موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين

إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين

وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عيه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون في الأرض ويزعمون أن إلههم في السماء، وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عيه وسلم قال: «إن ما بين سماء إلى وسماء مسيرة كذا وكذا » وذكر الخبر إلى قوله: «وفوق ذلك العرش، والله -سبحانه- فوق ذلك » فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ـ رحمهم الله ـ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.

سئل مالك بن أنس الإمام رضي الله عنه فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج .


هذا الأثر في صفة هذه الأمة من الأخبار التي تنقل عن كتب المتقدمين وهي من الأخبار التي قال فيها النبي صلى الله عيه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ » ولكن هو مطابق للواقع، مطابق لوصف هذه الأمة، أنهم يسجدون في الأرض وإلههم في السماء، معلوم أنهم على الأرض وأنهم يسجدون عليها وأنهم يضعون جباههم عليها تواضعا لربهم، وأنهم يعتقدون أن إلههم فوقهم، فهذا دليل مطابق للواقع.

وأما الحديث الذي بعده فهو يسمى الأوعال ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، ولما حصلت المناظرة بينه وبين الأشاعرة في دمشق وأرادوا أن ينكروا عليه، وكان مما استدل به هذا الحديث الذي فيه ذكر النبي صلى الله عيه وسلم خلق المخلوقات،ثم قال في آخره : «والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه » العرش فوق ذلك لما ذكر السموات وذكر البحار التي فوقها وذكر الأوعال، التي هي الملائكة الذين يحملون العرش ، ذكر أن العرش فوق ذلك يعني: فوق ظهور الأوعال، وهذا الحديث يسمى حديث الأوعال، بعد ذلك قال: «والعرش فوق ذلك » يعني: فوق ظهور الأوعال، مع ذكره لعظم خلقهم ، والله تعالى فوق العرش، دليل صريح بذكر الفوقية، قالوا : إن الحديث في إسناده عبد الله بن عميرة وأنه لا يعرف إلا به ، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن هذا الحديث قد رواه كثير من الأئمة مؤيدين له، وذلك دليل على توثيقهم لابن عميرة ولبقية الرواة.

ومن جملة ما من رواه إمام الأئمة، إمام الأئمة من هو؟ ابن خزيمة في كتاب التوحيد المطبوع المشهور المحقق، ذكر في أول الكتاب، في عنوان الكتاب: أنه لا يروي إلا ما صح عنه، الأحاديث التي صحت، ليس في أسانيدها طعن، وليس في أسانيدها انقطاع، روى فيه هذا الحديث وسكت عنه، وذلك دليل على ثبوته، وفيه إثبات الفوقية أن الله تعالى فوق المخلوقات، كلها فوق العرش الذي هو فوق المخلوقات، ولا دلالة أصرح من هذا الدليل، «والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه » يعني: مع علوه هو سبحانه- يطلع عليكم ولا يخفى عليه منكم خافية، يعلم القريب والبعيد، وآيات المعية وآيات القرب متكاثرة متواترة.

وقد ذكر شيخ الإسلام أن ما ذكر في القرآن من علو الله تعالى وفوقيته لا ينافي ما ذكر من قربه ومعيته، فإنه سبحانه- لا يقاس بخلقه، و ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وهو عليٌّ في دنوّه قريب في علوه، نصفه بأنه هو الأعلى وهو معنا، يعني: مطلع علينا يرى عباده ويعلم أحوالهم كما في قوله تعالى ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ فهذه الأدلة ونحوها أدلة صريحة في إثبات صفة العلو، والأدلة كثيرة، يعني: مر بنا مثلا آيات الاستواء وآيات ذكر السماء، فلم نعدم الدليل، والثالث آيات العلو كقوله: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ونحو ذلك.

العلو لا بد أن يكون لله تعالى بجميع أنواعه، أنواع العلو ثلاثة: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، ومثله آيات الفوقية، مثل قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ومثل قوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ فإذا قال النفاة إن قوله:﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إن الفوقية هنا فوقية الغلبة ، يعني: القاهر الغالب فوق عباده، يعني: غالب لهم، وقاهر لهم، وشبهوا ذلك بقول فرعون:﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ وكذلك قالوا: إن العلو هنا علو الغلبة وغلو القهر، وقالوا: إن هذا شبيه بقول فرعون: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ .

الجواب: أولا: هذا لا يتأتى بآية النحل ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ فإنه صريح في أن الفوقية ثابتة ﴿ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ يمكن أن يصح في قوله: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ أنها فوقية القهر وفوقية الغلبة، وفوقية القدر، ومع ذلك يلزم من فوقية القهر فوقية الذات، فالله تعالى فوق عباده بذاته، كما أنه فوقهم بقدْره وفوقهم بقهره وغلبته، وكذلك العلي بذاته والعلي بقدره والعلي بقهره، يعني: القاهر لهم، والذي هو فوقهم كما يشاء وبكل حال هذه أدلة، آيات الاستواء، وآيات العلو وآيات الفوقية وآية الرفع كقوله: ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ ونحوهها وآية العروج ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ وآيات الصعود: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ومثلها ما ذكر الله عن فرعون أنه أراد الصعود إلى السماء: ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ﴾ لا بد أن موسى أخبره بأن الله في السماء، ولو كان موسى أخبره أن الله في كل مكان لما تكلف أن يبني الصرح، فهذا دليل على أن الله أمر موسى بأن يبين له ويعلمه أن الرب تعالى في السماء؛ فلذلك بنى الصرح محاولا أن يطلع على إله موسى.

ومن الأدلة على ذلك إثبات أو إقرار الأشاعرة بالرؤية، رؤية المؤمنين لربهم؛ ولذلك أنكرها المعتزلة وقالوا: إنها تستلزم الجهة، تستلزم أن الله تعالى في جهة، ونحن نقول إن الله من جهة العلو وأنه يراه عباده كما يشاء.

وبكل حال هذا هو القول الواضح، ومع الأسف مع كثرة الأدلة فإنهم أنكروا ذلك مع كثر ما عليه من الأدلة ووضوحها، حتى إن بعض الأشاعرة رد على ابن القيم في النونية، ومنهم السبكي وغيره، ثم إن الكوثري هذا المتأخر الزاهد الكوثري حقق هذا الرد الذي على ابن القيم، وقدم له مقدمة بشعة أخذ يسبه فيها ويصفه بصفات تصل إلى الكفر -والعياذ بالله-، كفره وفسقه وشتمه ولعنه، ودعا عليه، وشنع به وما ذاك إلا أنه يعجز - الكوثري وأمثاله ـ أن يتأولوا هذه الأدلة وأن يردوها فلما رآها صريحة ورأى أن الذين ردوا عليه تكلفوا في ذلك لم يكن بد من أن يحمل عليه، ويقول: إنه وإنه.

أما هذا الأثر عن مالك فهو مشهور عنه أنه جاءه رجل فقال يا أبا عبد الله أريت قول الله تعالى-: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه، خفض رأسه، حتى علاه الرحضاء يعني: العرق-، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا أراك إلا مبتدعا، ثم أمر به فأخرج هكذا روي عن مالك رحمه الله اشتهر عنه وانتشر، وهكذا أيضا روي عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن من علماء المدينة شيخ الإمام مالك وهو من مشاهير العلماء أنه قال في الاستواء: الاستواء معلوم والكيف مجهول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، مقالة يا لها من مقالة!، حكم وعلوم لا تصدر إلا عن علم، وقد روي هذا أيضا عن أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين أنها قالت: الاستواء معلوم والكيف مجهول. . إلخ.

ورواه بعضهم عن أم سلمة مرفوعا إلى النبي صلى الله عيه وسلم ولكنه لا يصح مرفوعا، وصحته إنما هي عن مالك وعن شيخه، ولا شك أن هذا قول الأئمة كلهم، يقرون بأن الله تعالى على العرش استوى، وأن الاستواء معلوم غير مجهول، معلوم يعني: مفهوم المعنى، له معنى مدرك، معناه واضح يفسر ويبين ويفهم، وينقل ويترجم من لغة إلى لغة، فله معنى بخلاف من يقول: إنه لا يعلم معناه وأنه لا يدرى ما معناه، وإنما هو كالألفاظ الأعجمية التي نتكلم بها ولا ندري ما مفادها أو كالألفاظ التي لا استعمال لها أصلا، لفظ لم يستعمل ولا يدرى معناه.

