موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - [كتاب الجنايات] - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - [كتاب الجنايات]

كتاب الجنايات

القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: العمد العدوان، وهو أن يقتله بجناية تقتل غالبا، فهذا يخير الولي فيه بين القتل والدية؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- « من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفديه »(1) متفق عليه.

الثاني: شبه العمد، وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتل غالبا.

الثالث: الخطأ، وهو أن تقع الجناية منه بغير قصد بمباشرة، أو سبب، ففي الأخيرين لا قود، بل الكفارة في مال القاتل، والدية على عاقلته، وهم عصباته كلهم، قريبهم وبعيدهم توزع عليهم الدية بقدر حالهم، وتؤجل عليهم ثلاث سنين، كل سنة يحملون ثلثها، والديات للنفس وغيرها، قد فصلت في حديث عمرو بن حزم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب لأهل اليمن وفيه: « إن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشرة من الإبل، وفي السن خمس عشرة من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار »(2) رواه أبو داود.

ويشترط في وجوب القصاص كون القاتل مكلفا، والمقتول معصوما ومكافئا للجاني في الإسلام والرق والحرية، فلا يقتل المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد، وألا يكون والدا للمقتول، فلا يقتل الأبوان بالولد، ولا بد من اتفاق الأولياء المكلفين، والأمن من التعدي في الاستيفاء، وتقتل الجماعة بالواحد، ويقاد كل عضو بمثله، إذا أمكن بدون تعد؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (3) إلى آخر الآية، ودية المرأة على النصف من الرجل، إلا فيما دون ثلث الدية، فهما سواء.


ابتدأ في كتاب الجنايات

يقول: الجنايات هي التعديات، التعدي على النفس، أو على المال، أو على العِرض تسمى جناية؛ جنى فلان على فلان يعني: تعدى عليه بقتلٍ، أو قطع عضو، أو نحو ذلك، القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، إذا كان قتلا بغير حق، أما القتل بحق كالقصاص، أو الحد، أو نحو ذلك فله حكم. القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: العمد، وشبه العمد، والخطأ.

العمد: العدوان؛ أن يقتله بجناية تقتل غالبا، مثل أن يطعنه بسكين مثلا، أو يخدشه بحجر، يخدش رأسه مثلا، أو يخدش صدره، أو يضربه بكفه، مع قلبه مثلا، أو مع حلقه، أو مع مثانته يعني: ضربا يسبب القتل، أو مثلا يلقيه في بئر، أو يخنقه حتى يموت، الحاصل أنه تعمد قتله، فيسمى هذا عمدا عدوانا، جناية تقتل غالبا، فحينئذ الولي له الخيار بين القتل والدية لهذا الحديث: « من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يقتل وإما أن يفدي »(1) يدِيه، له الخيار لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ (4) إذا عفا، وطلب الدية فعليه أن يتبعه بالمعروف، وألا يماطل بالدِيَّة، دية القتل العمد فيها زيادة الخُمُس عن دية الخطأ، وقد يصطلحون على أكثر منها على أكثر من الدِيَّة، يوجد الآن إنسان قاتل من خمس سنين، ولا يزال مسجونا، وقد بذل أهله سبعة ملايين فداءا له، ولكن أهل القتيل لم يقبلوا، يريدون قتله، لهم ذلك، لهم أن يقتلوه لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (4) ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (3) فيُسمَّى بذل المال صلحا عن دم؛ وذلك لأنه يشتري نفسه، أو يشتري أهله كأنهم يقولون: نفدي ولدنا بكل ما نملك، أو ننقذ حياته، فلهم أن يشتروه، ولو بأضعاف أضعاف الدِيَّة، هذا يسمى الصلح عن دم، فالحاصل أن القتل العمد يستحق القاتل أن يُقتل، فإن طلبوا الدية من الأصل إذا طلب أحدهم الدِيَّة، فقالوا: لا حاجة لنا في قتله، فدِية العمد أكثر من دية الخطأ. النوع الثاني: شبه العمد، وهو أن يقصد أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتل غالبا، يقولون: علامته أن يقصد الضرب، ولا يقصد القتل، هذا شبة العمد، يتعمد الضرب، ولكن ما يظن أن هذا سيقتل ضربه بعصا خفيفة، لا تقتل غالبا لكن قُدِّر أنها قتلته، قُدِّر أنه تألم منها ومات، أو ضربه بيده ضربة عادية، لكن قُدِّر أنه مات منها، ودليل ذلك قصة الهذيلتين:

أن امرأتين كانتا تحت رجل -ضرّتين- فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، عمود خيمة التي تجعل عند الباب، ضربتها، قذفتها بها، وفي رواية: « بحجر، فقتلتها وما في بطنها فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ديتها على عاقلتها »(5) يعني: ديتها -جعلها شبة العمد- على العاقلة، « وجعل في جنينها غرة: عبدا، أو أمة، فقال وليها: كيف نفدي من لا أكل ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ فقال -صلى الله عليه وسلم-: إنما هذا من إخوان الكهان »(6) الحديث مشهور.

فالحاصل أن شبه العمد: هو أن يتعمد الضرب، ولا يريد القتل، فلا قصاص وإنما فيه الدِيَّة، وتكون الدية أيضا مغلظة مثل دية العمد.

الثالث: الخطأ، وهو أن تقع الجناية منه بغير قصد، بمباشرة، أو سبب، فإذا رمى صيدا، فأصاب إنسانا، فهذا خطأ مثلا، ومثلها حوادث السيارات، إذا كان يمشي مثلا واصطدم إنسانا ما تعمده، فهذا أيضا خطأ، أو كان مثلا يقود السيارة، فأسرع بها مثلا، أو خاطر، فحصل اصطدام وانقلاب، فهذا أيضا يعتبر من الخطأ، ومثله جميع أنواع الخطأ، لو مثلا حفر حفرة في الطريق، فسقط فيها أعمى، فمات، فإنه يدِيه، أو وضع حجارة في طريق - طريق ضيق- فجاء إنسان غافل، فعثر به فمات بسببه، فإن عليه الدِيَّة، هذا الذي قتله، وأشباه ذلك.

ففي الأخيرين لا قود: شبه العمد والخطأ، بل فيه الدية والكفارة، أما الدية ففي مال القاتل، وهي تحرير رقبة مؤمنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (7) الدية على العاقلة، عاقلة الرجل أقاربه، إخوته، وأعمامه، وبنو أعمامه، وأعمام أبيه وبنوهم وبنو بنيهم، وأعمام جده، وبنوهم، وبنو بنيهم، وأعمام جد أبيه، وبنوهم، وبنو أبيهم، ونحو ذلك إلى الجد الخامس، أو السادس توزع بينهم هذه الدِيَّة، وتفرق عليهم على ثلاث سنين حتى لا تجحف بأموالهم؛ وذلك لأن شأن العاقلة أنهم يتحامون، وأن بعضهم يرفض بعضا، فلو أوجبناها في ماله، وهو غير متعمدٍ لأضرت به، فكان العاقلة عليهم أن يساعدوه، ولو أوجبناها عليهم دفعة واحدة لكان فيها ضرر عليهم، فجعلت عليهم مفرقة كل سنة يدفعون ثلثها.

وقوله: قريبهم وبعيدهم؛ البعد حُدّد بأنه في الجد الخامس، أو السادس على حسب كثرتهم وقلتهم، توزع عليهم بقدر حالهم، وإذا كان بعضهم أحسن حالا من بعض، فإنه يُزاد عليه، إذا كان هذا مثلا غنيا، وهذا فقيرا، فهذا يُجعل عليه ناقة وهذا ناقتان، أو نحو ذلك، تؤجل عليهم ثلاث سنين كل سنة يحملون ثلثها، هذا في دية الخطأ، وكذلك دية شبه العمد، في حديث عبد الله بن عمرو وغيره من الأحاديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « فرض الدية مائة من الإبل »(8) دية شبه العمد: منها أربعون في بطونها أولادها، يعني: أربعون لقحة، وفي حديث آخر أنه جعلها خمسا، خمسة أقسام: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون ابن لبون، هذه دية الخطأ، فدية العمد، أو دية شبة العمد

