موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية

الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية

أما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون على اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله، آمين.

وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .


هذا آخر العقيدة، حاولنا أن تكون بقدر الأيام، فلم نختصر الكلام حتى يستغرق الأيام، ولم نطول فيه إطالة حتى لا نتمها.

ختمها بهذه الجملة، وهو حكم الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية، قد ذكرت قريبا أن هذا يعتبر من الفروع لا من الأصول، أو يُلحق بأصول الفقه، ولكن هناك من يجعله من أصول العقائد، ويتشدد في النهي عن التمذهب.

هناك فرق في الهند وفي الباكستان يسمون أنفسهم أهل الحديث، يشددون على المنتسبين إلى المذاهب، ولكن لا نلومهم؛ لأن هناك من يتعصب عندهم للمذاهب تعصبا زائدا، فآل بهم الأمر إلى أن جعلوا الانتساب إلى المذهب كالانتساب إلى المعتقد.

فقالوا: لا يجوز أن تكون جهميا، ولا أن تكون أشعريا، ولا أن تكون كراميا، ولا كلابيا، ولا سالميا -مثلا-، ولا واصليا، ولا نظاميا، ولا جاحظيا، وما أشبه ذلك، ولا يجوز أن تكون شافعيا، ولا حنبليا، ول مالكيا، ول حنفيا، ولا ثوريا، ولا ليثيا، ولا كذا وكذا.

فجعلوا الانتساب إلى المذاهب كالانتساب إلى المعتقدات، وهذا خطأ، وما ذاك إلا أن أهل المذاهب أولا كلهم من علماء السنة، وكلهم من أهل الحديث، فتح الله تعالى عليهم، ورزقهم فقها وفهما، فجمعوا بين الأمرين، بين الحفظ وبين الفهم، فأدى بهم اجتهادهم إلى أقوال دوَّنوها في مؤلفاتهم.

فأولهم أبو حنيفة -رحمه الله-، كان ذكيا، عنده قوة إدراك، وعنده قوة فهم، فكان يفتي بهذه الفتاوى ويعللها، ويسر الله له تلميذين، وهما أبو الحسن ومحمد.

فهذان التلميذان سجلا فتاواه وكتباها وانتشرت، موجودة فتاواه وكتبه في رسائل هؤلاء التلميذين، بسبب كتبهم انتشر مذهبه وتمكن، وصار له مذهب متبع، وإلا هو ما كان يكتب هذه الفتاوى بنفسه، إنما تارة يمليها على هؤلاء التلاميذ، وتارة يكتبونها، إذا استفادوا منه فائدة كتبوها، ثم جمعوها في مؤلف، لما انتشر هذا المذهب اعتنقه من اعتنقه.

جاء بعده الإمام مالك، وألف كتابه هذا الذي هو الموطأ، واختار فيه ما اختار، ولما انتشر اعتنقه من اعتنقه، ورأى كثير من العلماء أنه عالم المدينة، وأنه محدث جليل كبير.

حتى إن المنصور العباسي في زمانه قال: نريد أن نحمل الناس على العمل بالموطأ كما أن عثمان حملهم على المصحف الذي كتبه، فامتنع مالك -رحمه الله- وقال: إن الصحابة تفرقوا، وإن عندهم من العلوم ما فاتنا، وليس كل العلم قد حويته، أجل، ولا العشر، ولو أحصيته، فعند ذلك عدل.

ثم تتلمذ له أيضا تلميذ آخر، وجمع من فتاواه شيئا كثيرا في الكتاب الذي اسمه "المدونة" المطبوع في خمس مجلدات كبار، انتشر مذهبه بسببها في أكثر البلاد، في البلاد الغربية، في أكثر البلاد الإفريقية، بسبب أنه ذهبوا بكتبه هناك وانتشر.

