موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أنواع الكلام - شرح الآجرومية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الآجرومية لفضيلة الشيخ محمد بن خالد الفاضل
  
 
 شرح الآجرومية
 مقدمة الشارح
 أنواع الكلام
 بـــاب الإعـــراب
 باب معرفة علامات الإعراب
 علامات النصب
 علامات الخفض (الجر)
 علامات الجزم
 فصل المعربات
 المعربات بالحروف
 باب الأفعال
 أدوات النصب والجزم
 باب مرفوعات الأسماء
 باب النعت
 باب الفاعل
 باب المفعول الذي لم يسم فاعله
 باب المبتدأ والخبر
 باب العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر
 باب العطف
 باب التوكيد
 باب البدل
 باب منصوبات الأسماء
 باب المفعول به
 باب المنادى
 باب المفعول معه
 خبر كان وأخواتها واسم إن وأخواتها
 باب المصدر
 باب ظرف الزمان وظرف المكان
 باب الحال
 باب التمييز
 باب الاستثناء
 باب لا
 باب المفعول من أجله
 باب المخفوضات من الأسماء
شرح الآجرومية - أنواع الكلام

أنواع الكلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، وأقسامه ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى. فالاسم يعرف: بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض، وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، ورب، والباء، والكاف، واللام،وحروف القسم، وهي: الواو، والباء، والتاء.

والفعل يعرف بقد، والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة.

والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل.


يقول: "الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع" مراده بذلك -بلا شك- وفي اصطلاح النحويين، وإلا فإن الكلام له تعريفات أخرى في الاصطلاحات الأخرى، نحن نقف عند الاصطلاح النحوي، وهو أن الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع.

علم النحو -كما تعلمون- إنما جاء لخدمة الكلام العربي، طبعا علم النحو في اللغة العربية، علم النحو في اللغات الأخرى إنما هو يخدم هذه اللغات، نحن نتحدث والعلماء إنما يتحدثون عن علم النحو في اللغة العربية، علم النحو في اللغة العربية إنما جاء لخدمة هذا الكلام، وبيان أحواله من إعراب وتركيب ونحو ذلك، والنحو -عادة- كلمة إذا أطلقت فإنها تشمل علم الصرف -أيضا-.

فالكلام في اصطلاح النحويين: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، إذن لا بد للكلام في اصطلاح النحويين من هذه القيود: أن يكون لفظا، وأن يكون مركبا، وأن يكون مفيدا.

والمراد باللفظ هو ما يتلفظ به، فأي شيء حصلت لك منه الفائدة دون أن يخرج من اللسان ومن الفم، ودون أن يتلفظ به فإنه لا يسمى كلاما، فالإشارة تفيد وتحقق المعنى، وتحقق الغرض لكنها لا تسمى كلاما، والإيماء -أيضا- بالرأس، أو بأي حركة أخرى يفيد -أيضا-، لكنه لا يسمى كلاما؛ فلكي يكون الكلام كلاما لا بد أن يكون ملفوظا به، ولا بد أن يكون مركبا؛ والمراد بالتركيب هنا هو التركيب الإسنادي الذي يحصل فيه إسناد لفظ إلى لفظ.

فلو كان مركبا لكنه تراكيب إضافي، فإنه لا يسمى كلاما في اصطلاح النحاة، فالأعلام والأسماء المركبة مثل عبد الله وعبد الرحمن، وما إلى ذلك المركبة تركيبا إضافيا، أو الأعلام المركبة تركيبا مزجيا كسيبوبة وبعلبك ونحو ذلك، إذا وقفت عندها بهذا فإنها لا تسمى كلاما.

فلا بد -إذن- من التركيب الإسنادي الذي يسند فيه اسم إلى اسم، أو اسم إلى فعل، أو نحو ذلك من أنواع الإسناد، ولا بد من هذا التركيب أن يتحقق معه الفائدة.

فالتركيب لا بد أن يكون من كلمتين على الأقل فأكثر، ولا بد أن يتحقق منه فائدة، فإذا قلت: محمد قائم، فإنه يكون عندنا الآن، عندنا لفظ، وعندنا تركيب، وعندنا فائدة؛ فلو حصل اللفظ فقط لم يسم كلاما، ولو حصل الترتيب فقط دون الفائدة، فإنه -أيضا- لا يسمى كلاما، وإن كان مركبا من كلمتين، أو ثلاث كلمات، أو أربع كلمات؛ فأنت حينما تقول -مثلا-: إذا طلعت الشمس، ثم تقف عند هذا لا يسمى كلاما، وإن كان مركبا من ثلاث كلمات؛ لأنه لم تحصل به الفائدة؛ لأنك حينما تقول: إذا طلعت الشمس، فإن السامع ما زال مستشرفا ومترقبا لشيء تحصل به هذه الفائدة، أي: ما الذي سيحصل إذا طلعت الشمس؟

فلا بد -إذن- مع التركيب من أن يكون مفيدا بالوضع، مفيدا بالوضع أي: أنه بوضعه بالنسبة لهذه اللغة العربية، أي: أن تكون هذه الكلمات وضعت في اللغة العربية؛ لتحقق مثل هذا الشيء ولتدل عليه.

فالكلام -إذن- لا بد فيه من هذه القيود الثلاثة وهي: اللفظ والتركيب والفائدة، فلو تحقق واحد منها فإنه، أو تحقق اثنان فإنه لا يسمى كلاما، بل لا بد من اجتماع هذه الثلاثة.

وأقسامه ثلاثة وهي: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.

العلماء حينما قسموا الكلام الذي يتركب منه كل الكلام العربي الذي تسمعونه إلى هذه الأقسام الثلاثة، لم يرد نص يبين لهم هذا التقسيم، وإنما جزموا بهذا التقسيم من خلال الاستقراء والتتبع، فقد استقرءوا كلام العرب؛ شعره ونثره، ووجدوا أنه لا يخلو بحال من الأحوال عن هذه الثلاثة؛ إما أن يكون اسما، أو أن يكون فعلا، أو أن يكون حرفا.

والحرف قيده بقوله: "وحرف جاء لمعنى"؛ لأن الحرف لا بد الحرف الذي هو قسيم هذين الاثنين، وهما الاسم والفعل لا بد أن يكون جاء لمعنى، معنى ذلك أن الحروف المقطعة هكذا وهي: أ، ب إلى غير ذلك لا تسمى، أي: ليست حرفا بالمعنى الاصطلاحي الذي هو قسيم الاسم والفعل، وإنما الحرف الذي هو قسيم الاسم والفعل: هو الحروف التي جاءت لمعنى كمِن التي تدل على التبعيض، والباء التي تدل على السببية والإلصاق، وإلى التي تدل على انتهاء الغاية، وهل التي تدل على الاستفهام، وغير ذلك من الحروف التي جاءت، ووضعت لمعنى.

أما الحروف المقطعة هكذا فإنها لا تأتي لمعنى، ولا تفيد شيئا منفردة وحدها.

بدأ - لا أريد أن أستقصي، وأن أفصل كثيرا، وإلا فإن هناك -كما ذكرت لكم- مصطلحات يقف العلماء عندها كثيرا، وهي اللفظ والقول والكلام والكلم، ثم يدخلون إلى اسم الجنس الجمعي، واسم الجنس الإفرادي، وما إلى ذلك.

وهذه أمور ستخرجنا عن هذا المتن الذي التزمنا به، وقد لا يسمح الوقت بالوفاء بها، لكني أحيلكم في مثل هذه المقدمات -إن شئتم- إلى بعض الكتب التي فصلت فيها تفصيلا كثيرا، ومن ذلك: شروح الألفية؛ لأن ابن مالك - رحمه الله - عرض لهذا الأمر في الألفية بقوله:

كلامنا لفظ مفيد كاستقـم *** واسم وفعل ثم حرف الكلم

واحـده كلمـة والقول عم *** وكلمـة بها كلام قد يؤم

العلماء الذين شرحوا الألفية عند شرحهم لهذين البيتين أطنبوا وأسهبوا في بيان هذه المصطلحات التي ذكرت لكم، وهي: الكلام والكلم واللفظ والقول، والمفيد وغير المفيد، والمهمل والمستعمل وما إلى ذلك، فاطلبوها هناك، كما ان ابن هشام تعرض لها في شرحه "لقطر الندى" بحديث واف.

انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى هذه الأقسام الثلاثة، وبدأها واحدا واحدا، لكنه لم يبدأ بتعريفها وإنما بدأ -طلبا للإيجاز- بعلامتها التي تدلك عليها، والتي ربما أغنتك عن التعريف، فقال:

فالاسم يعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، ورب، والباء، والكاف، واللام، وحروف القسم وهي: الواو، الباء، والتاء.

اكتفى في حديثه عن الاسم بهذا، لم يعرف الاسم؛ والاسم -كما تعلمون-: هو الكلمة التي وضعت لمعنى في نفسها غير مقترن بزمن، الاسم: هو الكلمة التي تدل على معنى في نفسها غير مقترن بزمن، فهو يدل على معنى، لكنه ليس مقترنا بزمن.

فالفرق بينه وبين الفعل أن كلاهما يدل على معنى، لكن الاسم ليس مقترنا بزمن، وأما الفعل فإنه لا بد من أن يصاحبه الزمن -كما سيأتي-.

علامات الاسم التي تدل عليه، والتي يعرف بها هي علامات كثيرة، والمؤلف هنا - رحمه الله - اكتفى بهذه الأربعة فقط وهي: الخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض، والعلماء ومنهم ابن مالك وغيره من شراح الألفية يزيدون هذه العلامات إلى أكثر من ذلك؛ يقول ابن مالك - رحمه الله - في هذا:

بالجر والتنوين والندا والـ *** ومســند للاسـم تميـيز حـصل

أي: أن الاسم يتميز عن غيره بهذه العلامات الخمس، وهي: الجر والتنوين والنداء وأل، أي: الألف واللام، والإسناد، ومن العلماء من يزيد علامات أخرى -أيضا- كالتصغير ونحوه، نقف مع العلامات التي ذكرها ابن أجروم وهي: بدأها أولا بالخفض، الخفض ماذا يراد به ؟

الخفض يراد به الجر، والجر والخفض مصطلحان مترادفان إلا أن الخفض مصطلح كوفي، والجر مصطلح بصري؛ ولأن نحو البصريين أشهر، وكتبهم أكثر انتشارا، فإن مصطلح الجر هو المصطلح المشهور والمتداول، ولا مشاحة في الاصطلاح، لك أن تسميه بالجر، ولك أن تسميه بالخفض.

