خلال اسمه يتضح لك المراد منه.

لماذا سمي تابعا ؟

لأنه جاء تابعًا لهذا الاسم الذي قبله، تبعه في عدة أوجه مختلفة، من أبرزها وأشهرها: أوجه الإعراب، وقد يتبعه في الحكم -أيضًا- فإذا نظرتم إلى عطف النسق، وهو الذي يتم بواسطة حروف العطف وجدتم أن عطف النسق تارة أولا: لا بد من قضية الموافقة في أوجه الإعراب، هذا لا شك فيه، ما سمي تابعًا له في عطف النسق إلا ولا بد أن يطابقه، وأن يأخذ حكمه الإعرابى، جاء محمد وعلي تقول في علي إنه: معطوف، المعطوف يجب أن يتفق مع المعطوف عليه في حكمه؛ لأنه عطف عليه معنى أنه أخذ حكمه.

فتارة يتفق مع متبوعة في الإعراب، وفى الحكم أيضًا، وتارة يتفقان في الإعراب، لكن يختلفان في الحكم، فإذا قلت: جاء محمد وعلى الآن اتفق فيهما معا أو أحدهما، فيهما معًا فالإعراب واحد كلاهما مرفوع، والحكم واحد كلاهما حكمنا عليهما بالمجيء، فإذا قلت: الذي حضر محمد لا علي. اتفقا الآن في ماذا؟ الإعراب لا بد منه، لكن هل اتفقا في الحكم؟ لا نحن حكمنا لمحمد بالحضور وحكمنا لعلي بماذا؟ بعدم الحضور.

تقول: الذي حضر محمد لا علي، أو تقول: ما حضر محمد بل علي، فهل اتفقا الآن في الحكم؟ لم يتفقا في الحكم، وإنما اتفقا في الإعراب، فالمعطوف عطف نسق يشمل ما كان، ما اتفق مع متبوعه في حكمه وإعرابه، أو ما اتفق معه في حكمه، أو في إعرابه فقط.

ننظر إلى حروف العطف لنعرف منها من عرضها، ما الحرف الذي يقتضي التشريك في الإعراب والحكم معًا؟ والحروف التي تقتضي التشريك في الإعراب دون الحكم ؟

يقول: حروف العطف عشرة.

وهي: الواو، والفاء، وثم، وأو، وأم، وإما -مكتوبة في بعض النسخ وأما في بعض الطبعات وهي خطأ-، وبل، ولا، ولكن، وحتى -في بعض المواضع- .

"حتى" قيَّدها بقوله: في بعض المواضع؛ لأن "حتى" أنواع منها الابتدائية، وهي ليست عاطفة، ومنها الناصبة للفعل المضارع، وهي ليست عاطفة، ومنها العاطفة، وقال في بعض المواضع: لأن حتى ليست في كل مواضعها عاطفة، وإنما تكون عاطفة حينما تقتضي التشريك، ولا تكون كذلك، تكون جارة حينما يجر ما بعدها، وناصبه حينما ينصب ما بعدها، وتكون الابتدائية حينما أيضًا يكون ما بعدها جملة كأنه جملة مستأنفه مرفوع.

هذه الحروف، المؤلف -رحمه الله- جعلها عشرة، وغيره من العلماء جعلوها تسعة.

ما الحرف الذي فيه الخلاف؟ ما رأيكم؟ تفضل نعم أنت

"حتى" لا، "حتى" ليس فيها خلاف، وإنما هي أنواع منها نوع عاطف متفق عليه، هذه لا خلاف فيها.

نعم "إما" في الواقع هي التي مختلف فيها، وأنكرها بعض العلماء، فالفارسي أنكر أن تكون عاطفة، وعبد القاهر الجرجاني يقول: من عدها عاطفة فقد سها؛ لأنها ليست من حروف العطف.

لماذا قالوا: إنها ليست من حروف العطف ؟

لأن "إما" في الواقع لا تستخدم حينما يظن أنها عاطفة إلا وهي مسبوقة بالواو، فيقولون: الواقع أن العطف بالواو وليس بها، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً(2) .

تقول: ادرس إما النحو وإما الفقه، جالس إما الشيخ فلان وإما الشيخ فلان.

فإما لا تأتي حينما يظن أنها عاطفة إلا وهي مسبوقة بالواو، فلذلك العلماء يقولون: إن من عدها عاطفة فقد سها، والصحيح أن العطف بالواو، وأن إمَّا هذه حرف تفصيل، والعطف بالواو؛ لأنك لا يمكن أن تأتي بإمَّا بدون الواو.

