موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف

من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» حديث صحيح.

وقال -عليه السلام-: «اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون آخره ولا يتأجلونه » وقال: أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه" وقال علي -رضي الله تعالى عنه-: "من كفر بحرف منه فقد كفر به كله".

واتفق المسلمون على عد سور القرآن وكلماته وآياته وحروفه، ولاخلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو كلمة أو آية أو حرفا متفق عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف .


فهذه الأدلة أدلة واضحة على أن القرآن به كلمات وحروف وآيات ونحوها، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، والحسنة بعشر أمثالها » .

أخبر بأنه يثاب على هذه الحروف، دل على أن القرآن هو هذه الحروف، وكذلك قوله: «من قرأ القرآن فأعربه » « من قرأ القرآن ولحن فيه » «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران » ويقول: « تعاهدوا القرآن؛ فإنه أشد تفلتا من صدور الرجال من الإبل في عقلها » .

ويحث على تعلمه وتعليمه: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه » ويخبر بحظ من يحمله: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب » يعني: إنه يقرأ القرآن وإن القرآن قد امتلأ به قلبه، وامتلأ به ضميره، وكذلك كلام الصحابة الذي سمعنا تفضيلهم إعراب القرآن -يعني: تجويده وتحقيق كلماته على كثرة التلاوة- كل ذلك دليل على أنهم فهموا أن القرآن هو هذا المكتوب الذي في المصاحف، الذي هو كلمات وحروف.

وكذلك اتفق أهل السنة واتفق أئمة الأمة على أنه يجوز أن تعد كلماته وأن تعد حروفه وأن تعد آياته؛ لذلك دليل على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف، وذلك مبالغة الإمام الموفق -رحمه الله- في ذلك يشير إلى أن قول المعتزلة: "إنه مخلوق" قول باطل.

وكذلك قول الأشاعرة: "إن الله لا يتكلم بحرف وصوت" قول باطل؛ إنهم يريدون بذلك إبطال قول القرآن، كلام الله حروفه ومعانيه؛ فإن كلام الله هو القرآن حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.

ولما اشتهر شيخ الإسلام -رحمه الله- بأنه يثبت كلام الله، ويثبت أن الله يتكلم بكلام مسموع أنكر ذلك عليه الأشاعرة، ولما أخبروه في نصب لمجادلته انتصب له أحد علماء الشافعية، ووقف خصما له عند القاضي أو رئيس القضاة في ذلك الوقت من الحنفية، فقال له: أدعي على هذا الفقيه أنه يقول: إن الله يتكلم بحرف وصوت.

هكذا نقموا عليه: "إن الله يتكلم بحرف وصوت". كأن هذه كبيرة عندهم، وكأن هذا أكبر الذنوب وأكبر الكبائر وأنه كفر، فلم يكن من شيخ الإسلام إلا أنه ذكر لهم الأدلة، وطلب منهم أن يفسروها فعجزوا عن ذلك، ولما كان كذلك اجتهد الشيخ موفق الدين في هذا الباب في أن يورد كافة الأدلة التي تثبت أن كلام الله -تعالى- هو هذا القرآن حروفه ومعانيه.

س: يقول السائل: قام أحد الأشخاص ببناء مسجد في حينا، وهذا الشخص عرف لدى الناس بأنه يستثمر أمواله في البنوك الربوية، فما حكم الصلاة في هذا المسجد سواء بالنسبة لأهل الحي أو لغيرهم؟.

ج: لا مانع من الصلاة فيه؛ فإن الذنب على المكتسب، فأما المال نفسه فإنه مال الله يؤتيه من يشاء، فإذا أخرجه وبنى به مسجدا فهو من أفضل ما عمله.

الحاصل: أنه لا مانع من أن يصلي فيه، ولو كان من ثمن الكلاب، أو من ثمن الخمور، أو من غير ذلك، أموال المشركين التي هي من ثمن الخنازير وثمن الخمور وما أشبهها يغنمها المسلمون ويبنون بها المساجد.

س: يقول: كل مسلم يعرف زكاة عيد الفطر نوعها ووقت إخراجها، ولكن هناك دول تلزم المواطنين بدفع زكاة على عدد الأنفس نقودا للدولة غير الزكاة المفروضة شرعا، ويتم دفعها في شهر عشرة، فما رأى فضيلتكم فمن مثل هذا العمل، هل هو صحيح أو باطل، وإذا كان باطلا فما يجب على المواطنين أن يفعلوه؟.