فالاسم من علاماته التي يعرف بها: أن يقبل الجر، ما معنى قبوله للجر؟ قبوله للجر: هو أن تظهر عليه علامة الجر؛ علامة الجر الأصلية ما هي؟ علامة الجر الأصلية هي الكسرة، فأي كلمة رأيتها مجرورة، ورأيت الكسرة ظاهرة على آخرها فاحكم عليها بأنها اسم؛ لأن الجر وهو الكسر لا يدخل الأفعال، ولا يدخل الحروف. والجر، أو الخفض يراد به: ظهور علامة الجر سواء كانت هذه العلامة أصلية وهي الكسرة، أو كانت علامة فرعية، فأنت حينما تقول - مثلا-: صليت مع المسلمين. فالمسلمين هنا اسم، ما الذي دلك على اسميته ؟

دل على اسميته أمور منها: أنه ظهرت عليه علامة الجر وهي الياء. فالخفض، أو الجر هو ظهور علامة الجر سواء كانت أصلية وهي الكسرة، أو كانت فرعية وهي الياء، فالخفض، أو الجر هو ظهور علامة الجر سواء كانت أصلية وهي الكسرة، أو كانت فرعية وهي الياء في جمع المذكر السالم، والمثنى، والأسماء الستة، وغير ذلك مما سيأتي.

العلامة الثانية: التنوين؛ فالكلمة التي تقبل التنوين هي اسم وليست فعلا ولا حرفا؛ لأن الأفعال والحروف لا تقبل التنوين، ما المراد بالتنوين؟ المراد بالتنوين: هو هذه النون الساكنة التي تلحق آخر الكلمة، أو آخر الاسم؛ لأنها خاصة به لفظا لا خطا؛ أنت تنطق نونا حينما تقول: هذا محمدٌ، تنطقها نونا لكنك لا تكتبها، هذه النون التي تنطق باللسان، ولا تكتب في الخط هي التي تسمى بالتنوين. أي كلمة قبلت التنوين-ظهر التنوين على آخرها- فإنها تكون اسما، ولا تكون فعلا، ولا حرفا: جاء محمدٌ، ورأيت محمدا، مررت بمحمدٍ.

والعلامة الثالثة: هي دخول الألف واللام؛ دخول الألف واللام، أو دخول ألـ -إن شئت- بأنواعها، فالألف واللام -أيضا- من خصائص الأسماء ولا يمكن أن يدخل الفعل؛ لأن المراد منها التعريف، الأصل في الألف واللام أنها للتعريف، والتعريف والتنكير إنما هو من خصائص الأسماء، فالأفعال والحروف لا توصف بالتعريف والتنكير، وإنما الذي يوصف بالتعريف والتنكير هو الأسماء، فدخول الألف واللام على كلمة من الكلمات مؤذن ومشعر بأنها اسم، وليست فعلا، ولا حرفا.

والعلامة الثالثة: حروف الخفض؛ وهذه العلامة المؤلف أفردها، وغيره من العلماء يقولون: الجر، ويكتفون بذلك، أو يقولون: الخفض، ويكتفون بذلك؛ لأن المراد بالخفض، أو بالجر هو: إما ظهور علامة الجر، أو قبول الكلمة لأن تكون مجرورة.

طيب حينما قال: جاء بالخفض على أنه علامة، أو الجر، وجاء بحروف الجر على أنها علامة، هل يمكن أن يأتي الجر من غير حروف الجر ؟

الواقع أن الجر يمكن أن يأتي من غير حروف الجر، فمعنى ذلك أن الكلمة إذا دخلت عليها حروف الجر، إذا قبلت واحدا من حروف الجر، حكمنا عليها بأنها اسم، وأيضا إذا ظهر عليها علامة الجر وهي الكسرة، أو غيرها من العلامات الفرعية وهي الياء، أو نحو ذلك دون أن تسبق بحرف الجر يحكم عليها بأنها اسم، وقد تظهر علامة الجر، أو تظهر علامة الجر دون أن يدخل حرف الجر في حالات منها: الإضافة، فالمجرور بالإضافة يكون مجرورا وإن لم يدخل عليه حرف الجر، كذلك المجرور بالتبعية يعني: الذي يقع نعتا، أو توكيدا، أو معطوفا بعطف بيان، أو عطف نسق، أو بدل هذه كلها قد تكون مجرورة، وإن لم يدخل عليها حرف الجر. فإذن دخول حرف الجر يعد علامة، وظهور علامة الجر يعد علامة -أيضا-.

من العلامات -كما ذكرت لكم-: النداء، وهو دخول حرف النداء على الكلمة، فالأفعال لا يمكن أن تنادى؛ لأن النداء ما هو؟ النداء: هو طلب الإقبال، حينما تقول: يا محمد، يا علي، طلب الإقبال لا يتصور إلا ممن يمكن أن يقدر على ذلك، وعادة لا يقدر على ذلك إلا الأسماء التي هي في الواقع سمي بها من يعقل، فالاسم -إذن- من علاماته دخول حرف النداء.

كذلك التصغير بمثل طالب طويلب، درهم دريهم ونحو ذلك، فإن الأفعال لا تصغر، ولا عبرة بالخلاف بما يتعلق بأفعل التعجب، وأنه فعل، وأنه يصغر، فهو أمر يخصه وحده، لكن التصغير في الواقع من خصائص الأسماء.

وأي كلمة قبلت التصغير يحكم عليها بأنها اسم.

التعجب مثل: ما أحسنه، فعل التعجب هو فعل في الواقع، ومن العلماء من قال: إنه اسم محتجين بأنه يصغر، فيقال: ما أميلحه، ما أحيسنه ونحو ذلك، وهذه قضية ينفرد بها أفعل التعجب، ولا يمكن أن تخرج هذه القاعدة عن عمومها.

هذه العلامات التي يعرف بها الاسم ليس المراد منها أنها تأتي مجتمعة، فإنه لا يمكن اجتماعها بحال، قد يجتمع عدد كبير منها، لكنها جميعا لا تجتمع، ومن العلامات التي لا يمكن أن تجتمع التنوين والألف واللام، فإن التنوين لا يمكن أن يجتمع مع الإضافة، ولا يمكن أن يجتمع مع الألف واللام، فأنت حينما تقول: هذا طالب، يكون كلمة طالب اسما؛ لأنه دخلها التنوين، فإذا أدخلت عليها الألف واللام قلت: هذا الطالب يذهب التنوين، ولا يجتمع مع الألف واللام.

فالحاصل أن هذه العلامات يكفي علامة واحدة منها فقط في أي كلمة؛ لنعرف منها أن هذه العلامة اسم، إذا جاء معك كلمة، واشتبه عليك هل هي اسم، أو فعل؟ وهذا يكون كثيرا في بعض أسماء الأفعال وفي بعض المصادر، فإن بعض المبتدئين يلتبس عليه هل هذه الكلمة اسم، أو فعل؟

وكثيرا ما نرى في كتابات بعض الطلاب في الاختبارات حينما يأتي معه بعض المصادر، أو بعض أسماء الأفعال يحكم عليها بأنها فعل.

إذا أشكل عليك كلمة من الكلمات فحاول أن تطبق عليها هذه العلامات، وهذه العلامات ما وضعت في الأصل إلا لكي تفرق بها، أو بواسطتها بين الأفعال والحروف، فأي كلمة طبقت عليها هذه العلامات، وقبلت واحدة منها فاحكم عليها بأنها اسم وأنت مطمئن حينئذ، حتى ولو لم تكن مقتنعا من ذلك.

حروف الخفض وحروف الجر عدها وذكر منها: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، ورب والباء، والكاف، واللام، ثم حروف القسم وهي: الواو، والباء، والتاء.

والواقع أن هذه بعض حروف الجر، وليست حروف الجر، حروف الجر حينما يتحدث عنها العلماء بالتفصيل في باب حروف الجر يوصلونها إلى عشرين حرفا، والذي ذكره المؤلف منها هو المشهور والمتفق عليه.

حروف الجر لا نريد هنا أن نسترسل في المعاني، أو في معانيها؛ لأن بعضها له عشرة معان، وبعضها له اثنا عشر معنى، وما إلى ذلك، فلا نريد أن نفصل فيها، أولها: "من" ومن المشهور فيها، المشهور في معانيها أنها تأتي لابتداء الغاية، وهو من أشهر معانيها. و"إلى" تأتي لانتهاء الغاية، وهو من أشهر معانيها.

طبعا ابتداء الغاية، وانتهاء الغاية كما إذا قلت: خرجت من البيت إلى المسجد، فبداية الخروج البيت ونهايته المسجد. و"عن" ويراد بها المجاوزة كما إذا قلت: رميت عن القوس، رميت السهم عن القوس؛ فالسهم حينئذ جاوز القوس فسميت بالمجاوزة. و"على" لها عدة معان أشهرها، أو معناها الأصلي هو: الاستعلاء، وضعت الكأس على المنضدة أي: فوق المنضدة. و"في" ولها عدة معان -أيضا-، وأشهر معانيها هو الظرفية: جلسنا في المسجد، أي: في داخل المسجد. و"رب" ولها معان: من أشهر معانيها: التقليل، وأيضا ضده: وهو التكثير حسب السياق.

و"الباء" لها معان منها: الإلصاق؛ كتبت بالقلم أي: ألصقت يدي بالقلم عند الكتابة، والسببية -أيضا-، و"الكاف" وأظهر معاني الكاف وأشهرها هو التشبيه. و"اللام" -أيضا- ولها عدة معان تزيد على عشرة، ومن أشهر معانيها: الملك، وشبه الملك، والاستحقاق ونحو ذلك.

القسم الثاني من أقسام الكلام، أو من أقسام الكلمة هو " الفعل" الفعل -أيضا- هو الكلمة التي تدل على معنى في نفسها مقترن بزمن، يعني: مقترن بزمن ماض، وهو الفعل الماضي، أو حاضر ومستقبل وهو الفعل المضارع، أو مقترن بطلب الفعل بعده في الحال، وهو فعل الأمر.

الفعل أنواعه ثلاثة -كما تعلمون-، وهي الأنواع المشهورة: الفعل الماضي، والمضارع، والأمر، وقال المؤلف -رحمه الله-: والفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة، والواقع أن هذه علامة للفعل بصفة عامة، لكنك لو حاولت أن تفرد كل فعل على حدة، وأن تبحث عن علامة كل فعل من هذه الأفعال فإنك تحتاج إلى تفصيل أكثر، فما نوع الفعل الذي يعرف بقد ؟

يقول: والفعل يعرف بقد، ما الفعل الذي يعرف بقد؟ نعم الفعل الماضي، وكذلك -أيضا- الفعل المضارع، الفعل الماضي تقول: قد حضر محمد، والفعل المضارع تقول -أيضا-: قد يحضر محمد، فقد هذه تدخل على فعلين، وهما: الفعل الماضي والمضارع.

والسين وسوف، السين وسوف هل يدخلان على فعل واحد، أو على اثنين، أو على الثلاثة ؟

السين، أو سوف علامة على نوع واحد من أنواع الفعل وهو الفعل المضارع، السين وسوف علامة للفعل المضارع فقط.

