موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - رؤية المؤمنين لربهم - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - رؤية المؤمنين لربهم

رؤية المؤمنين لربهم

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:

فصل: والمؤمنون يرون الله -تعالى- في الآخرة بأبصارهم ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله -تعالى- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق .


لهذا ابتداء في مسألة النظر إلى وجه الله ورؤية الله -تعالى-، وهي -أيضا- من المسائل المهمة التي تكلم فيها أهل السنة وأثبتوها بالأدلة، وخالف فيها المعتزلة خلافا صريحا، وخالف فيها الأشاعرة خلافا معنويا، وهدى الله أهل السنة لقبولها، ولم يلزمهم محظور من إثباتها والحمد لله.

أولا: قد اختلفوا س: هل يمكن النظر لله -تعالى- في الدنيا، وهل رآه النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ ج: والصحيح أنه لا يمكن لأحد من البشر أن يرى ربه في الدنيا؛ ولأجل ذلك لم يتمكن موسى -عليه السلام- من النظر إلى ربه بعد أن سأل النظر، فأخبره الله بعدم التمكن من ذلك في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

هذا دليل على أن البشر لضعف خلقتهم الدنيا لا يتمكنون من رؤية الله -تعالى- وصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ير ربه رؤية بصرية في الدنيا، ودليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «نور أنى أراه » لما قيل له: «هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه! » أي: كيف أراه ودونه ذلك النور!

وكذلك في رواية: «رأيت نورا» وذلك أن الله -تعالى- احتجب عن عباده بالنور، وفي حديث آخر يقول -صلى الله عليه وسلم-: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقة » .

فالصحيح أنه إن كان رآه فهي رؤية قلبية لا رؤية بصرية، والذين أثبتوا الرؤية له استدلوا بقوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾ والصحيح أن الضمير يعود إلى جبريل -أي: ولقد رأى جبريل نزلة أخرى-، وكذلك قوله في سورة التكوير: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ الضمير يعود -أيضا- إلى جبريل -عليه السلام-؛ لأنه الرسول المذكور في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ .

هذه صفات الملك، فالضمير يعود إليه، وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأنه رأى جبريل على صورته التي خلق عليها مرتين، له ستمائة جناح قد سد ما بين الأفق، أوقد سد الأفق، وكان ينزل عليه كثيرا، ولكنه يتمثل في صورة إنسان أو نحوه، وعلى كل حال فهذا لم يقم عليه دليل، إن كان الرؤية في الدنيا لا دليل عليه.

وقد خالف في ذلك المتصوفة، وادعوا أن الأولياء يرون الله عيانا، وأنه يعرج بأرواحهم، وأن أرواحهم تتمكن من النظر إلى ربها، وأنهم... وأنهم...؛ ولأجل ذلك فضلوا أوليائهم وسادتهم على الأنبياء، بل وعلى الرسل وعلى الملائكة، وهذا من شطحاتهم، غير هذا بالنسبة للرؤية في الدنيا.

وأما الرؤية في الآخرة فأثبتها أهل السنة رؤية صريحة، أن المؤمنين في الجنة يرون الله -تعالى- ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، بل ثبت بالسنة وفي الأحاديث أن رؤية الله -تعالى- في الجنة للمؤمنين هي أعظم لذة لهم، وأعظم نعيم وأعظم سرور يصل إليهم، يبهج نفوسهم، تستنير به وجوههم، تضيء به وجوههم، يكتسبون أعظم لذة؛ حيث أنهم لا يلتفتون إلى شيء ما داموا ينظرون إلى ربهم حتى يحتجب عنهم هذا من أعظم لذة لهم.

يقول بعض العلماء وإن كان مثالا دنيويا:

ولو أني استطعت غضت طرفي *** فلـن أنظـر بـه حتى أراك

فإذا كان من أعظم اللذة لأهل الجنة فالذين يحرمونه هم المحجوبون عن ربهم -أي: المبعدون عنه-، وقد سمعنا هذه الآية التي أوردها الموفق -رحمه الله- وهي قوله -تعالى-: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ الكفار ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ .

وصفهم بهذه الصفة أنهم محجوبون عن ربهم، والحجب: هو الحيلولة بينهم وبين ربهم، فلا ينظرون إليه ولا يرونه، ولا يتمتعون برؤيته، ويالها من عقوبة تصل إليهم أنهم محجوبون عن ربهم! وذلك أشد العذاب؛ فكل من حجب عن رؤية ربه فإنه معذب، حجبه عن ربه عذاب له، وأي عذاب.

