موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء

ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء

ثم من بعده عمر - رضي الله عنه - لفضله , ثم عثمان - رضي الله عنه - بتقديم أهل الشورى له , ثم علي - رضي الله عنه - بفضله وإجماع أهل عصره عليه , فهؤلاءهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي , عضوا عليها بالنواجذ » وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه .


لقد ذكرنا ترتيب الخلفاء - رضي الله عنهم - أولا: ترتيبهم في الفضل , وثانيا: ترتيبهم في الخلافة , والصحيح أن ترتيبهم في الفضل وترتيبهم في الخلافة على حد سواء؛ فنقول: الخلافة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر , ونقول: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر؛ فصار أبو بكر هو الأفضل وهو الخليفة.

بعد أبي بكر نقول: أفضل الأمة بعد أبي بكر عمر , هذا الفضل بعد أبي بكر , الفضل بمعنى الرتبة والميزة والفضيلة والشرف والأجر على قدر عمله , ولو كان هناك مَن أسلم قبله فإن عثمان أسلم قبل عمر , وكذلك علي أسلم قبل عمر , وهكذا الزبير وسعد أسلموا قبله , ولكن إسلامه كان فتحا ونصرا وخلافته كانت عزا للإسلام وتمكينا له ونحو ذلك، والأحاديث التي وردت في فضله لم ترد في غيره , منها قوله - صلى الله عليه سلم -: «ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك » يعني أن الشيطان يهرب منه , وفضائله أيضا كثيرة , فنقول: أفضل الأمة بعد أبي بكر عمر , ونقول أيضا: أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر عمر , أو: الخلافة الصحيحة بعد خلافة أبي بكر هي خلافة عمر , أو: الخليفة حقا هو عمر , استخلفه أبو بكر وقنع به المسلمون وبايعوه وتمت له البيعة , ولم يشذ أحد عن طاعته أو البقاء في خلافته أو ينكر عليه أو يخرج عن طاعته , وسيرته تدل على أهليته وعلى صلاحه - رضي الله عنه -.

ثم نقول بعد ذلك: الخليفة بعد عمر عثمان كما هو الواقع؛ وذلك لأن - عمر رضي الله عنه - جعله من أهل الشورى , وأن أهل الشورى اتفقوا على تقديمه وتمت البيعة له وبايعه عليّ , وبايعه عبد الرحمن وسعد والزبير وسائر الصحابة وسائر المسلمين وتمت الخلافة له؛ إذا فالخليفة بعد عمر عثمان - رضي الله عنه -.

أما الفضل فهناك خلاف: هل الأفضل بعد عمر عثمان أو عليّ؟ خلاف بين العلماء , وسبب الخلاف أن هناك مَن فضَّل عثمان على علي , واستدل بحديث ابن عمر الذي سمعنا: «كنا نقول والنبي - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان , فيبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره» وفي هذا الحديث أن عثمان يلى عمر في الأفضلية , ومنهم من فضل عليا على عثمان واستدل بما روى عن عليّ -رضي الله عنه- أنه قال: «أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر , ولو شئت لسميت الثالث » قالوا: إنه يعني نفسه " , وسأله مرة ابنه الحسن وقال: " يا أبت مَن أفضل الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أبو بكر , قال: ثم من؟ فقال: ثم عمر , قال: فخشيت أن يقول عثمان؛ فقلت: ثم أنت , فقال: ما أبوك إلا رجل من المسلمين " , قال ذلك على وجه التواضع منه - رضي الله عنه -.

على كل حال: الفضل - لا شك - في فضل الشيخين , وأما عثمان وعلي: فالقولان فيهما , منهم مَن ثَلَّثَ بعلي , ومنهم مَن ثَلَّثَ بعثمان , وأما في الخلافة فإنهم مرتبون: أبو بكر خليفة ثم يليه عمر ثم عثمان ثم عليّ.

وأ ما حديث سفينة: فقد ذكرنا أنه يشير فيه إلى أن الخلافة ثلاثون سنة ولكن إذا جمعنا قلنا: خلافة أبي بكر سنتان ونصف , وخلافة عمر عشر , وخلافة عثمان اثنتا عشرة , فهذه خمس وعشرون إلا أشهرا, وخلافة عليّ خمس سنين , فيبقى عندنا نحو نصف سنة يكملها خلافة الحسن بن عليّ ستة أشهر؛ فتكون ثلاثين سنة , فينطبق عليها الحديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا » .

وهذه أسئلة تتعلق بالدرس غالبا:

س: يقول هذا السائل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة » كيف نجمع بين ذلك وبين نهيه عن ذلك بقوله: «السيد الله » ؟.

ج: صحيح , الحديثان صحيحان , ولكن نهيه أن يقال: " سيد " يظهر أنه خاف أن أولئك الأعراب الذين كانوا حديثي العهد بالإسلام - وهم وفد بني عامر - خاف أن يعتقدوا في السيادة شيئا من حق الله فيعظمونه تعظيما لا يصلح إلا لله؛ فلأجل ذلك أسند السيادة إلى الله فقال: «السيد الله » لا شك أنه - صلى الله عليه وسلم - سيد الناس يوم القيامة , لا شك في ذلك.

فعلى هذا إما أن نقول: إنه نَهَى أن يسمى سيدا في الدنيا , وأما في الآخرة فإنه سيد الناس يوم القيامة , وإما انه خاف من الغلو في أولئك الذين سوَّدوه فنهاهم؛ مع أنه سيد الناس في الدنيا وفي الآخرة.

وقد ذكر السيادة لغيره , سأل أصحابه مرة من الأنصار , سأل بني النجار: « مَن سيدكم يا بني النجار؟ فقالوا: فلان , فقال: بل سيدكم؟ عمرو بن الجموح» يعني: شريفكم وأفضلكم.

س: وهذا السائل يقول: يقول الله تعالى على لسان المؤمنين: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ كيف نجمع بين الآية وما نراه من تفضيل نبينا - صلى الله عليه وسلم - وتفضيل أولي العزم من الرسل على غيرهم ؟.

ج: ليس هناك شيء يحتاج إلى جمع , فالذين قالوا: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ هم مثل الذين قالوا: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الذين حكى الله عنهم أنه قال: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ يعني لا نؤمن ببعض دون بعض كحال النصارى الذين يقولون: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ فالتفريق الذي نفوه هو الإيمان بالبعض دون البعض , أي لا نؤمن مثلا ببعض الرسل دون بعض , فإن هناك مَن آمن ببعض وكفر ببعض.

فالنصارى مثلا آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد، واليهود كفروا بعيسى وبمحمد، والأكثر كفروا بكثير من أنبيائهم , بل قتلوا أنبياءهم أو بعض أنبيائهم كما قتلوا يحيى بن زكريا فهذا هو التفريق , وأما الإيمان: فإنه أن يؤمنوا بهم كلهم , وأن يصدقوا برسالتهم , والله أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم ,الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من جملة العقيدة: القول في الصحابة رضي الله عنهم , وكما أن من جملة العقيدة: القول في الأمة المحمدية , ومن جملة العقيدة: ما يعتقده المسلمون في نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فكما أن المسلمين يدينونه بالرسالة فإنهم يعتقدون أنه مرسل من ربه , وأنه أفضل وأشرف المرسلين , وأن من فضله أن الله خصه بخصائص ذُكِر منها بعضها في الأحاديث المشهورة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُعْطِيتُ خمسا لم يُعْطَهُنَّ أحد قبلي: نُصِرْت بالرعب مسيرةَ شهر , وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي , وأُعْطِيتُ الشفاعة، وبُعِثْتُ إلى الناس كافة , وجُعِلَتْ لي الأرض مسجدا وطهورا » فهذه الخمس هي من جملة الخصائص , ولكن قد بالغ بعضهم في الخصائص فأوصلها إلى خمسمائة أو إلى ألف , ولكن أكثرها لم تثبت به الأدلة.

وأول من رأيت تكلم فيها من أهل الفقه: البيهقي في " سننه الكبرى " في" أول كتاب النكاح " فقد ذكر نحو ست صفحات كلها في خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبعه كثير من الفقهاء , ومن جملتهم: البهوتي الحنبلي في كتابه " كشاف القناع " في " أول كتاب النكاح " ذكر نحو ثلاث أو أربع صفحات من الشرح "شرح الإقناع "في خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنْ كثيرٌ منها لم يثبت به الدليل.

وقد ذكرت لكم أن كثيرا من الذين توسعوا فيها كالسيوطي في " الخصائص الكبرى " ذكروا أشياء لا يعتقد وجودها , رأوا فيها شيئا من المبالغة , وأرادوا بذلك مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضله وذكر مآثره على أمته.

