موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - [باب الذكاة والصيد] - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - [باب الذكاة والصيد]

باب الذكاة والصيد

الحيوانات المباحة، لا تباح بدون ذكاة، إلا السمك والجراد، ويشترط في الذكاة أن يكون المذكي مسلما، أو كتابيا، وأن يكون بمحدد، وأن ينهر الدم، وأن يقطع الحلقوم والمريء، وأن يذكر اسم الله عليه، وكذلك يشترط في الصيد إلا أنه يحل بعقره في أي موضع من بدنه، ومثل الصيد ما نفر وعجز عن ذبحه، وعن رافع بن خديج أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل ليس السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر، فمدى الحبشة »(2) متفق عليه.

ويباح صيد الكلب المعلم بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لا يأكل، ويسمي صاحبها عليها إذا أرسلها، وعن عدي بن حاتم قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إذا أرسلت كلبك المعلم، فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتله، ولم يأكل منه، فكل، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتله، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وأن رميت سهمك، فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، فإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل »(3) متفق عليه.

وفي الحديث « إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته »(4) رواه مسلم. وقال -صلى الله عليه وسلم- « ذكاة الجنين ذكاة أمه »(5) رواه أحمد.


أما الحيوان فإنه قسمان: بحري وبري، البحري هو دواب البحر، يقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ (1) صيده: ما تصيده بشبكة، أو نحوها. وطعامه: ما يقذفه على الساحل من الدواب، أخذوا من هذه الآية أن جميع ما في البحر، فإنه حلال، وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان شبيهه البري حرام، فإنه يحرم، فقالوا: تحرم حيَّة البحر، ويحرم كلب البحر، ويحرم خنزير البحر وما أشبه ذلك.

والأقرب أنها كلها حلال؛ وذلك لأنها لا تتغذى بما هو نجس، يعني: غذاؤها غالبا طاهر: إما ميتات البحر، وإما نباتات البحر، وإما ماء، أو نحوه؛ فلذلك على ظاهر الآية كل دواب البحر حلال، لكن حيث إن فيها خلافا، خلاف في التمساح، وخلاف في الكلب، وخلاف في الحيَّات وما أشبهها، فإن الإنسان يتجنب الشيء الذي فيه خلاف، والذي هو مكروه.

أما الحيوان البري، فالأصل فيه الحِلّ إلا ما نص الشرع على تحريمه، ورد أن الله تعالى أباح بهيمة الأنعام ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ (6) فدخل في بهيمة الأنعام: كل الدواب التي يملكها الإنسان، وينتفع بها، استُثْني من ذلك الحُمُر الأهلية؛ ورد الشرع بتحريمها مع أنها من جملة ما ينتفع به الإنسان، واختُلِف في الخيل؛ فحرَّمَها الحنفية وأباحها الجمهور، وأما الإبل والبقر والغنم، فلا خلاف في حلها -أنها مباحة- وأما غير هذه الدواب، فورد النهي عن السِّباع، تحريم كل ذي نابٍ من السِّباع، فيدخل في ذلك الكلب؛ لأن له نابا، ويدخل في ذلك الذئاب والفهود والنمور والأسود وما أشبهها.

واختلف في الضبع؛ فذهب الإمام أحمد إلى أنها حلال؛ لأنها ورد الأمر بإباحتها، وذهب الشافعي إلى أنها حرام، وقالوا: إنها ذات ناب، ولو لم تكن تعدو، لكنها من ذوات الأنياب تفترس، وتأكل الجيف، فكأن الأقرب أنها لا تُباح إلا عند الضرورة؛ لأن الأحاديث التي وردت فيها محمولة على أنها عند الحاجة.

أما بقية ذوات الأنياب، فإنها حرام، يدخل في ذلك مثلا القط والثعلب والنمر وابن آوى وما أشبهها، هذه دواب تفترس، حتى هذا القط يفترس الطيور، يفترس الدجاج والحمام، فهو من ذوات الأنياب.

كذلك ما له مِخْلب من الطير، كل طير له مخلب يحمل طعامه بمخلبه؛ فإنه حرام. يدخل في ذلك النسر والغراب والعقاب والصقر والبازي والشاهين، وما أشبهها، هذه ومثلها أيضا الصرد الذي ذُكر في الحديث، طائر أصغر من الحمام أحمر، يسمى الصرد له مخلب، فدخل في ذلك.

كذلك من المحرمات ما أمر بقتله، تقدم في الحج أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « خمس دواب يقتلن في الحل والحرم »(7) فهذه حيث إنه أُمر بقتلها، فهي حرام « الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور »(8) ومثلها أيضا الحية؛ فإنه مأمور بقتلها؛ لأنها من ذوات السموم.

