موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الصفة الثبوتية - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - الصفة الثبوتية

الصفة الثبوتية

ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .


يقول: نفذ حكمه في جميع العباد، هذه أيضا صفة ثبوتية، بعدما ذكر الصفة السلبية ذكر الصفة الثبوتية، وهي أن حكمه لازم لجميع العباد ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ حكمه: أمره وتدبيره وتصرفه، لا رادَّ لحكمه ولا معقب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ حكمه: أمره وتدبيره وتصرفه.

لا راد لحكمه ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، فمن حكم عليه بالغنى استغنى, ومَن حكم عليه بالفقر افتقر, ومن حكم عليه بالمرض، ومن حكم عليه بالصحة، ومن حكم عليه بالهداية، ومن حكم عليه بالضلال، ومن حكم عليه بالعلم، ومن حكم عليه بالجهل, ومن حكم عليه بالطاعة، ومن حكم عليه بالمعصية، نفذ حكمه في جميع البلاد، وفي جميع العباد، وله الحجة في ذلك، ولله الحجة البالغة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ .

فكونه يحكم فيه بما يشاء، معناه أنه يتصرف في ملكه؛ لأنه خلقه، ولأنه ملكه، ولأنه المتصرف فيه وحده.

فإذا كانوا ملكه فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، وحكمه نافذ فيهم شاءوا أم أبوا. هذا الأصل في أن حكم الله تعالى نافذ في الخلق كلهم (أولهم وآخرهم)، هذه كما قلنا: "صفة ثبوتية" تثبت أن الحكم لله.

يعرف الفقهاء والأصوليون الحكم بأنه: "إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه".

لو قلت: حكمت بأن هنا ++. فهذا الحكم, أين حكم الله تعالى؟ فهو تقديره، تقديره وتنزيل قدره، فإذا قدر على هذا أمرا نفذ قدره، أيًا كان تقديره وتدبيره وتصرفه، هذا هو حكمه. ويمكن أن يكون حكمه: أمره ونهيه. وإن كان قد يأمر من لا يفعل: أمر الكفار بالإيمان وما آمنوا, أمر العصاة بالطاعة فعصوا.

فهل يسمى هذا حكما؟ نسميه حكما شرعيا لا حكما قدريا. بمعنى أن الحكم النافذ الذي لا بد من وجوده هو الحكم القدري: هو الحكم الذي قضاه وقدره في الأزل وحكم بوجوده فلا راد له. وأما الحكم الشرعي: وهو أنه شرع هذه الأحكام، وشرع الأوامر والنواهي، وشرع الطاعات وتحريم المحرمات، فهذا حكم شرعي ينفذ فيمن قدر الله إيمانهم، ولا ينفذ فيمن قدر الله عصيانهم. هذا معنى قوله: "ونفذ حكمه في جميع العباد لا تمثله العقول بالتفكير".

من هنا أخذ أيضا يبدأ في الصفات (الصفات السلبية). نعرف قبل ذلك أن قاعدة أهل السنة: إن الله تعالى لا يُوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأنه أعلم بنفسه وأعلم بخلقه، ورسوله أعلم بمن أرسله، فإذا اقتصر في باب الصفات -ثبوتية أو سلبية- على ما ورد... وقوله: "لا تمثله العقول بالتفكير". معناه: إن العقول والقلوب تعجز عن أن تصل إلى مثله، إلى مثل تبديله.

ولعل الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ أي: مهما فكروا ومهما سألوا لا يحيطون به علما. يعجزون عن أن يحيطوا به، يعني: أن يحيطوا بمعرفته أو يحيطوا بذاته. يعجزون عن أن يمثلوا بعقولهم ذاته سبحانه.

كذلك لا تحيط به الظنون ولا العقول بالتفكير. من أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ أي: لا يصلون إلى علم من صفته إلا بما أوصله إليهم. فإذا لم يشأ لم يستطيعوا أن يصلوا إليه. وكيف يعلمون صفة ذاته -سبحانه- مع أنه قد حجب نفسه عن أن تصل إليه العلوم, الأوهام، التفكيرات أو نحوها؟!