جاء بعده الشافعي -رحمه الله- وألف هذه الكتب: كتاب الأم، والرسالة، والرسائل الكثيرة المطبوعة معها، ولما ألفها هو الذي أملاها أو كتبها، أو اختصرها بعض تلامذته، كان ذلك سببا أيضا في أن تتلمذ عليه تلامذة كثيرون في الشام، وفي مصر، وفي العراق، وفي الحجاز، وفي اليمن، وفي كثير من البلاد، وكثر -أيضا- أتباعه الذين على مذهبه؛ بسبب اعتمادهم على هذه المؤلفات.

جاء بعده الإمام أحمد بن حنبل، وكان -رحمه الله- لا يحب أن تكتب فتاواه، ولم يكتب كتابا في الفقه، وإنما كتاباته فيما يتعلق بالحديث، أو فيما يتعلق بالعقيدة.

ولكن تتلمذ عليه تلامذة محبون له، فكانوا يكتبون فتاواه، هذا يكتب مجلدا، وهذا كتب ورقتين، وهذا كتب عشرين ورقة، وهذا كتب، وهذا كتب، حتى ذكروا أنه جُمع من فتاواه أكثر من ثلاثين مجلدا، كلها من فتاواه، ثم جمعها أحد التلاميذ، وهو أبو بكر الخلال، صاحب كتاب السنة المطبوع، جمع المجموع في عشرين مجلدا، أخذه من تلامذته، وجاء بعده أيضا تلميذ له يقال له: محمد بن حامد، وجمعه -أيضا- في مجموع آخر.

وكاد مذهب الإمام أحمد أن يضمحل ولا يكون له أتباع، إلى أن جاء عهد القاضي أبي يعلى، فاعتنق هذا المذهب، ولما تولى القضاء أظهر هذا المذهب، ودعا إليه، وألف فيه المؤلفات، وانتشر المذهب، وصار له أتباع من ذلك اليوم إلى هذا اليوم.

هذه المذاهب الأربعة، ولكن هل بعضهم يضلل بعضا؟ حاشا وكلا، بل كلهم متآخون، مجتمعون على الحق.

سئل الإمام الشافعي وقيل له: هل نصلي خلف من يقلد مالكا؟ فارتعد وقال: ألست أصلي خلف مالك، مالك شيخه، ومالك الذي أفاده فوائد كثيرة جمة، فأنكر على هذا الذي قال: إننا نتورع أن نصلي خلف المالكية؛ لأنهم يخالفوننا في أشياء، كالخلافات التي بينهم في الصلاة، مثلا في الجهر بالبسملة، أو في التلفظ بالنية، أو في بعض الأشياء، هذه بسيطة وسهلة، وكذلك بينهم وبين الحنفية، لا تبطل بها الصلاة.

مع ذلك كله فإن هؤلاء الأئمة ليسوا هم العلماء كلهم، بل في زمانهم من هم أهل للتقليد، وأهل للعلم، فالإمام الثوري عالم العراق من العلماء المشهورين، وكان له أيضا أتباع.

والإمام الليث بن سعد عالم مصر كان -أيضا- عالما جليلا كبيرا، وله -أيضا- أتباع، وإن لم يكن له مؤلفات ولا مذهب.

والإمام الأوزاعي أبو عبد الرحمن عالم الشام في زمانه، وله -أيضا- أتباع، وله تلامذة كثيرون، وكذا، وفلان، وفلان، لهم اتباع.

ولكن المجمع واحد، وأنه كلهم يتبع الآخر إذا ظهر له الحق، مع ذلك كله فإنهم يتبرءون من الخطأ، ويقولون لتلامذتهم: إذا اتضح لكم الخطأ في قولنا فلا تتبعوه، اتبعوا الحق وخذوا به.

ذكروا أن الإمام أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال؛ وذلك لأنه من التابعين.

واشتهر عن مالك -رحمه الله- أنه يقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، يعترض على نفسه بأن أقواله عرضة للخطأ، وعرضة للترك، إذا اتضح فيها خطأ فلتترك.