العلامة التي ذكرها للفعل: الأولى هي: قد، وهذه تصلح للماضي وللمضارع، والعلامة الثانية هي: السين وسوف، وهاتان العلامتان خاصتان بالفعل المضارع فقط، وتسمى: حروف التنفيس.

وتاء التأنيث الساكنة: تاء التأنيث الساكنة علامة لأي نوع من أنواع الأفعال؟ علامة للفعل الماضي فقط، تاء التأنيث الساكنة علامة للفعل الماضي فقط، مثل: قامت وخرجت ودخلت ونحو ذلك.

اكتفى - رحمه الله - بهذه العلامات الثلاث، وهي: قد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة.

هذه العلامات تصلح علامة للفعل بصفة عامة، لكننا لو أردنا أن نميز كل فعل على حدة لوجدنا أن هذه العلامات غير كافية.

بقي عندنا فعل الأمر لم يذكر له علامة هنا، علامة فعل الأمر ما هي؟ علامة فعل الأمر مركبة، أو مكونة من شيئين لا بد من اجتماعهما معا؛ الأول: هو الدلالة على الطلب، أي: الدلالة على الأمر، والثاني: قبول ياء المخاطبة، أو نون التوكيد. الكلمة التي تدل على الأمر وهو الطلب وتقبل ياء المخاطبة، أو نون التوكيد هذه -بلا شك- فعل أمر، وليست أي شيء آخر، كما إذا قلت -مثلا-: اذهبي، اكتبي، أو اكتبَنَّ يا محمد، اذهبَنَّ يا علي، فالكلمة التي تدل على الأمر والطلب، وتقبل ياء المخاطبة، أو نون التوكيد هذه هي فعل الأمر.

أما الفعل المضارع فمن علاماته -أيضا- غير ما ذكر، وذكر له السين وسوف، من علاماته -أيضا-: "لم" وغيرها من الجوازم، "لم" لا تدخل على أي نوع من أنواع الكلام، والكلمات لا الأسماء ولا الأفعال إلا على الفعل المضارع فقط.

والفعل الماضي -أيضا- يعرف ليس بتاء التأنيث الساكنة فقط، وإنما لك أن تقول: يعرف بإحدى التاءين، والمراد بذلك تاء التأنيث الساكنة وتاء الفاعل المتحركة، تاء الفاعل المتحركة سواء كانت للمتكلم مثل: كتبتُ، أو كانت للمخاطب مثل: كتبتَ، أو كانت للمخاطبة مثل: كتبتِ، هذه التاء التي تسمى تاء الفاعل المتحركة هذه علامة من علامات الفعل الماضي؛ ولذلك قال ابن مالك - رحمه الله -:

وماضي الأفعال بالتاء مز ***

أي: ميز الفعل الماضي بالتاء، لم يقيدها؛ لأنه يريد أن تشمل التاءين، يريد أن تشمل تاء التأنيث الساكنة مثل: قامتْ، وتاء الفاعل المتحركة مثل: قمتُ، وقمتَ، وقمتِ.

النوع الثالث من أنواع الكلمة هو: الحرف؛ والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم، ولا دليل الفعل، إذن لو قيل لك: ما علامة الحرف؟ نحن عرفنا -الآن- أن للاسم أربع علامات، أو أكثر، وعرفنا أن للفعل عدة علامات، لكل نوع من أنواعه علامة، أو علامتان، الحرف ما علامته ؟

الحرف علامته في الواقع علامة عدمية وليست وجودية، علامة الأسماء والأفعال أن يوجد فيها علامة، أما علامة الحرف أن تنعدم فيه العلامة، أي: أن تنعدم فيه علامات الأسماء وعلامات الأفعال.

فالكلمة التي لا تقبل شيئا من علامات الأسماء، ولا تقبل شيئا من علامات الأفعال هي النوع الثالث من أنواع الكلمة: وهو الحرف؛ لأنه لا رابع عندنا، إما اسم وله علامات، أو فعل وله علامات، أو حرف وهو ما لا يقبل شيئا من هذه العلامات.

طبعا الحروف أنواع كثيرة منها: الحروف الخاصة بالأسماء، وهي حروف الجر: من وإلى وعن وعلى، ونحو ذلك، ومنها الحروف الخاصة بالأفعال، وهي: الجوازم والنواصب وما إليها، ومنها الحروف المشتركة بين الأسماء والأفعال مثل: هل الاستفهامية، وغيرها من الحروف غير العاملة.

وتلاحظون أن الحروف الخاصة تعمل، الحروف الخاصة بالأسماء تعمل الجر في الأسماء، والحروف الخاصة بالأفعال تعمل النصب في الأفعال، أو الجزم فيها، أما الحروف المشتركة، فلأنها مشتركة فإنها -في الغالب- لا تعمل سواء دخلت على الأفعال، أو على الأسماء. هذا ما يتعلق بأنواع الكلام الثلاثة، وتعريف، وعلامة كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة، أظن أن الأمر - إن شاء الله - واضح في هذا.

ومع درس النحو الذي نشرح فيه -مستعينين بالله- متن المقدمة الأجرومية لمؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي المغربي، المعروف بابن أجروم، ولقد بدأنا -مستعينين بالله- يوم أمس بالدخول في شرح هذا المتن، ولعلنا بالأمس أعطينا جرعة كبيرة كانت -كما سمعت، وكما بلغني من بعض الإخوة الحاضرين- أكبر مما ينبغي أن يقدم في مثل هذا الدرس.

ولا أدري فلربما كان حضور ذلك العدد الكبير، وكانت تلك البداية الناجحة الموفقة لهذه الدورة أعطت شيئا من الفرح والسرور والنشوة فكان ما حصل، ولكني -إن شاء الله تعالى- ابتداء من هذا الدرس أعدكم -حسب رغبتكم- بأن نسير سيرا بطيئا، ليس متعجلا، نحاول فيه أن نكثر من ضرب الأمثلة، ومن الوقفات ومن التكرار، ومن التأني عند الحديث.

ومن أصعب الأمور التي يواجهها المدرس والشارح لمثل هذا المتن هي الرغبة في الإيجاز، فالرغبة في الإيجاز أشد صعوبة من الاسترسال والإطناب؛ لأن الإطناب والاسترسال يعطيك مجالا لأن تقول كل ما يخطر على بالك في المسألة، أما الإيجاز فإنك مطالب بأن تنتقي من الأمور التي أمامك الأنسب والأيسر والسهل والأمثل للمقام، ومن هنا تأتي الصعوبة في الإيجاز.

أيها الإخوة: أود أن تعلموا أننا هنا لسنا بصدد شرح أبواب النحو الشرح الوافي الكافي، ففي الباب الأول هو ما يمكن أن يسمى بباب الكلام، وما يتألف منه يحمل عدة مقدمات، ولسنا بصدد الإفاضة في هذا الحديث؛ فلهذه الإفاضة كتب كثيرة تحدثتْ عنها، وقد أفضت في شرح هذا الباب في الشريط الأول من شرحي لكتاب "أوضح المسالك" لابن هشام، وباستطاعة من أراد التوسع أن يعود إلى ذلك، أو أن يعود إلى غيره من الكتب.

ولذلك فنحن هنا؛ رغبة في الإيجاز، نلتزم التزاما بألا نخرج كثيرا عن عبارة هذا المتن الذي خصص لهذه الدورة ذات الأيام المحدودة، فإن رأيتم شيئا من الإيجاز فإنما هو الالتزام بهذا، والرغبة في أن نحقق ما وعدنا به، وما التزمنا به للإخوة القائمين على هذه الدورة، وهو محاولة إتمام هذا المتن بتمامه.

بدأنا بالباب الأول وهو ما يتعلق بالكلام، وسأحاول أن أعيد بإيجاز بعض الأمور التي مرت بالدرس الماضي، بدئ الحديث بتعريف الكلام عند المؤلف، وهو -بالطبع- هو تعريفه عند النحاة، وقد عرفه - رحمه الله - بقوله: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، فهذه الكلمات الأربعة تدل على أن أنه لا بد للكلام -لكي يكون كلاما في اصطلاح النحاة- من تحقق هذه الشروط الأربعة؛ فأول الأمور: أن يكون لفظا، فما دلك على المراد، لكنه ليس بلفظ فإنه لا يسمى كلاما، المراد باللفظ ما هو ؟

المراد باللفظ: هو الصوت المشتمل على بعض الحروف، فلو كان صوتا بدون حروف لا يسمى لفظا، ولو كان -أيضا- دلالة بإشارة، أو بإيماء، أو بكتابة، أو بأي أمر من الأمور التي يؤدى بها المراد، وتؤدي إلى الفهم، فإنه لا يمكن أن يسمى كلاما. فشرطه الأول: اللفظ، أي: أن يكون فيه صوت مشتمل على بعض الحروف.

والشرط الثاني: هو التركيب ، والمراد بالتركيب هو التركيب الإسنادي الذي يحصل منه جملة مفيدة، وليس كل تركيب يعد كلاما.

فالتركيب الإضافي -مثلا- مثل: عبد الله وعبد الرحمن وغيرها من المركبات الإضافية، والتركيب المزجي -كذلك- مثل: سيبوبه وبعلبك ونفطويه، ونحو ذلك وغيره من التركيبات المزجية لا يعد كلاما.

فالكلام -إذن- لا يعد كلاما إلا بتحقق شرطه الثاني وهو التركيب، والمراد بالتركيب أن يتركب من كلمتين فأكثر، أقل المركب كلمتان، فلا بد أن يتركب من كلمتين فأكثر، وأن يكون تركيبا إسناديا يحصل به جملة، يعني: أن يسند فيه شيء إلى شيء، اسم إلى اسم، فعل إلى اسم، أو نحو ذلك.

وهذا التركيب من جملتين سواء كان في اللفظ، أو في التقدير -أيضا- فحينما تقول -مثلا: محمد قائم، هذا كلام متركب من كلمتين، وهو تركيب إسنادي، فيه إسناد القيام إلى محمد، فهذا انطبق عليه شرط الكلام، ولو كان حتى في الظاهر مركبا من كلمة واحدة، لكنه في التقدير، وفي حقيقة الأمر مركب من كلمتين، فإنه -أيضا- ينطبق عليه الشرط، كأفعال الأمر مثلا، أفعال الأمر هي في الواقع مركبة من كلمتين حينما تأمر شخصا بشيء، وهي تشمل على الفعل، وعلى فاعله المستتر فيه وجوبا، حينما تقول لشخص: قم، فقم في ظاهرها مكونة من كلمة واحدة، لكنها في حقيقة الأمر مكونة من كلمتين؛ لأن "قم" تحمل في مضمونها وفي داخلها الفاعل الذي هو الضمير المستتر وجوبا تقديره: أنت، وابن مالك - رحمه الله - مثل لذلك بـ "استقم" قال:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم *** ..........

استقم هنا في ظاهرها -كما ترون- كلمة واحدة، لكنها -في الحقيقة- مركبة من كلمتين.