يقول: إنها عشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وأربعون خليفة؛ فثمنها أكثر. قدرت الدِيَّة، كنا - يعني - أدركناها، والدية ثمانمائة ريال فرنسي، قبل خمسين سنة، ثمانمائة، وكانت ثمانمائة في ذلك الوقت تقاوم مائة من الإبل، الإبل رخيصة، ثم ارتفع سعر الإبل، فجُعلت ثمانية آلاف، ثم ارتفع سعرها فوصلت إلى ستة عشر، ثم ارتفع سعرها، فوصلت إلى أربعة وعشرين ألفا إلى حدود عام ثلاث وتسعين، ثم رفعت إلى أربعين ألفا، ثم قبل عشر سنين قررت بأنها مائة، مائة ألف؛ وذلك لأنهم نظروا وإذا قيمة الإبل لا تقل الواحدة عن ألف، سواء بنت لبون، أو جذعة، أو حقة لا تقل عن ألف، فتتراوح على أنهت ألف، فجعلوها مائة من الإبل.

الدية للماشية وغيرها: قد فصلت في حديث عبد الله عمرو بن خرم، الحديث الذي كتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- مما أرسله إلى نجران، كتب له تفاصيل الدِيَّات، « إن من اعتبط - يعني: تعمد - مؤمنا قتلا عن بينة »(9) اعتبط يعني: تعمد، وقتل « مؤمنا قتلا عن بينة »(10) يعني: قامت عليه البينة والشهود « فإنه، قود قصاص إلا أن يرضى أولياء المقتول فإن رضوا فلهم الدية »(11) ثم قال: « إن في النفس الدية مائة من الإبل »(12)إذا قُتل فإن فيه مائة من الإبل، ثم ذكر الأعضاء أن فيها أيضا دية « وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية »(13) كاملة إذا قطع الأنف وحده من المارن، مارن الأنف ما لان منه، إذا قطع، فإن فيه الدية كاملة؛ وذلك لأنه. . ولو كان ليس فيه منفعة إلا الجمال، لكن جماله واضح « وفي اللسان الدية »(14) اللسان منافعه كثيرة؛ الكلام وإصلاح الأكل وذوق الطعم، ففيه الدية « وفي الصلب الدية »(15) « وفي الشفتين الدية »(16) الشفتان أيضا منافعهما كثيرة، فإذا قطعت إحداهما ففيها نصف الدِيَّة، وفي الثنتين الدِيَّة، ويقول بعضهم: بل السفلي فيها الثلثان؛ لأن منفعتها أكثر، الشفة السفلي، والشفة العليا فيها الثلث، والمشهور أنهما نصفان « وفي الذكر الدية »(17) لا شك أنه منفعته عظيمة، فإذا قُطع من أصله، ففيه الدِيَّة، « وفي البيضتين الدية »(18) الخصيتين؛ لأنهما أيضا علامة الرجولة وسببها « وفي الصُّلب الدية »(15) إذا كُسِر ظهره، ولم ينجبر ففيه الدِيَّة. « وفي العينين الدية »(19) العينين، وفي إحداهما نصف الدية « وفي الرجل الواحدة نصف الدية »(20) وفي الرجلين الدِيَّة، وكذلك في اليدين، إذا قُطعت اليدان ففيهما الدِيَّة، وإذا قُطعت إحداهما، فنصف الدِيَّة، والأصابع: إذا قُطعت الأصابع العشرة، ففيها الدِيَّة، وكذلك أصابع الرجلين إذا قطعت العشرة ففيها الدية كاملة، وفي الإصبع الواحد عشر من الإبل، ولا فرق بين الأصابع، ولو كانت الإبهام فيها أكثر، فمعلوم أن منفعة الإبهام أكثر من منفعة الخنصر، ومع ذلك ورد الشرع بأن في الإصبع الدِيَّة، « وفي المأمومة ثلث الدية »(21)

المأمومة: هي الشجّة التي تصل إلى أم الدماغ، إذا شجّه، يعني: ضربه، قرع اللحم وكسر العظم، وخرقه إلى أن وصلت الشجة إلى أم الدماغ، فهذه غالبا أنه لا يعيش، ومع ذلك إن عاش، ففيه ثلث الدية وإن مات، ففيه الدية « وفي الجائفة ثلث الدية »(22) .

