موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين

السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين

ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن وُلِّيَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.


انتهى الكلام على الصحابة، وهذا الكلام يتعلق بطاعة ولاة الأمر، وهم الأمراء والخلفاء وقادة المسلمين، الذين بولايتهم تأمن البلاد، ويسود فيها الأمن ويُنْتَصَفُ للمظلوم من الظالم، ويؤخذ على يد الظالم، بخلاف ما إذا كان الأمر فوضى:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا صلاح إذا جهـــالهم ســادوا

تهدى الأمور بأهل الرأي إن صلحت *** وإن فســدت فبالأشــرار تنقـاد

معلوم أن الفوضى كون كل يستبد برأيه وينفذ ما يقول، فإن من طبع الناس -من طبع بني آدم- محبة العتو، ومحبة العدوان، ومحبة السلب والنهب، والأخذ بغير حق، فيكثر القتل، ويكثر النهب، ولا يحصل الأمن، هذا ما يحصل بسبب الفوضى وعدم الولاية.

فلأجل ذلك كان ولا بد أن يكون هناك ولاية، ولاية قوية معها من السلطة ما تقوى به على قهر الظلم، وعلى قهر الاعتداء، فيحصل بهذه الولاية إقامة الحدود، وردع الظالم، وتنفيذ الأوامر، وزجر العصاة، وتنفيذ الجيوش، وضبط الحدود التي هي أطراف البلاد، ولزوم أو ملازمة الثغور، والمرابطة عليها، وحفظها عن العدو ونحو ذلك، يكون هذا بتدبير ولاة الأمر.

ولما كان كذلك، وجب السمع والطاعة لولاة الأمور، وجاءت الأدلة كثيرة في الأمر بالسمع والطاعة، فمر بنا في حديث العرباض أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، يقودكم بكتاب الله» .

مَثَّلَ بمن كأن رأسه زبيبة، يعني أنه أسود من أصل الخلقة، يعني أنكم لا تحتقروه لسواده ما دام أنه يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا، ولو كان عبدا.

ومعروف أيضا عادة أن العبد مشغول بطاعة سيده الذي يملكه، ولكن قد يكون في بعض الأحيان أن بعض الملوك يولي بعض المماليك على بعض الولايات، ويفوض إليه الأوامر، فيفرض على تلك الجهة أن يسمعوا له ويطيعوا، ولو كان عبدا مملوكا، ولو كان حقيرا حبشيا أسود، فيؤمر بأن يُسمع له ويطاع، نسمع ونطيع لكل والٍ، لكن بشرط وهو أن تكون الطاعة في المعروف، فإذا كان كذلك فإنا نسمع له ونطيع.

ورد في الحديث أنه -عليه السلام- قال لبعض أصحابه كأبي ذر: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ؛ وذلك لأن في السمع والطاعة تمشية لأمور المسلمين، وتسوية للخلاف فيما بينهم، وجمع للكلمة، وترك للتضاد والفوضى ونحو ذلك، وفي الخروج عليهم، وفي قتلهم أو قتالهم، وعدم الطواعية لهم، تحصل المفاسد الكثيرة.

أنا وأنتم ما أدركنا شيئا من الفوضى التي حصلت في أول القرن الرابع عشر في هذه البلاد، ذكر لنا الآباء والأجداد أنهم كانوا عرضة للسلب وعرضة للنهب، أن كل قوي يأخذ كل ضعيف.

حتى إن أهل القرى إذا ذهبوا ليحتشّوا أو يحتطبوا لدوابهم أو لبيوتهم، يأتيهم من يسمون بالحنشل أو الحرميين ويسلبونهم، حتى يسلبوهم ثيابهم.

حتى إن المرأة إذا سلبوها تبقى في مكانها لا تقدر على أن تقوم إلى أن يأتيها من يفزع لها بكسوة حتى ترجع إلى أهلها.

وإذا خرجت سارحة من سوارح أهل القرى جاءها هؤلاء الأعراب والبوادي واختطفوها، وذهبوا بها ما لم يخافوا أو يكون معها حرس أو يكون أهلها قريبين منها.

وهكذا فكل من وجد شيئا اختطفه، من وجد شاة، أو وجد بعيرا، أو وجد بقرة اختطفها وأخذها، وكذلك من أغار على قرية أخذ ما وجد من البساتين، أو الأشجار أو نحو ذلك، وهكذا، فلا شك أن هذا بسبب الفوضى.

وبعد أن منَّ الله على هذه البلاد واجتمعت، كان اجتماعهم عليها في أوائل القرن الرابع عشر، في عهد الملك عبد العزيز، وقبله أيضا كانت مجتمعة، لكن حصلت تلك الفوضى زمن العدوان الذي حصل، فلما أن الله منَّ عليهم واجتمعوا أمنوا أمنا كاملا، حتى ضُرب المثل بهذا الأمن، نعمة عظيمة ما نحن فيه، إذن فنشكر الله تعالى على هذه النعمة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله تعالى أمرنا.

معلوم كما سمعنا أن السمع والطاعة يكون في المعروف، ولذلك تذكرون حديث عبد الله بن حذافة: أمَّرَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على سرية، وأمرهم بأن يطيعوه، وفي أثناء الطريق غضب، فأمرهم أن يوقدوا نارا، وأمرهم أن يدخلوها، من شدة غضبه، فقالوا: ما فررنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا هربا من النار، كيف ندخلها؟.

فلم يزل بعضهم يحجز بعضا حتى هم بعضهم بأن يدخلها؛ لأن النبي أمرهم بطاعته، ولكن حجز بعضهم بعضا حتى همدت وخمدت النار، وسكن غضبه.

أخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف » يعني أن الذي يطاع فيه هو الذي يكون من المعروف، وأما مثل هذا فإنه منكر، ولذلك ورد في حديث آخر: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .

فإذا أمرني أحد الولاة بما هو معصية كقتل بريء مثلا، أو سلب بريء، أو مثلا اختطاف، أو سرقة، أو أخذ شيء، وذلك الوالي مخطئ فيه، فلا يجوز.

كما أنه لا يجوز أيضا طاعته إذا أمر بترك الطاعة، إذا أمر مثلا بهدم المساجد، أو بناء المشاهد، أو أمر مثلا بإباحة فعل الفواحش والمنكرات وما أشبهها، فلا يجوز أن يطاع في ذلك؛ لأن هذا يصادم الأوامر الشرعية، هذا هو معنى كونه إنما يطاع فيما هو معروف.

فإذا كان هذا الوالي واليا على المسلمين، وهو مستقيم السيرة والسريرة -فيما يظهر-، وهو يقصد الحق، فإننا نسمع له ونطيع، ولا يجوز أن نفارقه وأن نخرج عليه، لما في الخروج عليه من المفاسد.

تذكرون ما حصل في القرون الأولى من المفاسد بسبب الخروج، الذين خرجوا على الأئمة، ماذا حصل من المفاسد عليهم؟ في القرن الأول -الذي هو أفضل القرون- لما أن بني أمية أمَّروا بعض الأمراء الذين في ولايتهم شيء من الظلم ومن الشدة، ثار عليهم كثير من الذين خرجوا عليهم كفتنة ابن الأشعث، وفتنة ابن المهلب، وفتنة قتيبة الباهلي، ونحوهم، ماذا حصل فيها؟ حصل فيها قتل وقتال وتشريد وظلم، وأضرار أضرت بالمسلمين.

فالواجب أن نصبر على ما نراه من الضرر، ونتحمل ذلك؛ حتى لا تكون فتنة، وحتى ندفع الشر بما هو أسهل منه، فيأمن الناس، ويحصل لهم الخير والطمأنينة.

هذه أسئلة بعضها عقدية وبعضها فقهية.

س: يقول هذا السائل: ما تقولون فيمن قال: إن الذين خرجوا على عثمان وقتلوه أقرب إلى روح الإسلام، ويتهمون عثمان بأنه استبد بأموال المسلمين، وخص بها قرابته؟ .

ج: نقول: قد أخطأ هذا القائل؛ وذلك لأن عثمان من الخلفاء الراشدين؛ ولأنه سار سيرة حسنة في خلافته، فالجهاد في عهده قائم في الشام، وفي خراسان، وفي الكثير من البلاد، والجباية والأموال التي تجبى إلى بيت المال تقسم على المسلمين، كما كانت تقسم عليهم في عهد أو في خلافة عمر -رضي الله عنه-، ولم يستبد بها.

أما كونه: يخص أقاربه، فرأى أن قوله تعالى: ? ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ أن المراد بهم قرابة الوالي، أن أقارب الوالي هم الذين لهم حق في خمس الخمس، هذا اجتهاد منه.

والمسألة فيها خلاف، من المراد بذوي القربى؟ هل المراد بهم خاصة بنو هاشم في كل حال وفي كل زمان، أو المراد بهم أقارب الوالي؟ وإذا كانت المسألة خلافية، وهو اختار أن المراد أقارب الوالي؛ لأن الآية عامة لهم، فلا يلام على هذا الاجتهاد، وعليه يعمل كثير من الخلفاء، وكثير من الأمراء، يرون أن أقارب الوالي وأقارب الأمير، أنهم أولى بصلته وأولى بحقه.

ثم أيضا لم يُذكر أنه يخصهم بمال، صحيح أنه ولى معاوية الشام، ولكن ولاه قبله عمر، معاوية من بني أمية من أقاربه، وكذلك أيضا نقموا عليه أنه أتى بالحكم، الحكم بن أبي العاص لما أسلم لم يقره النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، بل بقي في مكة أو في الطائف.

ولكن ابن عمه عثمان لما تولى استدعاه، وأسكنه في المدينة، وولى بعض الولاية ابنه مروان، مروان بن الحكم ولاه شيئا من بيت المال، أو كتابة بعض الجباية أو نحوها، ومعلوم أن مروان أنه حازم وحاذق وجيد، ولكن قد نُقم عليه بعض الاستبداد، ولكن لا يخرجه هذا عن أن يكون عادلا.

فعلى كل حال هذا القائل الذي يظلم عثمان، ويتهمه عثمان بأنه مستبد، وبأن الذين خرجوا عليه أنهم أولى بالصواب، قول بعيد عن الصواب، بل عثمان -رضي الله عنه- من الخلفاء الراشدين المهديين.

س: هذا يقول: عندما يخرج المهدي المنتظر في آخر الزمان، يكون خروجا على ولي الأمر في ذلك الزمان مع أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمر؟ .

ج: ليس كذلك، قد يقال: يمكن أن لا يكون هناك والٍ في ذلك الوقت، أن يكون المهدي يخرج في وقت ليس فيه وال قد اجتمعت عليه الكلمة، أو أنه يكون كالعالم الذي يُقتدى بعلمه، وولاة الأمور يكونون كالمنفذين كما في أزمنة كثيرة.