استدل بهذه الآية الشافعي -رحمه الله-، وأشهر من استنبط منها رؤية المؤمنين، وقال: ما دام أن الكفار محجوبون عن ربهم فهو يدل على أن المؤمنين والمسلمين وأهل الجنة غير محجوبين عن ربهم بل يرونه، فلو كان لا يراه أحد لم يكن هناك فرق بين المؤمنين والكفار لكان الجميع كلهم محجوبين عن ربهم.

والحجاب: هو أن يكون بينه وبينهم حاجز فلا يرونه. فإذا كان هؤلاء يرونه كانوا غير محجوبين، وهؤلاء لا يرونه فهم المحجوبون، هذا دليل واضح، وأما الآية الأولى وهي أصرح الآيات التي استدل بها أهل السنة وهي قوله -تعالى-: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ يخاطب الكفار.

﴿تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ الدنيا ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ولا تتنافسون فيها، تذكروا أقسام الناس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ الوجوه الأولى وصفها بأنها ناضرة -أي: ذات نضرة وبهاء وسرور، ومشرقة ومبشرة ومستنيرة وجوههم-؛ لأنهم يرون ربهم: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تنظر إلى ربها نظر عيان.

في هذه الآية تثبت الرؤية إلى الوجوه؛ وذلك لأن الوجوه هي محل النظر، لأن الوجوه نظرت إلى ربها أشرقت وأسفرت.

كثيرا ما يصف الله -تعالى- وجوه أهل الجنة بصفات تظهر عليها؛ وذلك لأن الوجه هو محل التأثر، فإذا كان مسرورا رأيت وجهه مستنيرا، وإذا كان حزينا رأيت وجهه مكتئبا، فوصف الله -تعالى- أهل النار بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ -أي: ذليلة- ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ -يعني: منعمة-، فهكذا وصفهم بهذه الآية.

وفى آية أخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ -أي: قد أنارت واستنارت- والإسفار: هو الضياء: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ مسفرة: عليها آثار هذه الإضاءة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يعني: مستنيرة.

أما الوجوه الأخرى فإنها ترهقها قترة دل على أن الوجوه يظهر عليها آثار النعيم؛ فإذن هذه وجوههم التي وصفها الله أنها ناضرة. تجدون في الآيتين لفظهما واحد، ولكن خطهما مختلف: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ بالطاء مكتوبة بالطاء، من النضارة -أي: ذات نضرة وبهاء وسرور: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هذه كتبت بالظاء، من النظر الذي هو المعاينة.

ويقول بعض العلماء: نظروا إلى ربهم فنضرت وجوههم، يعني: استنارت وأسفرت وابتهجت بهذا النعيم. فهذا هو دليلهم.

أورد المؤلف -رحمه الله- هذين الدليلين من القرآن الكريم -يعني: آيتين-، وذكر أن الرؤية تكون في الآخرة، وقد ورد -أيضا- في الأحاديث ما يدل على أن الجميع يرون ربهم يوم القيامة عندما ينزل لفصل القضاء أنه يرونه.

في بعض الأحاديث: «أن الله يقول: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم ربهم فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فلا يبقى من كان يسجد لله طوعا إلا سجد، وأما من كان يسجد نفاقا فإنه إذا أراد أن يسجد خر لقضاه» فسر بذلك قوله -تعالى-: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ .

في هذا أنهم يرونه جميعا: المنافقون والمؤمنون يرونه كما يشاء: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ قيل: إنهم يسألونه علامة فيكشف عن ساق، عند ذلك يعرفون أنه هو ربهم فيسجدون.

على كل حال هذا قد استدل به من استدل على أنهم يرونه يوم القيامة، ولكن هي رؤية ابتلاء وامتحان، أما الرؤية التي هي رؤية لذة وبهجة ونعيم فإنها في الجنة، وقد ذكر بعضهم أن المقربين يرون الله -تعالى- بكرة وعشيا، وأن الأبرار يرونه كل جمعة، أو في +مزن كل جمعة -أي: كل أسبوع-، واستدل على ذلك بحديث جرير الذي في الصحيحين، عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا » -أي: يريد صلاتي العصر والفجر، أي: حافظوا على هاتين الصلاتين- لماذا خصهما؟ قالوا: لأن المقربين يرون الله بكرة وعشيا.

