موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إثبات صفة العلو لله تعالى - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - إثبات صفة العلو لله تعالى

إثبات صفة العلو لله تعالى

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه » وقال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة » رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة .


قلنا: إن هذا ابتداء في صفة العلو وهي من الصفات الذاتية، ومن الصفات التي كثر فيها النزاع وكثر فيها المخالف، وطال فيها الكلام والجدال بين أهل السنة وبين المبتدعة، وأنكرها أغلب الأشاعرة أنكروها، وكذلك المعتزلة، غالب الفرق الضالة، وما ذاك إلا أنه في زعمهم، أن إثبات صفة العلو يستلزم التحديد، أو يستلزم التجسيم، ويستلزم التحيز وهم يستعظمون ذلك، يستعظمون أن يكون الله في حيز أو في جهة، أو أن يكون الرب موصوفا بجهة أنه في هذه الصفة، يخيل إليهم أنه إذا وصف بذلك أنه محصور وأن جهة تحويه أو نحو ذلك، ونحن نقول: إنه أثبت لنفسه هذه الصفة، ولا يلزم من ذلك ما تخيلوه بل هو فوق العباد كلهم، ومع ذلك لا تحويه الجهة التي يشار إليها ولا تحصره، وليس هناك محذور من إثبات هذه الجهة أو هذه الصفة.

الدليل الأول: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ذكر العلماء أن صفة العلو دل عليها العقل، وصفة الاستواء دل عليها السمع، العقل والفطرة تضطر كلَّ عاقل إلى أن يطلب ربه من فوقه، إذا دعا الله -تعالى- فإنه يجد من قلبه ارتفاعا ونظرا إلى العلو لا يلتفت يمنة ويسرة، ولا يطلب عن يمينه ولا عن يساره ولا تحته ولا أمامه ولا خلفه، بل فطرته وعقله يضطره إلى أن يرفع يديه ويرفع نظره ويرفع قلبه، ويستحضر أن ربه فوقه، فهذه الفطرة فطرة عقلية لا يستطيع أحد أن يجحدها، بل ذكروا أنها حتى في البهائم، إذا أجدبت فإنها ترفع رءوسها إلى السماء تستسقي كما قاله بعضهم، بل إنها فطرة حتى في الجاهلية كما ذكر ذلك ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" قال: إنها مقالة معروفة حتى عند الجاهلية في قول بعضهم: "إذا كان ربي في السماء قضاها".

وبكل حال فصفة العلو صفة ذاتية، ثم هي أيضا صفة ثابتة أدلتها متواترة لا مجال لإنكارها إلا مع المكابرة والمعاندة، وقد ذكر العلماء أن الأدلة عليها كثيرة وحصروها في واحد وعشرين نوعا، وبعض الأنواع أفراده قد تصل إلى عشرين دليلا أو أكثر، وقد يصير مجموع الأفراد إلى ألف دليل، مما يكون سببا في الاضطرار إلى الإقرار بهذه الصفة، والذي ذكرها واحدا وعشرين نوعا ابن القيم في منظومته "النونية" الكافية الشافية، ولما قسمها إلى واحد وعشرين نوعا بدأ بآيات الاستواء التي هي:

...................................... *** سبع أتت في محكـم القـرآن

وكـذلك اطـردت بلا لام ولو *** كانت بمعنى اللام فـي الأذهان

لأتت بها فـي موضع كي يحمل *** البـاقي عليهـا وهو ذو إمكان

أي: أن آيات الاستواء وردت في سبعة مواضع في سورة الأعراف، وفي سورة يونس وفي سورة الرعد، وفي سورة طه وفي سورة الفرقان وفي سورة السجدة، وفي سورة الحديد، كلها ذكر فيها الاستواء.

السلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

فصفة العلو صفة ذاتية، ثم هي أيضا صفة ثابتة أدلتها متواترة لا مجال لإنكارها إلا مع المكابرة والمعاندة، وقد ذكر العلماء أن الأدلة عليها كثيرة وحصروها في واحد وعشرين نوعا وبعض الأنواع أفراده قد تصل إلى عشرين دليلا أو أكثر، وقد يصير مجموع الأفراد إلى ألف دليل، مما يكون سببا في الاضطرار إلى الإقرار بهذه الصفة، والذي ذكرها واحدا وعشرين نوعا ابن القيم في منظومته النونية الكافية الشافية، ولما قسمها إلى واحد وعشرين نوعا بدأ بآيات الاستواء التي هي:

..................................... *** سبع أتت في محكـم القـرآن

وكـذلك اطـردت بلا لام ولو *** كانت بمعنى اللام فـي الأذهان

لأتت بها فـي موضع كي يحمل *** البـاقي عليهـا وهو ذو إمكان

أي: أن آيات الاستواء وردت في سبعة مواضع في سورة الأعراف، وفي سورة يونس وفي سورة الرعد وفي سورة طه وفي سورة الفرقان وفي سورة السجدة وفي سورة الحديد، كلها ذكر فيها الاستواء، وخص الاستواء بالعرش، وقد ذكر أن هذا إجماع من العلماء.

الدليل السادس عشر يقول:

هــــذا وســادس عشـــرها *** إجماع أهـل العلم أعني حجـة الأزمان

من كل صـاحب سـنة شـهدت لـه *** أهـل الحــديث وشــيعة الرحـمن

لا عــبرة بمخـالف لــه ولــو *** كـان عديـــد الشــاء والجـعران

ثم ذكر تفسيرهم لآيات الاستواء بقوله:

ولهــم عبــادات عليهـا أربــع **** قــد حـصلت للفـارس الطعـان

وهـــي اسـتقر وقـد علا وكـذلك *** ارتفع الـذي مـا فيـه مـن نكران

وكــذاك قــد صعـد الذي هو رابع *** وأبــو عبيـدة صـاحب الشـيبأني

يختــار هـــذا القـول في تفسيره *** أدرى مــن الجــهمي بــالقرآن

والأشـــعري يقـول: تفسير استوى *** بحقيقـة اســتولى مــن البهتان

فذكر أنهم فسروا الاستواء، هذا هو المشهور عندهم، الكثير منهم يقولون: استوى استواء يليق بجلاله ولكن لما كان الاستواء له مفاد فإنهم فسروه، وسيأتينا قول الإمام مالك: الاستواء معلوم، وإذا كان معلوما فإنه فصيح وبلغة فصيحة فلا بد أنه يفسر ولا بد أنه يترجم من لغة إلى أخرى ولا بد أن يكون له معنى؛ فلذلك فسروه بأربع تفسيرات: التفسير الأول: استقر، استوى استقر مشهور ذلك عنهم، ومع ذلك فالنفاة أخذوا يوردون عليه إيرادات وحشية فرضية، ذكرها ابن خطيب الري الذي هو الرازي صاحب التفسير الكبير في سورة الأعراف عندما أتى على هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفسر الاستواء قال: إنه هناك من فسره بالاستقرار، زيفه بوجوه، وأطال على ذلك، وكذلك صاحب الكشاف، وهو الزمخشري ونحوهم من المعتزلة والأشاعرة، ولكن لا عبره في تزييفهم فإن تلك التزييفات التي زيفوه بها والتي طعنوا فيه بها كلها تخيلات وعقليات لا يلتفت إليها مع مقابلة النص ومع الذي تؤيده اللغة الفصحى.

وإذا قلنا: استوى أي: استقر فلا محذور في ذلك، فالله –تعالى- مستقر على عرشه، ولكن لا يلزم من ذلك محذور.

والتفسير الثاني: هو الذي يفعله ابن جرير وابن كثير أيضا عند تفسير آيات الاستواء يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: علا، هكذا يقول، وهو صريح في العلو الذي هو العلو الحقيقي.

والتفسير الثالث: الارتفاع: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع.

والرابع: الصعود، استوى على العرش، أي: صعد، سمعنا أن أبا عبيدة يختار هذا القول، معمر بن المثنى الشيبأني وهو من علماء اللغة فيفسر " استوى" بمعنى: صعد، وذكروا عنه أنه نقل عن بعض فصحاء العرب، طرق عليه الباب بعض أصحابه وكان في علية مرتفعة فقال لهم: استووا يعني: ارتفعوا، فكأنه يقول: إن الاستواء بمعنى الصعود "استوى" ومعلوم أيضا أن الكلمة وردت بعدة عبارات ووردت في القرآن غير مقيدة بحرف.