هذا افتراء على مالك مادام أنه قال: معلوم غير مجهول لا أجهله أنا ولا تجهله أنت؛ لأنه بلغة فصيحة بلغة واضحة إلا أن له كيفية، الكيف مجهول، الكيف غير معقول، الكيفية التي عليها هذا الاستواء هي المجهول؛ فلأجل ذلك في اصطلاح أهل السنة يقولون في آيات الصفات: أمرّوها كما جاءت بلا كيف، أي اجتنبوا التكييف، ويقولون: نؤمن بما وصف الله به نفسه وما وصف به رسوله صلى الله عيه وسلم من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل.

التكييف له أحد معنيين:

الأول: أن التكييف هو السؤال بكيف ، كيف استوى كيف ينزل كيف علمه كيف يغضب؟ فيقال لا يجوز التكييف.

المعنى الثاني: أن التكييف هو الإخبار بالكيفية، أن يقال: كيفية النزول كذا وكذا، كيفية الاستواء كذا وكذا، وهذا أيضا لا يجوز اعتماده، ولا يجوز العمل به ولا القول به، بل الله سبحانه كما يشاء في صفاته دون أن يكون له كيفية مفهومة لنا.

هناك: الكيفية مجهولة، وأما قوله: "والإيمان به واجب " لماذا ؟؛ لأن الله أخبربه في عدة آيات، وكل ما أخبر به وجب التصديق به ووجب اعتقاده، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه من العلم الذي حجبه الله عنا، السؤال عن الكيفيات بدعة؛ ولهذا في منظومة أبي الخطاب:

قالوا: أفتزعم أن على العرش استوى *** قلـت: الصـواب كذاك أخـبر سـيدي

يعني: نؤمن بذلك.

قالـوا: فما معنى اسـتوائه قل لنا *** فـأجبتهم هــذا ســؤال المعتـدي

فالسؤال عنه بدعة عن الكيفية؛ ولأجل ذلك أمر بإخراج هذا المبتدع، نعرف من هذا طريقة السلف ـ رحمهم الله ـ في إثبات الصفات وفي الرد على المبتدعة.

وهذه أسئلة بعضها يتعلق بالأحكام، وبعضها يتعلق بالعقائد، نجيب عليها بحسب الوقت.

س: هذا يقول: ما حكم السترة مع الأدلة ؟.

ج: إن كان يريد بالسترة اللباس في الصلاة، فلا شك أن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة مع كشف العورة، أجمعوا على فساد صلاة من صلى كاشفا العورة وهو قادر على أن يستر العورة، وقد دلت النصوص على أن العورة عورة الرجل- ما بين السرة إلى الركبة، فمنها الفخذ، ثبت الحديث أنه قال: «الفخذ عورة » في حديث ,‎ وفي حديث عبد الله بن جحش وفي حديث علي، وبعضها يقوي بعضا، «الفخذ عورة » والفخذ ينتهي بنهاية الركبة.

وأما إذا كان يقصد الحاجز الذي أمام المصلي الذي يجعله أمامه ، فنقول: السترة هذه الحكمة فيها أن المصلي يقصر نظره عليها ولا يتجاوزها؛ ولهذا مأمور بأن ينظر إلى موضع سجوده حتى لا يتشتت قلبه، ومأمور أن يرد من يمر بينه وبين موضع سجوده حتى لا يشوش عليه، ولا يفسد عليه صلاته أو عبادته ، فهذا لا شك أنه مندوب، مندوب أن الإنسان يقصر بصره ويجعل له موضعا يحد بصره فلا يرفع بصره، ورد أيضا النهي عن رفع البصر في الصلاة حتى توعد عليه «لينتهين أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء. . » فاشتد قوله حتى قال: «لينتهن أو لتخطفن أبصارهم » لكن هل يلزم المصلي أن يجعل أمامه شاخصا يكون ساترا له أم لا يلزمه ؟.