ج: ليس بباطل -إن شاء الله- مادام أنها تلزمهم فليس لهم إلا الامتثال، وحيث أن هناك مذهب الحنفيه: "جواز إخراج الزكاة نقودا زكاة الفطر قيمة" فلا مانع من أن يتعاونوا على حسب ما تلزمهم به، ولكن إذا قدر أن أحدا سلم من إلزام الدولة له هذا الإلزام فيخرجه طعاما كما أراد.

س: يقول هذا السائل: ما حكم التشكيك فى القبلة؛ إذ نرى البعض يشكك بقبلة بعض المساجد بحجة أن البوصله تدل على أن القبله منحرفة؟.

ج: لامانع من الانحراف اليسير؛ ففى الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة » يخاطب أهل المدينه؛ لأن قبلتهم جنوب فيقول: إذا صليتم بين المشرق والمغرب هنا أو هنا أو هنا فإن ذلك جائز، ونحن كذلك نقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة.

أما هنا أو هنا فلا مانع، ولكن لنا عند تأسيس المساجد الأولى أنه يتحرى بها تحريا دقيقا.

س: هذا السائل يقول: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم » فما المقصود بقوله: «وما ملكت أيمانكم » وهل هذا الحديث صحيح؟.

ج: صحيح هذا الحديث، قاله عند خروجه من الدنيا في آخر حياته يوصيهم بالصلاة؛ لأنها أفضل الأعمال البدنية، ويوصيهم بالمماليك أن يرفقوا بالمماليك، وألا يسيئوا صحبتهم، وألا يشددوا عليهم.

والمماليك: هم الأرقاء الذين ملكوهم بملك اليمين سواء شراء أو وراثة أو غنيمة أو نحو ذلك.

س: ويقول -أيضا-: ما حكم تقويم الأسنان، وهل يكون فيه تغير لخلق الله؟.

ج: يظهر أنه لا مانع من ذلك، لا مانع -إن شاء الله- من أن يقوم أسنانه إذا لم يكن في ذلك ضرر عليه، يعني: بحك بعض الأسنان، أو بتسوية الزائد منها، أوما أشبه ذلك.

س: وهذا يقول: هل الكفار يكلمهم الله لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ وهل يعارض هذا القول: ﴿يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ ؟.

ج: نعم، في القيامة يسمعون كلام الله عندما يناديهم، يسمعون هذا النداء سماعا عاما، مر بنا في الحديث: أنه ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب. وأما قوله: ﴿يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ فالمراد -والله أعلم- لا يكلمهم كلام رحمة، وإلا قد أخبر بأنه يكلمهم كلام شدة كما في قوله -تعالى- قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ .

س: هل يجوز تشغيل العمال الهندوس في الأعمال التجارية، وهل نعاملهم بإحسان؟.

ج: لايجوز ذلك إذا وجد غيرهم، أو أمكن الحصول على غير الكافر، فلا يجوز تشغيله أيا كان؛ وذلك لأن فيه إعانة لهذا الكافر، وفيه تعزيز له، وفيه تقوية لمعنويته، وفيه إعطاء له لهذه المصلحة وهذه المنفعة، ثم -أيضا- فهم يأخذون هذه الأموال ويتقوون بها على حرب الإسلام والمسلمين، سواء النصارى على التبشير ضد الإسلام، أو الهندوس على حرب المسلمين وإبادتهم، أو البوذيين على شركهم وعبادتهم غير الله.

ومادام أنه يوجد كثير من البلاد التي فيها مسلمون محققون الإسلام فيستغنى بهم، أما معاملتهم إذا وجدوا فإذا رجي إسلامهم وقناعتهم بالإسلام فهو الأولى أنهم يعاملون حتى يدخلوا في الإسلام، وأما إذا عرف عنادهم واستكبارهم فيعاملون بالشدة.

وهذا يقول: قال ابن حزم: إن كل اسم معبد لايجوز إلا لله عدا اسم عبد المطلب نقل هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد قال: أجمعوا على أن كل اسم معبد لغير الله لا يجوز: كعبد شمس، أو عبد الحارث، أو نحو ذلك، حاشا عبد المطلب.