كثير من الأزمنة يكون الوالي الذي هو الأمير أو الخليفة بمنزلة المنفذ للحدود والمقيم لها، وعنده من العلماء والمشايخ ونحوهم من يكونون أدلاء، يرشدونه إلى الدليل، يدلونه عليه، وهو بدوره ينفذ الأوامر ونحوها، فيمكن أن يكون المهدي يشير، وهناك من الولاة من ينفذون ما يقول.

س: وهذا يقول: إذا كان الوالي قد يمنع الخير ويحجب الناس عنه، ويدع للشر كل الوسائل، هل يجوز الخروج عليه؟ .

ج: ننصح بعدم الخروج ولو كان مثل هذا، وذلك لأن في الخروج شرا كبيرا، ونقول: «عليك أن تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» كما ورد في الحديث.

وثبت أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يحث على الطاعة، ويحث على الصبر عليها، ويقول: إن على المسلم السمع والطاعة في العسر واليسر والأثرة «في عسرك ويسرك وأثرة عليك» وأن تسمع وتطيع على كل حال «مالم يروا كفرا بواحا عندهم فيه من الله برهان» .

ومثل هذه الأفعال كونه -مثلا- يقرب أهل الشر، أو يمكن لهم، ما دام أن هنا أنه وال عنده القوة وعنده المنعة فالخروج عليه يسبب فتنا، ويسبب قتلا في المسلمين، ويسبب أضرارا، والصبر عليه إلى أن يهتدي، وكذلك بث الدعوة ومحاسن الإسلام أولى بالمسلمين.

س: هذا يقول: كيف نجمع بين حديث: «إن الميت يعذب في قبره بسبب بكاء أهله» وبين الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .

ج: تحقق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن العذاب ليس هو العذاب الأليم الذي يعذبه الكافر في قبره ونحو ذلك، وإنما هو التألم والحزن عندما يسمع أن أهله يعملون هذه الأعمال، ومن جملتها: الصياح، والنياحة، والشهيق، والندب، وضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، عندما يسمع بهذا يتألم ويحزنه ذلك، فإن الميت تعرض عليه أعمال الأحياء فيفرح بعمل الخير، ويسوؤه عمل الشر.

س: لقد ورد الإبراد في صلاة الظهر، هل العلة هي شدة الحر، فإذا كان كذلك فهل تطبق في هذا العصر مع وجود المكيفات؟ .

ج: صحيح أن العلة هي شدة الحر، وفي هذه الأزمنة لما وجدت هذه المكيفات فالصحيح أنه لا حاجة إلى الإبراد الذي كانوا يفعلونه في العهد القديم، لزوال العلة، وجود المبردات التي تخفف من شدة الحر.

وذلك لأن الصلاة مع شدة الحر قد لا يكون فيها طمأنينة وإقبال عليها، بل يصلي أحدهم وهو منزعج، وهو مشغول البال، وهو متشوش الذهن، يتمنى أن تفرغ الصلاة بسرعة، وأن تنقضي، ولا يقبل عليها بقلبه ولا بقالبه، ولا يتأمل ما يقول فيها، فكان ذلك مما أُمر بأن تخفف الشدة بالإبراد حتى يأتي الصلاة في وقت أو في حالة لا يجد فيها إزعاجا ولا إضرارا.

س: ويقول أيضا: هل ورد عن ابن تيمية جواز مكث المرأة في المسجد وهي حائض، فإذا كان ذلك فأين نجده في فتاوى ابن تيمية؟ .

ج: لا أذكر ذلك، ولكن ورد عنه جواز طواف الحائض إذا خشيت أن يفوتها الركب، في زمان ابن تيمية كان الحجاج يأتون من بلاد بعيدة، ويقطعون مفازات، فإذا حاضت المرأة مثلا في اليوم العاشر، وكان الحجاج ينفرون في اليوم الخامس عشر أو السادس عشر، وهي لا تطهر مثلا إلا في اليوم العشرين، فكيف تفعل؟.

إن رجعت بدون أن تكمل حجها حرمت على زوجها، ثم إذا رجعت في السنة الآتية، ربما يعاودها الحيض فتبقى محرمة على زوجها طوال السنة، أو سنوات أو نحو ذلك، فماذا تفعل؟.

أباح لها أن تدخل المسجد الحرام، وأن تتحفظ، وأن تطوف وهي حائض دفعا للضرر، هذا هو الذي تقتضيه المصلحة، أما مكثها في المسجد فما أتذكره، يمكن أنه قال ذلك، فيُبحث عنه.

س: هذا سؤال طويل، يقول: إني عزمت على الزواج لإحصان ديني ونفسي من الشيطان، ولم يكن عندي أموال الزواج، فطلبت من والدي مساعدة فرفض لشدة بخله، وحرصه على الدنيا، وهو عنده أموال وأراضٍ وإيجارات، ولن يعطيني إلا بشرط أن تكون المساعدة التي قدرها تسعة آلاف ومائتين وخمسين أن تكون دينا عليَّ، وأن أرجعها إذا عقدت على زوجتي، أي أن أدبر له المبلغ عن طريق طلب المساعدة من التجار، والله يعلم أن عنده أموالا، ولكنه هو بخيل.

والآن أنا لا يوجد لدي أموال له، وهو يهددني بالشرطة لأخذ أمواله، وأنا الآن الحمد لله تزوجت بتلك المرأة، والآن أنا عازم على السفر إلى بلد من البلاد لي فيها شغل هام جدا، وأخاف من ذلك الدين، وأفتاني بعض الناس بأن ذلك ليس بدين؛ لأنه حق عليه مساعدته، وأنا الآن محتار في أمري. .