فإذن الشرط الثاني، أو القيد الثاني هو: التركيب ، والتركيب أقله كلمتان، ولا حدود لأكثره مهما كان، والكلمتان سواء كانتا كلمتين في الظاهر والواقع، أو كانتا كلمتين في التقدير، وذلك مثل فعل الأمر، أو مثل -أيضا- حينما يسألك شخص، ويقول لك -مثلا-: أين محمد؟ فتقول له: حاضر، أو في البيت، أو نحو ذلك، فـ "في البيت" هنا مركبة من كلمتين ليس تركيبا إسناديا، لكنها في الواقع مركبة تقديرا من كلمتين؛ لأن التقدير: محمد في البيت، فالاستفهام والسؤال والعلم به أغناك عن إعادة اللفظ مرة ثانية. هذا هو الشرط الثاني.

الشرط الثالث: المفيد ، لا بد أن يكون لفظا مركبا مفيدا، فلو كان مركبا من كلمتين، أو أكثر إلى عشرين، أو مائتي كلمة لكنه غير مفيد، أي: أن المستمع ما زال مستشرفا، ومتشوفا إلى ما يحقق له النتيجة فإنه لا يسمى كلاما، إلا أن يكون مفيدا فائدة يحسن السكوت عليها.

فمثلا إذا قلت: قام محمد، هذا كلام مركب ومفيد، فإن قلت: إن قام محمد، الكلام -الآن- مركب من ثلاثة كلمات أيضا، وليس من كلمتين، لكنه في الواقع ليس مفيدا؛ لأن السامع ما زال ينتظر نتيجة هذا الأمر.

فإن قلت: إن جاء محمد بن فلان بن فلان الذي واعدناه بالأمس لكي نذهب إلى كذا وكذا، ولم يأت جواب إن حتى الآن، فإنه لا يعد كلاما مفيدا، ولو كان مركبا من كلام كثير. فلا بد -إذن- فيه من أن يكون مفيدا.

القيد الرابع والأخير، أو الشرط الرابع والأخير هو قوله: بالوضع ، ما معنى كلمة بالوضع ؟

كلمة بالوضع تحتمل معنيين: إما أن يكون المراد بالوضع العربي، أي أنه باللسان العربي المفهوم المبين؛ لأننا نحن الآن لا نتحدث عن النحو في اللغات كلها، وإنما نتحدث عن النحو وعن الكلام في اللغة العربية، فالكلام في اللغة العربية الذي يبحثه علم النحو العربي هو ذلك الكلام الموضوع باللسان العربي، لكن لو خاطبنا -تكلم معنا- شخص بأي لغة أخرى بكلام مفيد يسمى كلاما في لغته صحيحا، لكنه لا يسمى كلاما في لغتنا.

والكلام في لغتنا هو: المكون من اسم وفعل وحرف؛ لأنه ربما كان في اللغة الأخرى مكونا من غير ذلك، فهو كلمة بالوضع لا بد أن يكون باللسان العربي، وربما كان المراد من قوله: بالوضع أن يكون -أيضا- المتكلم قاصدا الإفادة منه، وقد وضعه ليدل على شيء معين في نفسه.

وهذا يخرج به -مثلا- كلام النائم، النائم قد يتكلم كثيرا، لكنه لم يقصد من كلامه هذا أن يفهم من حوله بشيء، ولم يضع هذا الكلام ليدل على عبارات معينة، فهذيان النائم، أو فاقد العقل، أو السكران، أو نحو ذلك يخرج بقوله: بالوضع.

فالكلام -إذن- في اصطلاح النحويين الذي يبحثه علم النحو، وجاء علم النحو لبحثه وبيانه هو ما تركب، أو ما تحققت فيه هذه القيود، أو الشروط الأربعة: اللفظ المركب المفيد بالوضع. هذه واحدة.

الثانية: ننتقل إلى أقسام الكلام، والواقع أنها هي أقسام الكلمة؛ لأن الكلمة لا تخلو في اللغة العربية، الكلمة التي يتركب منها هذا الكلام لا تخلو من أن تكون أحد ثلاثة أقسام: إما اسم، أو فعل، أو حرف، ما الدليل على ذلك ؟

الدليل -طبعا- ليس دليلا من القرآن، ولا من السنة، وإنما هو دليل من الاستقراء والتتبع، فالعلماء أولا: النحو -كما تعلمون- جاء بعد الكلام، العرب تكلمت سنين طويلة قبل أن يأتي النحو، فجاء النحو؛ ليقرر قواعد على الشيء الموجود، فأخذ بعض الناس يقول -مثلا-: لماذا النحاة يتكلفون هذا التكلف؟ ولماذا يقولون: هذا شاذ، وهذا، ولماذا يتحكمون ؟

النحاة في الواقع لم يأتوا بشيء من عندهم، وإنما جاءوا إلى كلام العرب، وعماده ورأسه: القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وما تقدم عليهما من كلام العرب؛ شعره، ونثره في جاهليتهم وإسلامهم، ونظروا في هذا الكلام واستقرءوه، ووجدوا أنه لا يخلو من أن يكون كل محتويات هذا الكلام إما اسم، وإما فعل، وإما حرف.

ومنذ أن وضع النحو، منذ أربعة عشر قرنا تقريبا لم يأت شخص من العلماء، أو من طلاب العلم ويقول: إنني وجدت نوعا رابعا، وجدت في كتاب كذا كلمة لا تصلح أن تكون اسما، ولا تصلح أن تكون فعلا، ولا يصلح أن تكون حرفا، لم يحصل هذا حتى الآن، وهذا دليل يطمئن على أن النتيجة التي توصلوا إليها أنها نتيجة صحيحة ومستقيمة.

دليل حصر هذا الكلام في هذه الأنواع الثلاثة هو الاستقراء والتتبع كما ذكرت لكم، فالعلماء إنما حصروا هذا الكلام، وبناء عليه قعدوا القواعد، فقسموه إلى هذه الأقسام الثلاثة، وقالوا: إن الكلمة التي تقع في أول الكلام تكون مرفوعة وتسمى مبتدأ، والتي تقع بعد الفعل تكون فاعلا، والفاعل لا بد أن يكون مرفوعا؛ لأنهم وجدوا العرب تكلمت هكذا، يخرج قاعدة مثال يأتيه مثال شاذ فيقولون: بأنه شاذ.

الشذوذ الذي ذكروه ليس تحكما في اللغة، وإنما حكموا به؛ ليسلم لهم ذلك الأصل الأصيل والجمع الكبير الذي حصلوا عليه، فأقسامه ثلاثة وهي: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.

طبعا -كما قلت لكم-: لا نريد أن نسترسل إلى الكلمة فنقول: الكلمة -مثلا- هذه مفرد ما جمعها؟ جمعها كلام، أو كلم؛ الواقع أن جمعها كلم، ما الفرق بين الكلام والكلم؟ الكلم: اسم جنس جمعي واحده كلمة، واسم الجنس الجمعي؟ اسم الجنس الجمعي: هو الاسم الذي إن كان بالتاء صار مفردا، وإن تجرد من التاء صار جمعا مثل كلم وكلمة، وبقر وبقرة، وتمر وتمرة وما إلى ذلك، وما الفرق بين اسم الجمع، وغيره من الجموع ؟

يعني: ممكن أخرج قليلا إلى فائدة، وهي: أن الألفاظ التي تدل على الجمع في اللغة العربية خمسة أنواع؛ ثلاثة منها جموع، وثلاثة منها أسماء جموع، أو نحوها، فالجموع الثلاثة معروفة عند الجميع لا إشكال فيها وهي: الجمع المذكر السالم، والجمع المؤنث السالم، وجمع التكسير. هذه معروفة.

هناك نوعان آخران يمكن أن يدخلا تحت جمع التكسير؛ لأن بابه واسع، ويمكن أن يفردا؛ لأنهما يتميزان بخصائص خاصة، وهما: اسم الجمع، واسم الجنس الجمعي. اسم الجمع ما هو ؟

اسم الجمع هو الجمع الذي ليس له مفرد من لفظه مثل كلمة "قوم" تدل على الجمع، لكنها ليس لها مفرد من لفظها، وإنما مفردها رجل، مثل كلمة نساء تدل على الجمع -أيضا-، لكنها ليس لها مفرد من لفظها، وإنما مفردها امرأة، وكلمة رهط، ونحو ذلك.

والنوع الثاني: هو اسم الجنس الجمعي، اسم الجنس الجمعي: هو الكلمة التي تدل على الجمع ويفرق بينه وبين مفرده بالتاء في المفرد، إن دخلت عليه التاء صار مفردا، إن حذفت منها التاء صار جمعا، وهو مثل: كلم كلمة، تمر تمرة، عنب عنبة، بقر بقرة، شجر شجرة وما إلى ذلك.

فالكلمة هي مفرد لكلم، وهو اسم الجنس الجمعي، والكلمة أقسامها ثلاثة وهي: الاسم والفعل والحرف الذي جاء لمعنى، الحرف. ما معنى قوله: حرف جاء لمعنى؟

أراد أن يخرج بذلك الحروف المقطعة التي ليس لها معان، هو الآن لا يتحدث عن الحرف الذي هو الحرف الهجائي، لو كان يتحدث عنه لدخلت حروف الهجاء الثمانية والعشرين، لكنه يتحدث عن الحرف الذي يعد قسما ثالثا من أقسام الكلمة، الكلمة التي يتركب منها الكلام إما اسم، أو فعل، أو حرف، الحرف الذي هو القسيم الثالث للاسم والفعل هو الحرف الذي جاء لمعنى، ويراد به حروف الجر بكاملها، وحروف الاستفهام، وحروف التمني، وحروف الترجي، والجوازم، والنواصب، وما إلى ذلك.

أي حرف يؤدي معنى فإنه -حينئذ- يعد حرفا اصطلاحيا، يعني: هو الحرف الذي يشكل القسم الثالث من أقسام الكلمة، أما الحروف المقطعة التي لا تؤدي معنى فإنها ليست هي المرادة بهذا الكلام.

انتقل بعد ذلك إلى أن يأخذ كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة بالحديث، ويبين لك كيف تعرف كل واحد من هذه الأنواع الثلاثة، أنا الآن إذا عرفت أن الكلام يتكون من هذه الأقسام الثلاثة، فأريد -إذا كنت مبتدئا- أن أعرف كيف أميز بين الاسم والفعل والحرف؟

المؤلف - طلبا للاختصار - لم يعرف كل واحد من هذه، وإنما قال: أريد أن أعطيك شيئا يغنيك عن التعريف وهو العلامة، إذا عرفت علامته أغناك هذا عن تعريفه، فالأول منها هو الاسم، وإن شئتم تعريف الاسم؛ الاسم: هو ما وضع لمسمى، هذا بالنسبة لتعريفه اللغوي، أما تعريفه الاصطلاحي فهو: كل كلمة دلت على معنى في نفسها، ولم تقترن بزمن.