كذلك أيضا ما نُهِىَ عن قتله؛ في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد »(9) .

الهدهد طائر معروف، يعني: لونه أخضر، وله عنق طويل، ورد ذكره في القرآن، وورد النهي عن قتله، والصرد نُهِىَ أيضا عن قتله، فالنهي عن قتله يدل على أنه لا يؤكل.

كذلك ما يأكل الجِيَف، الذي يأكل الجيف كالرخم مثلا والنسور، هذه تتغذى بالجيف، والجيف نجسة، فيكون مُحرَّما؛ لأنه يتغذى بمُحرَّم.

كذلك جميع الخبائث محرمة، كالحشرات، الحشرات بأنواعها محرمة، يدخل في ذلك الخنفساء والجُعَل، وكذلك الأوزاغ التي تكون في السقوف، والسحالب والفَرَاش والزنابير والطيور الصغيرة؛ والنحل والنمل، وما أشبه ذلك تُسمَّى الحشرات، استثنوا منها الضب؛ فإن خلقته على خلقة الوَرَل وعلى حِلْقه الوَزَغْ، فالوزغ هذا الذي تشاهدونه خلقته على خلقته، وعلى خلقته السحلباء ومع ذلك، فإنه حلال، ورد أنه « أُكل على مائدة النبي -صلى الله عليه وسلم- »(10) أما الوَرَلْ فإنه حرام؛ لأنه داخلٌ في الحشرات « نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجلّالة وألبانها، حتى تُحبَس، وتطعم الطاهر ثلاثا »(11) .

الجلّالة: هي التي تأكل النجاسة وتتغذى بها، التي تأكل العَذِِرة، كثيرا من الإبل والبقر والغنم ونحوها إذا جاعت، فإنها تتبع الأماكن التي هي فيها الغائط، وتأكل الغائط وتتغذى به، فمثل هذه إذا كان غذاؤها، أو أكثر غذائها على أكل هذه النجاسة؛ سُميت جلّالة. فيُنهى عن أكلها حتى تُحْبَس وتُطعم الطاهر. واختلف كم تُحبَس؟ هذا الحديث فيه: أنها تحبس ثلاثا، ولكن قال بعضهم: مثل الدجاج، الدجاجة تحبس ثلاثا، وتطعم طاهرا، وأما الغنم ونحوها، فتحبس أسبوعا وتطعم طاهرا، وأما الإبل والبقر فورد في حديث ذُكر في "سُبُل السلام" -، أو أثر- أنها تحبس أربعين يوما، وذلك؛ لأنها كبيرة الجثة، فلا بد أن تحبس مدة طويلة يتغير ما في بطنها، ويتغير لحمها، ويتغير ويطيب لبنها.

الذكاة: هي ذبح الحيوان المباح المقدور عليه بسكين، أو نحوه، الحيوان المباح لا يباح بدون الذكاة إلا السمك والجراد، قال تعالى -لما ذكر المحرمات- قال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (12) أي إلا ما قدرتم عليه وذكيتموه، وهو حي قبل أن يموت؛ فإن الذكاة تحله.

يشترط في الذكاة أربعة شروط:

الأول: أهلية المذكي، وهو أن يكون مسلما، أو كتابيا ملتزما بالكتاب - بكتابه - لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (13) يعني: ذبائحهم؛ وذلك لأنهم يذبحون في دينهم ذبحا شرعيا، يذبحون في الحال، ويذبحون بالسكين، ويسمون الله، هذا من شريعتهم، أما في هذه الأزمنة، فالغالب أنهم لا يتقيدون بدينهم، وأن ذبحهم ليس شرعيا؛ فلأجل ذلك ننهى عن اللحوم المستوردة، وقد كتب فيها شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد -رحمه الله- رسالة بعنوان "اللحوم المستوردة" ورجح فيها أنها لا تحل، وذكر لنا كثيرا ممن وقف عليهم أنهم يعلقون الدواب، مثل الدجاج والطيور ونحوها بأرجلها في مثل: السيم، ثم هذا يجره كهرباء، فيمر بماء حار يغلي، فتنغمس فيه، وهي حية، وتخرج منه، وقد ماتت، ثم تمر على آلة أخرى تقطع رأسها، وآلة أخرى تسلخ جلدها وآلة أخرى تقطع رجليها، وتسقط وتعلب، هذا هو الغالب عليهم، وعلى هذا، فإنها تموت قبل أن يُقطع رأسُها، وليس هناك من يذبحها بسكين، ولربما يكون الذبح من الخلف، وكثيرا ما وُجد في بعض العلب، المعلبات ما رأسه متصل بالمقطع يعني: أنها من سرعتها أخطأتها السكين، فلم تقطع الرأس، وربما قطعت -مثلا المنقار- وتُرك الرأس، فهذا دليل على أنهم لا يذبحون ذبحا شرعيا، إذن فلو كانت رخيصة نقول: إن الذي يتورع عنها هو أولى؛ حتى لا يأكل شيئا مشكوكا فيه، أو محرم.