الصحيح أنه إذا كان يصلي في صحراء فإنه يلزمه، فقد «كان النبي صلى الله عيه وسلم إذا سافر تنصب بين يديه عنزة » وهي حربة صغيرة، «وإذا خرج ليصلي في الصحراء في البقيع صلاة العيد أو الاستسقاء ينصب له حجارة يصلي إليها وتكون سترة له » وأما في المسجد فإنه هو والمصلون يكتفون بحيطان المسجد إذا كان في داخل المسجد فلم يكونوا ينصبون لهم شيئا، إنما يصلون إلى عمد المسجد أو إلى حيطان المسجد ولو كانت بعيدة بينهم وبينها هذا هو المشهور، لم يُنقل أن أحدهم كان ينصب شيئا يدخل به حجرا أو عودا أو نحو ذلك وما ذلك إلا أنهم أمنوا من أن يفسد عليهم أحدهم صلاتهم، يفسد عليهم صلاتهم أحد ممن يمر أمامهم وإذا كان أمامهم الحائط ولو كان بينهم وبينه ثلاثة أمتار أو أربعة أو نحو ذلك رأوا ذلك كافيا، فهذا هو الصحيح.

وأما الحديث الذي قد يستدلون به على الوجوب الحديث الذي في صحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم بلفظ: «لا تصل إلا إلى سترة ولا تدعن أحدا يمر بين يديك، فإن أبى فقاتله فإن معه القرين » فتتبعت طرق هذا الحديث فوجدته في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد وفي سنن ابن ماجه، وليس فيه هذه الزيادة إسناده واحد، كلمة: «لا تصل إلا إلى سترة » هذه زيادة يظهر أنها مدرجة من بعض المتأخرين.

أما لفظ الحديث في صحيح مسلم فيقول: «لا تدعن أحدا يمر بين يديك، فإن أبى فقاتله فإن معه القرين » فدل على أن هذا لا يصلح معتمدا، ومثله أيضا حديث في سنن أبي داوود وغيره يقول: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ولا يدعن أحدا يمر بين يديه » كأنه يقول: إنه قد يحتاج إلى سترة ، أحيانا يحتاج إلى سترة إذا كان في طريق أو في ممر فليدن من هذه السترة، مشهور إنه عليه السلام- «إذا صلى إلى سترة في الصحراء يجعل بينه وبينها - أي إذا سجد - كممر الشاة » فعلى هذا نقول إنها مؤكدة إذا خاف أن يمر بين يديه أحد، ومستحبة إذا لم يخف ذلك، والحكمة فيها ما ذكرنا.

س: له سؤال ثاني يقول: هل يرفع المصلي يديه بدعاء القنوت في صلاة الوتر؟ وما حكم المداومة على دعاء القنوت ؟.

ج: نعم. السنة أن يرفع الداعي يديه في كل دعاء ومنه دعاء القنوت؛ وذلك لكثر الأحاديث التي في رفع اليدين في الدعاء، فإنها بلغت حد التواتر، ولعلكم قرأتم الكتاب الذي بعنوان: "حفظ الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء" للسيوطي، ومثله أيضا قد كتب قبله المنذري في أحاديث رفع اليدين في الدعاء زادت على أربعين حديثا من قول النبي صلى الله عيه وسلم ومن فعله مثل حديث سلمان وفيه: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا » فيستحب أنه إذا دعا أن يرفع يديه، فهذا الدعاء دعاء القنوت فيرفع يديه كأنه يطلب من ربه خيرا، أما الدعاء داخل الصلاة السري مثلا كدعاء الفاتحة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ وكذلك الدعاء في السجود أو بين السجدتين، فهذا اليدان فيه لهما وظيفة، فاليدان في السجود يضعهما يسجد عليهما، واليدان في الجلسة أو في التشهد يجعلهما على فخذيه ويشير بالسبابة في التشهد أو في الدعاء يشير بها يدعو يها، هذا هو الوارد وذلك؛ لأن الصلاة محل للسكون، أما المداومة، فالمشهور أنه لا يداوم؛ لأنها إنما رويت من قول النبي صلى الله عيه وسلم ولم تثبت من فعله، إنما علّم الحسن هذا الدعاء وعلّم علي دعاء آخر فدل على أنه يفعل ذلك أحيانا لا دائما.