ج: واجب على الأب أن ينفق على أولاده تمام حاجتهم إذا كان قادرا، ومعلوم أن الزواج أمر ضروري، أنه من ضروريات الحياة، فكما أن الوالد يكتسب الأموال ويجمعها، لماذا؟ لينفق على أولاده، يسد جوعتهم، ويشبع ريهم، ويكسو عوراتهم، ويسكنهم في المساكن المريحة ونحوها، ويعطيهم حاجاتهم.

ومن ذلك بل من الضروريات: تزويج من بلغ منهم سن الزواج وإعفافه؛ حتى لا تمتد عينه إلى ما هو محرم، فعلى هذا فهذا الذي أعطى ولده هذه آلاف ونحوها نقول: إنها حق للولد على الوالد ما دام أن الولد عاجز عن أن يردها، فهي حق عليه، وله أن يسافر بها، وإذا جمع الولد أموالا فيما بعد، فالوالد له أن يأخذ من مال ولده لعموم الحديث: «أنت ومالك لأبيك» وأما ما دام أنه لا مال عنده فليس للوالد إضراره.

س: يقول: إذا كانت المرأة متزوجة وعندها مال إما من تدريس أو غيره، فإذا أرادت أن تدفعه إلى أحد أقاربها دينا، فهل يحق لزوجها أن يمنعها من ذلك أم لا يحق له ؟ .

ج: الصحيح أنه لا يحق له؛ لأنها صاحبة المال، وهو ملكها فلها أن تتصرف فيه، فإن تراضت هي وزوجها على أن تدفعه إلى زوجها، وتنفق منه على نفسها، وعلى ولدها، وعلى بيتها.

وإن قالت: أنت الذي مسئول عن النفقة على الأولاد، وعلى المسكن؛ لأنك صاحب المنزل ولقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وأما حقي وما بيدي من المال من ميراث ورثته عن أهلي، أو من كسب اكتسبته، أو من هدايا أهديت لي، أو من صداق تحصلت عليه، أو من وظيفة تحصلت عليها، فأنا حرة في التصرف فيها، فليس له أن يمنعها، هذا هو الصحيح، وإن كان هناك من العلماء من يقول: إنها لا تتصرف إلا بإذن زوجها، لكنه قول ليس بصحيح.

س: وهذا يقول: رجل نائم ثم استيقظ وهو جنب وقت إقامة الصلاة، وترك الغسل، ثم توضأ وذهب للصلاة كأنه يقول: إنه ما قدر على أن يغتسل، عندما رجع اغتسل من الجنابة، فهل هذا العمل صحيح؟ إذا لا فما هو العمل صحيح؟ .

ج: هذا قد أخطأ؛ وذلك لأنه صلى وهو جنب، والماء موجود، وليس له عذر في استعماله، فعليه أن يعيد تلك الصلاة التي صلاها وهو جنب، الواجب عليه أن يغتسل ولو فاتته الجماعة ولو خرج الوقت ولو طلعت الشمس؛ لأن وقت النائم إذا استيقظ، فإذا استيقظ والشمس مشرقة، فإنه يتطهر فيأتي بالطهارة كاملة حدثا أكبر أوحدثا أصغر، غسل أو وضوء ثم يؤدي الصلاة ويؤدي مكملاتها.

وهكذا أيضا إذا استيقظ وهو جنب وقد بقي على إشراق الشمس قليل ولو دقيقتين أو خمس دقائق، ما نقول له: توضأ وصل قبل أن تطلع الشمس، بل نقول تطهر طهارة كاملة فإن هذا هو واجبك.

س: لو أن إنسانا رأى في صلاته شيئا على ثوبه، وشك فيه هل ذلك الذي رآه نجاسة أم لا، ثم تبين له بعد الصلاة أن ذلك الشيء نجاسة، هل عليه إعادة الصلاة أم ماذا؟ على القول بنجاسة الدم، هل إذا أصاب إنسان بدنه، أو ثوبه دم وهو يعلم ذلك قبل دخول الصلاة، تبطل صلاته؟ .

ج: يقول العلماء: إنه إذا علم بالنجاسة قبل أن يدخل في الصلاة وتهاون بها وتركها ثم نسيها، وصلى بها يعيد، وإما إذا لم يرها إلا بعدما انتهت الصلاة فإنه لا يعيد، وهو معذور بالنسيان.

والدم على الصحيح أنه نجس، إذا وقع على البدن أو على الثوب، فإذا علمت به قبل أن تدخل في الصلاة وتركته، وتهاونت به، وصليت وهو عليك، ولو كنت ناسيا وقت الصلاة، لزمتك الإعادة، وإن لم تعلم به إلا بعدما انتهت الصلاة فلا إعادة.

س: وهذا يقول: ما صحة القصة التي يرويها الرافضة عنأبي ذر، وهي أنه سقطت شجرة على جاره، فاشتكى إلى رسول الله، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: أعط جارك ولك شجرة في الجنة، فأبى رضي الله عنه، وزاده النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى باعها عليه بثمن باهظ؟ .

ج: لا صحة لها، وأبو ذر -رضي الله عنه- لا يمكن أن يعصي النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أن يطلب شيئا من الدنيا ما دام أنه -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يسأله إياها، وهكذا أيضا بقية الصحابة إذا أمرهم بأمر أو طلب منهم طلبا، فهم أسرع إلى مجاوبته كما وصفهم الله بذلك.