الجائفة: هي التي تخرق الجوف، التي إذا طعنه مثلا إلى بطنه وخرق إلى الأمعاء، فهي جائفة، ولو برأس السكين، فهي جائفة، وإذا طعنه من أمامه بسكين مثلا، أو بسهم ثم نفذ السهم من خلفه فجائفتان؛ لأن هذه تعتبر جائفة، والأخرى جائفة، فالجائفة التي تصل إلى الجوف قالوا مثلا: لو طعنه في حلقه وصل إلى جوف الحلق إلى المريء، تعتبر أيضا جائفة؛ لأن المريء ملحق بالجوف، وكذلك في النحر، لو وصل إلى مجرى الطعام في النحر، فهي جائفة. « وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشرُ من الإبل، وفي السن خمس من الإبل »(23) مكتوب في هذه النسخة خمس عشرة، وهو خطأ، السن فيها خمس من الإبل، والصحيح أن الأسنان كلها تتساوى، فإذا قلعت الأسنان كلها ففيها الدِيَّة، وإذا قُلع سنا واحدة ففيه خمس، فإذا قُلع منها عشرون سنا، فالزائد ليس فيه شيء، وذلك أن أسنان الإنسان إذا تكاملت اثنان وثلاثون سنا، أربعة الثنايا، وأربعة الرباعيات، وأربع الأنياب، وعشرون الطواحن، هذه اثنان وثلاثون، فإذا قُلع منها سن، فخمس من الإبل، واثنان عشر، وعشرة أسنان خمسون من الإبل، عشرون سنا مائة من الإبل، اثنان وعشرون مائة من الإبل، خمسة وعشرون مائة من الإبل، ثلاثون مائة من الإبل اثنان وثلاثون مائة، ما يزيد؛ وذلك لأنها لا تزيد عن الدية الكاملة. « وفي الموضحة خمس من الإبل »(24)

الموضحة: هي الشجة التي توضح العظم، الشجة التي في الوجه، أو التي في الرأس إذا وصلت إلى العظم، قرعت العظم، ولكن العظم لم ينكسر تسمى موضحة، ففيها خمس من الإبل، فإن كسرت العظم، فإنها تسمى هاشمة، وعلاقتها أنه إذا مسحت بالميل، فإن الميل يقف في كسور العظم، هذه تسمى هاشمة، فيها عشر من الإبل، فإذا أزالت العظام، ولكنها لم تصل إلى المأمومة سميت منقلة، ففيها خمس عشرة من الإبل، فالموضحة التي توضح العظم، والهاشمة التي تكسره ولا تخرفه، والمنقلة التي تنقل عظامه، ولا تصل إلى المأمومة.

لعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (3) ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل ذلك اليهودي الذي رضّ رأس جارية على أوضاح لها وعلى أهل الذهب ألف دينار كانت الألف دينار في ذلك الوقت تساوي مائة من الإبل، فعليهم ألف دينار، وأما الدراهم فإنها كانت تساوي اثني عشر ألف درهم؛ فلذلك قال بعضهم: إنها خمسة أصول، من الذهب ألف، من الفضة اثنا عشر ألفا، من الإبل مائة من الإبل، من البقر مائتان، من الغنم ألفان، هكذا وردت، والصحيح أنه تقدر بالإبل، ترتفع بارتفاع الإبل وتنخفض بانخفاضها.