وجاء رجل إلى الشافعي -رحمه الله- وسأله عن مسألة، فقال: هذه المسألة أفتى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكذا وكذا، فقال السائل: فما تقول أنت يا أبا عبد الله؟

فغضب الشافعي غضبا كثيرا وقال: ويحك! أتراني في بيعة؟! أتراني في صومعة؟! أتراني على وسطي زنار؟! أقول: أفتى فيها رسول الله، وتقول: ماذا تقول أنت؟ أترى أنني أخالف فتوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هكذا غيرتهم وحماستهم على السنة النبوية.

كذلك أيضا الإمام أحمد -رحمه الله- اشتهر مقالته التي يقول فيها: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك؛ لأنه إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

هذه مقالاتهم التي يحثون فيها على الرجوع إلى السنة، ومع ذلك -وللأسف- فإن كثيرا من أتباعهم المقلدة صاروا يرون الحق والصواب مع الآخرين، ويتعصبون للمذاهب، وهذا التعصب هو الذي سبب الفرقة، سبب التعصب لمذهب هذا على هذا أنه حصل بينهم منافسات ومجادلات، سواء في الكتب أو في الأعمال أو نحوها.

حتى ذكروا أن المسجد الأموي الذي في دمشق كانت تقام فيه الصلاة أربع مرات، يصلي الإمام الحنفي بمن معه، ثم يصلي المالكي، الشافعي، الحنبلي، وهذا تفرقة بين المسلمين.

وهكذا أيضا قبل مائتي سنة -أو مائة وخمسين- في الحرم المكي، الحرم المكي فيه أربع مقامات، رأيت أنا المقام الحنفي في الجانب الشمالي، هذا يصلي فيه الإمام الحنفي، المقام المالكي في الجانب الغربي، يصلي فيه إمام المالكية بهم، المقام الشافعي في الجانب الشمالي، يصلي فيه الإمام الشافعي بالشافعية، المقام الحنبلي في الجانب الشرقي في مقام إبراهيم، تقام الصلاة فيه أربع مرات، أو يصلي فيه أربعة أئمة.

هذا لا شك أنه تعصب، حتى يسر الله أن الحكومة لما استولت عليهم أقنعتهم وقالت: أليس الأئمة يصلي بعضهم خلف بعض؟ أقنعهم الإمام فيصل -رحمه الله-، وكذلك الأئمة الذين استولوا على الحرم، وقالوا لهم: كلنا مسلمون.

ومع الأسف ذكر لنا -لكن أمر يدعيه المكفرة والمضللة- أن كثيرا من المبتدعة من الهنود أو من الباكستان يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف إمام الحرم الموجود "السُّبَيِّل" أو غيره، ويقولون: هذا وهابي ومبتدع وضال وكافر، ولكن هؤلاء ما ضللوه لأجل أنه حنبلي، وإنما لأجل أنه وهابي كما يزعمون.

وبكل حال فنحن نقول: الأئمة -رحمهم الله- مجتهدون، ومذاهبهم معترف بها، واتفاقهم حجة قاطعة، وإجماعهم دليل قوي، واختلافهم رحمة -كما سمعنا-، الاختلاف رحمة؛ لأن فيه سعة.

ذكروا أن رجلا جاء إلى الإمام أحمد، وقد كتب كتابا سماه الاختلاف، قال فيه مثلا: اختلفوا في المسألة الفلانية، فقال الشافعي كذا، وقال الثوري كذا، وقال الليث كذا، وقال مالك كذا، فسماه الاختلاف، فأنكر عليه أحمد وقال: لا تسمه بالاختلاف، بل سمه بالسعة، سمه سعة، يعني أن هذا الاختلاف توسعة على المسلمين، حتى إذا عمل أحدهم بهذا القول، وعمل الثاني بهذا القول، كان كل منهم على خير.