الاسم هو كل كلمة دلت على معنى في نفسها، ولم تقترن بزمن، طبعا هذا التعريف ليس تعريفا موحدا متفقا عليه، يعني: للعلماء أكثر من ستة إلى سبعة تعريفات للاسم، لكن ليس المهم أن نخوض في التعريفات؛ لأنك حتى لو لم تعرفه، واكتفيت بعلامته لاستغنيت بذلك.

فالاسم -إذن- هو: كل كلمة دلت على معنى في نفسها، ولم تقترن بزمن، هذا القيد: "ولم تقترن بزمن " ليفرق بينه وبين الفعل؛ لأن الفعل - كما سيأتي -: كل كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمن، وإن شئت واقترنت -أيضا- بحدث وزمن؛ لأن الفعل لا بد فيه من أمرين: من الحدث والزمن، لو كان فيه الحدث فقط أي فعل لكان اسما؛ لأن المصدر هو ما دل على الحدث، لكن الفعل لا بد أن يكون فيه ذلك، وسآتي عليه بعد أن انتهى من الاسم.

فالاسم -إذن-: كل كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن، وعلاماته كثيرة، اكتفى منها المؤلف - رحمه الله - بأربع علامات، وهذه العلامات الأربع التي ذكرها يتفق معه العلماء في ثلاث منها، ويخالفونه في واحدة، فالعلامة الأولى هي: الخفض، وكما ذكرت لكم بالأمس أن الخفض مرادف للجر، وكلاهما سواء إلا أن الخفض مصطلح كوفي، والجر مصطلح بصري، ولا مشاحة في الاصطلاح، يعني: كلاهما يؤدي المعنى سواء سميته الخفض، أو سميته الجر، أو سميته ما شئت من ذلك، فالمعنى واحد، والنتيجة واحدة.

الخفض، أو الجر هو علامة من علامات الاسم، ما المراد بالجر؟ المراد بالجر: هو قبول علامة الجر، قبول علامة الجر وهي في الغالب العلامة الأصلية التي هي الكسرة، فالكلمة التي تقبل علامة الجر بأن تظهر على آخرها، وهي الكسرة، لا شك في أنها اسم، ولا ينازعها في ذلك لا الفعل ولا الحرف؛ لأن الأفعال لا تقبل الجر مطلقا، والحروف -أيضا- لا تقبل الجر، فالجر من خصائص الأسماء، فأي كلمة رأيتها مكسورة الآخر، فإنك تحكم عليها -حينئذ- بأنها اسم.

التركيز إنما يكون على العلامة الأصلية وهي الكسرة، أما العلامة الفرعية وهي الياء، أو الياء والنون فإنه ربما نازعه فيها الفعل؛ لأن قولك: "المسلمون" قولك: "مررت بالمسلمين" قد مختوم بياء ونون، قد يشاركه فيها الفعل المضارع المقترن بياء المخاطبة حينما تقول: "أنت تذهبين" فالخطب -إذن- الذي يعد علامة من علامات الاسم، ولا ينازع فيها يراد به ظهور علامة الجر الأصلية وهي الكسرة على آخر الكلمة. هذه هي العلامة الأولى.

العلامة الثانية: التنوين ، التنوين ماذا يراد به ؟

لا أحد فيكم لا يعرف التنوين، لكن ربما لو قيل له: ما تعريفه الاصطلاحي بدقة؟ لربما يعني: لا يحسن أن يأتي به كاملا، لكن التنوين معروف بأنه الضمتان، أو الفتحتان، أو الكسرتان في آخر الكلمة، الكلمة التي تقبل هذا التنوين وهو الضمتان، أو الفتحتان، أو الكسرتان هي الاسم فقط، الفعل لا يمكن أن يأتي في آخره ضمتان، أو فتحتان، أو كسرتان، وكذلك الحرف، التنوين ما هو ؟

هو نون ساكنة تلحق آخر الكلمة في اللفظ لا في الكتابة، التنوين: هو النون الساكنة التي تلحق الآخر، طبعا النون الساكنة احترازا من أي نون متحركة، وكلمة تلحق الآخر احترازا من النون التي تأتي في الوسط، وهي ساكنة مثل النون -مثلا- في: انطلق ينطلق، انكسر ينكسر، هذه لا علاقة لها بعلامة الاسم، فالنون الساكنة التي تلحق الآخر لفظا لا بد أن تكون تلحقه في النطق فقط، وليس في الكتابة، فإن لحقته في النطق، وفي الكتابة لا تعد علامة من علامات الاسم، ولا تعد تنوينا حينئذ؛ لأن كثيرة النون التي تلحق الآخر، مثلا النون في لبن، النون في لبَن وفي لبِن هذه ليست تنوينا؛ لأنها تثبت في الكتابة.

فالنون التي تلحق الآخر في اللفظ لا في الكتابة هي التنوين لغير توكيد أيضا، النون التي تلحق الآخر لفظا لا خطا، لكنها للتوكيد هذه ليست علامة من علامات الاسم، وإنما هي علامة من علامات الفعل، كما في قوله -تعالى-: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(1) "لنسفعا بالناصية" هنا فيه نون، ولحقت الآخر في اللفظ لا في الخط، لكنها لا تعد علامة من علامات الاسم؛ لأنها دخلت على فعل مضارع، فهي علامة من علامات الفعل.

فالتنوين الذي يعد علامة من علامات الاسم هو الفتحتان، أو الضمتان، أو الكسرتان واللتان يعبر عنهما بأنهما نون ساكنة تلحق آخر الكلمة لفظا لا خطا لغير توكيد، وهي خاصة بالأسماء.

العلامة الثالثة: دخول الألف واللام ، وإن سميتها: الألف واللام فهذا صحيح، وإن سميتها: أل فهذا صحيح، والأمر -أيضا- ربما يكون خلافيا في ماذا تسمى؟ وهذا أمر ليس هذا محل تفصيل.

الألف واللام هذه -أيضا- بأنواعها ما عدا الموصولة، حتى لا يعترض عليها الأخ الذي اعترض في الدرس الماضي، أل الموصولة هذه قليلا أيضا، قد تدخل على الفعل المضارع وهذا قليل، ولكن دخولها الكثير إنما هو على الأسماء.

فحينما تقول: الألف واللام، أو أل علامة من علامات الاسم وتطلق، فإنك محق حينئذ من باب التغليب؛ لأن أل بأنواعها خاصة بالاسم، وأل الموصولة -أيضا- تكاد تكون خاصة بالاسم، لكنها قد تدخل على الفعل قليلا، ومن ذلك قول الشاعر في الشاهد المشهور:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته *** ...........

دخلت أل على ترضى، وهي بمعنى الذي تقديره: الذي ترضى حكومته، فالعلامة الثالثة -إذن-: هي دخول الألف واللام.

فالألف واللام - بصفة عامة - وباستثناء الموصولة -إن شئت- لا يمكن أن تدخل بحال من الأحوال إلا على الأسماء، تقول: الرجل، الغلام، الطالب، الكتاب، ولو حاولت أن تدخلها على فعل، أو حرف لما استطعت ذلك.

العلامة الرابعة والأخيرة: هي العلامة التي قلت لكم: إنه ليست مسلَّمة للمؤلف، وإن كانت صحيحة من باب التغليب أيضا، وهي دخول حروف الخفض، ولو استغنى بالجر، أو الخفض - كما فعل غيره - ويشمل -حينئذ- علامة الجر، ودخول حروف الجر لكان صحيحا، لكنه أفرد دخول حرف الجر بكلام مستقل وهو في الواقع صحيح؛ لأن حروف الجر من خصائص الأسماء، ولا تدخل على الأفعال، ولا على الحروف، وإن كان قد سمع شيء من ذلك قليل.

ولذلك ابن هشام - رحمه الله - حينما جاء لهذا قال: إن الجر هو علامة الاسم، وليس المراد به دخول حرف الجر؛ لأن حرف الجر قد يدخل على غير الأسماء، واستشهد ببعض الشواهد من ذلك قول الشاعر:

والله ما ليلي بِنَامَ صاحبُه ***

هنا في اللفظ -كما ترون- دخلت الباء وهي حرف جر على الفعل الماضي وهو نام، وإن كان العلماء الذين لا يرون ذلك يؤولونها، ويقولون: بأن الباء في الواقع لم تدخل على الفعل، وإنما دخلت على اسم مقدر وتقديره: بمقول فيه نام صاحبه، وكذلك حفظ، أو سمع دخولها على الأفعال الجامدة: أفعال المدح والذم كقولهم: والله ما هي بنعم الولد، دخلت الباء على نِعم، مع أن نعم -في الراجح- فعل -كما سيأتي- بدليل أنها تدخلها علامة الفعل الماضي، وهي تاء التأنيث الساكنة "نعمت المرأة هند " مثلا، وكذلك سمع دخول حرف الجر على "بئس " كما في قول الآخر: " نعم السير على بئس العير" فدخلت -أيضا- "على" -وهي حرف جر- على بئس.

فالحاصل أن قول المؤلف - رحمه الله -، أو جعله العلامة الرابعة من علامات الاسم دخول حروف الجر، أو حروف الخفض هي علامة صحيحة، لكنها ليست مسلمة مائة في المائة؛ لأنها لها بعض الاستثناءات اليسيرة، فإن أردنا أن نأخذ بالعموم والغالب، فإن ذلك صحيح، وإن حروف الجر -في الواقع- لا تدخل إلا على الأسماء، ولا تدخل على الأفعال، ولا على الحروف.

هذه العلامات التي تذكر دائما، هل المراد منها أن تكون مجتمعة في الكلمة لكي نعرف أنها اسم، أو أنه يكتفى فيها بواحدة من هذه العلامات ؟

الواقع أنه ليس بالضرورة أن تجتمع هذه العلامات، بل من المستحيل أن تجتمع هذه العلامات الأربع؛ لأن في هذه العلامات علامتين لا يجتمعان وهما، ما العلامتان اللتان لا تجتمعان من هذه العلامات الأربع؟

نعم، التنوين والألف واللام، التنوين والألف واللام لا يجتمعان، التنوين في الواقع لا يجتمع مع الألف واللام، ولا يجتمع مع الإضافة، فحينما تقول: قرأت كتابا بالتنوين، لو أدخلت عليها الألف واللام وقلت: قرأت الكتاب، ذهب التنوين، ولا يمكن أن يبقى التنوين مع بقاء الألف واللام، كذلك التنوين لا يبقى مع الإضافة، وإن كانت الإضافة ليست معنا الآن، لكنها -أيضا- من الأمور التي لا تجتمع مع التنوين.

تقول: هذا كتابٌ بالتنوين، فإن أردت أن تضيفه إلى شخص قلت: هذا كتابُ علي بإزالة التنوين من كتاب؛ لأنه لا يمكن أن ينون وهو مضاف، ولا يمكن أن ينون وفيه الألف واللام.

