موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة

الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها، قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها، قال: أفوسعهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت، فانقطع الرجل.

فقال الخليفة وكان حاضرا: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه .


هذه القصة مشهورة في كتب السنة تجدونها بطرق كثيرة وبألفاظ كثيرة في كتاب "الشريعة" للآدري وغيره، وفي ترجمة هذا الإمام ولغيره من كتب أهل السنة، هذا الإمام سماه محمد بن عبد الرحمن، وبعضهم سماه محمد بن عبد الله بن محمد، عالم من علماء الأمة ذكروا أنه لما أحضر إلى الخليفة، والخليفة في زمانه هو الواثق. قال له: ناظر أبا عبد الله، يريد المبتدع الخبيث الذي يقال له: أحمد بن أبي دؤاد وكان هو الذي زين للخلفاء أن يفتنوا العلماء وأن يلزموهم بهذه البدعة التي هي القول بخلق القرآن، فقال هذا العالم -رحمه الله-: إنه ليس أهلا أن يناظرني ولا أن أناظره، فغضب الخليفة، وقال أبو عبد الله: لست كفئا وليس أهلا فطمأنه، وقال: مهلا فسوف يظهر الحق ويتبين عند المناظرة، أناظره تمشيا على رغبتك، وقد رويت القصة بآثار مطولة كما في كتاب "الشريعة".

وذكروا أنه كان مقيدا هذا العالم جيء به مؤثقا لما أنه أصر على أن يعلن أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما أحضر عند الخليفة وبدأ في المناظرة أتى بما ملخصه ما سمعناه، قال له: هذه البدعة أو هذه المقالة التي تقول بها أنت هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، خلفاء الأمة، الخلفاء الراشدون خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم الذين زكاهم وشهد لهم بالرشد والهداية؟ هل علموها أو لم يعلموها ؟.

فقال أولا: ما علموها، فتعجب، وقال: كيف تعلمها أنت؟ لم يعلمها الصحابة، ولم يعلمها الخلفاء الراشدون، ولم يعلمها الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمتها أنت، هل نزل عليك وحي؟، هل أنت رسول من الله-تعالى-؟ ما الدليل على رسالتك؟ ما هو الوحي الذي نزل عليك حتى تكون أنت أعلم من الرسول وأعلم من الخلفاء؟.

فتحير ابن أبي دؤاد ولم يجد بدا من أن يقول: بل علموها، فانتقل محمد بن عبد الرحمن ـ رحمه الله ـ إلى أن يقول له: مادام أنهم علموها، فهل دعوا إليها وفتنوا الناس وألزموهم بما ألزمتهم به وعذبوا من أنكرها وحبسوهم وأنكروا على من خالفهم، أو لم يدعوا إليها ؟.

من المعلوم أنهم ما دعوا إليها، بل ولم يشتهر أنهم قالوا: إن القرآن مخلوق، ولم يقل ذلك أحد من الأمة، فقال: لم يدعوا إليها، لا بد أن يعترف؛ لأن التواريخ والقصص مشهورة أنهم ما دعوا إليها ولا فتنوا أحدا، ولا ألزموه بأن يقول هذه المقالة الشنيعة التي هي الإلزام بأن القرآن مخلوق، فلما لم يجد بدا التزم واعترف بأنهم ما دعوا إليها، فعند ذلك قال له: فهلا وسعك ما وسعهم؟ ما دام أنهم علموها وسكتوا وتركوا الناس على معتقداتهم، ولم يفتنوا أحدا، ولم يلزموا أحدا، ولم يعذبوا أحدا، ولم يقولوا لهم: هذه المقالة باطلة، أو هذه المقالة حق أو نحو ذلك، اسكت كما سكتوا، يسعك ما وسعهم.

فإن كنت على صواب فصوابك لنفسك ولا تغير عقائد غيرك، وإن كنت على خطإ فخطأك أيضا على نفسك، أما غيرك فلا تغير عليهم ما دام الرسول وصحابته لم يغيروا عليهم ولم يفتنوهم، ولما انقطعت حجته، وعند ذلك كان الخليفة قد سبب الفتنة، الخليفة الذي قبله.

تذكرون أن أول من اتصل به ابن أبي دؤاد وبشر المريسي من الخلفاء الخليفة المأمون، وهو ابن هارون الرشيد، هذا الخليفة هو الذي أظهر القول بخلق القرآن، ودعا إليه وفتن كثيرا من الأمة ومن الأئمة، وجيء بالإمام أحمد إليه فدعا الله ألا يريه وجهه، استجاب الله دعوته فمات المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، ولكن تولى الخلافة بعد المأمون أخوه المعتصم، وكلاهما من أولاد الرشيد.

الرشيد ـرحمه الله ـ هو رشيد كاسمه، كان يغزو سنة ويحج سنة، وكان ينصر السنة كأبيه وكجده، ولكن ولده هذا المأمون والمعتصم اتصل بهم هؤلاء المبتدعة، وزينوا لهم هذه البدعة التي هي إنكار الصفات، ومنها إنكار كلام الله-تعالى- وإنكار أن يكون القرآن كلامه والقول بأنه مخلوق، جيء بالإمام أحمد وبقي سجينا عند المعتصم وجلد في زمنه عدة مرات، وأطيل تعذيبه وعذب عذابا شديدا ولكنه تحمل ذلك وصبر، ثم بعد ثماني سنين مات المعتصم، وتولى بعده ولده الواثق الذي جرت عنده هذه القصة، قصة الأدرمي، فهو الواثق ولد المعتصم، والصحيح أنه رجع عن هذه المقالة بسبب هذه الحجة التي احتج بها الأدرمي ـ -رحمه الله- ـ، وتولى بعده ولده المتوكل بن الواثق وهو الذي نصر السنة، وأكرم الإمام أحمد وأعزه ومكنه من أن يظهر السنة، واستدل على أن أباه الواثق قد رجع عن هذه المقالة بقصة الأدرمي معه حيث إنه قال: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، مادام انه وسعهم السكوت فكيف لا يسعنا؟، الأولى بنا أن نسكت كما سكتوا وأن نكل الناس إلى ما يعتقدونه من الأدلة، مع أن الإمام أحمد ـ -رحمه الله- ـ قد بالغ في ذكر الأدلة التي استدل بها عندهم، وذكر لهم أحاديث وآيات ومع ذلك لم يقتنعوا، استمروا على مقالتهم الباطلة إلى أن ظهر الحق وعز أهله -والحمد لله-.

هذه أسئلة أكثرها يتعلق بالأحكام، قليل منها عما يتعلق بالعقيدة،

س: يقول هذا السائل: إن بعض الأخوة -هداهم الله- يأتون متأخرين فيضايقوننا في الصف الأول مع عدد وجود فرجة مما يذهب خشوعنا.

ج: كأنه يريد نصيحتهم، وهذا هو الحق أن الذي يأتي متأخرا يصف من حيث وجد ولا يضيق من قبله إلا إذا وجد فرجة، فإن وجد فرجة فله أن يسدها ولو تخطى الرقاب؛ لأنهم أسقطوا حقهم بترك هذه الفرجة في الصفوف الأولى.

س: وهذا يحث على تشجيع الإخوة الذين جاءوا لطلب العلم من دول الخليج وغيرها ؟.

ج: لا شك أنهم على خير -إن شاء الله- الذين تجشموا المشقة وصبروا على العنت وعلى الصعوبات، وفارقوا أهلهم وبلادهم وأنفقوا الأموال التي أنفقوها رغبة في التزود، ومحبة للعلم فيرجى لهم أن يكونوا ممن يحصل لهم ثواب العالم أو ثواب المتعلم، ورد الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة » بشارة كبيرة، هذا الطريق الذي سلكته سواء قصيرا أو طويلا لك فيه أجر خطواتك والمسافات التي قطعتها والزمن الذي قطعته لك -إن شاء الله- الأجر على قدر نصبك وقدر تعبك وقدر تحصيلك، ثم هو أيضا وسيلة إلى التزود، الغالب أن من جاء راغبا محبا فإنه يكون متفرغ القلب ويكون محبا للتزود فيثيبه الله-تعالى-.

س: وهذا يقول: تقديم السؤال بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل هذا موضع السلام فهل يشرع؟، وهل كان الصحابة وهم جالسون في مجلس رسول الله يصدرون أسئلتهم بالسلام ؟.

ج: نعم. السلام مشروع عند كل لقية وكل مقابلة كما شرع للخطيب إذا تقدم أمام الجماعة في الجمعة والعيد ونحوها أن يبدأ مخاطبتهم بالسلام، وذلك لتحصل التحية التي قال الله فيها، قال-تعالى-: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ فإذا تقابل المسلمان فإنهما يحرص كل منهما على البداء في السلام لقوله وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.

س: ما حكم الصيام إذا وافق يوم السبت في غير الفريضة كصيام الست من شوال أو يوم عرفة أو الأيام البيض ؟.

ج: لعل السائل سمع الحديث الذي فيه «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر فليمضغه» والحديث صحيح، وقد اشكل قوله: «فيما افترض عليكم» والصحيح أن معناه فيما شرع لكم، وليس خاصا برمضان، فيما شرع لكم، وفيما أمرتم به ورغبتم فيه، وكأنه نهي عن أن يخصص يوم السبت بالصيام أن يخصص؛ لأجل أنه يوم السبت وذلك؛ لأن اليهود يسبتون فيه فهو يوم عيدهم، فنهى عن تخصيصه حتى لا يتشبه بهم، هذا هو الصواب، وإلا فإنه إذا صامه لا عن قصد فلا مانع، فإذا صام ستة أيام من شوال وكان بينها يوم سبت فلا مانع، وإذا صامه لمناسبة فلا مانع، قد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر أن يصوم يوما ويفطر يوما وقال: إن هذا أحب الصيام إلى الله: «أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» .

من المعلوم أنه إذا أفطر يوم الجمعة صام يوم السبت وأفطر يوم الأحد وصام يوم الاثنين وهكذا، كذلك أيضا قد ثبت أنه رغب في صيام يوم عرفة، وقد يصادف يوم عرفة أنه يوم سبت،وكذلك أيام العشر أخبر بأن العمل فيها أفضل من كل عمل حتى من الجهاد في سبيل الله، وقد يكون من العمل فيها صيامها، وصيامها قد يكون فيها سبت، وكذلك رغب في صيام يوم عاشوراء فأخبر بأنه يكفر السنة التي قبله، وقد يصادف أنه يوم سبت وهكذا أذن لمن صام يوم الجمعة، وصام يوما قبله أو يوما بعده، «لما دخل على أم حبيبة وهي صائمة يوم الجمعة قال: أصمت أمس؟ قالت: لا، أتصومين غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري» لو قالت: نعم. سأصوم يوما بعده الذي هو يوم السبت لأذن لها أن تصوم الجمعة ومعه يوم وهو يوم السبت الذي بعده، فأفاد بأنه يجوز أن يصوم يوم السبت إذا لم يكن مقصودا.

والمسألة قد شرحها ووضحه شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" وذكر مثل هذه الأمثلة.

س: كيف نوفق بين قولكم: كلام الإمام أحمد والشافعي ومالك يعتبر دليلا مع قول القائل لا حجة إلا في كتاب الله وسنة رسوله ؟.

ج: تعترف الأمة بأن هؤلاء هم الأئمة المقتدى بهم، وأنهم أقرب إلى زمن النبوة، وأنهم ممن فتح الله عليهم العلم والحفظ فصاروا حفاظ الأئمة وصاروا فقهاءها، حتى حفظوا ما لم يحفظ من بعدهم إلا ما شاء الله، فالإمام أحمد ـ -رحمه الله- ـ كان يحفظ مائة ألف، أو ألف ألف، مليون حديث، ذكر ذلك الصرفري في قوله:

حـوى ألف ألف مـن أحاديث أسندت *** وأثبتهـا حفظـا بقلـب المـحصل

أجـاب علـى سـتين ألـف قضيـة *** بأخبرنـا لا عـن صحـائف نقـل

وهكذا غيره من الأئمة، فنقول: إنهم لا يقولون شيئا من قبل أنفسهم غالبا، بل يعتمدون الدليل، وإذا لم يجدوا دليلا فغيرهم بطريق الأولى ألا يجد، ولكن مع ذلك ليسوا معصومين، فإذا وجد لأحدهم قول يخالف الدليل فإن الدليل أولى بالاتباع، وقد صرحوا بذلك أنفسهم، وذموا من يقلدهم، قالوا: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالك ولا تقلدوا الأوزاعي وخذوا من حيث أخذنا، وكذلك كل واحد منهم، حتى أبو حنيفة يقول: إذا جاء القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال، وذلك؛ لأنه من التابعين.

س: يقول: يسأل ما تقولون في صرف العمل الورقية بالمعدنية مع التفاوت تسعة بعشرة ؟.

ج: فيها خلاف ونحن نختار أنه يجوز للحاجة ولوجود الاختلاف الذي يسوغ التفاضل في قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم » .

س: يقول: أيهما أفضل عند أهل السنة، معاوية أم عمر بن عبد العزيز ؟.

ج: لا شك أن معاوية أفضل بالصحبة، فإنه صحابي ولا شك في ميزة الصحابة على من بعدهم، فعمر أفضل من حيث السيرة، ومن حيث نصر السنة، ومعاوية أفضل من حيث الصحبة، ولمعاوية أيضا فضائل كثيرة امتاز بها، الحلم والعلم والسعة والفضل وإن صدر منه ما صدر.

س: يقول: هل ورد عن النبي في زيادة الحديث: «وكل ضلالة في النار » ؟.

ج: نعم. وردت هذه في سنن النسائي ولكن في إسنادها مقال ومع ذلك يستشهد بها.

س: يقول: من المعلوم من عقيدة أهل السنة والجماعة أن آيات الصفات من المحكم وليس من المتشابه ؟.

ج: والتوجيه في آثار علي -رضي الله عنه- التي ذكرت، حينما سمع رجلا آية من آيات الصفات فانتفض فقال: " ما بال هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه " معنى هذا أن هذه الآيات من المتشابه، كأنه ذكر أنها من المتشابه بمعنى أنهم يفهمون منها فهما غير ما هو الحق، فقد يفهم منها بعضهم أنها كصفات المخلوق، تكون من المتشابه عند هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم السيئ، وأما إذا فهمنا منها فهما يليق بالخالق -سبحانه- فلا تكون من المتشابه.

س: ما حكم إدخال صورة الإنسان في المسجد؟ .

ج: لا تجوز إذا كانت بارزة، أما إذا كانت خفية كالصور التي في الحفائظ أو في بطاقات الأحوال، والتي هي للضرورة فلا مانع من ذلك للحاجة.

س: هذا سائل يقول: هل الخلفاء الراشدون هم الخلفاء الأربعة، أم كل إمام راشد متبع طريقة النبي صلى الله عليه وسلم كالأئمة الأربعة ؟.

ج: الجمهور على أن الخلفاء الأربعة هم الذين وصفوا بأنهم الخلفاء الراشدون، وألحق بعضهم بهم عمر بن عبد العزيز، وأما الأئمة فيقال لهم: أئمة، الأئمة الأربعة الذين هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، يقال لهم: الأئمة، يعني: المقتدى بهم، فهناك أئمة وهناك خلفاء، وهذا أيضا اصطلاح، وأما الحديث فإنه نص في الخلفاء الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم.

س: يقول: إذا كان الخلفاء الأربعة الراشدون اجتمعوا على رأي فقهي وجاء الحديث الصحيح بخلاف مذهبهم، هل نتبع الحديث أم قولهم الذي أجمعوا عليه ؟.

ج: بل يقال بالحديث، الحديث يتبع ويعتذر عنهم باعذار ولعله يقصد هذا السائل مثل ما ورد في نهي عمر عن حج التمتع، وكذلك أبو بكر، فأولا: أبو بكر ما ينه عن ذلك وإنما اختار أنه أحرم مفردا، وكذلك عمر اختار الإفراد، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للصحابة في التتبع، ولكنه رأيه في تكثير الوافدين إلى البيت، فعلى هذا يكون هذا اختيارا منهم وليس هو سنة، إنما رأوا رأيا فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أيضا بعض الصحابة خلافه، والحاصل أنه إذا جاءت السنة مخالفة لأقوالهم، وقد اجتمعوا ـ وإن كان ذلك نادرا ـ فالسنة تقدم، إذا كانت ثابتة، ويحمل رأيهم على أنه اجتهاد.

س: هذا يقول: أنا طالب في كلية طبية، كلية العلوم الطبية بجامعة الملك سعود، وقد لوحظ في هذه الكلية ازدياد عدد الطلاب الرافضة حتى أن عددهم في بعض الأقسام يصل إلى 80% وخصوصا الأقسام الصعبة الهامة طبيا، فهل من كلمة للشباب تحثهم على الدخول في هذه المجالات، وأن تبين للشباب أثر انتشارهم أي: الرافضة في مثل هذه المجالات على الأمة ؟.

ج: نعم. نحن نقول دائما: إن شباب أهل السنة عليهم أن يحرصوا على العلوم الهامة وأن يحرصوا على الولايات التي تهم جميع الأمة، ولا شك أن العلوم الطبية من أهم ما يحتاج إليه؛ ذلك لأن هذه الطائفة إذا تولت هذه الأشياء تولوا علاج النساء، أو علاج أهل السنة لم يؤمَنوا أن يحتالوا في إضرارهم وفي إذلالهم وإهانتهم ورفع غيرهم عليهم.

لا شك أن أهل السنة أولى بأن يكونوا أحرص على مثل هذه الولايات، وكذلك غيرها من الولايات، هؤلاء الرافضة هم يقصدون مقاصد بعيدة المدى، يقصدون أنهم يتولون ولايات ذات أهمية ليكون لهم مكانة في الأمة وليعترف بولايتهم ويعترف بهم وأنهم من الشعب السعودي وأنهم معترف بأنه من أفراد الأمة حتى لا يُستنكروا.

س: يقول: بعض الناس لا يرى الكلام عن بعض أمور العقيدة كوجوب الطاعة لولاة الأمور والتحذير من بعض البدع والمبتدعة.

ج: هذا خطأ، بل الصواب أن جميع أمور العقيدة لا بد من الكلام فيها وبيانها، ومن جملة العقيدة السمع والطاعة الذي ذكر في الحديث، حديث العرباض الذي سمعنا ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أوصيكم بتقوى الله...-إلى قوله-: عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي» وكذلك في قوله لأبي ذر: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك » وغير ذلك من الأحاديث.

س: يقول: سألنا بعض الإخوان الذين يذهبون إلى الدعوة بباكستان لماذا تصلون في المساجد التي فيها قبور، وأنتم تعلمون ما ورد فيها من الأحاديث؟ فقال: نحن نصلي بنية تأليف القلوب، ومن بعد دعوتهم إلى الدين، فهل هذا جائز؟ وهل يجوز الصلاة في مسجد فيه قبر؟ .

ج: لا يجوز، ما دامت الأحاديث صريحة في النهي عن الصلاة في القبور، إن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن الصلاة في المقبرة والحمام » ووردت الأحاديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لكن إذا كان القصد الدعوة فإنكم تأتون إليه في غير أوقات الصلاة أو تصلون في مسجد آخر وتأتون إليهم قبل تفرقهم وتدعونهم أو تأتون إليهم في مجتمعاتهم وتبينوا لهم الشرك الذي أحدثوه من الصلاة عند القبور أو نحو ذلك.

س: هذا السؤال يقول: ما حكم الحلف بصفات الله مثل: عين الله ؟.

ج: يجوز أن يحلف الإنسان بالصفات التي تختص بالله يعني: كوجه الله وذات الله وعلم الله وكلام الله، وكذلك إذا حلف بهذه اللفظة عين الله، ولكن الأولى الحلف بالأسماء التي سمى الله بها نفسه.

س: يقول: ماذا يستفيد القائلون بخلق القرآن، فهو مبصر وكلام ؟.

ج: القائلون بخلق القرآن في زعمهم أنه إذا قيل: إن القرآن كلام الله استدعى أن الله متكلم والكلام عندهم لا يقوم إلا بالأجسام وينزهون الله في زعمهم عن أن يكون جسما أو يكون متكلما؛ فلذلك كان من عقيدتهم أن القرآن مخلوق ليس هو كلام الله فحملهم ذلك على أن يفتنوا الناس، وينكروا أن الله متكلم ويتكلم إذا شاء، ولعله يأتينا في الرسالة ما يوضح ذلك إن شاء الله،والله اعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد فقد مر بنا فيما ذكره الموفق في مقدمة "اللمعة" بعض الآثار التي نقلها عن الأئمة والعلماء، ومضمونها التمسك بالسنة والوصية بها والحث على العمل بها، وترك البدع والمحدثات، ولو زخرفها من زخرفها، ولو دعا إليها من دعا إليها، وقد ذكرنا أن كلام العلماء سير الأئمة المقتدى بهم يستأنس به، وما ذاك إلا لأنهم حملة العلم وورثة الأنبياء، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وقد شهد لهم أهل زمانهم بما وهبهم الله من الحفظ والعلم والفهم والإدراك الذي صاروا به أئمة، وقدوة في الدين في أصوله وفي فروعه.