يشترط في القصاص كون القاتل مكلفا، والمقتول معصوما ومكافئا للجاني في الإسلام والرق والحرية؛ لما انتهى من الدية جاء إلى القصاص، القصاص هو أن يُقتل القاتل بمن قتله، فلا بد أن يكون القاتل مكلفا: فإذا كان القاتل مجنونا، أو صبيا فلا قصاص، وإنما هي الدِيَّة. والمقتول معصوما: فإذا كان المقتول حربيا، فلا قصاص، أو قاطع طريق، قتله لقطع الطريق، أو زانيا محصنا، قتله فليس بمعصوم، ولا بد من المكافأة: المكافأة للجاني في الإسلام والرق والحرية، فلا يقتل المسلم بالكافر؛ لأنه ليس كفوءا له، ولو كان ذميا، ولو كان مُعاهدا، ولو كان مُستأمنا، فإذا قُتل أحد الكفار الآن قتله مسلم، ففيه الدية والكفارة، وليس فيه قصاص؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث علي: وألا يقتل مسلم بكافر ولا الحر بالعبد؛ وذلك لأن العبد متقوم فيه قيمته، فإذا قُتل العبد، فإن سيده يطالب بالدِيَّة، بالقيمة، لكن يجوز قتله -قتل القاتل- تعزيرا وعقوبة. وألا يكون ولدا للقاتل فلا يقُتل الأبوان بالولد، هنا قال: ولدا للمقتول، والصحيح: ألا يكون ولدا للقاتل، ألا يكون المقتول ولدا للقاتل؛ فإذا كان المقتول ولدا للقاتل فلا قصاص، فلا يُقتل الوالد بولد، ولو عمدا.

ذكرنا لكم بالأمس قصة قتادة المدلجي؛ فإنه قتل ولده ولم يرثه، ولم يقتله عمر به، وكذلك الأم والجد والجدة، لا يقتل كل منهما بولده، أو بولد ولده؛ لهذا الحديث لا يُقتل والد بولده ولا بد من اتفاق الأولياء المكلفين، فإذا قال أحدهم: أنا أعفو، الأولياء مثلا أولاد المقتول، خمسة رجال وخمس نساء، إحداهن قالت: أنا قد عفوت عن نصيبي، لا أريد القصاص سقط القصاص، ولو ما لها إلا سهم من خمسة عشر سهما، أو قالت: أنا أريد حقي من الدية سقط القصاص، أما إذا اتفقوا كلهم، رجالهم ونساؤهم، على طلب القصاص، فإنه يقتص منه. ولا بد من الأمن من التعدي في الاستيفاء، فإذا كان القاتل امرأة حاملا، فلا تُقتل حتى تضع؛ لأنا إذا قتلناها تعدينا على الجنين، والجنين ليس له ذنب، أبوه يقول: ولدي كيف يذهب علي، فتُترك حتى تلد.

وكذلك القصاص في الأطراف، مثلا أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف، وما أشبه ذلك، فلو مثلا أنا إذا أردنا قطع يده، كان في ذلك خطر على نفسه، فلا تقطع يده إلا بعد الأمن من الاستيفاء، الأمن من التعدي.

وتُقتل الجماعة بالواحد: روي أن -شابا- في عهد عمر -رضي الله عنه- كانت امرأة غاب زوجها في صنعاء، وترك ولدا له غلاما، يعني: في نحو العشرين سنة، أو الخمسة عشر، ثم إنها استدعت أناسا يفجرون بها، وخافت أنه يدل عليها، فقالت لهم: اقتلوه، فقتلوه وألقوه في بئر، وهم سبعة، فجاء الخبر إلى عمر -رضي الله عنه- وعثر عليه، وعند ذلك أُمسكوا وعُرفوا أنهم القاتلون، فقال عمر -رضي الله عنه-: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، فأمر بالسبعة أن يُقتلوا بهذا الغلام.

فأخذوا منه أنه يُقتل الجماعة بالواحد؛ وذلك حتى لا يكون حيلة، لو لم يقتل إلا واحد لاتخذه الناس حيلة، أو لو لم يقتل منهم أحد، لاشتركوا مثلا عشرة في قتل إنسان، هذا طعنه طعنة صغيرة، وهذا طعنة، وهذا طعنة، وهذا طعنة عشر طعنات مات منها، ولا يُدْرى من أي طعنة يُقتلون كلهم؛ لأنهم تعمدوا القتل.