لو صح أن تأتي بإما بدون الواو، ويكون ما قبلها تابعًا لما بعدها نقول: إنها عاطفة، لكن ملازمتها للواو يجعل حكم للعطف إنما هو للواو وليس لها، ولذلك لا تستغربوا أن بعض الكتب تعد حروف العطف تسعه وليست عشره على إبعاد "إمَّا".

هذه الحروف العشرة أو التسعة التي ذكرناها إذا ما ألقيتم عليها نظره، لو أخذنا مثالا لكل واحد منها.

"الواو" مثلا تدل على ماذا؟

الواو: الأشهر فيها أنها تدل على، نعم على مطلق الجمع فقط، ولا تدل على ترتيب إلا من خلال السياق، فحينما تقول: حضر محمد وعلي يعني: أنك جمعت بينهما في الحضور، لكن ليس بالضرورة أن محمدا هو الذي حضر الأول، وأن عليا هو الذي حضر الثاني، لكن دخل محمد فعلي، هل هنا فيه ترتيب أو لا؟ واضح الترتيب إذا قلت: دخل محمد أي فعلي بعده، وإذا قلت: دخل محمد ثم علي، واضح بأنك تريد الترتيب، لكن إذا قلت: دخل محمد وعلي. الواو لمطلق الجمع، ولا تدل على الترتيب.

ولذلك يصح أن تقول: اختصم زيد وعمرو أو تشارك زيد وعمرو، هنا ليس فيه ترتيب، ولا تستطيع أن تأتي فيه بالترتيب؛ لأن الاختصام والتشارك يعني: يفترض معًا فليس فيه ترتيب، ولذلك لا يصح هنا أن تأتي بالفاء، لا يصح أن تقول: اختصم زيد فعمرو؛ لأنها للترتيب، فامتناع الفاء هنا وصحة الواو هنا دليل عن أن الواو لا تصلح للترتيب.

وقد جاءت في آية في القرآن ليست للترتيب، وإنما قدم فيها المؤخر حكمًا، فيصح أن تقول: صليت العصر والظهر، طبعًا أنت صليت ماذا أولًا؟ الظهر أولا لا شك في ذلك، أو تقول: الصلوات الخمس وهي: الفجر وصلاة العصر وصلاة الظهر، لا حرج في ذلك بالنسبة للواو؛ لأنها لا تفيد الترتيب، وإنما الترتيب قد يفهم منها بقرينة أخرى، لكن لا يصح أن تقول: صليت العصر فالظهر؛ لأن الفاء تقتضي الترتيب، فلا بد أن تأتي بالأمور معها مرتبة.

ولذلك جاء في القرآن ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(3) أيهما الأول في الصلاة السجود أو الركوع ؟

الركوع مقدم على السجود، ومع ذلك ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي(3) فدليل على أن الواو لا تستخدم للترتيب، وإنما لمطلق الجمع.

أما "الفاء" فإنها تفيد الترتيب والتعقيب، الترتيب أن هذا الأول وهذا هو الثاني. الثاني بعد الأول، أما التعقيب فهو أنه حصل بعده بدون مهلة، بدون تراخٍ، فإن أردت التراخي -المهلة- فإنك تستخدم "ثم" حينئذ، ولذلك فرق بين أن تقول -حينئذ-: دخل محمد فعلي، أو دخل محمد ثم علي، دخل محمد فعلي تقتضي أنهما متعاقبان ولا مهلة بينهما، ولكن دخل محمد ثم على فيه مهلة.

فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب والتعقيب، يعني: بدون مهلة وبدون تراخ.

"ثم" للترتيب والتراخي "أو" ماذا تفيد؟ "أو" تفيد التخيير أو الإباحة أو الشك، ولك أن تقول: إن جاءت بعد الطلب فهي تفيد التخيير أو الإباحة، وإن جاءت بعد الخبر فهي تفيد الشك، إذا قلت -مثلًا-: حضر محمد. مَن حضر؟ فقلت: حضر محمد أو عليّ هنا ليست بعد طلب، وإنما بعد خبر، ماذا تفيد هنا؟ تفيد الشك؛ لأنك لست متأكدًا من الحاضر.

، مَن الذي ألقى الدرس صباح هذا اليوم؟ تقول: ألقى الدرس الشيخ فلان أو الشيخ فلان، أنت شاكٌّ فيمن ألقاه منهما، فإذا كانت بعد الخبر، ليس الخبر هو خبر المبتدأ، الخبر الذي هو ضد الطلب، ضد الإنشاء، إذا كانت بعد الخبر فهي تفيد الشك، أما إذا كانت بعد الطلب فهي بعد الأمر والنهي ونحوه، فهي تفيد إما التخيير وإما الإباحة.