س: وهذا يقول: يسأل سؤال خاص به، أحس باضطراب في بطني قرب الخاتم وأحس أن له صوت، ولكن أشك أنه خرج مني ريح هل هذا حدث ؟.

ج: ليس بحدث بل هو ما يسمى بالقراقر كثيرا ما يحدث أن الإنسان يحس ببطنه بأشياء، بين ذلك النبي صلى الله عيه وسلم في قوله: «لما شكي إليه أن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا » يعني: يتحقق الحدث.

س: وهذا يقول: سألت سؤالا البارحة ولم أجب عنه، وهو كيف نرد على من يقول: إن نزول الله يجعله يخلو منه عرشه ؟.

ج: الجواب: لا يجوز لنا أن نخوض في هذا نحن إذا ثبت عندنا حديث النزول فإننا نقول: ينزل كما يشاء، و ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وليس كنزول الإنسان من سرير أو نحوه، بل ينزل كما يشاء فلا يلزم أن يخلو منه العرش فلا نقول: يخلو أو لا يخلو، هذا إلى الله تعالى، نزوله، نقول: الكيف مجهول.

س: وهذا سؤال يقول ما معنى الأوعال ؟.

ج: معروف أن الأوعال التي نعرف نوع من الصيد، وهي تسمى تيس الجبل، لكونه يعتصم بالجبل كثيرا، والذي له قرون متشعبة، ويسمى أيضا الإيل الذي في الحديث: «لأجعلن له قرني إيّل فيخرج من بطنك فيشقه » ويسمى التيتل، والأنثى منه تسمى الأروى، لكن شبه الملائكة الذين هم حملة العرش بهذه المخلوقات التي هي الأوعال، ثمانية «أوعال يحملون العرش » ولكن ذكر في بعض الروايات أن أقدامهم أو حوافرهم تحت الأرض السابعة، وأن ظهورهم فوق السماء السابعة، يعني: لا يقدر قدرهم إلا الله وفي حديث آخر أنه قال : «أذن لي أن أحدث عن ملك ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة » ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، ما مقدار خلقة هؤلاء؟ الله أعلم الله الذي خلقهم.

س: ويقول هذا السائل: ما هو العرش، وقد ثبت أنه موضع قدمي الرحمن؟، وما هو الكرسي؟.

ج: أما العرش: فهو الذي خصه الله بالاستواء عليه، وليس هو موضع القدمين كما قالوا، بل هو الذي استوى الله تعالى عليه كما يشاء وهو لا شك أنه مخلوق كبير، وأنتم تعرفون اسم العرش، اسم العرش هو سرير الملك كما حكى الله تعالى في قصة بلقيس: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ﴾﴿ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾ فالله تعالى رب العرش العظيم الذي لا يقدر قدره إلا الله، أما الكرسي ففسر بأنه كالمرقاة بين يدي العرش، وفسر بأنه موضع القدمين والله تعالى-أعلم بذلك.

س: قول المعتزلة: إن الله لم يكن متصفا بالخلق قبل خلق القلم ، هل نرد عليهم بأن الله كان متصفا بالخلق قبل أن يخلق أم ما هو الصواب؟.

ج: ذكر أهل السنة كما في عقيدة الطحاوي: أن الله تعالى- متصف بالصفات قبل أن توجد آثارها فيقول: متصف بأنه الرازق قبل أن يوجد الخلق الذين يرزقهم، متصف بأنه الجواد قبل أن يوجد من يجود عليهم، متصف بأنه الخالق قبل أن يخلق أحدا، متصف بأنه الكريم قبل أن يوجد من يتكرم عليهم ، متصف بأنه العزيز الحكيم وأشباه ذلك قبل أن توجد آثارها أو مؤثراتها، فمادام كذلك فنقول: إن الله هو الذي خلق القلم وخلق العرش وخلق المخلوقات، واسمه الخالق قبل أن يوجد المخلوقون.

س: يقول هذا السائل: أيهما أفضل وأوجب طلب العلم أو الجهاد في سبيل الله وأنت تعلم ما تلاقيه الأمة الإسلامية والمسلمون في هذا الأثر فما حكم الجهاد في هذه الحالة ؟.