الشرط الثاني: أن يكون بمحدد، وأن ينهر الدم، المحدد: هو السكين الحادة ومثلها الحجر الحاد، ففي حديث تلك الجارية التي كسرت حجرا، وقطعت به تلك الشاة التي أشرفت على الموت، فأمر بأكلها. ويكون ذلك الحاد مما ينهر الدم، يعني: يسيل الدم معه إذا حزّه من الحلق انقطع الحلق، وأنهر الدم كما سيأتي في الحديث.

الشرط الثالث: أن يقطع الحلقوم والمريء، واختلف في الودجين، فاشترطها بعضهم، المريء مجري الطعام، والحلقوم مجرى النفس، فلا بد أن يقطع مجرى النفس ومجرى الطعام، والعرقان اللذان يحيطان بالعنق هما اللذان -غالبا- يخرج منهما الدم الكثير، فيتأكد أيضا قطعهما حتى يخرج الدم ولا يحتقن.

الشرط الرابع: أن يذكر اسم الله عليه، بأن يقول: بسم الله عند الذبح لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (14) إلى قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (15) واختلف فيما إذا ترك التسمية سهوا، والراجح أنه إذا كان مسلما سها عن التسمية، فإنها تُباح وتحل، وأما إذا ترك التسمية عمدا، فلا تحل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (15) .

الصيد: ذكر أن الحيوانات المباحة لا تباح إلا بذكاة، واستثنى السمك والجراد للحديث المذكور المشهور « أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد »(16) .

الجراد: معروف لكثرته لا يتمكن من ذبحه، فيلقى في الماء الحار، وينطبخ ويؤكل؛ ولأنه ليس له دم، والذي يسيل من فمه لا يسمى دما، وليس بنجس.

يشترط في الصيد أيضا هذه الشروط، إذا صاده، فلا بد أن يذبحه مسلم ولا بد أن يذبحه بمحدد، ولا بد أن يقطع الحلقوم والمريء، ولا بد أن يذكر اسم الله عليه، هذا الصيد.

الصيد: هو اقتناص حيوان متوحش طبعا غير مقدور عليه، هذا الصيد، هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا غير مقدور عليه، يدخل في ذلك الظباء والوُعول والأروَى وحُمُر الوحش وبقر الوحش وما أشبهها من الدواب، التي تتوحش، وكذلك أيضا مثل الأرنب والضب والوبر، وما أشبهه، هذه من الصِيود المباحة.

يقول: إلا أنه يحل بعقد في أي موضع من بدنه، وذلك إذا رماه، إذا رماه فأصاب السهم جنبه، أو قلبه، أو رأسه، ومات من السهم؛ فإنه يُباح فذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (17) والنبي -صلى الله عليه وسلم- أباح ذلك كما يأتي، ومثل الصيد: ما نفر وعجز عن ذبحه، إذا هرب البعير ولحقوه، فعجزوا عنه، فإذا رموه ومات من الرمي، ورأى إصابة الرمي في جنبه؛ فإنه يحل.

في حديث رافع هذا يقول: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مُدَى -المُدى: جمع مدية- يعني: السكاكين - أفنذبح بالقصب؟ يعني: أعواد محددة، فقال: « ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكل »(18) « ما أنهر الدم »(18) يعني: أساله، « وذُكر اسم الله عليه، فكل ليس السن والظفر »(19) يعني: لا يجوز أن يذبح بظفره إذا كان طويلا، ولو عصفورا، ولا بسنه أن يعضَّه بسنه في حلقه، ثم قال: « أما السن فعظم »(20) أخذ من هذا أنه لا يجوز الذبح بالعظم « وأما الظفر فمدى الحبشة »(21) كأن الحبشة، وهم في ذلك الوقت ليسوا بمسلمين، كانوا يذبحون بالظفر؛ فنهى عن التشبه بهم.