ولقد فسر بذلك -أيضا- قوله -تعالى-: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّ﴾ وبكل حال فرؤية المؤمنين لربهم من أجل ما أنعم به عليهم وتفضل به عليهم، هذا هو قول أهل السنة، وقد استوفى الكلام على الرؤية الأئمة، ولعلكم قرأتم الكلام عليها من كتاب ابن القيم "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" الذي كتبه عن أهل الجنة، وصفات الجنة، ونعيم الجنة.

في آخر أبوابه باب في "رؤية المؤمنين لربهم" ذكر الأدلة من القرآن، ذكر سبعة أدلة من القرآن ابتدأها بآية الأعراف، وهي سؤال موسى ربه بقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولعلي أبين الدلالة بعد قليل من هذه الآية.

واستدل -أيضا- بقوله -تعالى- في سورة يونس: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ الزيادة ورد في الحديث أنها النظر إلى وجه الله، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ -الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله-، فإذا نظروا إلى وجهه فلا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.

الدليل الثالث: في سورة "ق" قوله -تعالى-: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ فسر المزيد بأنه النظر إلى وجه الله تعالى.

الدليل الرابع: آيات اللقاء وهي كثيرة قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ ﴾ اللقاء لا تعرفه العرب إلا أنه المقابلة والنظر؛ فهو دليل واضح على إثبات الرؤية.

والدليل الخامس: هو دليل يعتمده المعتزلة، ولكنه جعله دليلا عليهم، وهو قوله -تعالى-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ فهو دليل على إثبات الرؤية كما سيأتي.

والدليل السادس والسابع: الآيتان اللتان ذكرهما ابن قدامة كما ذكرنا؛ فهذه سبعة أدلة وأوضح دلالتها، ثم شرع في الأدلة من السنة، وذكر نحو ستين حديثا أو أكثر، ذكرها بأسانيدها وبطرقها، فيها الأحاديث الصحيحة، وفيها الأحاديث الحسنة، وفيها الأحاديث الضعيفة التي ضعفها ينجبر، وفيها أحاديث ضعيفة ضعفا شديدا ولكنه أوردها للتقوية، وتبعه على ذلك حافظ الحكمي في كتابه المشهور وهو " معارض القبول في شرح سلم الوصول".

فهذا الشرح من أنفس الشروح في "شرح سلم الوصول إلى علم الأصول" لما أتى على ذكر الجنة وذكر الرؤية سرد -أيضا- الأحاديث، وأسقط منها ما هو مكرر أو ما هو شديد الضعف، وفيما ذكره خير كثير، فهذا وجه إثبات هذه الصفة التي هي صفة رؤية المؤمنين لربهم.

وقد جعلها ابن القيم في "النونية" من أدلة إثبات العلو قال: من كان قد أقر بالرؤية لزمه أن يقر بالعلو؛ فإن المؤمنين إنما يرون ربهم من فوقهم كما في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ففي أحاديث: أنه يتجلى لهم من فوقهم فيرونه وينظرون إليه فوقهم. فهو دليل واضح على أنها رؤية حقيقية، ينظرون إليه كما يشاءون.

عرفنا بذلك مذهب أهل السنة، وهل نقول: إنهم يرونه في جهة؟ لا شك أنهم يرونه من فوقهم، وأنهم يرونه رؤية حقيقية ورؤية مقابلة كما يشاءون، وأن الأدلة واضحة، ومن أصحها حديث جرير لقوله: «كما ترون القمر ليلة البدر » أو: «كما ترون هذا القمر » .

والتشبيه هنا للرؤية، شبه الرؤية بالرؤية، وليس المراد تشبيه الرب -تعالى- بالقمر، وإنما تشبيه رؤيتكم بأنها رؤية حقيقية كرؤيتكم لهذا القمر؛ ولهذا قال: «لا تضارون في رؤيته » -أي: لا يلحقكم في رؤيته ضيم، الضيم: هو الضرر-، ثم مع هذه الأدلة التي ذكرناها قد خالف في ذلك المعتزلة؛ فأنكروها صريحة وخالفوا فيها خلافا عنادا، وأنكروا الرؤية؛ وذلك لأنها عندهم تستلزم إثبات الجهة، أو تستلزم المقابلة، فلم يكن بد من أن يردوا الأدلة ردا شديدا، ويخالفوها مخالفة واضحة، ولا يزالون على ذلك.