وأخبر بعدم مماثلته لمخلوقاته بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مثلين في "التدمرية" يبين فيهما عجز الإنسان عن أن يصل تفكيره إلى تكييف الذات الربانية.

المثل الأول: مخلوقات الجنة، ومع أنها مخلوقات ولكن لا ندري ما كيفيتها، قصرت عنها أفهامنا. ذكروا أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهذا لا تدركه أفهامنا ولا تخيلاتنا. كيف يجري الماء على وجه الأرض ولا يسيح ولا ينبسط تحت الأرض ؟! أمر الله أعظم، وقدرة الله أعظم، وكذلك جميع ما ذُكِر في الجنة.

المثال الثاني: الروح التي بها حياة البدن.

عجزت الظنون عن تفكيرهم فيها. عجزت العقول عن إدراك ماهيتها؛ فردوا عقولهم وقفوا عند قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .

نحن نعرف أن الإنسان مركب من: جسد وروح. إذا خرجت الروح بقي الجسد جثة ليس فيه روح. ميت لا حياة به. ما هي هذه الروح؟ لا ندري ماهيتها، ولا ندري ما كيفيتها. عجزنا عن إدراكها. وكذلك بطريق الأولى عجز عقولنا عن كيفية ذاتِ الرَّب -سبحانه وتعالى-، وهذا معنى قوله لا تمثله الظنون ولا القلوب بالتفكير، ولا تتوهمه ولا تتخيله ولا تصل إلى كيفية ذاته، بل كل ما خطر ببالك من صفة للرب فإنه على خلاف ذلك، مهما خطر ببالك أنها كيفية استوائه كذا، وأن كيفية نزوله كذا، وأن كيفية ذاته كذا وكذا، وإلا فالله خلاف ذلك؛ ليكون ذلك دليلا على عجز هذه المخلوقات عن إدراك كنه ذاته، وعن معرفة ماهية ذاته، فضلا عن تحققها.

ومعلوم أن جميع بلادنا يدينون بالإسلام، أو يدينون بالعبودية لله تعالى، مسلم وكتابي وغيرهم، يعتقدون أن هذا الوجود لا بد له موجد، وأن الموجد الذي أوجده واجب الوجود، وقد أقاموا على ذلك، ولكن باصطلاحات وبعبارات فلسفية منطقية ويكفي أن نستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ فإذا لم يكونوا خلقوا من غير شيء، ولم يكونوا هم الخالقين؛ تعين أن لهم خالقا، والخالق لا بد أن يكون غنيًّا عما سواه، وما سواه فقير إليه، وإذا كان كذلك، فإن الخالق سبحانه لا يمكن أن يساوي ويشابه المخلوق الذي تعتريه الآفات والتغيُّرات، وتأخذه النواقص التي تنزه عنها الخالق سبحانه، نزَّه نفسه عن الموت كما في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ ونزَّه نفسه عن النوم وعن النعاس: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ .

السِّنَة: هي النعاس ومقدمة النوم وما أشبه ذلك. فهذه صفات تبين تنزهه عن مشابهة المخلوقات، وتنزُّهه عن أن تدركه عقول المخلوقين، أو يعرفون كيفية صفة من صفاته فضلًا عن كيفية ذاته.

ثم يقول: استدل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ شطر آية أو بعض آيه، رد الله فيها على الطائفتين: على الممثِّلة والمعطِّلة. أوَّلُها ردٌّ على الممثلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ آخرها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ رد على المعطلة؛ ولأجل ذلك كان آخرها ثقيلا على هؤلاء المعطلة، حتى روي عن رئيس من رؤسائهم وهو ابن أبي دؤاد, أنه قال للإمام أحمد: "أحب أن تكتب على الكعبة، أو على كسوة الكعبة: "ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم"".