س: يقول هذا: هل يعد الحسن بن علي من الخلفاء الراشدين؟ ولماذا لا يسمى الخليفة الخامس بدلا من عمر بن عبد العزيز، ثم أليس في تسمية عمر بن عبد العزيز بالخليفة الخامس شيء من الإساءة والقدح في عدالة معاوية وهو صحابي، وأحق بهذا اللقب من عمر بن عبد العزيز؟ .

ج: ما ذكروا أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس ولكن قالوا: إنه من الخلفاء الراشدين، إن عمر من الخلفاء الراشدين، وذلك لأنه اقتدى بسيرتهم، وطبق في خلافته سنة عمر -رضي الله عنه- وعدل عدلا كاملا، وتنصل عن المظالم، وأعطى كل ذي حق حقه، واستتب في عهده الأمن، ورجع الناس إلى دينهم، وإلى عبادة ربهم، وذهب فيما بينهم الحسد والبغي والبغضاء ونحو ذلك، وعدل فيهم عدلا حسنا.

أما معاوية رضي الله عنه، فورد أنه أول الملوك وخير الملوك، ومع ذلك فخلافته امتدت نحو عشرين سنة يعني بعدما استقل، وعمر بن عبد العزيز لم يبق إلا سنتين وأشهرا، وفي تلك السنتين والأشهر حصل من الاطمئنان والراحة والأمن ما لم يحصل فيمن قبله، فالخليفة الذي يعني يحتجب أو يرى أنه له حق ويولي ابنه رأوا أنه ملك وليس من الخلفاء الراشدين، هذا الذي اقتضاه نظرهم.

س: ما صحة هذه المقولة: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة ما لم يستحلها؟ .

ج: يعني: لا نكفره بالذنوب إلا إذا استحلها، صحيح أن من استحل الذنب ولو لم يفعله فإنه يكفر، فإذا رأينا من يقول: إن الخمر حلال، ولو ما شربها قلنا هذا كافر، وما ذاك إلا أنه صادم النصوص، وإذا رأينا من يقول: إن الصلاة ساقطة أو ليست واجبة أو ليست من الشريعة ولو كان يصلي، قلنا: هذا كافر؛ لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، وهكذا الأشياء الضرورية من شعائر الدين.

س: هذا يقول: كيف تقول: إن من عقيدة السلف أنهم لا يحكمون على معين بنار، فما القول فيمن مات على الكفر، وقد تكاثرت نصوص الوحيين في أن من مات على الكفر والشرك فهو في النار؟ أرجو تفصيل المقال؟ .

ج: الكلام المجمل غير الكلام المفصل، فنحن نقول: إن كل من مات على الإسلام وعلى العقيدة وعلى التوحيد غير مبدل ولا مغير سلفي، موحد، صحيح التوحيد فإنه من أهل الجنة كما وعده الله، ولكن هل نحكم لهذا أو لهذا بهذا الأمر؟ الأمر لا يعلمه إلا الله لأنا لا نعلم بالضمائر، ولا نعلم بالنيات وكذلك لا نعلم بالخواتيم، هذا من جهة.

كذلك أيضا نعرف أن من مات مشركا كافرا ضالا خارجا عن الإسلام سابًّا لله ولرسوله وللمسلمين أنه من أهل النار، ولكن هل نحكم على هذا أو على هذا بأنه تنطبق عليه هذه الصفات؟ قد يكون ذلك غير واقع ولو كان ظاهرا، فهناك ظاهر وهناك غير ظاهر، فنعرف الفرق بين الحكم على المعين وبين الحكم العام.

س: يقول: جاء في متن اللمعة ما ألفه حينما قال: وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى. هل كلامه المرتضى من كلمات الشيعة التي تقولها أم لا؟ .

ج: ليست خاصة بالشيعة، ولقبه بذلك لما أنه لقب الخلفاء بعده بهذه الألقاب ولا شك أنه ينطبق عليه رضي الله عنه، والله أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في هذه الأمسية نختم هذه الرسالة -إن شاء الله-، بقي منها ثلاثة مباحث، قد بحثنا في الأول منها بعض البحث:

الأول: ما يتعلق بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ومتى يطاع للوالي؟.

والبحث الثاني: يتعلق بالتمسك بالسنة، والابتعاد عن البدعة، وذكر أمثلة من المبتدعة في العقائد.

والبحث الثالث والأخير: يتعلق بالتمذهب، ومتى يجوز التقليد للأئمة؟ وحكم اتباع الأئمة، وما يقال في اتفاقهم، وما يقال في اختلافهم، وإن كانت المسألة الأخيرة تتعلق بأصول الفقه، ولكنهم ذكروها لتعلقها نوعا ما بالعقائد في الاتباع، ومن يجوز اتباعه في الفروع، وما أشبه ذلك.

أما المسألة الأولى: فتقدم أن ولاة الأمور هم الذين تكون لهم سلطة وسيطرة ونفوذ، وأمر ونهي، ويكون عندهم قدرة وقوة على التنفيذ، فتكون عندهم القدرة على قمع المعتدي، وعلى رد الظلم، وعلى أخذ الحق من المعتدي للمعتدى عليه، وعلى إنصاف المظلوم من الظالم، وعلى إقامة الحدود، وعلى تنفيذ الأوامر، ونحو ذلك.

وتكون القوة لهم بواسطة الملكية، بأن يكون عندهم حَشَد، وشُرَط، وخدم، ومساعدون، ووزراء، وأمراء، ونواب، وبوابون، وحجاب، ينفذون الأوامر التي يوجهها أولئك الولاة، والتي يأمرون بها، أو تقترح عليهم.