وطبع قبل عشر سنين أو خمس عشرة سنة كتاب اسمه "متشابه القرآن" في مجلدين للقاضي عبد الجبار -وهو من رءوس المعتزلة-، وحققه أحد المحققين في سوريا، يقال له: عدنان محمد زرزور. وذهب إلى ما ذهب إليه القاضي إذا أتى على آيات العلو وآيات الاستواء وآيات الرؤية حرفها، وجعلها غير متشابهة، وحملها محامل بعيدة، وإذا أتى على الآيات التي فيها شبه استدلال لهم يقول لنا قوله -تعالى-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في سورة الأنعام لنا قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لموسى ليجعل هذا دليلا لهم -أي: فيما يثبت الرؤية-، وهكذا يستدلون.

وطبع -أيضا- قريبا كتاب لأحد الإباضية الذي يقال له: أحمد الخليلي، في عمان اسمه "الحق الدامغ" انتشر وصاروا يوزعونه بكميات؛ لأنه في زعمه أنه وصل إلى الحقيقة، وأنه قد سقط على المراد، تكلم فيه على مذهبهم في العقيدة في ثلاث مسائل: في مسألة الرؤية ينكرها إنكارا صريحا، وفي مسألة خلق القرآن يدعي أنه مخلوق، وفي مسألة إثبات خلق الله لأفعال العباد ينكر قدرة الله على أفعال العباد، ويبالغ في هذه المسائل الثلاث.

والذي يهمنا تأويلهم لمسائل آيات الرؤية، مثلا: كثيرا ما يردد قوله -تعالى-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ويقول: الإدراك: اللحاق -لا تلحقه، أي: لا تراه-، فهي دليل على أنها لا تراه، والأبصار: معلوم أنها هي الأعين، فإذا كانت لا تدركه -أي: لا تلحقه- فكيف يقال: إنه يرى. ويقال ما دون ذلك.

وإذا نظرنا لتفسير أهل السنة رأيناهم يفرقون بين الإدراك وبين الرؤية؛ وذلك لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من كل جهاته، وأما الرؤية فإنها رؤيته مع المقابلة حقيقة. فالله -تعالى- ما نهى الرؤية إنما نهى الإدراك، والإدراك شيء زائد على الرؤية.

روي أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال للسائل: ألست ترى القمر؟ قال:نعم. قال: أكله؟ قال: لا. قال: فذلك الإدراك -أي: لا ترى القمر كله إنما ترى ما يقابلك، و-أيضا- إنما تراه من بعيد ولا تتحقق ماهيته، فإذا كان كذلك هل أنت تدري مما هذا القمر، ومن أي شيء صنعته، وماهية جرمه، ومن أي شيء تركيبه، وهل هو حجري، وهل هو لوح، ماهيته ما هي؟ فإن كنت لا تراه فإنك لا تدركه.

نحن نرى القمر يصل إلينا ضوءه، ولكن لا ندركه كله، ففرق بين الرؤية وبين الإدراك يدل على ذلك قول الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ فالدرك ما هو؟ الإحاطة -أن يحيط بكم، ويصل إليكم غضب من الكفار ونحوهم-، ولما أسرع ببني إسرائيل وخرج بهم من مصر وانفصلوا اتبعه فرعون بجنوده، قال -تعالى-: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾ تراءى: هؤلاء يرون هؤلاء، وهؤلاء يرون هؤلاء.

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا ﴾ ما المراد بـ "المدركون"؟ هل المراد بالإدراك النظر؟ النظر حاصل "تراءى الجمعان" إذن المراد بالإدراك الإحاطة -يعني: إنهم سوف يحيطون بنا، ويهتكون بنا، ويمسكون بنا، ولا يتركوننا نتفلت ولا ننجو منهم-، فـ: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لا تدركون.

فعرفت أن هناك فرق بين الرؤية وبين الإدراك؛ بطلت دلالة هذه الآية على نهي الرؤية، استدل بها أهل السنة على إثبات الرؤية، يقول ابن القيم: إنها جاءت تمدحا الله -تعالى- يمدح بها نفسه، ومعلوم أن الله عندما يمدح نفسه بالأمور الثبوتية -الأمور التي فيها إثبات شيء يمدح به- وأما العدم فإنه لا يمدح به، النفي المحض لا مدح فيه، فإذا قلنا -مثلا-: إن المعدوم لا يرى، هل هذا مدح له؟ ليس فيه مدح، لأن المعدوم كاسمه ليس بشيء، فإذا كان المعدوم لا يرى فإن نفي الرؤية ليس فيه مدح؛ فعرف بذلك أن الآية وردت للتمدح.

أثبت الله أن الأبصار لا تحيط به -يعني: متى رأته الأبصار لم تحط به إذا حصلت الرؤية يوم القيامة؛ فإن الأبصار لا تحيط به -أي: لا تدرك ماهيته، ولا تدرك كنهه، ولا تدرك كيفية ذاته؛ وذلك لعظمته التي لا يحيط علما أحد من الخلق بها، ولا يحيطون به علما؛ إذن فصارت الآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها، ولكنهم قوم يجهلون.

لو تأملوا في سياق الآية قوله -تعالى-: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .

كل هذا تمدح، فكيف يتمدح بشيء لا فائدة فيه؟! نفي الرؤية ليس بمدح فذلك ينطبق على المعدوم، فدل على أنها للتمدح تدل على أن الأبصار تنظر إليه، ولكن تعجز عن الإحاطة بعظمته وكبريائه وجلاله، تعجز على أن تحيط به؛ فصارت الآية من أدلة إثبات الرؤية لا من أدلة نفيها.

وأما الآية الثانية وهي قصة موسى حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .

أولا: موسى نبي الله، كليم الله كلمه الله، وحمله رسالته واصطفاه، قال -تعالى-: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ﴾ موسى نبي الله هل يجهل ما يجب على الله، وما يجوز على الله، هل تكونون -أيها المعتزلة- أعلم من موسى بربه؟! حاشا وكلا، لا يمكن أن موسى يجهل، وأنتم تعلمون أن موسى الذي هو أشرف أو من أولي العزم ومن أشرف الأنبياء ومن أفضلهم يجهل هذا الحكم، ويأتي المعتزلة ونحوهم ويعلمون ما لا يعلمه موسى! هذا من أمحل المحال.

ثانيا: قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ هذا في الدنيا -يعني: أراد أن يتمكن من النظر من ربه رجاء أن يزيد بذلك يقينه، أو أن يتنعم ويتلذذ بهذا النظر، قال الله -تعالى- له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ هل في هذا عتاب؟ ما فيه عتاب، الله -تعالى- قد عاتب نوحا لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ .

أنكر على نوح لما سأله: ربى نج ابني الذي غرق في البحر، غرق في الطوفان، لقد وعدتني أنك تنجيني وأهلي، إن ابني من أهلي، والله يقول: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ﴾ .

فأنكر عليه ولم ينكر على موسى ما قال: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ -أي: لن تراني في هذه الدنيا- لماذا؟ لأن بنية الإنسان في الدنيا ضعيفة لا تتمكن من التمثل أمام عظمة الله -تعالى-خلقتنا في هذه الدنيا لا يمكن أن تثبت لجلال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ علق الله -تعالى- رؤيته على ثبوت الجبل، أليس ثبوت الجبل ممكنا؟

يمكن أن يثبت الجبل، والله -تعالى- يقول: إذا ثبت الجبل فإنك تراني، إذا كان الثبوت ممكنا فالرؤية ممكنة، فإذن كيف تنكرون أن يثبت الجبل! فالله -تعالى- يمكن أن يثبت الجبل لبروز الله -تعالى- ولتجليه، وقد علق عليه رؤية موسى، فدل على إمكانها كما أن إمكان الثبوت متحقق.

قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تجلى الله -تعالى- كما يشاء للجبل، أليس إذا تجلى للجبل يمكن أن يتجلى لعباده يوم القيامة؟ الجبل جماد تجلى الله له، ومع ذلك الجبل لما تجلى له اندك الجبل وذهب حتى قيل: إنه انخسف في الأرض؛ وذلك لهيبة الله ولجلاله لما أنه تجلى للجبل جعله دكا.

فالحاصل: أن الآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها، ولو لم يكن إلا أن موسى -عليه السلام- سأل الرؤية، وهو من أعلم الخلق بربه، هذا من قول المعتزلة.

الخليل في كتابه الذي ذكرنا "الحق الدامغ" تسلط على هذه الآيات التي استدل بها أهل السنة وحرفها تحريفا بليغا، حتى أنه هو وغيره في قوله -تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قالوا: إن الله لم يذكر العيون إنما قال: "وجوه" وقالوا أو قال بعضهم: النظر ليس هو المعاينة، وإنما هو انتظار الثواب، ناظرة للثواب منتظرة للثواب.

وتلحن بعضهم وحرف كلمة إلى، وقال: الإلى واحد الآلاء -يعني: النعم-، إلى: أي نعمة، نعمة ربها ناظرة، واحد الآلاء، أين هذا الاستنباط الذي ما تفقد له أحد العلماء ولا من السلف! "إلى" أي: نعمة ربها راضية. تمحل وتكلف وتشدد في صرف القرآن عن مدلوله.

هذا قول المعتزلة، أما الأشاعرة يتظاهرون بأنهم من أهل السنة، وبأنهم من أتباع الأئمة الأربعة: منهم شافعية، ومنهم مالكية، ومنهم حنفية، ومنهم حنابلة كثيرون، ولا يقدرون على أن يصرحوا بالإنكار، أكثرهم الشافعية قد اشتهر عن إمامهم أنه أثبت الرؤية فلا يقدرون على الإنكار.

يثبتون الرؤية ولكن ما المراد بالرؤية عندهم؟ ليس الرؤية التي هي رؤية الأبصار، إنما يفسرونها بالتجليات التي تتجلى للقلوب، ومن المكاشفات التي تنكشف لهم، ويظهر لهم منها يقين وعلم بما كانوا جاهلين به، تمحلوا وهذا بلا شك قول باطل، وإنكار للحقائق، فتجدهم يثبتون الرؤية ويقررونها في كتب تفاسيرهم حتى أكابر الأشاعرة: كالرازي، وأبي السعود، والبيضاوي، ونحوهم.

ولكن عندما تكلموا عن هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قالوا: "يُرى نفي الجهة" كيف يرى بلا جهة، يرى بلا مقابلة! ما هي الرؤية بلا مقابلة؟ الرؤية تجليات، الرؤية مكاشفات، فأثبتوا الاسم ولكن لم يثبتوا الحقيقة، وبهذا نكون قد توسعنا في هذا الموضوع؛ وذلك لقوة الخلاف فيه، وحذرا من أن ينخدع بعض من يقرأ كتب تفاسيرهم أو كتبهم التي تمحلوا فيها كما فعل الخليلي.

وكذلك وردت علي رسالة ماجستير ألفتها امرأة طالبة في عمان، وأخذت عليها الامتياز في نفي الرؤية بأدلتهم التي يذكرونها أنها أدلة، وغالبا أنها تمحلات وأنها تأولات بعيدة، والرسالة -أيضا- مطبوعة -رسالة الماجستير لهذه الطالبة العمانية- ولا ينخدع أحد ممن يقرأها بأن نشيره إلى كتب أهل السنة وإلى تراثهم، ففيها الكفاية إن شاء الله.

هذه أسئلة كثيرا منها في مواضيع خارجة ولكنها فائدة.

س: فهذا يقول: راتبى يصرف عن طريق البنك، وأتأخر في استلامه لمدة أسبوع أوأكثر عن موعد الصرف، فهل لي إثم في ذلك، علما بأنه ليس لدي حساب في البنك؟ .

ج: لا إثم عليك، الأولى أنك تبادر باستلامه حتى لا ينتفع به البنك ويأخذ عليه فائدة، ولكن مادام أنك لا تتمكن إما لشغل أو لزحمة أو نحو ذلك فلا إثم عليك إن شاء الله.

س: وهذا يقول: الذين يقولون: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ير ربه في الحياة الدنيا، ماذا يكون في حادث اختصام الملأ الأعلى؟ .

ج: اختصام الملأ الأعلى حادث مشهور، ولكن الرؤية فيه منامية، ليست رؤية بصرية، وكذلك في الحديث أنه قال: «وضع يده على صدري حتى وجدت برد أنامله » كل ذلك رؤية منامية، أما الرؤية البصرية التي في اليقظة فالصحيح أنها ما حصلت له، ولا لموسى كما تقدم.

س: وهذا يقول: هل يرى الكفار ربهم يوم القيامة، وهل يكلمونه؟ .

ج: في ذلك خلاف، ولعل المشهور أنه يكلمهم كلاما عاما، يسمعون كلام الله كما في الحديث الذي قد مضى بالأمس، وهو قوله: «يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب » أما الرؤية فلا يرونه رؤية نعيم، رؤية انبساط وسرور، هذا هو الصحيح.

س: والسؤال التالي: هل صحيح أن الإمام أحمد رأى ربه عز وجل في المنام؟ .

ج: مشهور هذا في قصة امتحانه لخلق القرآن أنه ذكر أنه رأى ربه، يقول: رأيت أن القيامة قد قامت، وأنه قد أحضرت وكأني ضربت حتى وقفت بين يدي الله -عز وجل- فقال: فيما ضربت؟ قلت: في القرآن... إلى آخر القصة.

ومعلوم أن المنام إنما هو تخيلات، وأن الرؤية في المنام أن يكون في ذلك تشبيه للرب -تعالى- بذلك الخيال الذي تخيل للرائي.

س: وهذا يقول: نظر المؤمنين لربهم يوم القيامة هل هو لوجه الله -تعالى- أم لله، والله -تعالى- يقول: إلى ربها ناظرة؟

إذا كان السائل يريد النظر في موقف القيامة، فإنهم ذكر أنهم ينظرون إلى ربهم عندما يكشف عن الساق، وأما النظر في الجنة فالنظر مذكور أنه إلى الوجه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » فذكر أن رداء الكبرياء على وجهه، فإذا كشفه فإنهم ينظرون إلى وجهه.

وأما قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ فهو وإن كان مطلقا فإنه يفسر بأنه النظر إلى وجه الله.

س: يسأل هذا يقول: ما حقيقة قتل الثعلب وفيه خطر وضرر؟ .

ج: كل شيء فيه خطر وضرر يجوز قتله، وأما إذا لم يكن هناك ضرر فلا يجوز.

يعني +تعيش على ما يخلق الله لها، وعلى ما يقدر الله لها كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل الهرة، وأخبر بعذاب التي حبستها حتى ماتت.

س: وهذا يقول: ما حقيقة استعمال صائدة الحشرات والصعق التي كثيرا ما نراها في المطاعم، وفي بعض المساجد، علما بأنها موصلة بالكهرباء؟ .

ج: يظهر أنه لا مانع منها -لا مانع من نصبها-، ولكن لأن هذا الجهاز بمنزلة النار التي يوقدها الناس، فتأتي إليها هذه الحشرات، فتتهافت فيها، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك في حديث أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل هذا الفراش وهذه الحشرات تتهافت فيها، وجعل يحجزهن وهن يغلبن ويقتحمن فيها » .

وهذا قوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يسأل عن معنى كلمة "حجاب". .

ج: هذه الكلمة أو هذه الآية في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ المعنى: من وراء ستر أية ستر -أي لا تسألوهن مقابلة وهن متكشفات- المعنى: لا يتكشفن أمامكم، والخطاب والسياق إن كان في حق أمهات المؤمنين زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يدخل فيه سائر المؤمنات -المعنى: لا تسألوهن إلا وقد تحجبن- فالحجاب معناه: الغطاء الذي يستر الوجه، والذي يستر جسد المرأة عن الرجال.

س: يقول: ما حكم الترتيل في الذكر بعد الصلاة؟ .

ج: فإنه قد روي بالأمس جواب في ذلك فليتثبت، في الأثر أن الأذكار والأوراد يؤتى بها كأنها كلام، ولا تتشبه بتلاوة القرآن: الترتيل، والمد، وما أشبه ذلك؛ فالقرآن له حكم لقوله -تعالى-: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلً﴾ فإذا قرأت الأذكار لا يحصل أنك تمد حروف المد، وتقطع حروف القطع، وكذلك -أيضا- تجود في حروف التجويد، وتظهر الحركات التي تستعمل في التجويد: من الإقلاب، والإدغام، والإظهار، وما أشبه ذلك؛ هذا يختص بالقرآن.

أما الذكر فإنك تقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك الدعاء إذا قلت: اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة. لا يلزم أن تمد الألف كما تمده في القرآن، كما أنك إذا تكلمت بالكلام العادي أوقرأت الأحاديث أو ما أشبه ذلك، فإنك تقرأ قراءة عادية.

س: ويسأل عن الأذكار التي يجهر بها بعد الصلاة. .

ج: الذي ورد أن الصحابة إذا انصرفوا من الصلاة رفعوا أصواتهم بالذكر أو بالتكبير، وليس المراد الرفع الشديد، إنما المراد أنهم إذا انصرفوا استغفر هذا، واستغفر هذا، واستغفر هذا، وهلل هذا، وهلل هذا، وهلل هذا، ومع كثرة الأصوات يرتفع الصوت حتى يسمعه من هو خارج، فيقول ابن عباس: «ما كنا نعرف انقضاء الصلاة إلا بالتكبير » ويقول: إن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من الأذكار التي بعد الصلاة: كالتهليل والاستغفار "استغفروا الله. ..إلى آخره، وقولوا: لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه... إلى آخره، وقولوا: لا إله إلا الله مخلصين له الدين... إلى آخره، وقولوا: اللهم لا مانع لما أعطيت، ونقول: اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وما أشبهه.

س: وهذا له سؤالان: ما حكم جمع الثياب عند السجود والركوع؟ وما يفعله المصلون عند السجود حتى يسهل عليهم السجود؟ .

ج: الأول: أن الإنسان إذا سجد يسجد على ثيابه دون أن يكفها، ويجمع بعضها إلى بعض؛ فإنه ورد في الحديث: «ولا تكفوا ثوبا ولا شعرا » نتركها تسقط على هيئتها، وليس له أن يجمع أطراف الثياب، أو أطراف العباءات، أو نحو ذلك إلا إذا خاف أنها تشق وتضايق غيره.

س: وهذا يقول: ما حكم البنك الذي يعطي فائدة على المال، إذا كان الإنسان يضع نقوده في بنك من البنوك الربوية، وهو مضطر إلى ذلك، فهل يأخذ الفائدة ويتصدق بها أو يتركها؟ .

ج: وفى ذلك خلاف بين المشايخ، ويرى بعضهم كالشيخ ابن حميد -رحمه الله- أخذها وعدم تركها، والتصدق بها، ويقول: إنها حرام على الذي يتعامل بها، وهكذا -أيضا- يقول شيخنا -الشيخ ابن باز-: إن التحريم يختص بالتعامل -الذي أخذها متعاملا بها-: كصاحب النقود، أو صاحب البنك، هذا هو الذي تحرم عليه، وأما المسكين الذي تعطى له ويتصدق بها عليه فلا يعمه النهي.

يفضلون أنك تأخذها وتتصدق بها؛ لأنك إذا أكلتها فأنت متوعد، وإذا تركتها لهم فأنت متوعد؛ لأن الحديث: «لعن الله آكل الربا وموكلها» فتركها لهم فيه وعيد موكله، وأخذها للنفس فيه وعيد لآكله، وأما إذا أحلت عليها مسكينا، أو صرفتها في مشروع فالأصل أنك تسلم من آكله وموكله.

ذكر الله في سورة المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ س: يقول: كيف أنه قال في النصارى: إنهم أقرب مودة من غيرهم من الكفار، وقد ورد بآيات كثيرة أنهم أعداؤنا، فكيف نجمع، ومن المقصود هنا بالآية؟ .

ج: قيل: إنها في النصارى، وإنهم أقرب من اليهود لعداوة اليهود وعداوة المشركين حتى في هذه الأزمنة، اليهود كما تعرفون لهم عداوتهم وأغراضهم والمشركون مثل: الهندوس أضرارهم على المسلمين وحيلهم وأعمالهم، والنصارى كأنهم أخف ضررا.

وقيل: إن الآية في قوم خاصين، وهم نصارى نجران؛ فإن الله -تعالى- مدحهم، وأنهم أقرب إلى الحق، وأنهم صدقوا وآمنوا؛ ففي الآية ما يدل على إيمانهم، فيقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴾ هذا دليل على أنهم آمنوا أن هؤلاء القسيسين قد آمنوا -أي: في أناس قد آمنوا- لا أنها في كل النصارى.

س: وهذا يقول: ما معنى قوله -تعالى-: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ هل المراد الوجه حقيقة أو ماذا؟ .

ج: يعبر بهذا عمن يقصد وجه الله -أي: رضاه-، فإذا قلت -مثلا-: أعطيتك لوجه الله -يعني: لرضا وجه الله- حتى يرضى الرب عنك، ويطلق الوجه على الذات -أي: أنك لا تريد الجزاء في الدنيا، وإنما تريد رضا الله -سبحانه وتعالى-، ويدل عليه قولهم ما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ .

فهكذا هذه الآية التي في هذا السؤال نزلت في أبى بكر، فإن الله -تعالى- حكى عنه بقوله -تعالى-: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ يعني: يخرج ماله حتى يتزكى المال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ يعني: ليس يريد جزاء النعمة ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ .

والله -تعالى- أعلى وأعلم، وصلى الله عليه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله الرحمن الرحيم ,والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

انتهينا مما يتعلق بالصفات والتي آخرها ما يتعلق بالرؤية، ونقرأ الآن -إن شاء الله- فيما يتعلق بالقضاء والقدر، وهو أحد أركان الإيمان كما هو معروف. لنستمع إلى القراءة.