موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإيمان بكل ما أخبر به النبي - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الإيمان بكل ما أخبر به النبي

فصل في الإيمان بالغيب

الإيمان بكل ما أخبر به النبي

فصل: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصح به النقل عنه فيما شهدناه، أو غاب عنا ونعلم أنه حق وصدق، سواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه .


انتقل إلى شيء آخر يتعلق بالعقيدة: وهو الإيمان بالغيب، أوّل وصْفٍ وَصفَ الله به المتقين الإيمانُ بالغيب، قال -تعالى-: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ والغيب: كل ما غاب عنا وأُخبرْنا عنه، وكان الخبر يقينيا، خبر الله في القرآن، وخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث.

لا شك أن الأخبار الغيبية أنها أخبار عن أمر ما شاهدناه ولا رأيناه، فما هي طريقتنا في ذلك؟ وماذا نفعل؟ علينا أن نصدق به، وإن لم تدركه عقولنا، وإن لم تدركه حواسنا، وكل شيء غاب عنا وأخبرنا عنه بخبر قد يكون غريبا، وقد يكون مستبعدا، فإذا كان الخبر من الله ورسوله وجب التصديق به مهما كان.

والأمثلة كذلك كثيرة: فأولا: الخبر عن الله -تعالى- هذا من الإيمان بالغيب، الخبر عنه بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، وأنه متصف بصفات كذا، منزه عن صفات كذا وكذا، هذا من الإيمان بالغيب، نصدق به، بل هو أصل الإيمان.

ثانيا: الخبر عن الرسل، أخبرنا الله وأخبرنا الرسول عن الرسل بأخبار، أن آدم خلق من تراب، وأن الله أسجد له ملائكته، و أسكنه جنته، وأن إبليس احتال عليه حتى أخرجه، هذا من الإيمان بالغيب؛ لأنا ما شهدناه، ولكن جاءنا الخبر اليقيني فنصدق به ونؤمن به.

ثالثا: الأخبار عن الملائكة، عن كثرتهم، وعن عبادتهم، وعن أعمالهم، وعن أماكنهم، هذا أيضا من الإيمان بالغيب، نقبله ولو استَبعَد ذلك من استبعده، فإن الأمور الغيبية لا تُدرَك بالعقول، وإنما تُدرَك بالأخبار، فإذا كان المخبر ممن يجب تصديقه فالتصديق به داخل في الإيمان، في خصال الإيمان، فلا يجوز رد شيء من خبره، ويقال هكذا في بقية الأخبار، وبأخص ما يكون في الدنيا، فإن الإنسان قد يعجز عن إدراكه، ولكن إذا كان خبره صحيحا ثابتا فلا يجوز له رده، ولو كذب بذلك من كذَّب.

ذكر ابن القيمفي كتاب "الروح" عن الفلاسفة: أنهم أنكروا عذاب القبر، وقالوا: إن الأحاديث التي جاءت في عذاب القبر -وفيها أن «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار » وفيها أنه « يُفْسح له في قبره مد البصر » أو أنه « يُضَيق عليه حتى تختلف أضلاعه » وفيها أنه « يأتيه ملكان فيجلسانه » وأنهما يسألانه، وأنه إذا لم يعرف يُضرَب بمرْزَبة من حديد، « يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصُعِق » وأنه يُفتح له باب إلى الجنة، أو باب إلى النار، وأنه يأتيه من رَوْحها وريحانها- يقولون: هذا لم نحس به، فإنما كشفنا عن الميت بعد ثلاثٍ فوجدناه على هيأته، لم يتغير، ووضعنا على صدره الزئبق الذي هو أخف شيء حركة، فوجدناه على هيأته، لم يتحرك، ولم يتغير، فأين هذه الأشياء التي تزعمونها؟.

الجواب: أنكم في دار، وهم في دار الدنيا، أنتم في دار الدنيا وهم في دار البرزخ، ومن مات فقد قامت قيامته، فليس لكم أن تنكروا الشيء الذي لا تدركونه، فإن إدراك هذه الأشياء إنما هو خاص بمن قد مات، وأما الأحياء فقد حُجِبَت عنهم؛ ولأجل ذلك أخبر بأن الإنسان لا يسمع هذه الأصوات، وذلك لأنه لو سمعها لتكدرت عليه حياته، ولما اطمأن في الدنيا، ولما ركن إلى شهواته وإلى ملذاته، بل لا يعيش عيشة هنيئة؛ فلأجل ذلك حَجب الله عنا هذه الأشياء، فلم نرها.

فالأحكام في الآخرة على الأرواح والأبدان، وأما في البرزخ فالأحكام على الأرواح، والأبدان تبع لها، ونحن نعلم أن البدن جُثة، بعد الموت يصير إلى الفناء والعدَم، وأما الروح فإنها هي التي تتألم وتعذب، ونعلم أن الروح لا تدركها أبصارنا، كما أننا لا ندرك الجن ولا الشياطين ولا الملائكة، لا نراهم ولا يراهم إلا من كُشف له. فإذًا كيف تكذبون بشيء لا تحيط به أبصاركم، ولا تقدرون على تصوره

فعرفنا بذلك أن واجب الإنسان أن يصدق بالغيب، وبما أخبر الله به إذا كان الخبر يقينيا، أو أخبر به الرسول إذا كان الخبر يقينيا، وسواء أدركته العقول أم قصرت عنه.

هذه أسئلة أغلبها يتعلق بالموضوع، وفيها ما هو يتعلق بالأحكام.

يقول هذا السائل:

س: ما رأيكم في العقيدة النسفية وما رأيكم في الالتحاق بمعهد خارج هذه البلاد يُدرّس هذه العقيدة مع وجود معاهد أخرى تدرس العقيدة السلفية الصحيحة؟ .

ج: العقيدة النسفية هي على مذهب الأشاعرة، على معتقد الأشاعرة، وذُكر فيها: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص -يعني على ما ذهب إليه مقلدة الحنفية ونحوهم- وفيها أمور كثيرة من العقيدة صحيحة، وأمور كثيرة فيها تفصيل، وفيها بعض الخطأ، فنحن نقول: نشير عليك ألا تقرأها إلا وأنت على علم بالعقيدة السلفية، حتى تعرف الخطأ من الصواب، وحتى تعتقد العقيدة السليمة، ولا تنخدع بهذه العقائد التي فيها شيء من الخطأ أو من الخلل في أمور العقيدة.

وإذا وُجد هناك معاهد دينية تُدرَّس فيها العقيدة السلفية فلْيقتصر طالب العلم على تلك العقائد السلفية.

وهذا السائل يقول:

س: ما حكم قول القائل: اللهم لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه؟ .

ج: مشهور هذا الدعاء، ولكن لا أعلم له دليلا.

قد ورد في الحديث: « لا يرد القضاءَ إلا الدعاء » لكن ليس معناه: أن الدعاء يرد أمرا مقدرا محتوما مكتوبا في اللوح المحفوظ في الأزلِ، وإنما معناه: أن الدعاء سبب من الأسباب في حصول هذا المطلوب للعبد، مع أن هذا المطلوب مكتوبٌ عليه أزلا، ولكنْ مكتوب له سبب، فيقال: إنه يُرزق ولدا بسبب دعائه، إنه يرزق رزقا حلالا بسبب دعائه، إنه يدعو على من ظلمه فيصيب ذلك الظالم ضرر أو مرض أو موت أو نحو ذلك، مع أن ذلك المرض أو الضرر مكتوب على ذلك الإنسان في حياته، وفي اللوح المحفوظ.

وهذا يقول:

س: في الدعاء للميت في صلاة الجنازة نقول: « اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان » هل هناك فرق إذا صح الحديث؟ .

ج: هذه رواية من روايات الحديث، والرواية الثانية: « اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والإيمان، ومن توفيته فتوفه عليهما » .

وإذا قيل «أحْيهِ على الإسلام » فالمراد: أحيه على الأعمال الظاهرة التي هي علامة الإسلام، ومعلوم أنها تنتج من الإيمان، « وتوفَّهُ على الإيمان» عندما يخرج من الدنيا يكون قلبه مطمئنا وممتلئا بالإيمان، فيكون ذلك الدعاء لهم بأن يكونوا على يقين عند موته.

وهذا يقول:

س: إذا قلنا: إن الله فوق العرش، مع الدلائل؟ وقال المبتدعة والصوفية في بلادنا: أين الله قبل خلق العرش؟ ماذا نرد ذلك ونحن دعاة ؟ .

ج: أولا: ورد في بعض الأحاديث عن ابن عباس، ورد في الحديث: « أين الله قبل خلق السموات والأرض؟ فقال: في عماءٍ، ما فوقه هواء، و ما تحته هواء » .

أفاد بأن العرش -ولو كان مخلوقا- الله -تعالى- مستغنٍ عن العرش وما دونه، واستواؤه على العرش صفة كمال، ولكن لا يلزم أن يكون محتاجا إليه، فالله -تعالى- كان حيث شاء قبل أن يخلق العرش، فلا نقول: إنه في مكان كذا، ولا إنه في كذا، ولا إنه تغير أو كذا؛ لأن هذا مما فيه خلل أو نقص أو تنقص لصفات الله -عز وجل.

وبكل حال نحن ننصح نقول: لا تخوضوا في مثل هذا، والذين يخوضون فيه ويقولون: أين الله قبل أن يخلق العرش؟ وأين مكان العرش؟ ومتى خُلق العرش؟ ننصحهم ونقول: لا تخوضوا في مثل هذه الأمور، وخوضوا في الشيء الذي ينفعكم ما دام أن الأدلة وردت بأن الله فوق العرش، وأنه متسوٍ على عرشه، بائن من خلقه، فلا نقول ما هو مخالف لذلك، ولا نتقعر في البحث عن الأمور الغيبية.

س: ماذا يكون قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- في مسائل زيادة الإيمان ونقصه: الإيمان لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، أي لا يضر مع الإيمان معصية، ما حقيقة قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- وعلى ماذا يحمل، وما موقف طالب العلم من ذلك؟ .

ج: اشتهر هذا عن الحنفية: أنهم يقولون: إن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه شيء واحد؛ لأن من صدق فقد صدق، فلا حاجة أن يصدق مرة أخرى.

ثم قالوا: إن الإيمان لا يتفاوت، وجاءت المرجئة -ويسمَون مرجئة الفقهاء من الحنفية- فقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، ففتحوا للناس باب المعاصي، وسهلوا عليهم أمرها، وقالوا: إن الله كريم، إن الله جواد، إن الله غفور رحيم، وتوسعوا في هذا، وهو أمر مهم، على الإنسان أن يعرف مدلوله، وقد كان من المهم ألا نخوض فيه ونتكلم، لكن ضاق الوقت.

فالجواب أن نقول: هذا القول خطأ -يعني قولهم: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل- ليس بصحيح، بل المعاصي تضر، وقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- على كثير من المعاصي عقوبات، عقوبات وإن كانت لا تصل إلى الخلود في النار، فنحن نقول: إن العصاة يعذبون في النار، يدخلونها وإن كانوا لا يخلدون فيها، يُخْرَجون منها: إما بالشفاعة، وإما برحمة الله -سبحانه وتعالى- فواجب على الإنسان أن يكون خائفا من ذنبه الذي وقع فيه، يخاف أنه يعاقب عليه، ولو أدنى عقوبة، فالمعاصي تضر، صحيح أن الطاعات تَحْبِط مع الشرك، أن الشرك يحبِط الأعمال، ولكن ليس الإيمان يحُبط المعاصي، بل المعاصي تنقّص الإيمان، تنقصه وإن كانت لا تبطل أصله، ولكنها تنقّص ثوابه، ثم يُتوعد صاحبها بالعذاب، ويقال: هذا العاصي حري أن يدخل النار، حري أن يُحْرَم الثواب، حري أن يحبط عمله، هذا حري أن يكتب في صحائفه سيئات يعاقب عليها.

ننصحك أيها العاصي بأن تترك المعصية خوفا من عقوبتها عاجلا أو آجلا، لا تغتر برحمة الله وبواسع رحمته، فإن الله -تعالى- كما أنه واسع الرحمة، فإنه شديد العقاب، كثيرا ما يذكر الله الأمرين معا: الوعد والوعيد، اقرءوا مثل قول الله -تعالى-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ اقرءوا قوله -تعالى-: ? ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ والآيات كثيرة، يذكر الله فيها المغفرة، ويذكر فيها العذاب، حتى لا يغتر أحد بواسع رحمته، فيكثر من المعاصي، ولا ييأس أحد من الرحمة فيقطع رجاءَه، بل العاصي يرجو، ويحمله رجاؤه على التوبة، والمطيع يخاف من تقصيره، ويحمله التقصير على التوبة أو الاستكثار من الأعمال.

هذا السائل يقول:

س: هناك من العلماء من برع في علم من العلوم وانحراف في العقيدة، فما الموقف منه؟ وإذا دُرّس العلم الذي برع فيه هل يُمدح أم يشار إلى ضلاله في العقيدة؟ ومِن أولئك القاضي عبد الجبار في الأصول -مثلا ؟

ج: صحيح، فمثل هؤلاء يستفاد من علومهم، العلوم التي برعوا فيها يستفاد منها، وينتفع بها، ويُقرأ فيها، ولكن يُحذر من أخطائهم، ومن غلطاتهم، يُحذر من كتبهم التي فيها الانحراف، فيقال: هذا عالم جليل بهذا الفن، ولكن عنده أخطاء في العقيدة، في كتابه كذا وفي كتابه كذا.

وهكذا أيضا المشايخ الموجودون، إذا كان عندك شيخ تعرف أنه أشعري العقيدة، أو تعرف أنه قبوريَ أو صوفيّ أو نحو ذلك، ولكن عنده علم بالحديث، عنده علم بالأحكام، عنده علم بالمصطلح، عنده علم بالنحو، يجوز أن تأخذ منه هذه العلوم، ولو كان عنده ما عنده، تأخذ منه العلوم التي لا خطر فيها.

وهذا السائل يقول:

س: إذا رأت المرأة كُدرة أو صُفرة بعد دم الحيض وقبل علامة الطهر، هل تصلي بعد خمسة عشر يوما إذا لم ينقطع؟ وهل تصلي إذا رأت علامة الطهر واستمرت الكُدرة معها قبل الخمسة عشر ؟ .

ج: أكثر العلماء على أن الحيض لا يتجاوز خمسة عشر، وأن ما تجاوز خمسة عشر فإنه دم استحاضة، أو دم فساد، أو دم عِرْق.

وعلى هذا القول: فما رأته بعد خمسة عشر يوما يعتبر دم استحاضة، تصوم وتصلي ولو لم ترَ علامة الطهر.

وأما إذا رأت علامة الطهر قبل تمام الخمسة عشر يوما ولكن بقي معها صُفرة أو كُدرة، فإنها تصوم وتصلي.

والله -تعالى- أعلم. وصلى الله على محمد

السلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

ابتدأنا في الإيمان بالغيب، ويدخل في هذا الإيمان بما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- من الوقائع التي قد يستبعدها بعض الناس، وكذلك -أيضا- ما وقع للأنبياء قبله، وكذلك ما أخبر به -عليه الصلاة والسلام- من أشراط الساعة، وما أخبر به من عذاب البرزخ وأموره، وما أخبر الله به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، والجنة والنار، وما يكون في يوم القيامة، كل ذلك داخل في الإيمان بالغيب، وما ذاك إلا أنه غائب عن الأنظار، وإنما يعتمد فيه على الخبر.والخبر إذا جاء عن الصادق المصدوق وجب قبوله وتقبله ولو استبعدته العقول، ولو أحاله من أحاله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، بل والمسلمين عامة.

فإن المسلمين الذين صدّقوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- يلزمهم أن يصدقوه بما أخبر به ولو لم تدركه عقولهم.

أما الذين لم يصدّقوه تصديقا مطلقا، أو قبلوا بعض ما جاء به، فهؤلاء ليسوا حقا من أتباعه، فمثلا: الفلاسفة -ويراد بهم الفلاسفة الإلهيون- يكذبون بما أخبر الله به من بدء الخلق، ينكرون أن يكون لهذا الخلق، أول أو يكون له آخر.

فيعتقدون: أنه ليس هناك شخص اسمه آدم خلق من تراب، يقولون: أبدا هذا الجنس من الناس قديم، لم يبدأ ولم يكن له أول، بل لم يزل هكذا دائما وأبدا، وليس له مبتدأ.

وهكذا ينكرون قيام الساعة، وينكرون البعث، بعث الأجساد، وينكرون انقطاع هذا الجنس من الناس، ويقولون: هكذا تبقى هذه الدنيا دائما أرحام تدفع وأرض تبلع، من غير نهاية، هكذا معتقدهم.

فكذّبوا بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله، وما ذاك إلا أنهم لم تصل معرفتهم ولا عقيدتهم إلى الإيمان الجزائي، والإيمان الصحيح، فوقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الشك والريب، وهم مثل ما أخبر الله: ﴿فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ .

هذا الفرق بين أهل السنة، أو بين المسلمين وبين الفلاسفة، وهم -مع الأسف- يُقرّون بالإله، ويقرّون بأن هذا الخلق له خالق، وأنه مخلوق، وأن له مدبرا، وإن كان اعترافهم بذلك عن طريق العقل لا عن طريق النقل.

اعترف بذلك كبيرهم الذي يرجعون إليه، والذي يقال له: أرسطو، ويعبر عنه: بأرسططاليس، ويسمى عندهم: المعلم الأول، وله مؤلفات موجودة مطبوعة تباع بأغلى الأثمان، مشتملة على هذه العقائد السخيفة، وتبعه من المسلمين أكابر الفلاسفة: كابن سينا -ومع الأسف هو لايزال مقدَّسا عند كثير من المنتمين إلى الإسلام- وكذلك الفارابي، ويسمى عندهم: المعلم الثاني، فالمعلم الأول: أرسطو، والمعلم الثاني: الفارابي،

وكلهم من غلاة الفلاسفة، فهؤلاء ينكرون الغيب.

وهناك فِرق ذكروا: أنهم ينكرون ما لا يدرك بإحدى الحواس، لا يقرون إلا بما أدركوه بحاسة من الحواس الخمس، ومنهم طائفة يقال لهم: السّمنية، هم الذين ناظروا جهما في ربه، لقي طائفة من السمنية وسألوه: هل لك رب؟ قال: نعم. فقالوا: هل رأيت ربك؟ قال: لا. هل سمعت صوته وكلامه؟ قال: لا. هل مسسته بيدك؟ قال: لا. هل شممت رائحته؟ قال: لا. هل ذقته؟ قال: لا. قالوا: إذًا هو معدوم.

فبقي متحيرا، ثم إنه تذكر وقال لأحدهم أو لرئيسهم: هل لك روح أوهل لك عقل؟ فقال: نعم. هل رأيت عقلك أو روحك؟ قال: لا. هل شممته؟ هل مسسته؟ هل ذقته؟ هل سمعته؟ قال: لا. فقال: إذًا ليس لك عقل، أو ليس لك روح.

فعند ذلك رجعوا إلى أن يقولوا هذا القول المبتدع، فاعترفوا بالرب، ولكنهم وصفوه بصفات لم يثبت معها إله أو رب معبود.

هذه طائفة ينكرون ما سوى المحسوسات، ولكن طائفة الفلاسفة أخص من هؤلاء، فالفلاسفة تعرفون أنهم قسمان:

فلاسفة طبيعيون: وهم الذين ينكرون الخلق والخالق، ويقولون: إن هذا طبيعة، وإن هذا الوجود طبيعة هكذا وُجدتْ، ولا يتغير عن الطبيعة، وموجودن بكثرة، قرأت في قصيدة للحافظ الحكمي -رحمه الله- يقول فيها:

ولا نصيـخ لعصــري يفوه بمـا *** يناقض الشـرع أو إيـاه يعتقـد

يـرى الطبيعـة في الأشياء مؤثرة *** أين الطبيعة يا مخذول إن وجدوا؟

يقول: أين الطبيعة قبل أن يُوجدوا، حتى وجدوا قبل أن يوجدوا؟.

فهذا من عقائد الطبائعيين، الفلاسفة الطبائعيون: الذين لا يقرون بإله، وأما أرسطو وسقراط وبقراط، وكذلك الإسلاميون: ابن سينا وابن رشد والفارابي ونحوهم، فهؤلاء يقرون بأن هناك إلها، ويسمون الفلاسفة الإلهيون، ولكن معتقدهم مثل ما ذكرنا، لا يؤمنون بالغيب.

فالمسلمون -والحمد لله- يعرفون ما يعتقدونه، ويدينون بأن الخلق له خالق، وأن الخالق أمرهم بالأعمال، وأنه يجازيهم على الأعمال، وإذا لم يجازَوا في الدنيا فإنهم سوف يلقون جزاءهم في الآخرة، إن خيرا فخير وإن شرا فشر .

نواصل القراءة.