أراد أن يحرف القرآن؛ لأن كلمة "وهو السميع البصير" تطعن في معتقد ابن أبي دؤاد، الذي ينكر السمع والبصر، بل ينكر كل الصفات الذاتية والصفات الفعلية؛ فلذلك ذكر ابن قدامة هذه الآية في مقدمة كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ .

الممثِّلة: هم الذين يقولون: "إن صفات الله كصفات المخلوقين, لله يد كيدنا، ولله وجه كوجهنا، ولله قدم كقدمنا، ولله كذا وكذا..." تعالى الله عن ذلك، فرد الله عليهم بهذه الآية، وفي آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ يعني: شبيها ومثيلا. وكقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ ينزه الله نفسه عن أن يكون له مثل.

وتكلم العلماء على هذه الآية، وقالوا في الكاف "ليس كمثله" قالوا: "إن الكاف صلة لتأكيد النفي، أو أن المراد بالمثل: الذات. كما يقولون لمن يمدحونه: مثلك لا يغضب، ومثلك يحلم, ومثلك يعطي، يريدون أنتَ. فالمعنى: ليس كهو شيء، ليس شيء كهو. أي: مماثل له.

وعبَّر بعضهم بالزيادة لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أن الكاف زائدة؛ حتى لا يُفهم أن لله مِثلا, لأنه قد يخاف أن لله تعالى مثلا فيقال: ليس مِثل مِثلِ الله شيء. والصحيح أنه لا يقال في القرآن زائد ولا لغو, القرآن كله حق، وكل حرف منه فيه فائدة. فإذًا نقول: "إن الكاف صلة لتأكيد النفي (نفي المثلية)".

وسبق من بعض مشائخنا قال في التعبير عن الزيادة، يقول:

يسن ما يزاد لغوا أو صلة *** أو كـل أكـدا وكل قيل لـه

لكـن زائـدا ولغوا يجتنب *** إطلاقـه في منزل كذا وجب

يعني: إنه يعبر عنه بأربع:+ زائد أو لغو أو صلة أو مؤكد. ولكن لا يطلق في القرآن كلمة لغو, ولا كلمة زائد؛ تنزيها للقرآن أن يكون فيه شيء يمكن الاستغناء عنه، ومع ذلك تجدون كثيرا من المفسرين يطلقون لفظ الزيادة، ومنهم: المحلِّي صاحب "تفسير الجلالين" (جلال الدين المحلي)، عندما أتى على هذه الآية قال: "الكاف زائدة لأن الله تعالى لا مثل له". لو قال: مؤكدة، أو قال: صلة المثل؛ لكان أبلغ.

وبكل حال فالآية أفصحت عن نفي المثل لله تعالى، ولكن أفصحت أيضا عن إثبات الصفة: صفة السمع وصفة البصر. تجدون في كتب النحاة تكرار هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ لأنه ليس كمثله شيء، الله ليس كمثله شيء، ولا يأتون بآخرها لأنه حجة عليهم. وبكل حال فالأصل أنا نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله، ونثبت لله صفات الكمال, وننزهُه عن صفات النقص. ونتوقف عند هذا ونشتغل بالجواب على أسئلة الإخوة:

س: هذا سائل يقول: أنا قد حضرت من خارج الرياض لمسافة ستمائة كيلو متر وسوف أمكث واحد وعشرين يوما هل يجوز لي القصر أم لا؟

ج: نقول: إذا كنت مقيما خارج الرياض: في خيمة مثلا أو في قبة أو سيارتك، لم تسكن فيما يسكن فيه غيرك من أهل البلاد -فلك أن تقصر, وأما إذا سكنت فيما يسكن أهل البلد: في شقة مثلا أو في قصر أو في منزل فيه مكملات المنزل، فيه مثلا: الكهرباء, وفيه الفرش, وفيه المكيفات. وفيه آلات إصلاح الطعام ونحوه -فنعتبرك مقيما، ولو لم تمكث إلا يوما، فليس لك القصر لهذا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاء إلى مكة ومكث ستة عشر يوما يقصر الصلاة، ما كان ساكنا في مكة بل كان خارجها، ساكنا في خيام أو نحوها. وأما عثمان فلما تأهل بمكة، أي: صار له بها أهل وملك أتم الصلاة.

س: وهذا له سؤال ثان يقول: يلاحظ أن بعض الإخوان الذين يمدُّون أرجلهم أمام المصاحف؟.

ج: هذه ملاحظة طيبة؛ وذلك لأن المصاحف لها حرمتها، فليس للإنسان أن يستهين بها، ومعلوم إذا مدَّ قدميه ومسَّ المصحف بوضع قدميه ويطأهما، أن في ذلك شيئا من الاحتقار والإهانة للمصاحف، فلينتبه لذلك.

س: وهذا يقول ما معنى الصفات الخبرية؟.

ج: الصفات لله تعالى كلها خبرية، أي: بمعنى أنها تعتمد على الخبر ليست عقلية. هذا هو الأصل، لكن الجهمية والمعتزلة ونحوهم قسَّموها إلى: صفات خبرية، وصفات عقلية. فقالوا: "الصفات العقلية: هي التي دلَّ عليها العقل". مثل كونه علة الوجود، ومثل كونه واجب الوجود، ومثل افتراضهم مسألة أو دلالة التمانع وأشباه ذلك. يقولون: "دلالتها عقلية". والصفات الخبرية: هي التي وردت في الكتاب والسنة. ونحن نقول: الصفات كلها خبرية وليس للعقول تدخل في صفات الله.

س: وهذا يقول: هناك مَن يقول: "الحمد لله الثناء لجميل الاختيار". ما معنى جميل الاختيار؟.

ج: ذكرنا أن الإنسان يُمْدَح بالصفات الاختيارية: كالكرم والصدق والجود وحُسْن الخُلُق، ويمدح بالصفات الخَلْقِية: كجماله وطلاقته وفصاحته وطوله وقصرَه وضعفه وسمنه ونحو ذلك، فهذه صفات ذاتية، والصفات جميل الاختيار: هو الذي يفعله باختياره. هو له اختيار، أنت لك اختيار في أن تصدق أو تكذب أو تحلم أو تغضب، تعطي أو تمنع، تتكرم أو تبخل، لك اختيار. فهذه الصفات الاختيارية يمدح بها، ويسمى المدح بها ثناء، ويسمى ضد ذلك ذما.

س: ما الفرق بين مصطلحي العقيدة والتوحيد؟.

ج: ذكرنا أن التوحيد عام، حيث يدخل فيه توحيد الأسماء والصفات وهو عقيدة. تعرفون أن التوحيد يدخل في توحيد الذات ويسمى توحيد الربوبية، وتوحيد الصفات ويسمى توحيد الأسماء والصفات، أو التوحيد الخبري، وتوحيد الأفعال التي هي أفعال الله وتوحيد العبادة التي هي أفعال العباد، كل ذلك داخل في اسم التوحيد.

وأما العقيدة: فهي ما يعقد عليه القلب. فيدخل في ذلك الإيمان بالغيب، الإيمان بالبعث والنشور، وبالجنة والنار، وما أشبه ذلك يدخل في العقيدة، ويدخل في ذلك الإيمان بالقرآن وأنه كلام الله، وما أشبهه، ويدخل في ذلك أسماء الإيمان والدين والأحكام التي تترتب عليها، والقول في الصحابة وما أشبه ذلك. فالعقيدة أعم من جهة، والتوحيد أعم من جهة.

س: ويسأل سؤالا ثانيا يقول: أي الفِرَق التالية أخطر على أمة الإسلام: الرافضة اليهود النصارى؟.

ج: معلوم أن كل فرقة عندها حقد للإسلام، حقد على المسلمين، وتحاول أن تضر بالمسلمين، ولو كان بعضهم يخالط المسلمين ويدعي أنه منهم. الرافضة ظاهرهم أنهم معنا وأنهم منا؛ ولأجل ذلك يختلطون بالمسلمين ويحجون معهم ويجلسون معهم ويشغلون معهم، فظاهرهم أنهم مسلمون؛ ولذلك يعتقد كثير من الناس أنه لا خطر من الإسلام عليهم، ولكن في الحقيقة أنهم خطرهم كبير، وما ذاك إلا أن قلوبهم مليئة بالحقد على المسلمين (على أهل السنة) في كل زمان ومكان، ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا المصائب التي حصلت على المسلمين بأسبابهم، فمثلا:القرامطة الذين قتلوا الحُجَّاج في الحرم، في سنة ثلاثمائة وسبعة عشر، وقلعوا الحجر، هم في الحقيقة رافضة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض.

كذلك التتار الذين أوقعوا بالمسلمين، ما تمكنوا إلا بسبب الرافضة. كان ممن مكنهم: ابن العلقمي (رافضي خبيث) يتمنى أن تزول الدولة العباسية؛ لأنهم من أهل السنة، ويولي مِن أهل البيت في زعمه، وأوقع بالمسلمين ما أوقع من الفتنة والقتل العظيم، أكثر من مليون قتيل في بغداد وحدها بسبب الرافضة، ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن أكثر المصائب حصلت بسببهم؛ ولذلك يقول ابن القيم في النونية:

إن الروافض شر من وطئ الحصا *** مــن كـل إنس نـاطق أو جـان

أما اليهود فمعلوم أيضا أنهم ذو حقد على المسلمين، ولكن متى سالموا المسلمين، وأُخِذت منهم الجزية، واصطلحوا مع المسلمين؛ أمن المسلمون من مكرهم، وأقروهم على دينهم. وكذا يقال في النصارى: إنهم أهل بغض وحقد على المسلمين، لكن قد يسالمون، وقد يتفق معهم على عقد الذمة، ويصطلحوا مع المسلمين ويبقون في بلادهم.

س: يقول: كيف يمكن التقريب بين مذهب أهل السنة والجماعة، والشيعة؟ وهل الشيعة هم الرافضة ؟.

ج: نعم، الرافضة يسمون أنفسهم شيعة، وهم الآن يسعون إلى التقريب بينهم وبين أهل السنة، ولعلكم قرأتم ما ذكره محب الدين الخطيب في كتابه " الخطوط العريضة" حيث ذكر أنهم يسعون إلى التقريب، ولكن يقول: "نظرنا وإذا هم يجتذبون أهل السنة إلى مذهبهم الباطل، وهذا هو التقريب بزعمهم". وكأنهم يقولون: هلموا إلى مذهبنا هلموا إلى نحلتنا وعقيدتنا، حتى بذلك تكونوا قريبين، تخلوا عن معتقدكم، سبوا الصحابة والعنوا الشيخين (أبا بكر وعمر)، وأكثر الصحابة، واطعنوا في القرآن، وكذبوا بالصحيحين واحرقوهما، أو ردوا أحاديثهما واعتمدوا على كتبنا التي فيها مسبتهم ونحو ذلك، حتى تكونوا قريبين منا، هذا هو التقريب.

س: يقول ما معنى قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾ ؟.

ج: الآية خطاب للجن والإنس، الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولكن فيها وعيد، الإنسان يتوعد ولو كان فارغا. أنت مثلا إذا أردت أن تتوعد عدوا لك تقول: "لأتفرغن لك". مع أنك متفرِّغ الآن، ولكن معناه: إنني سوف أنشغل بك وأتفرغ، أو أشتغل بك حتى أحاكمك وأنت في +، وكذلك قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾ أي: سوف تجتمعون ونحكم بينكم. ولا يستلزم أن يكون الله مشغولا في وقت من الأوقات.

س: وهذا يسأل عن صحة حديث: «كل عمل لا يبدأ فيه ببسم الله... » ؟.

ج: الحديث صحيح، ولكن ذكر "باسم الله" كأنها غريبة، والصحيح أنه لا يبدأ فيه بحمد الله أو بالحمد. تجدون طرقه وطرق في كتاب "نيل الأوطار".

س: هل يصح أن نقول: إن علما +الأزلي، إن فلانا لا يعمل صالحا نحكم عليه بالضلال؟.

ج: علم الله تعالى علم أزلي، ولكن نحن لا ندري ما خاتمته؛ فلأجل ذلك لا نقول: "إن فلانا لم يعمل صالحا، ولا نحكم على أحد بالضلال لمجرد نظرنا". بل نقول: "عمله الآن كفر، ولكن لا ندري ما عاقبته وخاتمته".

س: وهذا يقول: لماذا لا تفسر آيات المعية بأن المراد معية حقيقية تليق بجلال الله سبحانه، وهو مثل قوله: "إن القمر معنا" وهو في السماء، وهو معنا، فكذا الله سبحانه معنا حقيقة -ولكنه فوق السماء كما يقول- معية تليق بجلاله؟.

ج: صحيح معية الله تعالى حقيقة، لكنها مقتضى إذا أطلقناها فقد يقول قائل: إنها معية ذاتية؛ فيكون ذلك هو قول الاتحادية، وأما إذا قلنا: معية حقيقية مقتضاها العلم والاطلاع والهيمنة وعدم الغيبة والنظر والقرب، لم يكن في ذلك محذور إن شاء الله.

س: يقول: أرجو التوضيح بين: "الحموية" و"التدمرية" و"الواسطية" و"لمعة الاعتقاد"؟.

ج: توضيحها يعني قد يطول ولكن لعلك -إن شاء الله- تطلع عليها وتتمكن من معرفتها، "الحموية" فيها إثبات الصفات عن طريق النقل، النقل: الاستدلال بالآيات والنقول عن العلماء. وإن كان تكلم في آخرها على بعض العقليات. وأما "التدميرية": فهي إقناع لهم بحججهم التي يحتجون بها، التي هي عقليات وتقديرات تدميرية. "الواسطية": عقيدة عامة مختصرة. "لمعة الاعتقاد": عقيدة أيضا عامة مختصرة.

س: وهذا يقول: من الملاحظ أن بعض الإخوة الطلاب لا يقومون بالسُنَّة الراتبة بعد المغرب؛ حرصا منهم على القرب من الشيخ، نرجو التنبيه على ذلك.

ج: ينتبه لذلك، لعلهم -إن شاء الله- يحافظون على ذلك ولا يفوتون +.

س: وهذا يقول: هل لا بد إذا ذكرت الصفات المنفية عن الله -عز وجل- أن نتبعها بالصفات المثبتة؟.

ج: لا يلزم ذلك؛ وذلك لأنها دالة على الإثبات بطريق اللزوم، أي: يلزم من نفى هذه أن يثبت ضدها من صفات الربوبية، وإن كان بعضهم يعتمد النفي. لعلكم قرأتم في رسالة "الحيدة" للكلابي، أنه يجادل بشرا المرِّيسي فيقول: "إن الله عالم ويعلم، ولكن بِشْرًا امتنع من إثبات صفة العلم واقتصر على نفي الجهل" وقال: "وأنا أقول لا يجهل". فألزمه بأنك إذا قلت لا يجهل فإنه يعلم؛ لأنه لا بد إذا وصفت اثنين وقلت: هذا لا يجهل وهذا يعلم، أنهما متقاربان في الصفة، الذي لا يجهل معناه يعلم، فصار ذلك إلزاما له، وإن كان الإثبات أبلغ.

س: وهذا يقول: عند وقت الأذان البعض يخرج عند باب المسجد لمن يبيع المساويك وما حكم الشراء منهم وما حكم بيعهم؟.

ج: لا بأس بذلك، لأنه يكون في وقت الصلاة، أما قبل الإقامة... وإن كان يفضل لهم أنهم بعد الأذان يدخلون المسجد.

