موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين

الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين

ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل , وله الحج والجهاد ماضيان مع كل إمام بَرّاً كان أو فاجرًا , وصلاة الجمعة خلفهم جائزة , قال أنس: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل , والجهاد ماض منذ بعثني الله -عز وجل - حتى يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل , والإيمان بالأقدار»(1) رواه أبو داود .


قوله: «ولا نكفر أحدًا بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل»(2) ذكرنا أن الذنوب يُخَافُ على أصحابها , نقول: نخاف على أصحاب هذه الذنوب ولكن خوفنا لا يصل إلى الجزم , كذلك أيضًا الإخراج من الإسلام بالذنب لا نخرجهم من الإسلام بهذا الذنب؛ فإذا قيل: ما المراد بأهل القبلة؟ فنقول: هم كل مَن يستقبلون القبلة التي هي البيت الحرام , سواء يستقبلونها في صلواتهم أو في أدعيتهم أو يستقبلونها بقلوبهم , كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (3) يُسَمَّون " أهل القبلة " لأنهم يتوجهون هذه الجهة , ولو لم يكن إلا توجههم إليها في الصلوات , وكذلك سفرهم إليها لأداء المناسك , فهؤلاء الذين هم أهل القبلة ما دام أنهم يصلون صلاتنا ويستقبلون قبلتنا ويأكلون ذبائحنا ويشهدون بشهاداتنا , ولكن معهم شيء من النقص ومعهم شيء من الخلل؛ لا نخرجهم بهذا النقص ولا بهذا الخلل عن دائرة الإسلام , ولا نشهد لهم بالإيمان , بل نقول: هم مسلمون , وإيمانهم الذي معهم قد يكون إيمانًا ظاهرًا , الإيمان الذي خَفِيٌّ قد لا يكون محققًا في كل فرد منهم لقوله - تعالى - في الأعراب: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (4) نشهد لهم بأنهم من جملة المسلمين ومن الأمة المحمدية , ولكن ننصح عن التكفير أو التفسيق , وكذلك نَحُثُّ على الأعمال الصالحة وعلى التوبة من الأعمال السيئة.

أما الجهاد والحج مع الأئمة فإن هذا أيضًا من جملة عقيدة المسلمين , ويستدل عليه بهذا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره , ففيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن «الجهاد ماض مع كل بَرٍّ أو فاجر حتى يقاتل آخر الأمة الدجال , وأنه لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل»(5) يعني أن الأمة عليهم أن يجاهدوا مَن كفر بالله ومَن خرج عن الإسلام , أن يجاهدوهم ولو كان ذلك القائد أو الأمير أو الوالي لو كان عاصيًا أو فاسقًا أو مخلا بشيء من العبادات والطاعات؛ فإن الجهاد معه فيه نصر للإسلام والمسلمين.

وكذلك الحج كثيرًا ما يقولون: نرى الحج والجهاد ماضيين مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرًا هكذا يقولون , وسبب ذلك: في القرون الماضية لا يحجون إلا مع أمير , يكون على الحجاج أمير؛ لماذا؟ يجتمعون حوله ويأمنون من قطاع الطريق , يوجد في الطرق أعراب يقطعون الطريق إذا كان الحجاج متفرقين ليس معهم مَن يجتمعون معه , فيخرج الحجاج من العراق و حجاج خراسان وحجاج البحرين والأحساء وما حولها كلهم يجتمعون ويصير عليهم أمير , يتوجهون من العراق إلى الحجاز , ففي أثناء الطريق إذا كانوا متفرقين تقوم عليهم الأعراب وتقاتلهم وتسلبهم رواحلهم وأزوادهم وأمتعتهم؛ فإذا كان معهم أمير يجتمعون عليه هابه الأعراب ولم يقدروا على قتال؛ فلأجل ذلك نقول: إن الحج معه ولو كان عاصيًا فيه خير.

قد يوجد بعض أمراء الجيوش وأمراء الحجاج يشرب الخمر مثلاً , أو يسمع الأغاني ونحوها , أو يؤخر الصلاة عن وقتها كصلاة العصر مثلاً , أو ما أشبهها؛ فيقول بعضهم: كيف نحج مع هذا الذي يشرب الخمر؟ !