فهذا ما يتعلق بهذه المذاهب، وهي المذاهب المتبعة، ومن ظهر له الحق في غير مذهبه فلا ضير عليه، وله أن يتبع الحق، ولو خالف مذهب إمامه، والله أعلم.

س: هذا السائل يقول: ما حكم الدعاء لولاة الأمر بالتأييد والنصر في خطب الجمعة؟ قد ذكر بعضهم أنه بدعة لم تكن في عهد السلف الأول، كذا ما حكم الدعاء على الظلمة من الولاة المسلمين؟ .

ج: لما كان يوم الجمعة مظنة إجابة الدعاء، حتى قيل إن ساعة الإجابة هي وقت أداء الصلاة، من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، كان هذا مظنة أن تجاب فيه الدعوة، فاستحب أن يدعى للمسلمين أدعية عامة، وأدعية خاصة.

ولا شك أن ولاة الأمور أولى بأن يدعى لهم؛ وذلك لأن بصلاحهم تصلح البلاد، وباستقامتهم تستقيم أمور العباد، لأجل ذلك اجتهد الأئمة والخطباء قديما وحديثا في الدعاء لولاة الأمور في الخطب، خطب الجمعة، وخطب الأعياد؛ لأن ذلك يرجى به صلاحهم واستقامتهم.

فلا يقال: إن فيه بدعة، وما ذاك إلا أنها دعوة يرجى استجابتها، ولا شك أيضا أن الظلمة والمعتدين يعظم ضررهم على البلاد، فالدعاء عليهم يرجى أيضا إجابته؛ حتى يقمعهم الله تعالى، ويرد كيدهم في نحورهم، ويكف عن المسلمين شرورهم، فيدعى على المشركين، ويدعى على المبتدعة، ويدعى على القطَّاع، وكذا كل ما فيه شر، ومن فيه ضرر، أن يكف الله شره، وأن يقمعه، ويرد كيده في نحره.

س: يقول: ما الفرق بين البدعة المفسقة والبدعة المكفرة؟ .

ج: المفسقة هي التي يكون بها فاسقا، بمعنى أنه لا يخرج من الملة، وأكثر البدع العملية بدع مفسقة، يعني إحداث بدعة المولد والعمل بها مثلا، وكذلك تغيير الآذان والزيادة فيه بحي على خير العمل مثلا، أو أشهد أن عليا ولي الله بدعة مفسقة، وكذلك إحياء ليلة المعراج كما يقولون في رجب، وصلاة الرغائب ونحوها بدع، ولكنها ليست مكفرة.

البدع المفكرة حصرها بعضهم في بدعة الجهمية التي هي التعطيل، وكفرهم جمع كثير من العلماء، يقول ابن القيم فيهم:

ولقـد تقلـد كفرهم خمسون في *** عشـر من العلماء في البلدان

واللالكـائي الإمـام حكاه عنـ *** ـهـم بل حكاه قبله الطبراني

خمسون في عشر يعني خمسون تضرب في عشر أي خمسمائة، خمسمائة عالم كفروا الجهمية، هذه بدعة مكفرة؛ لأنهم لما عطلوا الله تعالى من صفات الكمال أصبحوا بذلك كفرة.

ومن البدع المكفرة أيضا بدعة الرافضة، لما أنهم صاروا مشركين، يعني يدعون أهل البيت من دون الله تعالى حتى في الشدائد، ولما أنهم طعنوا في القرآن، واتهموا الصحابة بأنهم خانوا منه أكثر من ثلثيه، ولما أنهم كذبوا السنة، وردوا الأحاديث التي في الصحيحين؛ لأنها من رواية صحابة كفرة عندهم، كانوا هم أولى بالكفر؛ فلذلك بدعتهم مكفرة.

ومن المكفرة أيضا بدعة غلاة المتصوفة، الذين يقولون بوحدة الوجود، لا شك أنهم كفرة، بل كفرهم أشنع أنواع الكفر، وغيره مما يماثلهم.