ما الفرق بين التخيير والإباحة؟ ما الفرق بينهما ؟

الفرق بينهما أن الإباحة أنت يجوز لك الجمع بين الأمرين، أما التخيير فأنت مخير في واحد منهما تقول -مثلًا-: ادرس النحو أو الفقه هنا فيها تخيير، ولكن الصحيح أنه إباحة؛ لأنه يجوز الجمع بينهما، يعني: ادرس إما هذا وإما هذا، أو إن كان عندك طاقة فادرس الأمرين، لكن إذا قلت: تزوج هندًا أو أختها، هنا تخيير، هل يجوز الجمع؟ لا يجوز الجمع من باب شرعي، من مدخل شرعي أنه لا يصح الجمع بين المرأة وأختها، فحينما تقول: تزوج هندًا أو أختها فإنه تخيير، ولا ينبغي الجمع بينهما، وحينما تقول: ادرس النحو أو الفقه، جالس الحسن أو ابن سرين -المثال المشهور- فإن المراد به الإباحة، يجوز لك هذا أو هذا، فإذا أو إن كانت بعد الطلب فهي للتخيير أو الإباحة، وإن كانت بعد الخبر فهي للشك.

"أم": أمْ هذه تسمى، هي تفيد التعيين، وتقع بعد همزة الاستفهام تقول -مثلًا-: أحضرَ محمد أم عليٌّ؟ هي يطُلب بها تعيين الحاضر منهما.

أدرست النحو أم الفقه؟ فهي يطلب بها التعيين، وتأتي بعد همزة الاستفهام.

"إمَّا": المؤلف تحدَّث عنها؛ لأن صاحبَ الكتاب -صاحب المتن رحمه الله- ذكرها.

ونحن قلنا: إن الراجح أنها ليست عاطفة، والعطف إنما هو بالواو التي قبلها، وهي حرف تفصيل، ومن جعلها عاطفة قال: إنها موافقة لـ "أو" في الأحكام.

تقول: جالس إما الحسن وإما ابن سرين، تزوج إما هندًا وإما أختها، وتقول: حضر إما محمد وإما علي للشك، إذا كانت بعد الخبر فالذي يجعلها عاطفة يجعلها موافقة لـ "أو" في الأحكام، والذي يجعلها ليست كذلك، والعطف إنما هو بالواو وهي حرف تفصيل.

"بل": الحرف السابع إذا اعتبرنا "إما" هو "بل" وهي للإضراب، ومعناه أن تجعل ما قبلها في حكم المسكوت عنه، يعني: أنك ذكرت شيئًا ثم بدا لك أنه ليس هو المقصود، فأضربت عنه.

ما معنى الإضراب؟

أي سكت عنه، وصرفت النظر عنه فتقول -مثلًا-: ما جاء محمد بل علي. أنت تحدثت ما جاء محمد، ثم أضربت عنه بالنسبة لهذا الحكم، وأثبت الحكم لمن بعده فقلتَ: بل علي، ومثلها أيضًا جاء محمد بل علي.

الثامن "لا": وهي تنفي عما بعدها الحكم الذي ثبت لما قبلها، "لا" من خصائصها أنها تنفي عما بعدها الحكم الذي ثبت لما قبلها.

إذا قال لك -مثلًا-: حضر محمد أو حضر علي؟ تقول: لا حضر أو الحاضر محمد لا علي، يعني: الحضور ثبت لمحمد، فهي تنفي عن الاسم الذي بعدها ذلك الحكم الذي ثبت للاسم الذي قبلها.

"لكن": وهي تدل على تقرير الحكم لما قبلها، وإثبات ضده لما بعدها، ويعني: ينبغي أن تستخدم بعد النفي، وألا تدخل عليها الواو، يعني: إما إن تستخدم بعد النفي أو النهي، ولا ينبغي أن تدخل عليها الواو، تقول -مثلًا-: لا أحب الكسالى لكن المجتهدين، لا أحب المهملين لكن المجتهدين.

ما المراد هنا ؟

قررت الحكم السابق على ما قبلها، وأثبتت ضده لما بعدها، فقررت عدم محبة المهملين، ثم أثبت ضده؛ وهو محبة المجتهدين.

لا أحب المهملين لكن المجتهدين أي لكن المجتهدين أحبهم، أو هم الذين أحبهم.

"حتى": وهي الحرف الأخير قلنا: إنها ذُكر عنها أنها في بعض المواضع؛ لأن حتى ليست نوعًا واحدًا، وإنما هي أنواع، فمنها حتى الجارة التي تستخدم حرف جر، كما في قوله -تعالى-: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(4) فمطلع: اسم مجرور بحتى وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، فهي هنا كما ترون حرف جر، وحتى العاطفة تفيد التدريج والغاية، أي أن ما بعدها التدريج أنه ينقضي شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الغاية، وهي النهاية.