نقول: ما دام أن فيه مصلحة وأن فيه نفعاً للمسلمين حيث يؤمنهم وحيث يأمنون معه على أنفسهم وعلى مناسكهم وعباداتهم؛ فإن هذا خير من عدمه , ووجوده خير من عدمه , مع أن الغالب أن الأمير الحاج يكون من الملتزمين والمتمسكين والعابدين وأهل الخير والصلاح من العلماء والعُبَّاد غالبًا.

وهكذا يقال في الجهاد: الأمير الذي يكون على المجاهدين غالبًا يكون من أهل الخير والصلاح , ولاشك أنه فيه منفعة ومصلحة للمسلمين؛ وذلك لأن الجهاد فيه إعلاء لكلمة الله - تعالى - وفيه رفع للإسلام وإعزاز له , والغالب أنه إذا كان أميره حازمًا قويًا شديد البأس قوي التفكير؛ فإنه يكون أحزم للجيش وأضبط له وأحفظ له , فيحوطهم برعايته ويراقبهم ويعرف لهم الأماكن التي يسكنون فيها وينزلون فيها ويدبرهم أحسن تدبير؛ فينتصرون على عدوهم ويظفرون بمن قاتلوه , ويكون ذلك الحازم سببًا في انتصار الإسلام والمسلمين , فإذًا نقاتل معه ولو كان معه معاصي ولو حصل منه بعض الخلل ولو ارتكب بعض الذنوب؛ فإن وجوده خير من عدمه , خير من أن يتفلتوا ويتفرقوا فيظفر بهم الأعداء.

إذًا فالجهاد ماض خلف كل أمير ومع كل أمير , والحج ماض مع كل أمير بَرّاً كان أو فاجرًا , للمصلحة العامة , يستثنى من ذلك إذا كان كافرًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما لم تروا كفرًا بواحًا ,عندكم فيه من الله برهان»(6) فلا يجوز أن يُمَكَّنَ الكافر الذي أعلن كفره , لا يمكن من الغزو مع المسلمين لأنه لا يؤمن أن يكون كيده على المسلمين , ولو كان قد يقاتل حمية مع المسلمين أو عصبية أو نحو ذلك؛ لأن الكافر لا يجوز إقراره أو إقرار ولايته على المسلمين , أما إذا كان عاصيًا مجرد معصية - والمعاصي كالكبائر ونحوها - فلا يخرج بها صاحبها من الإسلام , بل هو باقٍ على دينه.

وعلى كل حال تعرفون أننا في هذه الأزمنة , أولاً اختلفت الأحوال بالنسبة إلى الحج؛ أمنت الطرق - والحمد لله - فصار كلٌّ يحج من جهته ولا يحتاجون إلى أن يكون هناك أمير يجمع الجيوش , بل يحج أهل الجنوب من جهتهم وأهل الشمال من جهتهم , وأهل الشرق وأهل الغرب يأتون من طرق مختلفة , يأتون في البواخر وفي الطائرات وفي السيارات من كل جهة , ولا يحتاجون إلى وال وكذلك أيضًا في نفس المناسك. المناسك أيضًا لا حاجة بهم إلى أن يكون معهم أمير يتبعونه أو يسيرون معه. تذكرون في حديث ابن عمر أنه سأل سائل فقال متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى أميرك» ما يدل على أنهم كانوا يتقيدون بالأمير فلا يرمون إذا رمى ولا يدفعون إلا إذا دفع ولا يبيتون إلا إذا بات وأما الآن فالأمر فيه سعة ما دام أنهم قد عرفوا المناسك.

وهكذا أيضًا يقال في الجهاد: معلوم أيضًا أن هناك جهاداً في كثير من البلاد الإسلامية وأنهم بحاجة إلى أن يكون عليهم أمير على كل سرية , أو على كل جيش يقاتل أمير, ولكن ذلك الأمير ولايته خاصة , قد يكون موليَّ من جهة الأمير العام , أو من جهة الملك أو الخليفة يكون موليًّ من جهته؛ فولايته خاصة , ومع ذلك طاعته في تدبير الجيوش وعدم التفرق تعتبر من طاعة الله؛ لما في ذلك من المصلحة المحققة التي يتحقق بسببها نصر الإسلام والمسلمين - بإذن الله-.