ويكون عندهم -أيضا- قوة بالأسلحة، يعني عندهم قدرة على إدراك الشارد والهارب؛ لما عندهم من القدرة على النفوذ، معهم الأسلحة، وعندهم الآلات التي يستطيعون بها إدراك الهارب، والإحاطة به، وما أشبه ذلك، سواء كانت هذه الآلات والأجهزة على ما كانت عليه قديما، أو ما تجدد حديثا من الأجهزة الجديدة، التي صارت سببا في السلطة والسيطرة، وقوة النفوذ، وسرعة اللحاق بالمجرمين ونحوهم.

فقديما يكثر الاختلاس، والسرقة، والاختطاف، والاعتداء، وقطع الطرق، ويصعب اللحاق بهم، حيث لم يكن هناك عدة إلا الخيول والإبل والرجال، وإذا ذُكر مع ذلك أحد قطع الطريق فإن الوالي يرسل من يأتي به، وليس عنده أسرع من الأفراس -الخيول- حتى يؤتى بذلك المعتدي ويقام عليه الحد ويعاقب.

ومع ذلك فإن البلاد تكون آمنة غاية الأمن، حتى ذكر لنا بعض المؤرخين أنه في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود -رحمه الله- أنه تمت ولايته على نجد، والحجاز، والبحرين، والإمارات كلها، والكويت، وحدود العراق، وحدود اليمن، والأردن، أو قريبا منه، أو ما أشبهه، استولى على ذلك كله.

ومع ذلك ليس عنده من القوة إلا القوة القديمة: الخيول والإبل ونحوها، الأسلحة التي عندهم: السيف والرمح والخناجر وما أشبهها، قد تكون البندقية التي هي ذات الرصاص قليلة في ذلك الوقت.

ومع ذلك استتب الأمن، حتى يذكروا أن المسافر -مثلا- إذا سافر وعجز عن متاعه تركه على الطريق، فيذهب يغيب عنه عشرة أيام أو شهرا ويرجع إلى متاعه ولا يجد أحدا اعترض له، مع أنه على الطريق، لا يجرؤ أحد أن يأخذ منه أدنى شيء.

ذلك إما أن في قلوبهم إيمان، يعرفون أن هذا متاع مسلم، وأنه لا يحل لهم، فلا جرم، لا يظلمون أحدا، ولا يأخذون ماله.

وإما خوف، يعرفون أن هذا الوالي أنه جريء، شديد الأخذ لمن تعدى، وأنه ولو -مثلا- لم يدر عنهم أحد فلا بد أن يفشو الأمر، أو يصل الأمر إلى الوالي، والوالي كان شديدا على كل المعتدين.

فالحاصل أن هذه كانت قواتهم في ذلك الزمان، قواتهم في هذه الأزمنة تغيرت كما تشاهدون، فعندهم -مثلا- الطائرات والسيارات التي تقرب البعيد، والتي تقطع المسافات بسرعة لم تكن معتادة، وكذلك عندهم المكالمات الهاتفية، والمراسلات بهذه الأجهزة الجديدة وما أشبهها.

فالأمن في هذا أولى بأن يكون مؤكدا وموطدا، والنفوذ أولى بأن يكون أقوى مما كان عليه سابقا، والاعتداء والقطع والنهب والسلب أولى بأن ينقطع دابره.

ولأجل ذلك صار ولاة الأمور في هذه الأزمنة أقدر على صيانة الأمم، وعلى صيانة الحقوق من الأولين بما أُعطوا من الأجهزة.

هذا من حيث القوة الحسية التي هي مشاهدة: الأجهزة، وكذلك الأسلحة القوية الفتاكة، والبنادق، والرصاص، والقوات التي قد لو سلطت لأهلكت الجموع الكثيرة، كالصواريخ، والقاذفات، وما أشبه ذلك.

ومع ذلك قد يوجد في بعض البلاد كثير من الاعتداء، والظلم، والنهب، والسلب، وقطع الطريق، والاختطاف، وما أشبهه، وإن كانت بلادنا -والحمد لله- سالمة من ذلك لماذا؟ لأن أولئك فقدوا أمرا، ألا وهو الخوف من الله، ألا وهو الضمير، ألا وهو مراقبة الله تعالى.

أما أهل الإيمان، وأهل الإحسان، والمتقون؛ فإنهم يعرفون أنهم -وإن سلموا من الولاة، وإن لم يشعر بهم أحد من أهل القوة ومن الجنود ومن الحراس ونحوهم- لكن يعرفون أن عين الله لا تنام، وأنه سيأخذه منهم عاجلا أو آجلا.

فهذا الذي في قلوبهم هو الذي يحجزهم عن الاعتداء، عن سرقة، وعن اختلاس، وعن ظلم، وعن اعتداء، وعن قطع طريق، وعن فتك، وفعل فاحشة، ونحوها.

وإذا وُجدت هذه الأشياء، إذا وُجد اختطاف، أو فعل فواحش، أو نحو ذلك؛ وَجَدتَ الذين فعلوا ذلك ممن ضعف إيمانهم، وممن قلَّت مخافتهم من الله، وقلَّت مراقبتهم.

إذن فما هي الوسيلة والطريقة التي يحصل بها السمع والطاعة كاملا، ويحصل بها الطواعية لولاة الأمور، والطاعة لله قبل ذلك وبعده؟ ما هي الوسائل الوحيدة الكفيلة بذلك؟.

نقول: إنها تنبيههم، إنها تعليمهم، إنها تثقيفهم، إنها تربيتهم تربية إسلامية، إنها تقوية الإيمان في قلوبهم، معاهدة ذلك الإيمان، وسقيه حتى ينمو، وحتى يقوى، وحتى يتمكن، فإذا تمكن في القلوب وقوي فإنه ينتج منه مراقبة الله:

أولا: أنه ينظر إلى العبد وأنه يطلع عليه.