تقول -مثلًا- وصل المتسابقون حتى كبار السن، يعني: ماذا بقي؟ يعني: ما بقي أحد، كبار السن وصلوا، وصلت الحيوانات المتسابقة حتى السلاحف، يعني: الغاية في الحكم، ما عاد بقي أحد؛ لأن السلاحف وصلت، إذًا أغلق الباب؛ لأن قطعًا لم يبق شيئًا بعد ذلك، أو مثلًا لما يفترض في الأنبياء من أن لهم خصوصية تقول: يموت الناس كلهم حتى الأنبياء، يموت الناس كلهم حتى الأنبياء، يعني: حتى الأنبياء غير مستثنيين من الموت، فما بالك بمَن هو أدنى منهم في المرتبة، فهي إذن تستخدم للتدريج، أي أن الأمر ينقضي شيئًا فشيئًا، وللغاية أن الذي ما بعدها ينبغي أن يكون جزءا ممَّا قبلها وغاية له، غاية له في العلوم، كمثل الأنبياء، وغاية له في الضعف، مثل قضية السلاحف أو نحو ذلك، المهم غاية في بطءٍ أو سرعة أو علوٍّ أو انخفاض أو نحو ذلك.

قلت: إن حروف العطف، ليس من شأن كل حروف العطف كلها التشريك، أي أن يشترك ما بعدها في حكم ما قبلها، وإنما من شأنها أن يشتركا في الإعراب هذا لا شك فيه.

أما الاشتراك في الحكم فإنه ثابت لبعضها كالواو: حضر محمد وعلي.

الفاء: حضر محمد فعلي.

ثم: ثم علي ونحو ذلك.

وقد يكون ما بعدها مخالف ما قبلها، ضد التشريك تمامًا، مثل حضر محمد لا علي، أو بل علي، أو لكن علي، فإذن التشريك في الحكم ليس من خصائص كل حروف العطف، وإنما بعضها يثبت التشريك، وبعضها يثبت ضد ذلك بالنسبة للحكم.

أما بالنسبة للإعراب فلا بد فيها جميعها من أن تثبت لما بعدها إعراب ما قبلها فإن تخلف ذلك ما صار تابعا ولا صار عطفا.

لا بد في العطف، ما سمي تابعًا إلا لهذه التبعية التي في الإعراب، فإن لم تأت التبعية في الإعراب، يعني: ما بقي لنا شيء؛ لأن حروف العطف -كما ترون- لا يشترط فيها ما يشترط في سابقتها من التعريف والتنكير، أو التذكير والتأنيث، أو نحو ذلك، يعني: تقول: حضر رجل وامرأة، الأول مذكر والثاني مؤنث، ليس مهمًا فالشيء الذي لا بد منه هو قضية أوجه الإعراب، وهو الذي سببه دخلت في باب التوابع، ولو لم تتبع في أوجه الإعراب لما سميت بالتوابع.

طبعًا من الأمور -أيضًا -التي يعني: ينبغي التنبيه لها أن العطف ليس من خصائص الأسماء، فكما أنك تقول: حضر محمد وعلي، تقول: محمد يكتب ويأكل، فالعطف إذن يأتي في الأسماء، ويأتي في الأفعال، ولا بد فيه من أن يكون التابع مطابقًا للمتبوع في إعرابه سواء عطفت اسمًا على اسم ينبغي أن يتطابقا في الإعراب، أو عطفت فعلًا على فعل فينبغي أن يتطابقا في الإعراب أيضًا، فكما أنك إذا قلت: محمد يكتبُ فعل مضارع مرفوع، ينبغي أن تقول: ويأكلُ، فإن قلت: محمد لن يكتبَ، وأردت أن تعطف عليه مماثلا فتعطف عليه بالنصب، وليس بالضرورة أن تعيد لن، محمد لن يكتبَ ويأكلَ، إذا أعدت لن صار النصب بها حينئذ فإذا قلت: محمد لن يكتبَ ويأكلَ، وكذلك في الجزم محمد لم يكتبْ ويأكلْ.

فإذًا العطف ليس من خصائص الأسماء، وإنما قد يقع المعطوف اسمًا، وقد يقع فعلًا.

العطف في اللغة نسيت الإشارة إليه، وإن كان واضحا: وهو أن العطف هو الميل، يعني: انعطف إلى هذا الشيء مال عليه، وعطف فلان على فلان مال عليه، وحاول أن يشفق عليه ويبادله رحمة وشفقة وعطفا، فهي من الميل.


(1) سورة إبراهيم: 16 - 17
(2) سورة محمد: 4
(3) سورة آل عمران: 43
(4) سورة القدر: 5