والصحيح: أنه لا يجوز في الإسلام تسمية تعبيد لغير الله -تعالى-، وأما عبد المطلب لايجوز؛ وذلك لأنه اسم جاهلى، وأما افتخار النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » فهو مجرد نسبة، يعني: تعريف كما أنه ابن عبد مناف، أي: من أجداده ابن عبد مناف، وأجداده عبد المطلب، وكذلك من قريش عبد شمس، عبد الدار، بنو عبد شمس، بنو عبد الدار، فلا يزالون يذكرون.

فأما في الإسلام فلا يسمى عبد المطلب، ولا يسمى عبد الحارث، ولايسمى عبد الدار، ولا يعبد أحد لغير الله، والرافضة الآن كما يسمون عبد علي أو عبد الحسين أو عبد الحسن أو نحو ذلك، خالفوا هذه النصوص وجعلوا عبوديتهم لغير الله تعالى.

س: يقول: هل صفة الكلام لله صفة ذاتية أو فعلية؟.

ج: ذاتية؛ ذلك أنها صفة كمال، ولأن ترك الكلام نقص وعيب؛ لأن ضد الكلام الخرس، ولأن الله عاب عجل بنى إسرائيل في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ فدل على أنها صفة كمال، وأنها ثابتة له؛ فهى ذاتية.

س: وهذا يقول: أشكل علي الأثر الذي أورده ابن كثير عن أنس بن مالك؛ حيث قرأ الآية في سورة "المزمل": ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ وأصوب قيلا، فلما سئل عن ذلك قال: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباهها بمعنى واحد. وهل ذلك يجيز التصرف في اللغة بألفاظ القرآن ما لم تخالف المعنى؟.

ج: لا إشكال في ذلك، والصحيح أن هذا جاء به على وجه التفسير "وأصوب قيلا" أنه قرأه على وجه التفسير، وأنه قراءة "وأصوب" إنما هي بالمعنى، وهناك من يجيز القراءة بالكلمات المترادفة، كما روي أن بعض الصحابة أخذ يقرئ أعرابيا كلمة في آخر سورة الدخان، ويقول: هو في قوله في صفة جهنم: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴾ فصعب عليه النطق بطعام الأثيم فقال له: قل: طعام الفاجر. فدل على أنه يقرأ ذلك لأجل التفسير ولأجل الإيضاح.

س: فسؤال جاء به هذا الطفل وهو سؤال خاص يقول: زوجة والدي أرضعت ولد أخي، فهل أزوجه أحد بناتي؟.

ج: لا تزوجه مادام أن زوجة والدك أرضعته؛ فإنه قد أصبح أخا لك، لأنه ابن لوالدك، لأن اللبن للوالد، فإذا أصبح ولدا لك فلا تزوجه بناتك؛ لأنه عمهم. والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم.

السلام عليكم ورحمة الله: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

قرأنا في الليلة الماضية ما يتعلق بكلام الله وما يتعلق بالقرآن، وقد توسع الموفق -رحمه الله- في باب القرآن أنه كلام الله، ولعل توسعه قوة الخلاف وكثرته، وقل: قدمه، وكثرة النزاع فيما بين أهل السنة وبين +كالمعتزلة، فإنهم يدعون أن هذه طريقة الحنابلة، وأن هذا مذهب الحنابلة فقط، أنهم هم الذين يقولون: أن الله يتكلم بحرف وصوت، أو أن القرآن هو كلام الله حروفه ومعانيه.

وأما غيرهم فيقولون: إنه عبارة، أو إنه حكاية عن كلام الله، أو إن الكلام هو المعاني، أو إن الكلام معنى يقوم بالمتكلم، يقوم بحد أنه هو الكلام المسموع، وينكرون أن يكون الله يسمع أو يتكلم بكلام يسمعه من قرب أو من بعد، فلما كانوا يرمون الحنابلة بهذا ويسمونه بذلك مشبهة وجهلية، وممثلة وحشوية، ونوابت وغثاء، وغثرا ونحو ذلك من ألقابهم التي يشينون بها أهل الإسلام أو أهل عقيدة سببية.

لا جرم أورد ابن قدامة -رحمه الله- الأدلة الكثيرة على أن الله -تعالى- متكلم ويتكلم إذا شاء، وأن الكلام صفة كمال، وأن نفيه صفة نقص، وأن الناقص هو الذي لايقدر على الكلام؛ ولهذا عاب الله عجل بني إسرائيل بنفي الكلام في قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ .

عيب فيه أنه لا يكلمهم فدل على أن الله -تعالى- يكلم عباده، وأنه يكلم ملائكته، وأنه هو الإله الحق، فلما أخبر الله أنهم اتخذوا عجلا جسدا له خوار وأنه لايكلمهم دل على أنه كل من لا يكلم فإنه لا يصلح أن يكون إلاها لوجود النقص الواضح فيه.

أما ما يتعلق بالقرآن فقد توسع العلماء في ذكر الأدلة على أنه كلام الله، واستدلوا بالآيات الصريحة مثل قوله -تعالى- في البقرة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ وكقوله -تعالى-في سورة الفتح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ ﴾ صريح؛ حيث جمع بين الكلام والقول.

وكذلك في القرآن آيات كثيرة يذكر فيها أو يسند فيها القول إلى نفسه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وكذلك تسميته قيلا وحديثا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ .

كل ذلك أدلة واضحة على أن نأتي هذه الصفة، ولما أن المعتزلة تمكنوا وادعوا أن الله -تعالى- لا يتكلم لم يكن بد من أن يقولوا في القرآن: "إنه مخلوق" ولما قالوا بذلك وزينوه لبعض الخلفاء كالخليفه العباسي المأمون، وزينوا له هذا المعتقد حيث استولى عليه الكثير من المبتدعة من العرب كابن أبي دعاء، ومن العجم -يعني: كثير من الترك والروم ونحوهم ممن أرادوا بذلك أن يذلوا الأمة-، فعند ذلك حصلت المحنة العظيمة، محنة أئمة الإسلام: فمنهم من أجاب وادعى أنه مكره، ومنهم من اختفى، ومنهم من امتنع وصبر.

ولم يشتهر بالصبر على الأذى غير الإمام أحمد، وزينوا له بابه وقالوا له: وافق وأنت مكره على أن القرآن مخلوق. ولكنه اعتذر وقال: لو وافقت لانخدع بي وقلدني جماهير كثيرة وكنت سببا في إضلالهم.

ذكروا أنه قال لذلك الرجل: اخرج وانظر من في الأذقة ومن في التراب، وإذا خلق عظيم ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر ما يقوله أحمد حتى نثبته ونكتبه. فرجع إليه وأخبره بأنه وجد ألوفا؛ فقال: لو قلت: إن القرآن مخلوق ووافقوني كلهم لصرت سببا في إضلال هذا الجمع الكبير.

فتحمل الإيذاء وصبر على الحبس سنين، وصبر على الجلد حتى كاد جلده يتمزق من شدة الضرب صبر على ذلك، ومدحه العلماء وأثنوا عليه حتى يقول فيه بعضهم لما ذكر مذهبه: ومذهب الإمام أحمد بن محمد -أعني ابن حنبل- الفتى الشيباني… إلى أن قال لما ذكر ضربه يقول:

ويقـول عند الضرب لست بتابع  *** يـا ويحـكم لكـم بلا بـرهان

أتـرون أنـي خائف من ضربكم  *** لا والإلـه الـواحــد المـنان

كــن حنبليـا مـا حييت فإنني *** أوصيـك خـير وصيـة الإخوان

ولقـد نصـحتك إن قبلت فأحمد *** زيـن الثقـات وسـيـد الفتيان

حـمـدا لربي أن هـدانـي لدينه *** وعلـى طريقـة أحـمد أنشاني

واختار مـذهب أحمـد فيما صبر *** ومـن الهـوى والغي قـد أنجاني

فصبره وقوله: "لن أجيبكم ولو فعلتم ما فعلتم" صار سببا للثناء عليه، ولتوقيره وتقديره رحمه الله وأكرم مثواه.

وبكل حال مر بنا القول بأن القرآن كلام الله، والأدلة عليه وأنه حروف وأنه له معان، وأن هذا القرآن الذي بين أيدينا، والذي هو سور وآيات وأجزاء وحروف وكلمات وأحزاب، وله أول وآخر وفيه المحكم والمتشابه، وفيه المجمل والمبين وفيه المطلق والمقيد، وفيه القصص والأمثال، وفيه الأحكام والوعد والوعيد، مشتمل على كل ذلك، فيه والناسخ والمنسوخ ونحو ذلك، أنه هذا هو عين كلام الله، وأنه الذي تلقته الأمة بالقبول، ونقل نقلا متواترا حتى لا يشك فيه.