هذه أسئلة تتعلق بالموضوع غالبًا:

س: يقول هذا السائل: قال ابن قدامة - رحمه الله -: "ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل" , ألا يحسن تقييد العبارة: ولا نكفره بكل ذنب؛ لأن من الذنوب ما هو كفر مخرج من الملة , وأيضًا قوله: "لا نخرجه من الإسلام بعمل" أليس من العمل ما هو كفر مخرج من الملة؟ .

ج: الجواب مراده: ما دام مسلمًا , أما إذا عمل عملاً خرج به من الإسلام , عَمِلَ عَمَلَ كفر فلا يقال مسلم لأنه يتكلم من المسلمين , لا نكفر المسلم الذي يعمل بأعمال الإسلام ولم يعمل بضدها , أما إذا عمل بضدها فلا شك أنه يكفر بذلك العمل المكفر سواء اعتقاديًا أو بدنيًا , فإذا عمل عملاً مكفرًا خرج من الإسلام.

الأعمال المكفرة مذكورة في كتب العلماء, وقد ذكر كثيراً منها الذين توسعوا في كتب الفقه في باب: "حكم المرتد" حتى إن بعضهم أوصل الأعمال المكفرة المخرجة من الملة إلى أكثر من مائة خصلة تجدون ذلك في "كشاف القناع شرح الإقناع" في الفقه الحنبلي, وفي الكتب التي تتوسع في المذاهب الأخرى.

س: يقول: من عقيدة أهل السُّنَّة ألا نخرج على الحاكم؛ فكيف تفسر هذا الكلام بفعل الحسين - رضي الله عنه - عندما خرج على خليفة من خلفاء الأمويين؟ .

ج: أولاً: إن الحسين - رضي الله عنه - قد أخطأ في هذا - في خروجه هذا - وحصل ما حصل من قتله وقتل من معه.

وثانيًا: إنه لم يكن بايع للخليفة الذي هو يزيد بن معاوية؛ فقد اشتهر أن يزيد كان ماجنًا وكان عاصيًا يشرب الخمر ويفعل أفعالاً استدعت أنه لا يبايعه هو وابن الزبير وكثير من أهل مكة الذين استمروا على بيعة ابن الزبير.

وثالثًا: إن أهل العراق الذين كتبوا إلى الحسين يطلبون قدومه حتى يبايعوه خليفة لم يكونوا أيضًا بايعوا يزيد؛ فهم يدعون أنهم سوف يبايعونك يا حسين وتكون خليفة بدل أبيك وتقيم عندنا وننصرك ونؤويك , ولكنهم لم يفوا بذلك بل تخلوا عنه لما خرج عليه الجيش الذين قاتلوه. .

س: هذا يقول: هل يجوز الجهاد مع أمير أو إمام لا يُحَكِّمُ شرع الله ؟ .

ج: لا يجوز ذلك؛ لأن هذا يعتبر كفرًا , ولكنْ هناك فرق في الحكم , فإن كان حكمًا يسيرًا يعني خصلة يسيرة هو متأول فيها وله فيها عذر أو عنده مبرر فمثل هذا يجاهد معه , وإن كان لا يُحَكِّمُ شرع الله في كل شيء في دقيق الأمور وفي جليلها فلاشك أنه داخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (7) .

س: ثم يقول: وهل يشترط في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله الاعتقاد , أم أن تركه الحكم بغير ما أنزل الله يكفي في كفره وردته , وما ضابط ذلك ؟ .

ج: الصحيح أننا نحكم بالظاهر ولا نطلع على الباطن؛ فإن باطن الأمور إلى الله , ثبت أن عمر -رضي الله عنه- خطب فقال: "أيها الناس إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن الوحي قد انقطع , وإنما نأخذكم بالظاهر".