ج: نقول: لا تجاهد إلا بعد أن تتعلم، تتعلم دينك وتتعلم الأحكام التي تلزمك، فطلب العلم لا شك أنه أوجب الواجبات، فالمصلي لا يصلي إلا بعد ما يتعلم أحكام الصلاة وكيفيتها، وكذلك الحاج لا يحج إلا بعد ما يتعلم كيفة أداء المناسك وكيفية المشاعر وأعمالها وما أشبه ذلك، وكذلك بقية العمال، فكذلك الذي يجاهد وهو جاهل بصلواته وجاهل بكلام ربه وجاهل بدعائه وجال بالأحكام وجاهل بالعقيدة وجاهل بالتوحيد، ما فائدة هذا العمل؟ يجاهد وهو لا يعرف شيئا، فعليه أن يتعلم العبادات الواجبة ويتعبد بها ويؤديها، فإذا كان على بصيرة من أمره فبعد ذلك له أن يبدأ بالجهاد، ولا شك أن الجهاد من أفضل القربات والأعمال سيما في الزمن الذي تشتد فيه غربة الإسلام وتحتد فيه قوة الكفار ويكثر فيه كيد الأعداء على المسلمين كما في هذه الأزمنة التي تكالبت فيها الأعداء على كثير من بلاد المسلمين، فالمسلمون الذين عندهم قدرة وقوة ومعرفة يلزمهم أن يجاهدوا بما يستطيعون لقوله في الحديث: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم » كل يجاهد على حسب علمه وعلى حسب قدرته.

س: هذا يقول: يوجد في دولتنا أئمة مساجد صوفيون يعلمون الولاد التصوف وهم من الهنود فهل يجوز استخدام الحيل معهم لإخراجهم من بلدنا علما بأن مكتب الأوقاف القائمون عليه صوفيون ؟.

ج: نقول: إذا كان التصوف بمعنى الزهد ولباس الخشن من الثياب فهذا لا بأس به، وإن كان التصوف هو الاعتقاد في الأئمة، والاعتقاد في الأولياء، وأن الأولياء أفضل من الأنبياء وأن لهم مكانة أرفع من الأنبياء، وأن الولي يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه النبي أو الملك أو نحو ذلك، فمثل هؤلاء خطرهم كبير، فإذا كان يعلمون أولاد المسلمين هذه العقائد السيئة فعلى الذي له قدرة أن يمنعهم أو يسعى في منعهم بأية وسيلة.

س: بعض الأخوة يثني على الكوثري ويدافع عنه بشدة ويقول: إن ما حدث بينه وبين شيخ الإسلام ابن تيمية وتكفيره له إنما هو اجتهاد منه وخلاف بين أهل العلم وهو بين أجر أو أجرين، أما من يقول بقريب من هذا القول موجود معنا الآن فهل ننصحه علما أنه يطلق على الكوثري شيخ الإسلام ومجدد الملة؟.

ج: هذا لا شك أنه اجتهاد خاطئ هذا الذي يمدح الكوثري، فالكوثري هو في الحقيقة عالم بالحديث، وله اطلاع على الأحاديث ومعرفة بأماكنها، إذا حقق كتابا فإنك تجد أنه يذكر مواضع الأحاديث والدلالة عليها، ومع ذلك يؤخذ عليه مآخذ: المأخذ الأول: تشدده في نصر المذهب الحنفي، وتصلبه فيه ولو خالف الدليل؛ ولأجل ذلك رد على الخطيب صاحب "تاريخ بغداد" لما ترجم أبا حنيفة أطال في ترجمته، استغرقت ترجمته نحو مائة صفحة من "تاريخ بغداد" نصفها أو ثلثها في مدح أبي حنيفة والباقي في ذمه، فرد عليه هذا العالم الذي هو الكوثري بكتاب له مطبوع اسمه "تأنيب الخطيب" ثم إن الكوثري في هذا الرد تشدد وبالغ في ذلك حتى طعن في رجال لا مطعن فيهم من الأسانيد، يريد بذلك أن يرد تلك الأسانيد التي يستدل بها الخطيب في الطعن على أبي حنيفة، وكان الأولى أن يقول: هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة في أبي حنيفة مجتهدون على حسب ما قيل فيهم ولا نطعن في تلك الأسانيد بالطعن في رجال غير متهمين، تعرفون أنه رد عليه العالم المشهور الذي هو عبد الرحمن المعلمي أو المعلمي في كتابه المطبوع الذي سماه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" في مجلدين ناقشه في ذلك مناقشة كاملة.