ولكن هذه الخصائص وهذه المدائح وهذه المبالغات أدت بالكثير إلى الغلو , الغلو فيه , وإعطائه شيئا من حق الله تعالى , ومدحه بما لا يصلح إلا لله وأول من اشتهر بالمدح الذي فيه مبالغة البوصيري صاحب البردة , فقد انْتُقِدَ عليه جملة من الأبيات التي فيها مبالغة في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله:

فإن من جودك الدنيا وضَرَّتَها *** ومـن علـومك علـم اللوح والقلم

يريد بضرتها الآخرة يعني: أن الدنيا والآخرة كلها من جودك , معناه أنت الذي تعطيها , أنت الذي تعطي الآخرة كلها وما فيها من الثواب وما فيها من الجزاء , ما ترك لله شيئا , جعلها كلها من جود النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ولا شك أن هذا مبالغة لا دليل عليها , ولو أنه أراد بذلك إظهار محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أراد المبالغة في مدحه وما أشبه ذلك , ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لا يحب مثل هذه المبالغة.

و قد ذكرنا بالأمس بعض الأدلة التي فيها النهي عن مثل هذه المبالغة , وذكرنا بعض الحقوق التي له - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيضا الموفق - رحمه الله - قولنا في الصحابة: ماذا تقول في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر أن أمته خير الأمم وأن صحابته خير القرون , يعنى أنا نقول: إن أفضل الأمم أمة هذا النبي الكريم , وإن أفضل القرون القرن الذي بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ويدل على ذلك: أولا الدليل , وثانيا الواقع , فالدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم » وفي رواية:  «خير الناس القرن الذين بُعِثْتُ فيهم » وفيه حديث آخر ذكره الإمام أحمد في كتاب " الرسالة السُّنِّيَّة " في الصلاة , بلفظ: «أنتم خير من أبنائكم , وأبناؤكم خير من أبنائهم » فذكر الفضل للصحابة المخاطبين على أبنائهم.

وها هو الواقع يشهد بذلك؛ فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يُحْفَظْ فيهم مبتدع , وإن كان فيهم مِن الذين أسلموا مِن المتأخرين مَن ارتد لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - كجهلة الأعراب الذين قالوا: " لو كان نبيا ما مات " حتى بَيَّن لهم الصحابى أن الأنبياء قبله قد ماتوا , وأنه مات كما الأنبياء الذين قبله.

وبذلك نعرف أن الصحابة الذين صحبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأطالوا صحبته أنهم لم يظهر فيهم مبتدع , فلم يُذْكَرْ فيهم خارجي ولا قدري ولا جهمي ولا جبري ولا مرجيء ولا رافضي ولا صوفي ولا معتزلي , و جميع البدع التي حدثت بعدهم لم يُنْقَلْ أن أحدا من الصحابة رُمِىَ بمثل تلك البدع , وقد اتفق أئمة الحديث على عدالتهم لا , فإذا جاء الحديث عن الصحابي قبلوه قائلين: " الصحابة كلهم عدول " لا خلاف بين المحدثين في عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - ومع هذا الثناء العاطر عليهم , ومع مدح الله لهم , ومع ذكرهم المشتهر على الألسن عند المحدثين , مع ذلك كله تسمعون أن الرافضة يُكَفِّرُون أكابرهم , وتعرفون أن الرفض حدث في العراق , وسببه أن بني أمية ا تهموا عليا - رضي الله عنه - بأنه من جملة الذين رضوا بقتل عثمان؛ فكانوا يأمرون بسبه.

وقد اشتهر ذلك في ولاية عبد الملك عندما وَلَّى على العراق الحجاجَ بن يوسف , فالحجاج - والله حسبه - هو الذي كان يأمر الخطباء في العراق بأن يلعنوا عليا على المنابر , ولا شك أن هناك مَن يحب عليا من أهل العراق من الذين صحبوه في العراق و عرفوا أخلاقه وعلمه وفضله وأحبوه , هؤلاء بلا شك إذا سمعوا مَن يسبه ويشتمه ويلعنه؛ ظهر حماسهم واشتدت غيرتهم , ماذا عملوا - وصار لهم مجتمعات - ؟

كلما صلوا الجمعة اجتمعوا جماعات فصاروا يتناقلون فضائل عليّ؛ فيحضرهم أقوام من الجهلة , فإذا سمعوا فضائله احتقروا غيره من الصحابة فقالوا: " ما دام أنه امتاز بهذه الفضائل؛ فلا شك أنه قد تفوق على غيره فهو أولى بالتقديم " أولئك الذين يقولونه كأنهم أوردوا عليهم بعض الاشكالات: كيف يكون عليّ صاحب هذه الفضائل وهذه المزايا ومع ذلك يتقدم عليه أبو بكر وعمر وعثمان , ويكونون خلفاء قبله ؟

لا شك أن الشيعة الذين يحبونه يودون ألا يكون هناك مَن يخالفهم ولا مَن يسشتكل شيئا من أمرهم؛ فلم يجدوا بُدّا من استعمال الحِنْث , فَمِن ثَمَّ ظهر فيهم الكذب المبالغ فيه , فعند ذلك قالوا: لا بد أن نستعمل الكذب في فضائله فنختلق أحاديث فيها فضله وفيها رفعة مكانته ونحو ذلك , وكذلك نختلق أحاديث في سَّبِّ مَن كان خالفه أو تقدم عليه.

فلم يجدوا بُدا من أن يكذبوا تلك الأكاذيب التي لفقوها وألصقوها بالشيخين أبي بكر وعمر , واتهموهما بأنهما اغتصبا الخلافة , وتعديا على ما ليس حقا لهما , وكتما حقَّ عليّ وأكرهاه على البيعة , ونحو ذلك من الأقوال التي لا أصل لها ولا أساس لها من الصحة.

وبعد ذلك راجت هذه الأكاذيب وتُنُوقِلَتْ , ثم كتبها أولئك الرافضة في مؤلفاتهم , ولم يزالوا يكذبون ويختلقون ويصورون قصصا لا أصل لها إلى اليوم , وقد ابتدعوا هذه البدعة التي هي الاحتفال باليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة ويسمونه " يوم الغدير " ويدعون أن فيه الولاية , و أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ولاية عليّ في " يوم الغدير ".

والواقع أنه في ذلك المكان لما كان قافلا من مكة إلى المدينة وجاء في ذلك المكان خطبهم , وأخبرهم بقرب أجله وأوصاهم , وقال: «إني تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله » حَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه , ثم قال: « «وأهل بيتي أُذَكِّرُكُم الله في أهل بيتي » هذا هو الذي قال.

وأما الرافضة فإنهم أخذوا يزيدون في هذا اليوم وقالوا: إنه قال: «مَن كنتُ مولاه فعلىّ مولاه , اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه » هذا الحديث يسمونه " حديث الولاية " وقد أكثروا من طرقه حتى ذكروا له أكثر من ألف أو ألفيْ طريق بألفيْ لفظ لا أصل لأكثرها أو لجميعها؛ فانخدع بها كثير من الأئمة والعلماء , ومن جملتهم الإمام المحدث المفسر ابن جرير - رحمه الله - فإنه نشأ في" خراسان " التي هي " إيران الآن " في " طبرستان " وكان الذين حوله يغلب عليهم التشيع , فزينوا له أن يجمع طرق هذا الحديث الذي يسمونه " حديث الغدير ".

قال ابن كثير: إنه جمع طرقه حتى بلغت مجلدين , فيقول ابن كثير - رحمه الله -: جمع فيها من الغَثّ والسَّمِين والصحيح والسقيم , وخَلَّط فيها كعادة الذين يؤلفون ويجمعون , لا شك أن الذين يطلعون على مثل هذه الأحاديث ولو كانت كذبا - ولا يميزون - يصدقون؛ فمِن ثَمَّ انتشر هذا المذهب في العراق وامتد إلى " خراسان " بل تمكن في " خراسان " التي هي " إيران الآن " تمكن فيها تمكنا زائدا وصار من أسباب قوته أن كثيرا من الولاة اعتنقوه وصاروا يقربون أهله , ففي " مصر " في القرن الرابع وما بعده دولة " بني بويه " كانوا رافضة وكان لهم سلطة ولهم قوة؛ فكانوا يشجعون الولاة الذين على هذا المذهب والقضاة الذين على هذا المذهب , ويرفعون أماكنهم ومقاماتهم وهكذا. .. وكذلك أيضا الدولة التي تسمى بالفاطميين وهم " بنو عبيد " هم من غلاة الرافضة , بل هم أشد من الغلو الذي يسمونه " نصيرية أو حاكمية أو دروزا " انتشر أيضا المذهب بسببهم في الشام وفي مصر , وإن كان في مصر الآن أقل تمكنا.