قال –تعالى-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ههنا لم يكن بعدها حرف فكيف تفسر؟، تفسر هنا بمعنى الكمال، "استوى": ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ يعني: كمل، والموضع الثاني أنها قيدت بـ "إلى" قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ هنا قيدت بـ ( إلى ) وتفسر أيضا "استوى" إليها يعني: ارتفع إليها.

وأما إذا قيدت بـ "على" فلا خلاف أنها بمعني العلو، ومنه قوله –تعالى-: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ يعني: ارتفعت عليه واستقرت عليه، وهو جبل رفيع لما أنه نضب الماء استوت السفينة على ذلك الجبل فها هنا استقرت وارتفعت وصارت مرتفعة فوقه، وكذلك قوله –تعالى-: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يعني: المركوبات أي تستقروا وترتفعوا، وكذلك قوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ يعني: ارتفع السنبل: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ أي: ارتفع، فعرفنا أن هذا دليل واضح على أنها إذا قيدت بـ "على" فهي دالة على الارتفاع.

إذن فهي دليل واضح على الارتفاع أن الله فوق العرش ارتفع فوق العرش كما يشاء، أما المعتزلة ونحوهم من النفاة فقد كبرت عليهم هذه الآية وذكروا عن الجهم الذي هو رئيسهم لما قرأ هذه الآية، وعنده بعض أصحابه قال: لو تمكنت لمحوت هذه الآية من المصاحف -والله حسيبه- كأنها ثقلت عليه، ولما ثقلت عليهم كانت صريحة في الرد عليهم لم يجدوا بدا من الخوض في تأويلها، وأكثرهم فسروا "استوى" باستولى، واستدلوا ببيت لا يعرف قائله، الذي يقول فيه:

قـد استوى بشر على العراق *** من غير سيف أو دم مهراق

لا يدر من هو هذا البيت له، وبعضهم يقول: إنه للأخطل، والأخطل نصراني لم يدخل الإسلام ولو كان عربيا من بني تغلب، ولعل ذلك هو الذي أراده ابن القيم بقوله في النونية:

ودليلهـم فـي ذاك بيـت قالـه *** فيما يقال الأخطل النصراني

وفي لامية شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيها:

قبـح لمن نبـذ الكتـاب وراءه*** وإذا استدل يقول: قال الأخطل

ثم نقول: هذا البيت على تقدير صحته، الاستواء فيه بمعنى العلو استوى على العراق، يعني: استقر على سريرها، فهو دال على العلو، فلا يكون دالا على الاستيلاء، ثم نقول: إن الاستيلاء ليس خاصا بالعرش، وهذا هو الذي ذكره ابن القيم عن الأشعري:

والأشـعري يقول تفسير استوى *** بحقيقة استولى من البهتان

 فالأشعري هو أبو الحسن الذي تنتسب إليه الأشعرية إلى مذهبه الأوسط وقد رجع عنه، ذكر في كتابه الإبأنة يقول: إنهم فسروا الاستواء بالاستيلاء، ولو كان الأمر كما يقولون لم يكن للعرش ميزة، فإن الله -تعالى- مستولٍ على كل شيء، ولا يجوز أن يوصف بأنه استولى على غير العرش، فلا يجوز أن تقول: إن الله استوى على الجبال، إن الله استوى على الأرض، إن الله استوى على الحشوش، إن الله استوى على الأشجار وعلى القصور، لا يجوز ما دام أنه خص الاستواء بالعرش فنخصه به، فإذا كان الاستواء بمعنى الاستيلاء، فلماذا يخص العرش وحده؟ الله مستول على الجميع هذا من جهة، ومن جهة ثانية أن الاستيلاء لا يكون إلا بعد منازعة، سمعت حكاية أن بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة في مسجد من المساجد يتكلم على الاستواء، وأخذ يكرر أن استوى بمعنى استولى، الله هو المستولي، ويستولي على العرش وكذا وكذا، ثم إن بعض الحاضرين أمر غلاما له صغيرا في الثانية عشر أو الثالثة عشر أن يخرج ويطل من على النافذه ويقول له: بلهجته، قبل أن يستولي على العرش من العرش له؟ فبهت ذلك الذي يتكلم، فقالوا له: صحيح هذا سؤال وارد، نحن نقول مثلا: إن هذه البلاد قد كانت في غير ملك الدولة في ملك آل رشيد مثلا، ثم إن الملك عبد العزيز جاء واستولى عليها بعد قوة وبعد منازعة، لما أنهم كانوا مغتصبين ومستولين عليها بدون حق ردها الله إلى الملك عبد العزيز بعد قوة.

إذن لا يكون الاستيلاء إلى بعد منازعة وبعد مجادلة ونحوها، كذلك يقال: من العرش له قبل أن يستولي عليه؟ وكذلك غيره، وبهذا نعرف بطلان هذا التفسير.

التأويل الثاني: قالوا: إن العرش بمعنى الملك، استوى على العرش، أي: استوى على الملك، وهذا أيضا بعيد تفسيره للعرش بأنه الملك كله إبطال للعرش الذي ذكره الله -تعالى- ووصفه بصفات خاص الله -تعالى- وصف هذا العرش بقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ هل يقال رب الملك؟: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ وذكر أنه يحمل: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ في آيات كثيرة، أفتبطل هذه كلها ويقال العرش الملك؟! هذا من خطأ، زيادة على النصوص الكثيرة التي فيها إثبات حملة العرش وكيف حملوه وعددهم وبأي شيء حملوه وما أشبه ذلك، كل ذلك يدل على أن العرش مخلوق كبير لا يعلم قدره إلا الله -تعالى-.

ورد في بعض الأحاديث أن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، نسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، الحلقة هي الحديدة المتلاقية الطرفين، ماذا تشغل من أرض واسعة فلاة؟ فكذلك نسبة العرش والكرسي، العرش لا يعلم قدره إلا الله والكرسي هذه نسبته مع أن الكرسي قد وسع السموات والأرض، الكرسي وسع السموات والأرض كما نص الله على ذلك وقال بعض السلف: ما السموات السبع والأراضين السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس، الترس هو المجن الذي يوضع على الرأس في القتال ماذا تشغل السبعة منه؟، فإذا كانت هذه نسبة المخلوقات العلوية والسفلية العظيمة إلى الكرسي وهذه نسبة الكرسي إلى العرش فما تكون نسبة العرش وما هو مقداره؟ لا يقدر قدره إلا الله -تعالى-، الأمر عظيم، إذن فهذان تأويلان باطلان والأول هو الأشهر استوى بمعنى استولى، أنهم زادوا فيها لاما، ويسمى هذا تحريفا لفظيا، زيادة هذه اللام.

سمعتم كلام ابن القيم في النونية يقول:

كــذلك اطّـــردت بلا لام ولــو *** كـانت بمعنـى اللام فـي القـرآن

لأتـت بهـا فـــي مــوضع كــي *** يحمل الباقي عليها وهـو ذو إمكان

لو كانت بمعنى اللام لكانت في موضع واحد من السبعة ذكر استولى حتى يقولوا: نحمل هذا على هذا، نحمل المطلق على المقيد، إذن فهذه اللام التي زدتموها زائدة في القرآن شبيهة بالنون التي زادها اليهود حينما قيل لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالوا: حنطة، هكذا شبهها ابن القيم بقوله:

نـون اليهود ولام جهـميّ هما *** فـي وحـي رب العرش زائدتان

شبهها بنون اليهود، هذا تحريف لفظي، إذن فنحن نعرف أن هذا من الأدلة الواضحة على صفة العلو لله -تعالى- ولا نخوض في أكثر من ذلك.