فهذه العلامات -إذن- المراد بها أن يحصل في الاسم علامة واحدة منها، أو علامتان، أو ثلاث، المهم أن يوجد واحدة تكفي، وجود الواحدة فيه كفاية للدلالة على أن هذه الكلمة اسم، ولو وجد أكثر من ذلك فإنه لا مانع منه.

طيب مثال لوجود أكثر من علامة، أو مثال لوجود العلامات الثلاث التي تجتمع باستثناء الرابعة وهي -مثلا- التنوين، أو الألف واللام، إذا قلت مثلا: مررت برجل، كلمة رجل اسم، أو فعل؟ اسم، ما الدليل على أنها اسم؟ أنه وجد فيها علامة، أو أكثر، وجد فيها أكثر من علامة.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

حروف الجر التي تدخل على الكلمة، المؤلف اكتفى منها باثني عشر حرفًا، وهي تسعة حروف جر، وثلاثة حروف جر وقسم، وهي: "مِن وإلى وعن وعلى وفي ورب والباء والكاف واللام".

وحروف القسم -أيضًا- وهي تابعة لحروف الجر، يعني: ممكن أن تذكرها مع حروف الجر دون أن تنص على أنها حروف قسم؛ لأنها -في الواقع- حروف جر؛ لكن من معناها القسم.

وحروف القسم وهي "الواو" و"الباء" و"التاء" وليست هذه كل حروف الجر، وإنما حروف الجر أكثر من ذلك، وهي عشرون حرفًا جمعها ابن مالك في بيتين، وتحدث عنها العلماء بالتفصيل، ومن ضمنها حروف الاستثناء "حاشا" و"خلا" و"عدا" ومن ضمنها حروف -أيضًا- غير متفق عليها، مختلف فيها، أو خاصة ببعض القبائل مثل: "متى" و"لعل" و"كي" وغيرهم.

تحدثنا في الدرس الماضي عن بعض معاني هذه الحروف، وكما قلت لكم معاني الحروف ليس يعني: مما نحن فيه؛ لأنه سيخرجنا عن هذا الموضوع؛ لأن معاني الحروف ربما يأتي في باب حروف الجر.

لكن هنا نحن نتحدث عن أن دخول حروف الجر أيا كانت يعد علامة من علامات الأسماء، بغض النظر عن معاني هذه الحروف، ومعاني هذه الحروف -كما ذكرنا- المشهورة منها أن "من" المشهور فيها ابتداء الغاية، و"إلى" المشهور فيها انتهاء الغاية، و"عن" المشهور فيها المجاوزة، و"على" المشهور فيها الاستعلاء.

لو نظرتم وجدتم أن كل حرف من حروف الجر له معنًى أصليا، ثم معاني أخرى يخرج عنها يخرج إليها، وحروف الجر كثيرًا ما تتناوب -أيضًا- تارة تأتي "عن" بمعنى "على" وتارة تأتي "على" بمعنى "عن" وهكذا.

لكن كل حرف من الحروف له معنى أصلي، ثم معانٍ أخرى إضافية يخرج إليها، فـ"عن" معناها الأصلي -كما ذكرنا- المجاوزة، وقد تخرج عنه، و"على" معناها الأصلي الاستعلاء، وقد تخرج عنه، و"في" معناها الأصلي الظرفية، وقد تخرج عنه -أيضًا- و"رب" معناها التقليل.

وقد تكون للتكثير، تقول -مثلًا-: ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك، هنا ما المراد منها هنا؟ التقليل، أو التكثير؟ هي الصحيح يعني: ليست هنا نصًّا قاطعًا على شيء؛ لكن ربما يكون الأبرز منها والأغلب التكثير؛ وهو أن يقول: ليس الإخوان فقط هم إخوانك؛ ولكن ربما وجدت إخوانًا كثيرين ليسوا من أمك، وهذا هو الواقع فعلًا، يعني: الإخوان في الله الذين يجدهم الإنسان، ما مدى نسبتهم إلى إخوانه الأشقاء، أو إخوانه من أمه؟ لا شك بأنهم أكثر من ذلك بكثير.

و"الباء" -أيضًا- وتأتي للإلصاق، وهو معناها الأول والأشهر، كما في قولك: كتبت بالقلم، "والكاف" ومعناها المشهور فيها -كما هو معلوم لديكم- هو التشبيه، "واللام" تأتي للملك، كما في مثل قوله -تعالى-: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(2) الملك.

وتقول -مثلًا-: هذا الكتاب لمحمد. هنا الملك، وتأتي لشبه الملك. وهو الملك هو وحينما يكون من قادر على التملك، وشبه المالك حينما يكون فيه علاقة به، لكنه لا يقدر على التملك.

كما إذا قلت -مثلًا-: هذا الفراش للمسجد. وهذا السرج للدابة، وهذا المفتاح للسيارة، فهو ليس تملكا حقيقيا؛ لأن هذا لا تملك، وإنما هو شبه ملك؛ أي: إنه مختص به اختصاصًا كاملًا.

وحروف القسم وهي الثلاثة وهي: "الواو" واستخدامها كثير، فهي أكثر حروف القسم استخدامًا، وتدخل على الأسماء الظاهرة، ولا يمكن أن تدخل على الضمير، كما في قولك: والله، وكما وردت كثيرًا في القرآن الكريم: "والفجر" "والعصر" "والشمس" "والليل" آيات كثيرة كلها افتتحت بواو القسم.

و"الباء" -أيضًا- تأتي للقسم، وإن كان استخدامها ليس كثيرًا ككثرة الواو، بالله عليك إلا فعلت كذا، أو أن تفعل كذا.

و"التاء"وهي -أيضًا- تكاد تكون خاصة بلفظ الجلالة، كما في قوله -تعالى-: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ(3) وتستخدم قليلًا ونادرًا مع الرحمن، ومع رب الكعبة، مثل نحو تالرحمن، وترب الكعبة، ولكنه قليل لا يشكل شيئًا بالنسبة لاستخدامها لفظ الجلالة.

هذا ما يتعلق بالاسم بالنسبة لتعريفه بالنسبة لعلاماته التي يعرف بها.

هذه العلامات -أيها الأخوة- مفيدة جدًّا ومهمة، يعني: أرجو ألا تستهينوا بها؛ لأن هناك أحيانًا بعض الكلمات التي يعني: يشكل فيها إلى حد ما، هل هي اسم أو فعل؟ وذلك مثل بعض المصادر مثلًا.

إذا قلت -مثلًا-: تقدم محمد، "تقدم" هنا ما نوعها؟ "تقدم" فعل، فإذا قلت: تقدم محمد أكثر من تقدم أخيه. لو لم تسبق محمد أمامك بالكسر ووجدتها هكذا "تقدم محمد" لخيل إليك أنها فعل؛ لأن بعض المصادر إلى حد ما تلتبس الأسماء فيها بالأفعال؛ لكنك لو حاولت أن تجرب واحدًا من هذه العلامات التي مرَّت معك.

علامات الاسم تدخلها على كلمة "تقدَّم" لا تستطيع، ولكن على كلمة "تقدُّم" تستطيع بسهولة تقول -مثلًا-: أعجبت بتقدُّم محمد، تبين أنها اسم، وتقول: تقدُّم محمدٍ تقدمٌ بارز أو ظاهر. دخلها التنوين هذا أدل على أنها اسم؛ لكن لو حاولت أن تدخل واحدًا من العلامات على "تقدَّم" لما استطعت أن تهتدي إلى ذلك.

فالحاصل أن هذه العلامات لم يؤت لها عبثًا، وإنما يُؤتى بها لكي تكون فيصلًا في بعض الكلمات الموهمة الملبسة: هناك كلمات لا تحتاج أن تستخدم معها العلامة، لا شك في أنها أسماء مثل: محمد، صالح، علي، خالد، وكلمات لا شك بأنها أفعال مثل: جلس، خرج، دخل، ولكنك تحتاج للعلامة حينما يكون الأمر محتاجًا إلى شيء من التنبيه.

النوع الثاني من أنواع الكلمة، والقسم الثاني هو الفعل، الفعل في اللغة: يُراد به الحدث. فعل فعلًا أي: أنه أحدث حدثًا معينًا بهذا الشيء. واصطلاحًا: هو كل كلمة دلَّت على معنى في نفسها، واقترنت بحدث وزمن.

طبعًا إذا قلت: بحدث وزمن وسكت، هذا التعريف يشمل الأنواع الثلاثة. أنواع الفعل الثلاثة المشهورة التي هي: الماضي والمضارع والأمر، فإذا أردت أن تُعَرِّف كل نوع منها فإنك تحتاج إلى أن تضيف كلمة الزمن الماضي، إذا أردت الفعل الماضي، والزمن الحاضر، أو المستقبل إذا أردت الفعل المضارع، وكلمة الطلب، وحدوث الفعل بعد زمن التكلم، إذا أردت فِعْل الأمر يعني: يفرق بينهما من حيث المعنى نفسه: كل كلمة تدل على معنى في نفسها مع اقترانها بحدث وزمن.

هذا التعريف شامل للأفعال الثلاثة، فإن أردت الفعل الماضي فهو ما كان في الزمن الماضي، والفعل المستقبل، أو المضارع هو ما كان في الزمن الحاضر، أو المستقبل، وفعل الأمر هو ما دلَّ على طلب، أو يطلب حصوله بعد زمن التكلم.

ذكر المؤلف للفعل ثلاث علامات، وإن شئت أن تجعلها أربعا فقال: "والفعل يعرف بقَدْ والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة" هذه أربع، وإن شئت أن تجعل السين وسوف علامة واحدة؛ لأنهما يصدق عليهما معًا كلمة التنفيس كلاهما من حروف التنفيس، والمراد بالتنفيس هو الاستقبال، أو الدلالة على الاستقبال.

فالعلامات -إذًا- يمكن أن تكون ثلاثة "قد، والسين أو سوف، وتاء التأنيث الساكنة" هذه العلامات أي كلمة تقبل واحدة من هذه العلامات، تجزم بأنها فعل، ولكن هل هذه العلامات التي ذكرها المؤلف هل هي كافية للدلالة على الأفعال الثلاثة؟ أو أنها تنطبق على بعض الأفعال فقط دون بعضها؟

ننظر في هذه العلامات نأتي للحرف "قد" "قد" هذا هل هو علاقة للماضي، أو المضارع، أو الأمر؟ "قد" علامة للفعل الماضي، وأيضًا للفعل المضارع. تقول: قد قام محمد. وتقول: قد ينجح المهمل.

طيب ما علاقة "قد" مع الفعل الماضي، أو ما معناها؟ ما معنى "قد" مع الفعل الماضي؟ إذا قلت: قد جاء محمد. نعم، معناها التحقيق، وهو الغالب فيها قال -تعالى-: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(4) يعني: أنه أمر محقَّق لا شك فيه، الجزم بالفلاح للمؤمنين أمر تحقق لا شك فيه، وعد الله -سبحانه وتعالى- به.