وبكل حال هذا مما يؤخذ عليه، تعصبه للمذهب الحنفي حتى إنه انتقد الإمام ابن القيم في رده على الحنفية، لعل ذلك مر عليكم أمثلة منه في أصول الفقه، فإنه ابن القيم رحمه الله في كتاب "أعلام الموقعين" ناقش مخالفات الحنفية لكثير من الأحاديث، وقال: خالفتم الحديث كذا وخالفتم الحديث كذا وكذا، فالكوثري انتقده في ذلك، مع أنه مسبوق بذلك قد سبقه إلى ذلك ابن أبي شيبة، لعلكم اطلعتم على ذلك في آخر مصنفه، فإنه جعل نحو نصف مجلد كلها في ما خالف أبو حنيفة له من الأحاديث، الأحاديث التي خالفها أبو حنيفة، على كل حال هذا مطعن منه، ولكن هذا سهل، ولكن الأمر الأشد هو مبالغته في نصر المذهب الأشعري، وبالأخص صفة العلو، فإنه بالغ في ذلك وأنكر على من نشر الكتب التي تعتني بذلك.

ولما طبع بعض الكتب في زمانه امتعض لذلك وغضب على كتاب التوحيد لابن خزيمة، حتى قال: الأولى أنه يسمى كتاب الشرك أو كتاب التشكيك، كتاب التوحيد لابن خزيمة مع ما فيه من الأحاديث الصريحة الصحيحة في الأسماء والصفات، ولما طبع كتاب الدارمي الذي هو رد الإمام الدارمي على بشر المريسي العليل امتعض أيضا لذلك وغضب وأنكر على الذين طبعوه، وذلك؛ لأن فيه تصريح بالرد على شبهات المعتزلة والأشاعرة ونحوهم، فهو في هذا الباب يبالغ ـ عفا الله عنه وعامله الله بما يستحق ـ يبالغ في الرد على من يحدث هذه الصفات، وقد سمعنا أنه حقق كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي وأفسده بكثرة التأويلات والتحريفات التي علق عليه، وقدم له مقدمة ذكر فيها ابن تيمية وابن القيم وبالغ في الحمل عليهما، وسبهما سبا مقذعا نحن نقول: المرجع هو الدليل، هل تستطيع يا كوثري أو غيره أن ترد هذه الأدلة؟ لا تستطيع ذلك إلا بتأويلات بعيدة يبعدها العقل، فعلى المسلم أن يأخذ الدليل منه، ويقول بعض العلماء في الأقوال: أيها المنصف انظر إلى المقال لا إلى القائل، انظر إلى القول ولا تنظر إلى من قاله، فاقبل الحق ممن قاله ولو كان عدوا بعيدا، ورد الباطل على من قاله ولو كان صديقا حميما، والله أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

انتهينا من أدلة إثبات صفة العلو لله –سبحانه-، وكان آخر ما قرأنا الأثر المروي عن الإمام مالك، وهو قوله: الاستواء معلوم أو غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ويقال: هذا من الصفات، فإذا قيل: كيف نزل؟ نقول: النزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، أو كيف يجيء؟ أو كيف يأتي؟ أو كيف يتكلم؟ أو ما أشبه ذلك، الكيف مجهول، ثم هذا أيضا معنى ما أثر عن السلف في قولهم في آيات الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف، وكثيرا ما يقولون في آيات الصفات طريقة السلف: إمرارها كما جاءت من غير تكييف، فهذه طريقتهم، وقد ذكرنا وتكرر معنا أن قوله: الاستواء معلوم، يقال أيضا كذلك في بقية الصفات، ويقال في المحبة وفي الرحمة وفي الرضا وفي الغضب وفي الإرادة وفي العلم أنها معلومة ولها كيفية، تلك الكيفية مجهولة، والآن نبدأ في مسألة الكلام، نستمع إلى كلام الموفق: