موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة

الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا » وقوله: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة» وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة » فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت روايته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ وكل ما يخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله -تعالى- بخلافه.


هذه الأحاديث من أحاديث الصفات الفعلية، أحاديث النزول، ذكر ابن كثير وغيره أنها متواترة، ويذكر أن الذين رووها نحو عشرة من الصحابة أو أكثر، ومن أراد الاطلاع عليها، أكثرها مروي في كتاب ابن القيم الموصوف "بالصواعق المرسلة" وكذلك في كتاب الحكمي كتاب حافظ الحكمي "معارج القبول" وتجد لها أيضا في أمهات الكتب أحاديث النزول بلفظ نزل أو بلفظ ينزل، أو بلفظ هبط أو يهبط أو نحو ذلك، ومعلوم أن النزول لا يكون إلا من أعلى، فهي دالة على أن الرب -تعالى- موصوف بصفة العلو وأنها صفة ذاتية بجميع أنواع العلو كما سيأتي، وأما النزول فإنها صفة فعلية ينزل إذا شاء.

والحديث في أنه ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر وأنه يقول: «من يدعوني فأستجيب ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له » يتودد إلى عباده وهو عنهم غني، وإذا آمنا بهذه الصفة فإننا نكل كيفيتها إلى خالقها إلى الرب الذي أثبتها لنفسه ولا نتقعر في ذلك ولا نبالغ في الإنكار، فنقول: ينزل كما يشاء، فإذا قالوا: إن النزول يستدعي حركة، إن النزول يستدعي أن يخلو منه العرش، إن النزول يستدعي أن يكون بعض المخلوقات فوقه، إن النزول يستدعي أن يكون محصورا، قلنا: سبحان الله وبحمده، تعالى الله عن أن تدركه الظنون وأن تتخيله الأذهان وأن تمثله الأوهام -تعالى الله عن ذلك-، بل الرب -تعالى- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ونزوله يليق به ولا يماثل أحدا من خلقه في هذه الصفة.

وقد تكلم على هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في رسالة مستقلة بعنوان "شرح حديث النزول" رسالة قد تكون تقرب من ستين صفحة أو أكثر في بعض الطبعات، كلها على هذا الحديث، وما ذاك إلا لكثرة الخوض فيه، رفع إليه هذا السؤال، وكان من جملة ما أشكل على السائل الذي أنكره قال: إن الليل يختلف باختلاف البلاد فقد يكون ثلث الليل في هذا البلد هو ضحى ونهار في بلد أخرى، فيلزم ذلك أن يكون النزول مستمرا عند كل أهل جهة في ثلث ليلهم.

أجاب شيخ الإسلام بأنه لا مانع؛ لأن الله -تعالى- لا يشغله شأن عن شأن، لا مانع أن ينزل عند هؤلاء وهؤلاء كما يشاء، وأيضا يمكن أن النزول يختص ببلاد المسلمين وبكل حال نثبت هذه الصفة ولا نردها، لماذا؟ لأن الله -تعالى- على كل شيء قدير؛ ولأن الذين نقلوها هم الذين نقلوا جميع الأحكام فإذا رددناها لزم أن نطعن فيهم وفيما نقلوه، ونخطئهم، ولهذا يقول أبو الخطاب الكلوزاني في عقيدته:

قالـوا: النزول فقلت ناقلـه لنا *** قـوم همـوا نقلـوا شريعة أحمد

قـالوا: فكـيف نزوله فأجبتهم: *** لم ينقـل التكييف لي في مسـند

يقول: ناقلوه لنا الذين نقلوا الشريعة، فكيف نرد هذا النقل ونقبل أمثاله وعشرات الأمثال له، لمجرد أن العقل أنكر هذا في زعمكم مع أنه زعم خاطئ؟ وإذا أثبتناه فلا نخوض فيما وراء ذلك كما تقدم يعني: أنا لا نقول: إن نزوله يشبه نزول الإنسان من كذا وكذا فإن هذا خطأ، وخطّأ العلماء النقل الذي ذكره ابن بطوطة في رحلته حيث ذكر أنه وصل إلى دمشق يقول: فوجدت فيها ابن تيمية وإذا هو على المنبر يتكلم على النزول فقال: إن الله ينزل كنزولي هذا، يعني: من المنبر، قالوا: هذا كذب على ابن تيمية من ابن بطوطة، ابن تيمية قد تكلم على النزول في هذا الحديث ولم يقل: إنه كنزوله من المنبر أو كنزوله من سطح أو نحو ذلك، بل قال: ينزل كما يشاء،، ثم خطئوه أيضا وقالوا: إن ابن بطوطة لما أتى إلى دمشق كان ابن تيمية قد سجن في القلعة فكيف رآه؟ مما يدل على أنه كذب هذه الكذبة، أو تلقاها من بعض الكاذبين، فلا يقال: إن ابن تيمية يمثل النزول بنزول الإنسان وحاشاه من ذلك.

الحديث الثاني حديث العجب: «عجب ربك من الشاب ليست له صبوة » هذا الحديث مروي في المسند وفي بعض السنن، وهو مما يستشهد به وإسناده حسن، ومعناه: أن الشاب الذي في سن الشباب عادة يكون له ميل إلى اللهو وميل إلى الصبا وميل إلى اللعب، فإذا من الله على بعض الشباب وأقبلوا على العلم وعلى الدين وعلى العبادة وصدوا عن اللهو واللعب وعما يوجبه الصبا فإن ذلك غاية العجب، وذلك فضل الله عليه، « عجب ربك من الشاب ليست له صبوة » أي: ميل إلى الصبا وإلى اللهو، والشاهد من الحديث إثبات العجب، أن الله يعجب، وهي صفة فعليه لا نكيفها بل نقول: هي كما يشاء الله -تعالى-.

وقد قرأ بعض القراء السبعة قوله -تعالى- في سورة الصافات: " بل عجبتُ ويسخرون" بضم التاء لإسناد العجب إلى الله، وهي قراءة سبعية، لما ذكرها ابن جرير في التفسير قال: مع قراءة «بل عجبت » هما قراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولو قال قائل: بأيتهما نزل القرآن قلنا: نزل بهما جميعا، ففي هذه القراءة أن الله يعجب: " بل عجبتُ " وكذلك في سورة الرعد ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أخبر الله أنه عجب، يعني: أن الله يعجب منهم.

ينكر كثير من الأشعرية ونحوهم صفة العجب أخبرني بعض الزملاء أنه كان يدرس على بعض الأشاعرة، ويعرب له قوله -تعالى- في سورة عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ فهذا الزميل كان قد تلقى عن مشايخه أن: " ما " تعجبية، ما أكثر الماء، تعجبية، فأنكر ذلك الأشعري وقال: لا نثبت صفة العجب ولا نقول: إنها تعجبية، ولكنا نقول: إنها نافية أو أنها ناهية أو ما أشبه ذلك، لماذا لا تثبت؟ قال: العليم الخبير لا يعجب، لا يجوز أن يوصف الله بالعجب؛ لأن العجب إنما هو انتباه شيء في الإنسان وفي القلب يورث دهشة أو نحوها، ترافعوا إلى بعض مشايخ أهل السنة، الظاهر ذلك الأشعري رجع ظاهرا، فقال: نعم. نثبت عجبا لا يشبه عجب المخلوقين، وفي كل حال فهذه من الصفات الفعلية .

ومثلها أيضا حديث آخر في السنن، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غِيَره. .. -وفي بعض الروايات-. .. وقرب حيره ينظر إليكم آزلين قانطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، أو فرحكم قريب » فإن في هذا الحديث إثبات صفة العجب كما أن فيه إثبات صفة الضحك، والحديث الذي عندنا أيضا فيه إثبات صفة الضحك «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة قالوا: كيف ذلك؟ قال: يقاتل أحدهما في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد » فكلاهما قتل شهيدا، فكلاهما يدخل الجنة، القاتل والمقتول، هذا مما يورث العجب، يضحك الله إلى ذلك، نثبت هذه الصفة صفة الضحك، وننفي عنها تشبيهها بما يختص بالمخلوقين، ونقول: إن الله -تعالى- أثبتها لنفسه ونحن نثبتها دون أن نبالغ في التمثيل، أو نقول عنها ما ليس بحق، ومعلوم أن صفة المخلوق تناسبه الضحك للمخلوق الذي هو قهقهة وصوت يكون عن شيء يعجبه أو يفرحه أو يسره، ولكن الرب -تعالى- يضحك كما يشاء بصفة لا نعلمها ولا نعلم كيفيتها.

وفي الحديث الطويل الذي ذكره ابن القيم في "زاد المعاد" وأشار إلى أن علامة الصحة عليه، وحديث أبي رزين العقيلي لما قال في أثناء الحديث: «يضحك الله من قوله فقال أبو رزين: أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: لن نعدم خيرا من رب يضحك » أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.

وفي كل حال هذه من الصفات الفعلية، صفة الضحك لله -تعالى- كما يشاء، وإذا عرفنا هذه الصفات التي وردت في هذه الأحاديث وفي هذه الآيات وهي كثيرة، فموقف أهل السنة منها أنهم يقولون: آمنا بها كما جاءت، نقرها ونمرها ونثبت حقيقتها ولا نرد شيئا منها، ولا نتكلف فيها، ولا نقول: إنها صفات نقص، والرب منزه عنها، ولا نقول: إنها تستلزم كذا وكذا، تستلزم أنه يتجدد لله شيء أو ما أشبه ذلك، يقول هذا الكثير من النفاة وأهل الاعتزال ونحوهم، فإذا أُسندت إليهم أو هذه الصفات يقولون: إن هذا يستلزم حلول الحوادث بذات الله، حلول الحوادث ممتنع ـ تعالى- الله أن تحل به الحوادث، وليس في هذا شيء من الحوادث بل الله يفعل ما يشاء، ويضحك إذا يشاء ويرضى إذا يشاء ويغضب إذا يشاء ويفعل ما يشاء دون أن يكون في شيء من ذلك نقص أو نسبة نقص إلى الله -سبحانه-.

س: هذا السائل يقول: هل يصح أن يقال: إن العينين في الوجه لله ـ -تعالى- ـ وأن الأصابع في اليد، وهكذا أم هذا من التشبيه ؟ .

ج: لم يرد في ذلك ما يعتمد عليه، ولكن بالنسبة للأصابع ورد الحديث الذي فيه أن ذلك اليهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشار بيده، أشار بأصابعه، وقال: «إنا وجدنا في كتبنا أن الله يضع السماوات على ذه والأراضين على ذه والجبال على ذه والمياه والبحار على ذه والمخلوقات على ذه وكل ذلك يشير إلى أصابعه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بعد ذلك الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ وضحك تصديقا لقول الحبر وضحك تصديقا لقول الحبر» فإذا أقره على ذلك أفاد بأن الأصابع في اليد، ولكن مع ذلك لا يلزم أن تكون مثل أصابع المخلوقين في أناملها وفي طولها وفي كذا وكذا، بل إنما فيه إثبات اليد وفيه إثبات الأصابع فيها.

وأما الوجه فأثبت الله -تعالى- الوجه وأثبت النظر له -سبحانه- والرؤية في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ وما أشبه ذلك، فنثبتها كما أثبتها الله وأثبتها أيضا رسوله، وأثبت لربه -سبحانه- كمال الصفات حتى قال في حديث الدجال: «إن ربكم ليس بأعور » فأخذ من ذلك إثبات صفة العينيين كما يشاء الله.

س: وهذا يقول: يوجد حديث ورد فيه ما نصه لمسلم عن ابن عمر مرفوعا: « يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون ؟، ثم يطوي الأراضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون ؟ » .

ج: التساؤل في إثبات لفظ الشمال لله كيف يمكن الجمع بينه وبين الراوية وبين حديث: « المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين » يعني: أن في هذا الحديث: « كلتا يديه يمين » وفي الحديث الثاني: « يطويهن بشماله » .

يظهر لي الجمع بينهما أن المراد بالشمال ما تقابل اليمين، فإن ما يقابل اليمين اسمه شمال، ويظهر من قوله: «وكلتا يديه يمين » أن المراد أنها يمين في البركة، وفي الخير، فإن اليُمن أصله كثرة الخير أصله البركة والخير، فعلى هذا لا مخالفة بينهما « كلتا يديه يمين » مباركة في كثرة الخير، ولله شمال تقابل اليمين، وليس في ذلك نقص.

س:وهذا يقول: ورد الحديث: « لأحرقت سبحات وجهه » ما معنى قوله: سبحات ؟ .

ج: نحن لا نخوض في كيفيتها، معروف أن السبحات هي أسارير الوجه، عندما يكون الإنسان مستنيرا ومشرقا وجهه يكون في وجهه أسارير وتلك الأسارير قد يكون فيها ضياء إذا كان مثلا فرحا مسرورا، فالأسارير التي في جبينه تسمى سبحات -ولله المثل الأعلى- أثبت الرسول له هذه السبحات، ونتوقف عندها.

س: يقول: كيف نوفق بين ما نقل عن ابن تيمية في الفتاوى في آية البقرة ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ وأنها لا تدل على صفة الوجه وما ذكر هو في بيان تلبيس الجهمية من أنها تدل على صفة الوجه، وما ذكره ابن القيم كذلك من أنها تدل على الوجه في "مختصر الصواعق" فهل يصح أن يقال: إن الوجه جزء من ذات الله ؟. .

ج:سؤاله الأول: يعني: المشهور أن آية البقرة: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ قد أخذها بعض أهل الوحدة والاتحاد دليل على أن الله في كل مكان؛ لأنهم قالوا: إذا توجه الإنسان فوجه الله هنا، ووجه الله هنا، ووجه الله هنا، فقال ابن تيمية: في مواضع من "المجموع" إن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وإنما المراد وجه الله يعني: الجهة التي يوجه العبد إليها أو يأمل في توجهه إليها، هكذا الذي نفهم، أما في تلبيس الجهمية ما أذكر أنه قال ذلك، وإن كان قال ذلك فيمكن إنه قال: إنها دالة على إثبات صفة الوجه باللزوم، ولكن يكون معناها أنها دالة على صفة الوجه وعلى صفة الجهات الأخرى، والوجه لا شك انه جزء من الذات في حق الإنسان، وكذلك في حق الله -تعالى- أنه من ذاته، وجه الله من ذاته.

س:وهذا يقول: هناك منشورات تدخل المسجد مقتضاها ترويج التجارة، وتخفيضات لكتب علمية أو أشرطة سمعية ومذابح تبيع اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية؟ .

ج: لا يجوز أن تكون في داخل المسجد إذا كان القصد منها الدعاية إلى التجارة وإلى ترويج البضائع ونحوها، إن أرادوا ترويجها ينشرونها في خارج المسجد في حيطان المسجد الخارجية، أما في داخل المسجد فلا يجوز؛ لأن ذلك دعاية إلى ترويج البضائع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن البيع والشراء في المسجد وقال: « إذا رأيتم من يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك » .

س:هذا يقول: نقل بعضهم عن شيخ الإسلام ابن تيميةالجزء الثاني من كتاب "درء تعارض العقل والنقل" أنه قال بعض السلف: إنهم يثبتون مع مجيء الله وإتيانه حركة، ومنهم إسحاق الحربي وغيره، وفي المسألة خلاف.

ج:لا عبرة بذلك، في كل حال إذا قالوا ذلك فيمكن أنهم قالوا: حركة تناسبه ولا يلزم من الإتيان حلول الحوادث والتغيرات التي هي محظورة عند الأشعرية ونحوهم.

س:وهذا يقول: هل يجوز الإشارة إلى آيات الصفات كأن يقول: يضع الجبار قدمه في النار ويشير إلى قدمه، أو يطوي السماوات بقبضته ويشير بيده ؟.

ج:قد يجوز ذلك مع من يعتقد عدم التمثيل، وأما إذا خيف أنه يفهم منه تمثيل وتشبيه فلا يجوز، ودليله ما ذكرنا في الحديث الذي فيه أن اليهودي أشار إلى أصابعه: « يضع السماوات على ذه والجبال على ذه …إلخ » وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، وقرأ الآية، والأولى أن تقرأ الأحاديث دون أن يشار إلى ذلك إذا كان يتعلق بالصفات، وسمعت أن بعض الشراح وبعض الوعاظ استدل في حديثه أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأنه أشار بأصبعيه، قال: بأصبعين وأشار بأصابعه، وأنا لا أستحب ذلك، بل إذا أراد التحقيق فيقول: أصبعين كما يشاء، إذا أشار بيديه كأنه بأصابعه فكأنه يشبه أصابعه بأصابع الرب -تعالى-.

س:يقول: هل التوسل بدعاء الرجل الصالح يقدح في توكل العبد على الله ؟.

ج: ما يقدح إذا كان ذلك الرجل حيا، الرجل الصالح تطلب منه أن يدعو لك ويستغفر لك فلا يقدح في التوحيد، وأما إذا كان ميتا فلا تطلب منه أن يدعوا، تتوسل به فإن ذلك من الشرك.

س:واما هذا يقول: يستنكر حديث: « يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة » أن في سنده ابن لهيعة.

ج:هذا الحديث حسنه كثير من العلماء، وابن لهيعة ولو كان فيه مقال، لكن يروي عن الإمام أحمد كثيرا مع تشدده ومع تثبته، وكأنهم يقولون: إنه ثقة وثبت وكان يعتمد على كتب له ولكنها احترقت كتبه فوقع في حفظه شيء من الخلل، وفي أحاديثه التي رواها شيء من الخطأ ولكن لا تردوا كل أحاديثه.

س:هذا يقول: ما تفسير السلف الصالح رضوان الله عليهم لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ فإن بعض الطوائف من أهل هذه البلاد تقول: إن كل صفاته هالكة إلا الوجه، ومن ثم يستدلون أن صفاته مخلوقة فهي تبلى كما تبلى كل المخلوقات.

ج:لا يلزم ذلك ولا يجوز، بل وجه الله -تعالى- صفة من صفاته وجزء من ذاته وكل صفاته لا يأتي عليها التغير، فلا يقال: إنها تفنى، -تعالى- الله عن ذلك، فإذا كان وجهه باقيا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ فكذلك بقية صفاته التي هي من ذاته، ونقف عند هذا، والله أعلم وصلى الله على محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

قرأنا في الليلة الماضية بعض الصفات الفعلية، كصفة الغضب وصفة الرضا وصفة الكراهية وصفة السخط وصفة الرحمة وصفة المحبة، وما يلحق بها، وعرفنا أن هذه الصفات تثبت لله -تعالى- كما وردت، ولا يجوز صرفها وتأويلها وتحريفها، كما تفعله النفاة، فمثلا المعتزلة، يفسرونها بالعذاب أو بالثواب، فيقولون: غضبه عقابه ورحمته ثوابه، أو غضبه النار ورحمته الجنة، وأما الأشاعرة فيفسرونها بالإرادة فيقولون: غضبه إرادة الانتقام ومحبته إرادة الإنعام، هكذا يقولون.

قد ذكرنا أنه يلزمهم في الإرادة مثل ما لزمهم أو مثل ما ألزمونا في الغضب والرضا، فإذا أنكروا علينا، فقالوا: تصفون الله بالغضب والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا لا يقوم إلا بمخلوق قلنا: تصفونه أنتم بالإرادة إرادة الانتقام، والإرادة إنما هي ميل القلب إلى ما يريد أو ميل القلب إلى نيل المراد، فإذا قالوا: هذه إرادة المخلوق قلنا: وهذا غضب المخلوق، فالأولى لكم أن تفسروه بغضب يليق بالله وبإرادة تليق بالله، ورحمة ومحبة تليق بالله وأنها صفات حقيقية أثبتها الله لنفسه، وتقولون إن لها لوازم، فإنه إذا غضب فإن المغضوب عليهم يستحقون العذاب، وإذا رضي فالمرضي عنهم من أهل الثواب، وهكذا يقال في بقية الصفات، ونقرأ الليلة في آيات العلو ونحوها، في الليلتين القادمتين -إن شاء الله- في صفة الكلام حيث إنه أطال على صفة الكلام مطلقا، وعلى صفة أن القرآن كلام الله، كذلك أيضا في الليلة التي بعدها لعل ما نقرأ في إثبات الرؤية، وفي الليلة التي بعدها في القضاء والقدر، وهكذا نواصل إلى أن نكمل -إن شاء الله- في هذه الدورة.

والآن نواصل القراءة.