فعلى هذا إذا رأينا هذا الحاكم قد عزل الشرع عن المجتمع , وقد ألغى حكم الشرع كليًا فقد استبدله بقوانين وضعية رآها واختارها , ولم يقم للشرع وزنًا في أية شعيرة من شعائر الإسلام؛ فمثل هذا يحكم بكفره , هذا هو الأصل.

أما إذا كان الإسلام قائماً , والمساجد عامرة والمصلون فيها , كذلك والمحاكم موجودة , وكذلك أيضًا الحدود قائمة , والعقوبات على المخالف قائمة؛ فمثل هذا ولو حصل شي من الخلل لا يحكم بكفره , وقد يعذر بأنه متأول في بعض تلك الأمور.

س: كيف نجمع بين الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير القرون قرني , ثم الذين يلونهم»(8) وبين ما يرويه التاريخ لنا: فمثلاً العصر الذي كان قبل الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب , وما بعده خير منه , ظاهر والله أعلم؛ حيث كان قبله جاهلية؟ .

ج: كأنه يقول: إن هناك عصوراً جاء بعدها ما هو خير منها , نقول: صحيح , ولكن هذا لا يرد على الحديث؛ فالحديث نص على خيرية القرون الثلاثة: القرن الأول الذي هم الصحابة , يليهم القرن الثاني الذي هم التابعون , يليهم القرن الثالث الذين هم تابعوا التابعين , وهؤلاء لا شك أنهم على ما وصف أن أفضلهم الصحابة , ثم يليهم في الفضل وفي تطبيق السُّنَّة والعمل بها أولادهم التابعون لهم , ثم يليهم تابعو التابعين.

وأما القرن الرابع: تمكنت فيه البدع, ولكن فيه بقايا من أهل السُّنَّة, ثم لا يلزم أن تكون القرون التي بعد الثالث كلها قروناً ماجنة, بل يكون فيها من يظهره الله - تعالى - وينصر به الإسلام؛ فإنه ورد في الحديث: «أن الله - تعالى - يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها»(9) فالشيخ محمد بن عبد الوهاب جدد الله به الدين في القرن الثاني عشر , كما أن الشيخ ابن تيمية جدد الله به العقيدة التي هي عقيدة السلف في القرن الثامن - يعني في أول القرن الثامن - ونصر الله به , وهكذا. ..

س: ما قولكم في "دعوة التقريب" التي قامت بها بعض الجماعات الإسلامية بين الرافضة والسُّنَّة؟ .

ج: هذه الدعوة دعوة غير صحيحة "دعوة التقريب" وقد كثر الذين يدعون إلى التقريب , وذكر - لعلكم قرأتم الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب - محب الدين الخطيب -رحمه الله -عالم مصري من علماء أهل السُّنَّة سَبِرَ "دعوة التقريب" ونظر واتضح له: أن الرافضة يُقَرِّبُون أهلَ السُّنَّة إلى مذهبهم وعقيدتهم , وأما أنهم يَقْرُبُون من أهل السُّنَّة فلم يكن ذلك قصدهم.

يقول: "ما رأيناهم تنازلوا عن شيء من معتقدهم في الصحابة ولو أدنى قليل , ومع ذلك يُحِثُّون أهلَ السُّنَّة أن يتنازلوا عن معتقدهم" فإذًا ليست دعوةَ تقريبٍ , إنما هي دعوةُ تركٍ للسُّنَّة وقُرْبٍ من أهل البدعة التي هي: "بدعة الرافضة".

السلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله الرحمن الرحيم ,الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من جملة ما ذكره ابن قدامة في هذه العقيدة كلامه على الصحابة -رضي الله عنهم-، وعلى فضلهم وسوابقهم، ووجوب الترضي عنهم، والاستدلال على ذلك بآيات وبأحاديث.

مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(10) .

ومثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(11) .

ومثل قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (12) .

والآيات في فضل الصحابة كثيرة، في سورة الأنفال، وفي سورة المائدة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (13) وفي سورة الحشر من قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (14) الآيات الثلاث، وما أشبهها.