الدليل الثاني: الآيات التي فيها ذكر " في السماء ": ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الله -تعالى- أفرد يعني: قطع الكلام عن ما بعده بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هذا وقف مطلق. .. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هنا وقف مطلق أو وقف جائز... ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبً﴾ لا شك أن هذا دليل واضح على إثبات العلو، كيف نحمل هذه الآية؟، يفسرونها بتفسيرين: الأول أن تكون (في) بمعنى ( على ) فتكون في السماء بمعنى على السماء، وهذا مشهور في اللغة كما في قوله –تعالى- ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ في الأرض أي على الأرض وفي آيات كثيرة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس المراد في جوفها، أي على الأرض، وكذلك قوله عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ليس المراد أنه ينحت لهم ويدخلهم في الجذوع بل المراد أنه يصلبهم عليها على جذوع النخل، فدل على أن (في) تأتي بمعنى ( على ) ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾ يعني: على السماء.

التفسير الثاني: أن السماء بمعنى العلو، فإن كل ما ارتفع فإنه سماء يقولون: سما فلان يعني: ارتفع سما هذا البناء: ارتفع، هذا بناء سام أي: مرتفع، هذا جبل سامٍ أي: مرتفع، أي: رفيع ، فالسمو بمعنى الارتفاع، فإذا قيل: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: من في العلو، من في جهة العلو التي لا يعلم نهايتها وقدرها إلا هو –سبحانه- فلا دليل فيها على الحصر، ليس معنى: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أن السماء تحصره أو تحويه، -تعالى الله- بل هو فوقها كما يشاء، وإذا استدلوا بقوله –تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قد يستدلون بهذا، ويقولون: هذا دليل على أنه في الأرض كما أنه في السماء، والجواب عن هذه الآية وعن الآية التي في أول سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ .

الجواب: أن المراد: الإله، الإله في السموات والإله في الأرض، الإله بمعنى المألوه، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ يعني: مألوه، يعني: إله أهل السماء، وإله أهل الأرض الذي تألهه القلوب والذي يستحق أن يكون إلها معبودا وحده، وذلك؛ لأنه لم يقف عند السماء، بل وصلها لم يقل وهو الله في السماء، وهو الذي في السماء وفي الأرض بل قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ يعني: إله في السماء وإله في الأرض، ويمثل بعضهم ذلك بما إذا قلت مثلا: فلان أمير في الرياض وأمير في مكة وأمير في المدينة، مع أنه في أحدهم، هل معنى أن إمارته عامة لهذه البلاد، فكذلك الله –تعالى- ألوهيته عامة للسموات وللأرض ولما شاء الله، إله أهل السماء وأهل الأرض، هذا الدليل الذي هو إثبات ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ورد أيضا في الأحاديث فالحديث الأول: قوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» .

حديث مشهور في سنن أبي داود وإن كان في سنده مقال، ولكن شيخ الإسلام يكثر الاستدلال به مما يدل على أن المقال لا يقدح فيه، في رقية المريض يقول فيه: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع » يقول: «إذا مرض أحدكم أو مرض أخ له فليقل: ربنا الله. .. » ثم ذكره، واضح قوله: «ربنا الله الذي في السماء » ولم يقل في السماء والأرض، ولم يقل: في السماء ملكك، كما يعبرون عنه، أو في السماء سلطانه كما تقوله النفاة، أو في السماء أمره كما يقولونه، الأحاديث في هذا كثيرة.

ومنه هذا الحديث الثاني قصة الجارية، «جاء رجل وقال يا رسول الله: إن علي عتق رقبة وإن عندي جارية، أفعتقها ؟ فجاء بها –فامتحنها النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة؟ » ؛ لأن من شرط العتق أن يكون العتيق مؤمنا لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أول شيء بدأه بقوله: «أين الله؟ فقالت: في السماء » –إما أن ذلك فطرة، وإما أن ذلك عن علم تلقت ذلك وتعلمته-، قال: «من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة» زكاها وشهد لها بالإيمان مع أنها اعترفت بأن الله في السماء، فدل أنه لا يكمل الإيمان إلا بهذا الشرط، الاعتقاد أن الله في السماء، فيفيد أن من اعتقد غير ذلك فإنه ناقص الإيمان ، ومثل هذا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » أي: ربكم الذي في السماء، ومثله قوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» أي: يأتيني الخبر من السماء أي: من الله الذي في السماء، والأحاديث كثيرة، والحاصل أن هذا دليل من أدلة إثبات العلو، ومحمله كما قلنا.

وبعد ذلك نواصل.