س: هذا يسأل يقول: إذا كان على الحاكم كفرا بواحا لنا فيه من الله برهان، فما هو الكفر البواح؟ وهل يجوز الخروج عليه على الإطلاق أم أن هناك قيود؟ .

ج: معلوم أن الكفر البواح هو الأمر الظاهر، كأن يلغي تعاليم الإسلام، نراه مثلا يهدم المساجد، ويحارب أهلها -مثلا-، ويلغي المحاكم، ويلغي الدروس الدينية -مثلا-، أو نراه يحرق المصاحف، أو يأمر بإحراقها، وينشر كتب الضلال، وكتب النصارى وما أشبهها، ويذيعها، ويلزم بقراءتها، أو نراه ينصب المناصب التي تعبد من دون الله، الأصنام وما أشبهها، أو ما أشبه ذلك، هذا يعتبر كفرا بواحا.

أما الأمور التي قد يدخلها الاجتهاد قد أشرنا في الليلة الماضية إلى نوع منها، وهي ما عليه كثير من الولاة مما يسمى حكما بالقوانين، فمثل هذه الأحكام الغالب عليها أنهم يرون فيها مصلحة، وأنهم لم يلغوا الشرع إلغاء كليا، بحيث لا يحكمون منه بشيء؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .

فمثل هؤلاء إذا كان لهم وجهة فلا نقول بكفرهم، ولكننا نخطئهم في هذا الاجتهاد الذي هو تغيير شيء من الشرع، ولو كان عن طريق الاجتهاد، مثلا إباحتهم للزنا إذا كان برضا الطرفين، وكذلك تركهم أو إلغائهم للحدود، حد السرقة، وحد القتل، وحد شرب الخمر، وإباحة الخمر، وإعلان بيعها، وما أشبه ذلك.

لا شك أن هذا ذنب كبير، ولكن قد يكون لهم مثلا من الأعذار ما يرون أنهم يعذرون فيه، يعتذرون بأنهم في بلادهم من ليسوا بمسلمين، وأن التشديد عليهم فيه تنفير، وإذا كان لهم وجهة فالله حسبهم، على كل حال لا شك أنا لو حكمنا الشرع وطبقنا تعاليمه لكان فيه الكفاية، وفيه الخير الكثير.

س: هذا سائل يسأل عن شيء يختص بنفسه يقول: أنا مبتلى، يتكون صفار مائل للرماد على الملابس الداخلية رائحته كريهة، يتكون خلال عشر ساعات على الأقل. .

ج: نقول: أنت معذور، ما دام أنك لا تقدر على الإمساك عن هذا الصفار، يخرج من البدن أو نحو ذلك، يعني إفرازات من البدن كعرق أو نحوه، ولو كان له رائحة فأنت معذور، وإذا اطلعت على السبب فعالجه.

س: …… .

ج: لا، هناك فرق بين الإباحة، وبين الترك الذي يبيح ويحلل، لا شك أنه مصادم للنصوص، ولكن الذي يتركهم يقول: ليس لنا حيلة فيهم، أو نحو ذلك، هذا لا شك أن هذا أنه هناك فرق بين الأمرين، نبرأ إلى الله ممن يبيح ما حرم الله.

س: هل يصح هجران البيت الذي فيه الدِّش، ولو كان أهل البيت الوالدان؟ .

ج: لا يجوز هجرهم ما دام أنهم أقارب أو والدان، ولكن تقاطعهم في الوقت الذي يستعملونه فيه، وتنصحهم ربما يهديهم الله ويقلبوا النصيحة.