يفهم منها فضل للصحابة، وميزة لهم، ولهم حظو برضا الله تعالى، حيث سبقوا إلى الإسلام، وحيث تفوقوا على من بعدهم بالعلم النافع، وبالعمل الصالح، وبالتصديق لله ولرسوله، وبما أيدهم الله تعالى به من القوة والنصر والتمكين؛ حتى فتحوا البلاد، ودوخوا العباد، ودعوا الناس إلى الإسلام، وانتشر بسببهم -وبتوفيق الله لهم- الإسلام في أرجاء المعمورة، وبلغ الإسلام أقطار البلاد.

هذا مما تميزوا به عمن بعدهم، فهذا هو السبب الذي صاروا به خير قرون الأمة، التي هي أفضل الأمم وخيرها عند الله تعالى، وكذلك الحديث الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه»(15) .

المد: ربع الصاع، والنصيف يعني: نصف المد، والمعنى: أن من بعدهم لا يدركهم في النفقة ولو عمل ما عمل، مع أن هذا الحديث قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض الصحابة، يخاطب المتأخرين من الصحابة، ويفضل عليهم المتقدمين من الصحابة كالمهاجرين الأولين.

وقد ذكرنا أن جميع الذين كتبوا في العقائد ذكروا فيها فضل الصحابة، وأن سبب ذلك هو الخلاف مع الرافضة الذين جعلوا سب الصحابة دينا وديدنا، والذين تسلطوا على الصحابة فقط، ثم تسلطوا على من أحب الصحابة، أو من زكاهم وفضلهم، يعترفون بأن جمهور الأمة هم أهل السنة، فيسموننا سنيين.

ولكن لا أدري ماذا يريدون بكلمة سني؟ والظاهر أنهم يرونه لقبا محضا لا أنهم يعترفون بأنهم أهل السنة الذين تمسكوا بالسنة، فإن كل عاقل إذا قيل له: هذه سنة الله، وهذه سنة رسوله، وأنت تعرف وتعترف بأنك من الأمة المأمورين باتباع الكتاب والسنة، فإنه لا يحسب على السنة غيرها.

فلو كانوا يعترفون بأن السنة تعني الطريقة المحمدية، والشريعة الملية الإبراهمية، التي هي ملة أبينا إبراهيم، لو كانوا يعترفون بأنها ما عليه أهل السنة، وأنهم مخالفون لها، لما أقروا أنفسهم، ولما زكوا أنفسهم.

ولكنهم يعتبرون كلمة سني أو السنة حتى لا يقولون أهل السنة، بل يقولون السنة، أي يعتبرون هذا لقبا محضا، لا أنه دليل على وصف، هذا فيما يظهر.

أما أنفسهم فيسمون أنفسهم شيعة، شيعة بمعنى أنهم -بزعمهم- شيعة عليّ، يعني أنصاره وأعوانه الذين شايعوه، والذين ناصروه وآووه وقووه، وانضموا إليه، وصاروا في صفه، ومن أتباعه، هكذا يريدون بلفظ الشيعة.

كلمة الشيعة تأتي لهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ(16) ؛ لأن إبراهيم من شيعة نوح، يعني من أتباعه ومن أعوانه، وتعتبر الشيعة أيضا الأقارب، قال الله تعالى -يعني في قصة موسى-: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ (17) فعبر بالشيعة هنا عن القرابة.

وبكل حال الصحيح أنهم ليسوا شيعة حقيقيين لعلي، بل إن عليا -رضي الله عنه- بريء منهم، وبريء من عقيدتهم، وبريء من تفسيقهم وتضليلهم للصحابة.

مر بنا قريبا الأثر عن علي، الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله-: اعترافه بأن أفضل أو خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، قال: ولو شئت لسميت الثالث، صريح أنه يعترف بفضل الشيخين قبله.