ولكنها تأتي للتقريب -أيضًا- قليلًا أقل من التحقيق كما في قول المؤذن عند إقامة الصلاة: قد قامت الصلاة، يعني: قرب قيامها، أو أن الناس هبوا للقياك لها؛ لكنها لم تكن فعلًا بمعنى أن الإمام لم يشرع في القراءة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، وإنما قرب قيامها.

فمعنى "قد" مع الفعل الماضي؛ إما التحقيق وهو الكثير، أو التقريب، ومعنى "قد" مع الفعل المضارع، تقول مثلًا: قد ينجح المهمل. نعم، التقليل، "قد" مع الفعل المضارع تدل على التقليل كثيرًا. قد يحصل كذا وكذا؛ لكن لا تقول ذلك إلا حينما يكون شيئًا محتملًا. لكنها مثل رُبَّ قد تستخدم للتكثير -أيضًا- فتقول -مثلًا- كما قال الشاعر:-

قـد يدرك المتأني بعض حاجته *** وقد يكون مع المستعجل الزلل

إدراك المتأني لبعض حاجته، هذا قليل أو كثير؟ كثير؛ لأن التأني لا يأتي إلا بخير، والمستعجل الزلل يصاحبه بكثرة وليس بقلة، فاستخدامها للتكثير وارد؛ لكنه قليل، تقول: قد يجود البخيل، هذا قليل، وتقول: قد يجود التكريم، وهذا كثير؛ لأنه هو المتوقع منه؛ لكن استخدامها في التقليل أكثر من استخدامها في التكثير، إذًا عرفنا أن قد تصلح علامة للفعل الماضي وللفعل المضارع.

"السين" و"سوف" علامة لأي نوع من أنواع الأفعال؟ علامة للمضارع فقط، حروف التنفيس، أو الاستقبال لا تدخل إلا مع الأفعال المضارعة، علامة فعل الأمر هي مركبة من أمرين وهما: الدلالة على الطلب الذي هو الأمر مع قبول ياء المخاطبة، أو نون التوكيد.

أي كلمة تدل على الطلب، أو الأمر، وتقبل ياء المخاطبة، أو نون التوكيد. فإنها تكون فعل أمر مثل "ياء مخاطبة" الدلالة على الطلب مع ياء المخاطبة مثل: اكتبي اجلسي اذهبي اركعي ﴿ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(5) وما إلى ذلك.

والدلالة على الطلب مع نون التوكيد مثل: اذهبي، وليس اذهبن، وأيضًا اكتبن، أو اكتبن، يعني: لك أن تأتي بنون التوكيد الثقيلة، وهي المشددة، ولك أن تأتي بنون التوكيد الخفيفة وهي الساكنة، اذهبن يا محمد، أو اذهبن يا علي إلى المسجد.

طيب لماذا صارت علامة فعل الأمر بالذات مركبة من شيئين؟ يعني: لو اكتفينا بواحد منهما -مثلًا- هل تكون الكلمة فعل أمر، أو تخرج إلى أي شيء آخر؟ مثلًا: لو اكتفينا بالدلالة على الطلب فقلنا: علامة فعل الأمر الدلالة على الطلب فقط. هل تصدق على فعل الأمر، أو يمكن أن تصدق على غيره؟ نعم.

إذا قلت: الدلالة على الطلب، ووقفت عند ذلك دخل مع فعل الأمر اسم فعل الأمر، واسم فعل الأمر في الواقع ليس فعلًا، وإنما هو في عداد الأسماء، مثل "صه" بمعنى اسكت، ومثل "مه" بمعنى اكفف، ومثل "نزال" و"دراك" بمعنى انزل وأدرك وما إلى ذلك.

فالدلالة على الطلب وحدها لا تكفي؛ لأنها تدخل معنا اسم فعل الأمر، ونحن نريد علامة جامعة مانعة لا يدخل معها شيء آخر، طيب لو اكتفينا بالشق الثاني من العلامة وهو دخول ياء المخاطبة، أو نون التوكيد ماذا؟ هل تكفي أو تؤدي بنا إلى شيء آخر؟ لا تكفي. لماذا؟ لأنها يشترك معه في ذلك الفعل المضارع.

فالفعل المضارع يقبل ياء المخاطبة فتقول: أنت تكتبين وتذهبين، بياء المخاطبة، ويقبل نون التوكيد كما في قوله -تعالى-: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ(6) آية اجتمع فيها الشديدة والخفيفة، اجتمعت فيها نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الخفيفة.

فعلامة الأمر -إذًا- لا بد لكي تصدق على فعل الأمر، ولا يدخل معه فيه غيره، لا بد أن تكون مركبة من هذين الأمرين: الدلالة على الطلب مع قبول ياء المخاطبة، أو نون التوكيد.

طيب، هناك علامات أخرى -أيضًا- لو أردت أن تضيفها، فمثلًا الفعل الماضي ابن مالك -رحمه الله- كان دقيقًا حينما قال:

وماضي الأفعال وبالتاء مِزْ ***

حينما قال: "بالتاء" ولم يخصصها بتاء التأنيث، والغرض من ذلك أن يدخل مع تاء التأنيث -أيضًا- "تاء" والغرض من ذلك أن يدخل مع تاء التأنيث -أيضًا- تاء الفاعل المتحركة؛ لأن تاء الفاعل المتحركة -أيضًا- علامة من علامات الفعل الماضي فقط؛ سواء كانت للمتكلم مثل: قمتُ، أو للمخاطب مثل: قمتَ، أو للمخاطبة مثل: قمتِ، فهي علامة من علامات الفعل الماضي.

فالفعل الماضي -إذًا- علامته قبول إحدى التاءين، وهما تاء الفاعل المتحركة، وتاء التأنيث الساكنة، والفعل المضارع -أيضًا- علامته ما ذكره المؤلف هنا، وهو حروف التنفيس السين أو سوف.

وكذلك قبول "لم" وغيرها من حروف الجزم "لم" الحرف الذي يدل على الجزم هذه لا تدخل على أي نوع من أنواع الأفعال إلا على الفعل المضارع فقط.

انتقل بعد ذلك إلى القسم الثالث من أقسام الكلام ومن أقسام الكلمة وهو: الحرف، الحرف ما تعريفه؟ طبعًا الحرف في اللغة هو الطرف من الشيء، كما في قوله -تعالى-: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ(7) أي: على طرف من الأمر، وفي الاصطلاح هو: كل كلمة تدل على معنًى في غيرها.

الاسم والفعل تدل على معنى في نفسها، أما الحرف فإنه لا يدل على معنى في نفسه بمعنى أنك لو أفردته لم يعطك أي معنًى. مثلًا: "مِن" إذا جئت بها وحدها لا تعطيك معنى؛ لكن كلمة محمدإذا جئت بها وحدها أعطت معنى، وهو أنها اسم لهذا الشخص، كلمة قام وأكل إذا جئت بها وحدها أعطتك معنى -أيضًا- وهو القيام والأكل.

 

لكن كلمة مِن وفي وعن وعلى هذه لا تحصل منها على أي معنًى ما دامت مفردة؛ فهي لا تدل على معنًى في نفسها، وإنما تدل على معنى في غيرها، أو على معنى مع غيرها إذا اشتركت مع غيرها.

إذا قلتَ: خرجت من البيت، "مِن" هنا دلَّت على ابتداء الغاية التي هي غاية الخروج فهي دلت على معنى في غيرها، وهو أن الخروج ابتداء من البيت حددت بداية الخروج فالمعنى الذي دلَّت عليه ليس في نفسها، وإنما هو في غيرها وهو الخروج، كذلك خرجت من البيت إلى المسجد " إلى" لم تدل على معنى في نفسها، وإنما دلت على معنى في غيرها، وهو انتهاء الغاية إلى المسجد.

ما علامة الحرف؟ الحرف في الواقع علامته هي أن تستعرض علامات الاسم، وتجدها لا تصلح، ثم تستعرض علامات الفعل، وتجدها لا تصلح فحينئذ لم يبق أمامك إلا أن تكون الكلمة حرفا، فإذا جاء معي كلمة مثل كلمة "مهما" وكلمة "ليت" أو "لكنَّ" "لكنَّ" مكونة من خمسة أحرف اللام والمدة والكاف والنون المشددة، ومع ذلك هل هذه الحروف الخمسة هل هي حرف أو اسم؟

لو جربت عليها علامات الاسم الخمس، أو الست، أو السبع، وجدتها لا تصلح، ولو جربت عليها علامات الفعل بأنواعه وجدت -أيضًا- أنها لا تصلح، فإذا لم يصلح هذا ولا هذا لم يبق أمامك إلا أن تكون حرفا؛ لأنه لا يوجد نوع رابع أصلًا، فلا يخلو من هذه الأنواع الثلاثة.

فعلامة الحرف إذًا -كما يقولون- علامة عدمية، وعلامة الاسم والفعل علامة وجودية. ما معنى عدمية ووجودية؟ أظن أنها واضحة، وجودية بمعنى أنه لا بد أن يوجد في الاسم واحدة من هذه العلامات، وعلامة الفعل وجودية أي أنه لا بد أن يوجد فيه واحدة من هذه العلامات، أما علامة الحرف فهي عدمية؛ أي: أنه لا بد أن تنعدم فيه كل العلامات المتقدمة لكي يكون حرفًا.

يبدو أننا سنقف عن هذا بسبب كثرة الأسئلة والوقت، يعني: ساعة لم يبق منها إلا أقل من عشر دقائق، ونكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم، وهذا التريث إنما هو تعويض لكم عن ما حصل بالأمس، وأخشى أن تكونوا استثقلتم الآن هذا الأسلوب -أيضًا- الذي فيه نوع من التريث.

س: السؤال يقول: ذكرتم بأن الفعل كلمة تدل على معنى في نفسها مقترنا بحدث وزمن، وأن الاسم كلمة تدل على معنى في نفسها غير مقترن بحدث أو زمن، فهل يصح أن نقول: إن الاسم كلمة تدل على معنى في نفسه غير مقترن بحدث وزمن؟

ج: الواقع أنه لا يصح؛ لأن الاسم فيه حدث. إذا قلت -مثلًا وخاصة منه المصدر- إذا قلت -مثلا-: قيام أو جلوس، القيام فيه حدث وهو القيام، والجلوس فيه حدث وهو الجلوس؛ لكنه لم يتحول إلى فعل؛ لأنه ينقصه الزمن إذا اجتمع الزمن والحدث وصار فعلًا، فإذا وجد الحدث وحده فإنه لا يكون فعلًا، وإنما يكون اسمًا وهو المصدر.

س: يقول: ما الفرق بين الاسم والمصدر؟

ج: الواقع أن المصدر هو نوع من أنواع الأسماء، الاسم عام يشمل الأسماء الجامدة، ويشمل الأسماء المشتقة، ويشمل المصادر، ويشمل اسم الفعل، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وغير ذلك، فالاسم بابه واسع، وربما نصل فتأتي مناسبة للحديث عن المصدر، عن المشتق والجامد منه، وحينئذ تبين شيء من أنواعه.