ثانيا: الخوف من عقوبة الله.

ثالثا: الامتثال، السمع والطاعة لأمر الله ولأمر رسوله، أمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «عليكم بالسمع والطاعة» .

«اسمع وأطع، وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك» مبايعته لأصحابه على «السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة عليهم، وألا ينازع الأمر أهله إلا أن يروا كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان» .

فإذا كان كذلك، فإننا بحاجة إلى أن نحرص على تربية المسلمين، وعلى تقوية إيمانهم، وعلى قذف الإيمان في قلوبهم؛ حتى يخافوا من الله، ويسمعوا ويطيعوا لمن ولاهم الله أمره.

وقبل ذلك وبعده يكونون مناصحين لولاة أمورهم، إذا رأوا منهم نقصا أو خللا أتوا إليهم أفرادا وجماعات، ونبهوهم، وذكروهم بأنهم يحبونهم، ويحبون أن يكونوا على الخير وعلى الاستقامة، ويحبون لهم الخير والنصر والفلاح والتمكين والقوة، وأن من تمام ذلك أن يستقيموا على الطريقة ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ .

إن هذا من واجب الأفراد والجماعات؛ وبذلك تصلح ولايات الشعوب، ويطمئنوا ويعيشوا عيشة طيبة هنيئة.

وقد ذكر الأئمة -ومنهم ابن قدامة كما قرأنا بالأمس- من الذي تجب طاعته، متى يكون الوالي خليفة، متى تجب طاعته والسمع له؟.

أولا: إذا تمت البيعة له من جمهور الأمة وجب أن يُسمع له ويطاع؛ وذلك لأن اجتماع الكلمة عليه دليل على أهليته وكفاءته، ودليل على أنهم أحبوه، واجتمعوا عليه.

وفي اجتماعهم عليه وفي طاعته وتنفيذ ما يستطاع من أوامره الخير الكثير؛ حيث يحصل به إقامة الحدود -كما ذكرنا-، والأخذ على يد الظالم، وطرد أو مطاردة المعتدين ونحوهم، والمصالح الأخرى، فهذا واحد ممن تجب طاعته.

الثاني: إذا غلب بسيفه حتى استولى، وتمت له البيعة، وسيطر على الرعية وعلى البلاد، وتم له الاستيلاء على البلاد، ففي هذه الحال نسمع له ونطيع، ولو لم يكن بولاية عهد، ولو لم يكن بإشارة ممن قبله، ولكن ما دام أنه تمت له الولاية، فليس لنا أن نشق عصا المسلمين، ولا أن نخالف فيما بينهم.

وقد أكثر العلماء من الأمر بالاجتماع على الولاة، وعدم الخروج عليهم، وأنهم ولو كان فيهم شيء من العسف، ومن الظلم، ومن العدوان، فإن الطاعة لهم أفضل من المعصية ومن المخالفة.

وقد ذكرنا بالأمس بعض ما حصل من المفاسد في خروج من خرج على الخلفاء وعلى الولاة، وأنهم ما حصلوا إلا على مفاسد، وعلى حروب، وعلى فتن قُتل فيها خلق كثير في دولة بني أمية، في عهد عبد الملك وولايته، وتوليته للحجاج على العراق.

لما أن الحجاج كان ذا عسف وشد وقوة، يقتل بالتهمة، أرهق الناس، وشدد عليهم، ثار عليهم عدة من الأمراء الذين أرادوا أن يقضوا عليهم، حتى إن فتنة من الفتن، تسمى فتنة ابن الأشعث، خلعوا الخليفة، فضلا عن خلعهم للحجاج، وبايعوا ابن الأشعث، والتفوا حوله، حتى قالوا: إنه اجتمع معه مائة وعشرون ألفا، وبقي الحجاج ليس معه إلا ثلاثون ألفا.

ومع ذلك كان حازما، وكان ذا فكرة، وعزم وثبات، وصمد إلى أن هزم المائة والعشرين ألفا، ماذا حصل؟ قُتل نحو ثمانين ألفا في هذه الفتنة بسبب هؤلاء الذين خلعوا البيعة وخلعوا الخليفة، ماذا استفاد هؤلاء؟

آخر من قتل منهم سعيد بن جبير، الذي قال العلماء: إنه قُتل وليس أحد على الأرض إلا وهو محتاج إلى علمه. قتله بسبب اشتراكه في هذه الفتنة، مع أنه ما قتل إلا بعدها بنحو اثني عشر عاما، أو ثلاثة عشر عاما، وبعد أن هرب من أهله، وابتعد من بلاده، وغاب عن أولاده، حتى إنه غاب وامرأته حامل، وجاءه ولده الذي وُلد عمره اثني عشر سنة، يعني قد قارب أن يبلغ أشده.

ذلك كله من آثار هذه الفتنة التي أطاعوا فيها ابن الأشعث، قال: اخلعوا الحجاج وأطيعوني حتى نستولي، فإن الحجاج ظالم، وإنه شديد الظلم، وشديد العسف.

وحصل ما حصل، ماذا استفادوا من هذا الخلع؟ ومن هذه -نقض المبايعة-، ومن نقض البيعة، مع أنه خليفة مبايع له منذ زمن، وقد اجتمعت عليه الكلمة، ماذا حصل؟.