س: وهذا يقول: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ هل يكون عموم المسلمين مجرمين؟ وهل من المسلمين من يخلد في النار؟.

ج: المسلمون الذين هم على التوحيد، وأهل الحقيقة (حقيقة التوحيد) لا يخلدون في النار، وأما الإجرام هنا أطلق الإجرام على الكفر، أو على الشرك هذا هو الظاهر.

س: يقول: نرجو إعادة الفرق بين: الحكم الشرعي والحكم القدري، وكذلك "لا يشغله شأن عن شأن"؟.

ج: الحكم الشرعي: هو الأمر والنهي. والحكم القَدَري: هو المصائب والآفات التي يقدِّرها على العبد. الحكم الشرعي لا يلزم نفوذه، إذا قال الله تعالى: "حكمت عليكم يا بني آدم ألا تشركوا". يعني: شرعت لكم. يوجد فيمن يشرك؛ فدل على أنه أمر، وهذا الأمر لا يلزم وقوعه.

ولو قال: "ألا يقتل بعضكم بعضا". يوجد مَن يقتل، هذا حكم شرعي. وأما الحكم القَدَري فمعناه: إنه يقدر عليهم ما يصيبهم، فلا بد منه، فإذا قدر قحطا وجد، وإذا قدر خصبا وجد، وإذا قَدَّر مصيبة وجدت، وإذا قدر مثلا مرضًا، أو قدَّر فقرا أو قدر آفَة، أو قدر حادثا يحدث به, أو قدر تسليط عدو فلا بد منه.

وأما قوله:"لا يشغله شأن عن شأن". فالمعنى: إنه سبحانه لا يشغله سماع كلام هذا عن هذا، ولا تدبير هذا الأمر عن هذا الأمر، بل هو يدبر الخلق كلهم.

س: وهذا يسأل عن معنى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ﴾ ؟.

ج: صريحة الآية في سورة النحل، ينهى الله تعالى عن ضرب الأمثال له؛ وذلك لأن المشركين يضربون لله الأمثال، ولا يزالون يضربون ذلك، حتى مشركي زماننا، فيمثلون الله تعالى بملوك الدنيا، ويقولون: "ملك الدنيا لا نصير إليه إلا بالوساطة(بالواسطة)، إذا أردنا أن يأتي حاجتنا توسطنا بوزيره أو بكاتبه أو ببوابه أو بولده، حتى تقضى حاجتنا، فكذلك الله، هذا الله ملك الملوك، فنتوسط لهذا الملك، ونتوسط لهذا النبي، ونتوسط لهذا الولي، ونتوسط لهذا الشهيد، ونتوسط لهذا السيد، حتى يشفع لنا عند الله فيغفر لنا". فقال الله: هذا مثل باطل، لا تضربوا لله الأمثال. لله المثل الأعلى.

س: ما هو الأفضل: أن الشخص يجلس في المسجد وهو الذي صلى فيه صلاة الفجر، يحفظ القرآن الكريم إلى أن تتطلع الشمس، أم يحضر درسا بعد الصلاة مباشرة في مسجد آخر؟.

ج: إذا كان ذا علم ومعه من العلم ما ينتفع به، فجلوسه وعمله وقراءته وذكره أفضل. وإذا كان بحاجة إلى العلم، بحاجة إلى التزود من المعلومات، فطلب العلم أفضل من نافلة العبادة.

س: وهذا يقول: هل يجوز للبائع أن يأخذ من المبلغ الذي دفعه له المشتري، إذا تراجع المشتري عن شراء السلعة؟.

ج: يجوز ذلك؛ لأنه حبسه، ولأنه يستحق المطالبة ببقية الثمن.

والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، نواصل قراءتنا في مقدمة اللغة التي جعلها المؤلف بمنزلة الخطبة، وهي -مع ذلك- من صلب العقيدة، فنستمع إلى القراءة من حيث وصلنا.