وقد ذكر الذهبي -رحمه الله- أن هذا القول متواتر عن علي، وهكذا ذكر ابن القيم، أي مروي عنه من طرق متعددة، ولكن الرافضة لا يشتغلون بما يخالف مذهبهم أو أهواءهم، وإلا فلو رجعوا إلى كتب أهل السنة لوجدوا فيها عن علي -رضي الله عنه- الثناء على الأئمة، وعلى الخلفاء الراشدين، وكذلك على الصحابة، والترضي عنهم والصحبة لهم، وعدم تضليل أحد منهم، والاعتراف بأنهم على حق، وأنهم على صواب.

فقد كان -رضي الله عنه- يتولى إقامة الحدود في خلافة عثمان، يوليه عثمان كثيرا من الولايات فينفذ ذلك، ومن ذلك أنه أمره بأن يقيم الحد على رجل شرب الخمر، وهو لوليد بن عقبة بن أبي معيط، الذي شُهد عليه بأنه شرب الخمر، فأمره بأن يجلده، فعلي حضر الجلد، وأمر عبد الله بن جعفر أن يجلده حتى جلده أربعين.

فهذا دليل على أنه قد رضي سيرة عثمان، وصار ينفذ الحدود في عهده، فلو كان يكفره كما تكفره الرافضة -تكفر عثمان- لما تولى إقامة الحد له، وبكل حال فهؤلاء الشيعة ليسوا على برهان من أمرهم.

قد عرفنا أن أكثر أقوالهم مبتدأة ومبتدعة لا أصل لها، ولا أساس لها من الصحة، فلا يُغتر بكلماتهم، وبمدحهم لأنفسهم.

فإذا تحقق المسلم فضل الصحابة ترضَّى عنهم، وعرف ميزتهم، وأنهم أولى بالاتباع من أعدائهم.

ثم يعرف بعد ذلك أن من طعن فيهم فلم يطعن في الأشخاص، بل طعن في الإسلام؛ وذلك لأن القرآن ما جاءنا إلا بواسطتهم، والسنة ما جاءت إلا عن طريقهم، والشريعة المحمدية ما بلغت ولا وصلت إلى أطراف البلاد إلا عن طريقهم وبواسطتهم، فإذا كانوا كفارا -كما تقول الرافضة- فكيف يُعمل بما جاء عنهم؟!

ولأجل هذا فإن الرافضة لم تعمل بما جاء عنهم، فالأحاديث التي رواها هؤلاء العشرة ما يقبلونها ولو كانت في الصحيحين، يدعون أنهم كفرة، وكيف تقبل رواية الكفرة؟ والقرآن الذي جاء من قِبَلهم، والذي جمعه عثمان، وجمعه قبله أبو بكر بإشارة عمر -رضي الله عنه- يدعون أنه منقوص، وأن الصحابة نقصوا أكثر من ثلثيه، وأنهم حذفوا منه ما يتعلق بفضائل أهل البيت.

فعلى هذا كيف يبقى للأمة دين ما دام أن الصحابة الذين جاءوا بالكتاب والسنة كفار؟ فمن أين يؤخذ الإسلام؟ أمن طريق الرافضة الذين كتبهم مملوءة بالأكاذيب؟ لا شك أن هذا طعن في الإسلام، وليس طعنا في الأشخاص.

نواصل القراءة.


(1) أبو داود : الجهاد (2532).
(2) أبو داود : الجهاد (2532).
(3) سورة إبراهيم: 37
(4) سورة الحجرات: 14
(5) أبو داود : الجهاد (2532).
(6) البخاري : الفتن (7056) , وأحمد (5/314).
(7) سورة المائدة: 44
(8) البخاري : الشهادات (2652) , ومسلم : فضائل الصحابة (2533) , والترمذي : المناقب (3859) , وابن ماجه : الأحكام (2362) , وأحمد (1/434).
(9) أبو داود : الملاحم (4291).
(10) سورة التوبة: 100
(11) سورة الحديد: 10
(12) سورة الفتح: 18
(13) سورة المائدة: 54
(14) سورة الحشر: 8
(15) البخاري : المناقب (3673) , ومسلم : فضائل الصحابة (2541) , والترمذي : المناقب (3861) , وأبو داود : السنة (4658) , وابن ماجه : المقدمة (161) , وأحمد (3/54).
(16) سورة الصافات: 83
(17) سورة القصص: 15