وهكذا أيضا ابن المهلب، الذي كان من القواد، أو هو وأبوه، كان أبوه المهلب بن أبي صفرة كان أيضا قائدا وفتاكا وشجاعا، وله مقامات، ثم قام ابنه بعده مقامه، وأراد أن يخلع البيعة، وأن تتم له بيعة خاصة، وحصل بذلك فتنة أيضا، وقُتل فيها خلق.

ثم كان من آخر ذلك -كما تذكرون- قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي فتح كثيرا من البلاد، من بلاد الهند والسند، والذي كان قائدا موفقا حازما، ولكن بعد أن تمت البيعة لسليمان بن عبد الملك أحب أن ينتقض عليه وأن يخلعه، لم يطعه الجيش، ولكنه قتل ومعه من قتل بسبب خلعه للبيعة، ماذا حصل؟.

إذن فالسمع والطاعة للولاة، ولو كان فيهم ظلم وعسف وشدة، ورهق سيف وقتل، فالسمع لهم أولى.

كذلك أيضا في عهد بني العباس لما تمت البيعة للمنصور العباسي، وانقطعت خلافة بني أمية عن البلاد الإسلامية غالبا، ولم يبق إلا دولة يسيرة في الأندلس أسسها عبد الرحمن الداخل، بقيت البلاد الإسلامية كلها تحت ولاية المنصور.

الخليفة المنصور العباسي ثار عليه بعض أولاد علي، منهم واحد في المدينة يسمى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بايعه أهل المدينة، وبايعه أهل مكة، واجتمعت عليه كلمتهم، ثم ثار أخوه أيضا في العراق، واجتمع عليه أيضا خلق كثير، نحو مائة ألف أو أكثر، ماذا حصل؟.

المنصور كان ذا حزم وقوة، أرسل إلى هذا جيشا يسيرا وقتله، وكذلك نحو أربعة آلاف لأخيه العباسي وقُتل، وقُتل معهم خلق كثير، ماذا حصل من هذه الثورات؟ ما حصل إلا هذه الفتن.

ولو تتبعنا التاريخ وجدنا كل من ثار، وإن أراد أن يخلع البيعة، ما يحصل له إلا ضرر وشر وفتنة ومصائب كثيرة.

من آخر ذلك أولاد الإمام فيصل بن تركي -رحمه الله- اختلفوا، كانت الولاية لعبد الله بن فيصل، ثم ثار عليه أخوه سعود، وجمع جيوشا كثيرة من العجمان ومن البوادي، وجاء إلى أخيه، واضطره إلى أن أخرجه من الرياض، وهرب أخوه عبد الله، وترك الولاية له، وبعد أن نزح عنه استولى سعود على الرياض وما حوله زمنا قصيرا.

وجاءه الأجل، مات والبلاد ليس فيها من يتولاها، واختلفت كلمة الباقين، وكان من آثار ذلك أن استولى على البلاد -على الأفاين+ وما حوله- آل رشيد، وساروا سيرة سيئة في البلاد، وعطلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكر ذلك المشايخ، ومنهم الشيخ سليمان بن سحمان يرثي الدين في زمانه في قصيدته التي يقول فيها في ذلك الزمان:

علــى الدين فليبك ذووا العلم والهـدى *** فقــد طمســت أعلامـه فـي المعـالم

وقــد صـار إقبـال الـورى واحتيالهم *** علـى هـذه الدنيـا وجـمع الـدراهـم

يعــادون فيهـا بـل يوالـون أهلهـا *** ســواء لــديهم التقــى والجــرائم

فأمـا علـى الـدين الحـنيفي والهـدى *** وملـــة إبـــراهيم ذات الدعـــائم

فليس عليهـا بعــد أن سُـل عرشـها *** مــن النــاس مـن بـاك وآسٍ ونـادم

إلى آخرها.

بسبب هذا الاختلاف الذي حصل بين أولاد إمام عادل من أهل العدل -رحمه الله- إلى أن أعاد الله هذه البلاد ونحوها إلى الملك عبد العزيز -رحمه الله-، وتم ذلك على أولاده، ونسأل الله أن يتم الأمر لهم، وألا يخزيهم، وأن يخزي أعداءهم.

وبكل حال نقول: إن ما قاله الإمام ابن قدامة -رحمه الله- من السمع والطاعة لولاة الأمور، وإنه يحرم الخروج عليهم وشق عصاهم؛ إنه عين المصلحة، وإن المصلحة تقتضي أن نسمع ونطيع لكل الولاة على ما نرى فيهم من الخلل والنقص؛ فإن ذلك خير من الفوضى، وخير من الاختلاف.

قولهم: "شق العصا" يعبرون عن الخلاف كأن العصا كانت واحدة ثم إذا شُقت ضعفت، وصار ذلك سببا لكسرها، وأول من ضرب المثل بذلك المهلب، لما حضره الموت أحضر لأولاده عصيا مجموعة، نحو عشرين أو ثلاثين عصا، وقال: هل تستطيعون كسرها وهي مجتمعة؟ قالوا: لا، ثم إنه فرقها وأعطى كل واحد عصا فكسرها، فقال: هكذا حالتكم، إذا اجتمعتم فلا حيلة فيكم، وإذا افترقتم فإن العدو يطمع فيكم.

ونظم ذلك بعضهم وقال:

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا *** وإذا افـترقن تكسـرت أفـرادا

وفعل ذلك -أيضا- الملك الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله-، عندما حضره الأجل أحضر عصيا مجموعة، نحو عشرين، وقال لأولاده: هل تستطيعون كسرها؟ قالوا: لا، مثلما قال المهلب