س: يقول: ما حكم الرشوة؟ يذكر أنها منتشرة في أكثر الدوائر الحكومية هناك، مثل المحاكم والجوازات والمرور والشرطة وغيرها، إذ لا يعملون المعاملة هناك إلا إذا أعطيتم، لا يمشُّون المعاملة إلا إذا أعطيتم النقود -الرشوة- لِيُسَوُّوا لك المعاملة في هذه الدوائر الحكومية، وأكثر المعاملات كلها ظلم في ظلم، وإذا لم تعطهم من المال -أي الرشوة- يجهلون تماما هذه المعاملات خاصة في المحاكم والمرور؟ .

ج: ما أظن هذا صحيحا، وعلى كل حال إذا لاحظت أنت أن هذا واقع منهم، فإن عليك أن تكتب هذه الملاحظة من فلان أنه عطلك لأجل أنه يطلب منك هذه الرشوة، والحكومة مستعدة أن تأخذ على يده، وأن تعاقبه، وتسمعون أنهم قد نشروا في بعض الجرائد والصحف أن من طلبت منه الرشوة، أو رأى أنها طلبت منه، فليتصل بالرقم الفولاني السري، وهناك يخبر بما عثر عليه، ولعلهم يعاقبون.

س: يقول: مع هذا النداء الطيب هل من نصيحة للقادمين من الإمارات والكويت وعمان والبحرين ولجميع الأخوة طلاب العلم، والدعاء لنا أن الله يهدينا لنشر العلم الصحيح؟ .

ج: نتواصى جميعا بأن نتمسك بالحق مع من كان، وننظر إلى القول لا إلى القائل، لا شك أنكم ستبتلون بمجالسة بعض المبتدعة، أو بعض المتساهلين ممن يميلون إلى المبتدعة، فإذا كنتم قد استفدتم في هذه الجلسات -والحمد لله- حقا ومعرفة ونورا وبرهانا.

فعليكم أن تكونوا عاملين به، مقدمين له على كل أحد، وعلى قول كل قائل؛ ليكون ذلك نورا وبرهانا لكم في بقية حياتكم، ولتظهر إن شاء الله حجتكم على حجة الآخرين، وكذلك أيضا نتواصى بأن نطبق القول بالعمل.

س: وهذا سؤال عن الرشوة خارج المملكة في بلد الكفار تحكم بالكفر أي كفار أصليون؟ .

ج: صحيح أن هناك الحكومات قد رخصت لهم يأخذون ما يريدون، سواء في المحاكم أو في الدوائر أو في الشرط أو ما أشبه ذلك، ولا يستطيع أحد أن يسيّر أمره إلا إذا أعطى هؤلاء ما يمشي معهم.

فمثل هؤلاء إذا كان مضطرا فالإثم عليهم؛ وذلك لأنهم لا يرحمون أحدا، بل كل أحد صغير أو كبير عندهم يُطلب منه أن يعطيهم، وأن يبذل لهم شيئا من المال، بخلاف الحكومة عندنا، فإنها تعطي الموظفين رواتب كافية مغرية لهم، ولا يحق لهم مع هذه الرواتب وهذه المراتب أن يأخذوا شيئا زائدا على ما يعطَوه، وعليهم أن يسووا بين المراجعين في حقوقهم.

ولو اتفقنا -معشر الجماهير- اتفقنا على أن نقطعهم ولا نعطيهم، أنت يا هذا لا تعط، وأنت يا هذا لا تعط، وأنت يا هذا لا تعط، فإذا أيسوا سووا بين الناس، ومشَّوا المعاملات، ولم يكن هناك تعطيل لأحد دون أحد، ولا تقديم لأحد دون أحد.

أما إذا أعطاهم هذا تعطلت معاملات الآخرين، حتى يأتي واحد جديد فيعطيهم فيقدموه على الآخرين، يأتي واحد جديد، فبعضهم يبقى عشر سنين ما مشت معاملته، وآخر يبقى ثلاثة أيام وتمشي معاملته بسبب هذا العطاء.

فعلينا أن نتفق، وعلينا أن نعلن، أو نفشي سر هؤلاء، حتى يؤخذ على أيديهم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.