كتب في المصاحف:

أولا: كان محفوظا في الصدور في العهد النبوى، ولما حصلت واقعه اليمامة التي مع بني حنيفة قتل فيها خمسمائة من القراء وحملة القرآن، فخاف الصحابة أن يفقد شيء من القرآن، فحرصوا على حفظه فكتبوه في عهد أبي بكر في مصحف متكامل حتى لايفقد منه شيء، ولما كان في عهد عثمان ووجد بينهم اختلاف في قراءته أمر بنسخ المصاحف، فرتبت على هذا الترتيب.

وكتب في هذا المصحف العثماني أو الرسم العثماني، وانتشر في الآفاق، وحفظه الصغير والكبير، وأصبح محفوظا كله لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقص، من جحد منه شيئا -من جحد منه سورة أو كلمة أو حرفا مجمعا عليه- اعتبر قد جحد شيئا من كلام الله، ومن رده أو شك في صحته اعتبر طاعنا في كلام الله و طاعنا في آياته ومعجزة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فواجب على الأمة أن يحترموا هذا الكتاب، وأن يتخذوه دليلا؛ ولأجل هذا يعتبر هو أقوى الأدلة، وذاك إلا بثبوته القطعي، و-أيضا- يعتبر هو الدليل الواضح الذي دل على أن ما استدل به وما اشتمل عليه فلا يجوز مخالفته.

إذا جاءك الدليل من القرآن دليلا واضحا فإنك تقدمه على كل دليل، وتعمل به وتطرح به كل ما يخالفه، مشهور في حديث معاذ: قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كيف تقضي؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي » .

بدأ بالاستدلال بالقرآن، أن يبدأ بالقرآن قبل كل شيء، وهذا دليل على أنه هو الدليل القطعي، والذي لا يقدم قبله شيء، وإجماع العلماء إذا قيل: أجمع العلماء على كذ وكذا فإنهم غالبا إنما يجمعون على ما دليله من القرآن دلالة قطعية، وهذا موجود بكثرة في الكتب التي تحكي الإجماع.

إذا قالوا: "أجمعوا على كذا" نظرنا وإذا دليله واضح جلي من كتاب الله -سبحانه-، هذا دليل على أن القرآن هو الدليل الأصلي وهو البرهان الواضح الذي لا يجوز مخالفته، ومع ذلك وللأسف مع صراحته نرى أن كثيرا من المبتدعة إما أن يخالفوا دلالته، وإما أن يتأولوه تأويلا بعيدا، أو يصرفوه عن ظاهره، وقد تقدم لنا أمثله من تحريفاتهم وردهم، أو تفسيرهم تفسيرا بعيدا.

فتفسيرهم: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﴾ (أي: جرحه بأظافير الحكمة) لا تعرفها العرب بهذا المعنى، لا سيما وقد أكد بالمصدر: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ .

وكذلك تفسيرهم اليد بالقدرة: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ (أي: بقدرتي) صرف للفظ عن مدلوله، وكذلك تفسيرهم -أيضا- للعلو بعلو الغلبة: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ ﴾ وكان الله عليا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ إن الأعلى هو الغالب، وليس العلو بالذات.

وهذا -أيضا- رد لدلالة كلام الله، وهكذا تفسيرهم للفوقية بالقهر: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ فوقهم يعني: قاهر لهم، وأنكروا ولما أنكروا صفاتهم عند ذلك لم يجدوا بدا من أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، فشابهوا بذلك اليهود الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

فتارة يحرفونه تحريفا لفظيا كتفسيرهم استوى باستولى بزيادة لام، وقولهم: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﴾ (يعني: موسى كلم ربه) تحريفا لفظيا، وتارة تحريفا معنويا كما ذكرنا تجسيدهم اليد بالقدرة، والوجه بالذات، والعلو بالغلبة، والفوقية بالقهر، وما أشبه ذلك.

والواجب على المسلم أن يتقبل كلام الله، وألا يرد منه لا معنى ولا لفظا ما دام أنه صريح الدلالة. والآن نواصل القراءة.