ويقاد كل عضو بمثله، كل عضو بمثله، فالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والإصبع بالإصبع، واليد باليد، والرجل بالرجل وأشباه ذلك. كل عضو يقابل بمثله بلا تعد، يعني: بلا ضرر، فمثلا إذا أردنا أن نقلع العين، وخفنا مثلا أنها تتسمم؛ فتؤدي إلى الموت فلا، وكذلك مثلا إذا أردنا أن نجدع الأنف، فلا بد أن يكون من محلٍّ محدد حتى لا يحصل التعدي، وكذلك الشفة بالشفة مثلا، واللسان باللسان إذا أُمن التعدي، أن النفس بالنفس، والعين بالعين إلى آخره.

دِية المرأة على النصف من دية الرجل إلا فيما دون ثلث الدية، فهما سواء ذكروا أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سأل بعض علماء أهل المدينة، قال له: كم دية إصبع المرأة؟ قال: عشر، قال: فكم دية إصبعين؟ قال: عشرون، قال: فكم دية ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون، قال: فكم دية أربعة أصابع؟ قال: عشرون لماذا؟ لأنه تجاوزت ثلث الدية، فكانت على النصف، لأن أربع أصابع من الرجل فيها أربعون، ومن المرأة فيها عشرون وهكذا، فإذن دية عينها فيها نصف الدِيَّة، يعني: لو -مثلا- قلنا: فيها نصف الدية لو أوجبنا فيها خمسين؛ لكانت مثل دية الرجل، فنجعل فيها نصف دية الرجل، خمس وعشرون، وهكذا بقية الجوارح، ونكتفي بهذا، نقف على الحدود.

بقى عندنا الحدود والقضاء والإقرار، نقرؤها غدا -إن شاء الله- بعد المغرب إلى العشاء، والله وأعلم، وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد.

نكمل الباقي -إن شاء الله- في هذه الليلة في هذا الدرس، ونعرف أن الكتاب، وإن احتوى على أبواب الفقه التي هي الكتب، فإنه يعتبر مختصرا، لا يغني عن قراءة الكتب الأخرى، فتعرف أن كتبا مطولة منها ما يصل إلى عشرين مجلدا كالمجموع شرح المهذب، ومنها ما وصل إلى خمسة عشر كالمغني في طبعته الأخيرة، ومعلوم أن الموضوع واحد، وهو ما يتعلق بالأحكام، وما يتعلق بالأوامر والنواهي، وما يتعلق بالحلال والحرام، وما يتعلق بالعبادات والجنايات والعقود، وما أشبهها، ولكن اقتصر الشيخ ابن سعدي على المهم، والذي يحتاج إليه كثيرا، وفيه البركة والكفاية لمن فقهه، وفتح الله عليه.

والآن نقرأ باقي الأبواب:


(1) البخاري : في اللقطة (2434) , ومسلم : الحج (1355) , وابن ماجه : الديات (2624) , وأحمد (2/238).
(2) النسائي : القسامة (4853).
(3) سورة المائدة: 45
(4) سورة البقرة: 178
(5) البخاري : الديات (6910) , ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1681) , والترمذي : الفرائض (2111) , والنسائي : القسامة (4818) , وأبو داود : الديات (4576) , وأحمد (2/535) , والدارمي : الديات (2382).
(6) البخاري : الطب (5758) , ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1681) , والنسائي : القسامة (4818) , وأبو داود : الديات (4576) , وأحمد (2/535) , والدارمي : الديات (2382).
(7) سورة النساء: 92
(8) ابن ماجه : الديات (2646) , ومالك : العقول (1620).
(9) النسائي : القسامة (4853).
(10) النسائي : القسامة (4853).
(11) النسائي : القسامة (4853) , والدارمي : الديات (2352).
(12) النسائي : القسامة (4853).
(13) النسائي : القسامة (4853).
(14) النسائي : القسامة (4853).
(15) النسائي : القسامة (4853).
(16) النسائي : القسامة (4853).
(17) النسائي : القسامة (4853).
(18) النسائي : القسامة (4853).
(19) النسائي : القسامة (4853).
(20) النسائي : القسامة (4853).
(21) النسائي : القسامة (4853).
(22) النسائي : القسامة (4853).
(23) النسائي : القسامة (4853) , ومالك : العقول (1601) , والدارمي : الديات (2373).
(24) النسائي : القسامة (4853).