س: كلمة "الأجرومية" يقول: أيهما أصح: أن تكون الألف مهموزة، أم ممدودة؟

ج: الواقع أنه ينطق بها ممدودة، وهي لأنها كلمة -فيما تبين أنها كلمة- بربرية، لغة البربر بمعنى الرجل التقي أو الورِع، يعني: ليس عندما تحقيق وتدقيق، أيها الصحيح هل هو بالمد، أو بالهمز فقط؟ لكن أظن أنها بالمد.

س: هل الكتاب اسمه "الأجرومية" بالجحيم أم بالدال؟

ج: لا، هو بالجحيم "الأجرومية" وصاحبه ابن آجروم.

س: أرجو إعطاء مثال على الدلالة على الطلب مع نون التوكيد على أن يكون الفعل مؤنَّثا؟

ج: الدلالة على الطلب مع الفعل المؤنث إذا أردت أن تأمره بالكتابة ماذا تقول للمؤنثة؟ اكتبي، فإذا أردت أن تدخل عليه نون التوكيد فتقول: اكتبن الدرس يا هند.

س: هل تعريف الفعل في الاصطلاح هو: كلمة دلت على معنى في غيرها ولم تقترن بزمان كما هو في حاشية "الأجرومية"؟

ج: هو الواقع يبدو لي أن حاشية "الأجرومية" للشيخ ابن قاسم خطأ؛ حيث إنه أعاد تعريف الحرف مرتين، ذكره مع الفعل، وذكره مع الحرف، فتعريف الفعل هو كل كلمة تدل على معنًى في نفسها، وتعريف الحرف هو كل كلمة تدل على معنًى في غيرها، فالموجود إذا كان كل معنًى في غيرها مع الفعل والحرف فهو مع الفعل إنما هو خطأ وسهو من الطباعة ربما.

س: هل النسب من علامات الاسم ؟

ج: في الواقع قلت لكم: إن علامات الاسم كثيرة جدًّا منها التصغير، ومنها النسب، ومنها الإضافة -أيضًا- لأن الإضافة من خصائص الأسماء؛ لكننا يعني: لسنا بصدد استقصاء علامات الاسم؛ لأنه يكفي منها أربعة، أو ثلاث لكي تدلك على اسمية الكلمة.

س: ذكرت أن الكلمة لا تخرج عن كونها اسم أو فعل أو حرف، فهل اسم الفعل يدخل في أحد هذه الأقسام ؟

ج: لا شك بأن أسماء الأفعال هي من الأسماء؛ لذلك سميت أسماء، وابن هشام، وابن مالك في الحديث عن علامات الأسماء، وفي الحديث عن التنوين وتفصيلاته إلى تنوين التمكين، والتنكير، والعوض، والمقابلة ذكر أن تنوين التنكير هو الذي يدل به على اسمية أسماء الأفعال.

فـ"صه" تقول فيه: صهٍ بالتنوين، وسيبويه تقول فيه: مررت بسيبويه. هذا معرفة وسيبويهٍ آخر هذا نكرة، فدخول التنوين على أسماء الأفعال، وعلى بعض المركبات تنوين التنكير يدل على إسميتها، فأسماء الأفعال في الواقع أنها من الأسماء، وليست من الأفعال.

س: هذا سؤال عن قضية الاستشهاد بالحديث النبوي؟

ج: وهذه القضية موضوع طويل، وألفت فيه بعض الكتب للدكتورة خديجة الحديثي، وللدكتور محمود فجال أستاذ -كان- في فرع الجامعة الإمام في "أبها" وكتابه موجود في السوق يتحدث عن قضية الاستشهاد بالحديث النبوي، وما رأى العلماء فيها؟ ولماذا يعني: لم يحتج علماء النحو بالحديث النبوي؟ وما إلى ذلك.

ولماذا احتج به بعض المتأخرين منهم كابن مالك وغيره؟ لا أذكر الاستشهاد بالحديث النبوي للدكتور محمود فجال بهذا العنوان طبعه النادي الأدبي في " أبها " وأظن أن كان -أيضًا- طبع طبعات أخرى.

س: ما هو الشِّعر الذي يستدل به في النحو؟ ولماذا يقتصر عليه فقط؟ وهل معنى ذلك أن الشعر بعد ذلك لا يرتقي إلى اللغة العربية السليمة من اللحن؟

ج: في الواقع أن الشِّعر الذي يستدل به يحتج به على اللغة العربية هو الشِّعر الجاهلي والشِّعر الإسلامي، والعلماء حدودًا مدة تقريبية، وهي سنة مائة وخمسين هجرية، قالوا: إنه بعد هذا العام يعني: لا يحسن الاحتجاج بشيء من الشِّعر على اللغة العربية، وليس معنى ذلك أن الشعراء الذين جاءوا بعد ذلك يلحنون؟ لا، فهم يقولون شعرًا فصيحًا؛ لكنهم اختلطت اللغة العربية بغيرها، ودخلت بعض الكلمات، وتمازج الناس وتصاهروا، فأصبح مَظِنَّة أن تدخل بعض الكلمات الأعجمية ومَظِنَّة للخطأ واللحن، وقد سجل وعرف شيء من ذلك.

أما الشعر الذي يحتج به فهو الشعر الذي أصحابه عرب لم يختلطوا بغيرهم، ويعني: حتى لو حاول منهم أحد -كما يقولون- يلحن لا يستطيع؛ لأنه لا يعرف إلا هذه اللغة، يعني: لا مجال للحن؛ لأنه ليس عنده إلا هذا الكلام الذي ولد وعاش وتربى عليه، ولذلك فإنهم من باب الحرص يحاولون في الفترات الأخيرة الخروج إلى البوادي للأخذ منهم؛ لأن البوادي أبعد عن الاختلاط بشعوب الدول أو الأقاليم المفتوحة من المدن.

س: يقول: إذا سأل رجل رجلًا آخر بعيدًا عنه، فأومأ برأسه فيقول الرجل الذي ينظر إليهم: إنه قال: نعم -مثلًا- أو قال: لا، فكيف نقول: إنه قال وهو لم يتكلم؟

ج: الواقع هي قضية مجازية، قضية اصطلاحية وإلا فإن القول هو: الصوت المشتمل على بعض الحروف، القول هو الصوت الدال على المعنى المشتمل على بعض الحروف، فحينما تقول: إن فلانا يقول لك كذا حينما يومئ برأسه؛ أي: إنه يريد منك... يعني: عبر بتعبير مرادف للقول؛ لكنه ليس قولًا اصطلاحيا؛ لأن القول الاصطلاحي هو ما اشتمل على لفظ أو حروف.

س: نرجو إعادة الكلام عن تاء التأنيث الساكنة، وكذلك علامة فعل الأمر؟

ج: تاء التأنيث الساكنة هي التاء التي تدل على التأنيث، وهي ساكنة، وهي لا تلحق إلا الفعل الماضي فقط في مثل: قامت وقالت؛ لكن هذه التاء أحيانًا قد تُحَرَّك بالكسر حينما يلتقي ساكنان للتخفيف فقط، كما في قوله -تعالى-: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ(8) أصلها قالتْ الأعراب؛ لكنك حينما تريد أن تصل، وتريد أن تنطق بالساكن، لا بد أن تخفف السكون إلى الكسر، فتقول: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا(8) .

أما علامة فعل الأمر فذكرت أنها مركبة من شيئين لا بد منهما معًا وهما الدلالة على الطلب؛ أي: الأمر مع قبول الكلمة يا المخاطبة، أو نون التوكيد الساكنة، أو المشددة بنوعيها.

س: هل الوقف في قوله -تعالى-: ﴿ لنسفعا(1) في القرآن بالألف أم بالنون؟

ج: "لنسفعًا" هذه نون خفيفة، وأنا أعرف أن النون الخفيفة لا ترسم نونًا أبدًا، وإنما ترسم ألفا، ولا أعرف أنها في طبعة من طبعات القرآن رسمت بالنون، وإنما هي ترسم بالألف.

بيان وجه الاستشهاد في ذلك، هذه آية نحن جئنا بها شاهدًا على أن نون التوكيد الخفيفة إنما هي من خصائص الأفعال وأنها لحقت هنا الفعل المضارع، وأنها ليست من علامات الاسم، والنون التي من علامات الاسم هي نون التنوين الساكنة التي لا تثبت في الخط، وإنما التي تثبت في الخط هي نون التي للتوكيد، وهي خاصة بالأفعال.

س: هذا سؤال عن الجمل التي لها محل من الإعراب، والجمل التي ليس لها محل من الإعراب؟

ج: وهذا موضوع غير ما نحن فيه.

س: وأيضًا يقول: نجد أن بعض اللغويين والنحويين يخالف في تسمية بعض الأشياء، ويقول: إنها لا تسمى كذا وكذا، أو إنما كذا، مع أن المعنى واحد مثاله: "أن" فلها معان كثيرة، ومن معانيها أنها تأتي للتعليل، وشواهدها في القرآن كثيرة منها: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا(9) أي: لئلا تضلوا وكقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا(10) فيقولون: هذه مصدرية، وليست للتعليل مع أنها تفيد معنى التعليل والسببية، فنرجو منكم التوضيح؟

ج: الواقع أن وجود حرف في القرآن الكريم في آية من الآيات يحتمل أن يكون للتعليل، أو يحتمل أن يكون غير ذلك، هذا أمر وارد لا شك فيه، والمفسرون تجد أنهم في بعض الآيات -مثلًا- يأتي بأربعة أقوال، أو خمسة أقوال، كل واحد منهم عنده فيه مستند ودليل، ولا تكون متعينة.

أنا أوصيكم بالنسبة لمسألة الحروف في القرآن الكريم بكتاب الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة-رحمه الله- "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" فهو الذي يمكن أن يشفيكم، ويجيب عن أسئلتكم بكل ما يتعلق بالحروف والأدوات في القرآن الكريم، الأجزاء... المجلدات الثلاثة الأولى من هذا.

والكتاب يقع في أحد عشر مجلدًا كبيرًا، الثلاثة الأولى منها فقط هي التي خاصة بالحروف والأدوات في القرآن الكريم، وهو موجود ويباع، وفيه إجابة على كل ما لديكم من أسئلة واستفسارات في هذا.

س: يقول: أرجو المداومة على هذه الطريقة الشيِّقة والتي تدخل القلب قبل العقل بدون استئذان وكلام طويل؟

ج: نرجو ذلك -إن شاء الله تعالى- وهذا مشجع على أن نستمر، ونقف عند هذا الحدِّ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(1) سورة العلق: 15
(2) سورة البقرة: 284
(3) سورة الأنبياء: 57
(4) سورة المؤمنون: 1
(5) سورة آل عمران: 43
(6) سورة يوسف: 32
(7) سورة الحج: 11
(8) سورة الحجرات: 14
(9) سورة النساء: 176
(10) سورة الحجرات: 6