ثم لما جاءت وقعة التتار وتسلطوا على بلاد المسلمين؛ ابتدءوا من شرق البلاد و وصلوا إلى حدود الشام وإلى حدود مصر , كان الذي مَكَّنَهم من قتل الخليفة رافضي يقال له: " ابن العلقمي " وزير للخليفة العباسي المستعصم بالله , وكان يحب أن تنتقل الخلافة من بني العباس إلى بني عليّ؛ فزين لهم قتل الخليفة المستعصم.

وهذا كيد الرافضة , قُتِلَ بعد الخليفة - لما دخل التتار العراق - أكثرُ من مليون نسمة ظلما - وقتلهم التتار؛ فَعُرِفَ بذلك أن هذه الطائفة هي أَضَرُّ على المسلمين من اليهود والنصارى , وأنهم يكيدون للمسلمين في كل زمان , ويحاولون القضاء على الإسلام , وأنهم يوالون أعداء الإسلام , كلُّ عدو للإسلام ينتصر فإنهم يكونون إلى جانبه ويوالونه وينصرونه على الإسلام والمسلمين؛ فهم شر الطوائف وأعظمها خطرا .

يقول ابن القيم في " النونية ":

إن الروافض شر مَن وَطِئَ الحَصَا *** مِـن كـل إنس ناطق أو جــان

أي من الإنس والجن شر من وطيء الحصا.

وهذا الإطلاق قد يوافقه الواقع لمن تتبع التاريخ , ولا عبرة بكونهم يظهرون الأخوة في هذه الأزمنة ويدعون إلى التقريب , ويَدَّعون أنهم مسلمون وينشرون الأقوال الكثيرة لبعض العلماء الذين يعترفون بأنهم مسلمون.

وذلك أنه في القرن الرابع عشر - في أواسطه - كثروا وتمكنوا في العراق؛ فأرادوا أن يعترف أهل السنة بأنهم مسلمون , فصاروا يستفتون علماء العراق وعلماء الشام وعلماء مصر ويأخذون منهم , ويقولون: نحن نعترف بكذا ونحن نعترف بكذا , وليس بيننا وبينكم فَرْقٌ إلا أننا فقط نُحِلُّ أو نُبِيحُ نكاح المتعة وأنتم لا تبيحونه؛ وإلا فنحن على ما أنتم عليه , ونحن كذا وكذا. ..؛ فأفتى كثير من علماء مصر والشام بأنهم مسلمون؛ فاهتموا بذلك وانتهزوا ذلك ونقلوه في كتب لهم منتشرة , يقولون: " العالِم فلان يقول: إننا مسلمون , والعالِم فلان والعالِم فلان " وهكذا. ..

وقد انتشر القول عنهم وافتضحوا بأقوالهم التي يعترضون بها على الصحابة - رضي الله عنهم - , وفي هذه الأيام أو قبلها بشهرين أو ثلاثة أشهر نشروا بالتصوير كتابا لهم يسمونه " المُرَاجَعَات " وهو أن واحدا من علمائهم صار ينتصر لمذهبهم ويكتب إليه علماء مصر وعلماء الشام , يقولون: ما تقول في كذا , وكيف تجيب عن كذا؟ فيكتب لهم؛ فيرى الجهلة أن كتابته مقنعة وأنه مصيب في كتابته , وقد حمل في كتابه على الصحابة وبالأخص عمر - رضي الله عنه - فبالغ في تكفير عمر وفي الحَطِّ عليه , وفي أنه مغتصب وأنه وأنه , وهكذا أيضا في أكثر كتبهم.

وعلى كل حال إنما تكلم السلف وعلماء الأمة في الصحابة وفي فضلهم لما رأوا مَن يتنقصهم , وقد عرفنا فيما تقدم شيئا من فضائلهم ومما أثنى الله تعالى به عليهم , وكذلك إجماع الصحابة بل إجماع المسلمين على تقديم أبي بكر وبيعته , وأن ذلك صحيح ثابت , وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى خلافته إشارات كثيرة , أحلنا إلى بعض المراجع التي ذكرتها كما في " تاريخ ابن كثير " وفي "تاريخ الخلفاء " للسيوطي وغيره , وهكذا أيضا خلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي , وهكذا أيضا الترتيب في الفضل , كل ذلك واضح والحمد لله.

والآن نواصل القراءة.