في هذا الحديث يقول رافع: فَندّ بعير - ندّ: يعني: هرب- بعير مما معنا أدركوه- فسعوا في أثره فنبضوا -عجزوا- فرماه رجل بسهم، فأدركه، رماه بسهم فأوثقه ومات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هكذا. . فما ند منها، فافعلوا به هكذا »(22) يقول: ويباح صيد الكلب المعلَّم لقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ (17) يعني: من الكلاب، الجوارح تطلق على الطيور المعلَّمة كالصقر والبازي والباشق والشاهين ونحوها وعلى الكلاب المعلمة فيباح لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ (17) ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (17) عليكم بهذا الشرط ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (17) ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (17) فقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ (17) يعني: من الكلاب ونحوها ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ (17) دلّ على أنه لا بد أن يُعلّم متى يكون الكلب معلَّما؟ متى يباح صيده؟ قالوا: علامته يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لا يأكل، هذه علامته.

إذا أرسله صاحبه بكلمة يعرفها يرسله بأن يقول - يسميه باسمه مثلا- فيرسله، فإذا أرسله سعى في طلب ذلك الصيد - الأرنب مثلا، أو الظباء، أو ما أشبهها- وإذا زُجر انزجر، يقولون: مثلا لو أنه استرسل من نفسه، ففطن به صاحبه، فصاح به، صاح.. ولما صاح زجره زاد في العدو، ففي هذه الحال يحل ما صاده؛ لأنه زجره، وكذلك إذا زجره عن السعي يعني: هنا له علامات كأن يقول له: كُفّ، أو قف، أو نحو ذلك فينزجر، فهذا، وإذا أمسك لا يأكل، إذا أمسك الأرنب مثلا فإنه يمسكها بفمه، أو يعضها حتى يقتلها مثلا ثم لا يأكل منها، بل يقف عندها، حتى يأتي صاحبه، فهذا هو الذي يُباح صيده.

ولا بد من التسمية، يُسمِّي صاحبه إذا أرسله سواء طيرا، أو كلبا أورد لنا هذا الحديث: عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « إذا أرسلت كلبك المعلم - بهذا الشرط - فاذكر اسم الله عليه- هذا شرط أيضا - فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه »(23) إذا أدركت الأرنب، أو الظبي حيا، فلا بد أن تذبحه؛ لأنه أصبح من المقدور عليه، والمقدور عليه لا بد أن يُذبح بالسكين - فاذبحه - « وإن أدركته قد قتله، ولم يأكل منه فكله »(24) لعموم قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (17) ما أمسك إلا لك، ما أمسك لنفسه، لو أمسك لنفسه لأكل.

استثنوا من ذلك الجارح: الصقر، فإنه إذا أكل، فلا يحرم صيده، والغالب أنه يجرح لأنه يقتل الحبار مثلا، أو الأرنب بمخالبه، يضربهما بمخالبه، فيقطع جلدها ويقطع ظهرها، فتموت وكذلك الأرنب ونحوه، له مخالب طويلة إذا ضربها به، فإنه يموت. فإذن الغالب أنها تموت رهبة، والغالب أنه يأكل فلا يضر أكله. « وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره قد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله »(25) أنت ما سميت إلا على كلبك، وما أرسلت إلا كلبك، والصيد قد قتله اثنان أحدهما: مسمى عليه، والآخر غير مسمى عليه، فلا تدري، فلا تأكل ثم قال: « وإن رميت بسهمك، فاذكر اسم الله عليه »(26) كانوا يرمون بالسهام.

السهام: قطع من الأعواد يبرونها، ويحددون رءوسها، ثم يجعلونها بالقوس فيدفعونه، فيندفع، قد يندفع مائة ذراع، أو مائتين، أو أكثر شيئا، ثلاثمائة ذراع فيصيب الرميّة أحيانا، يضربها مع جنب، فيخرج مع الجنب الثاني كما في حديث الخوارج « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »(27) « فإذا رميت بالسهم، فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت »(28) لأنك تتحقق أن هذا السهم هو الذي قتله، لكن قد تتغير رائحته إذا طالت المدة؛ فيكون مكروها.

أما إذا وجدته من حينه، ولو مات فإنك تأكل « وإن وجدته غريقا من الماء فلا تأكل »(29) لا تدري هل سهمك الذي قتله، أو الماء الذي قتله، هذا حديث متفق عليه. ومثله أيضا حديث عن أبي ثعلبة الخشني بنحو هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء »(4) هذا الحديث أيضا حديث عظيم في صحيح مسلم عن شدّاد بن أوس « إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليُحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته »(4) قوله: « إذا قتلتم فأحسنوا القتلة »(30) حتى ولو كان الإنسان يقتل قصاصا؛ فإن عليه أن يحسن القتلة.

إذا أراد أن يقتل قاتل أبيه، أو أخيه، فإنه يقتله قتلا حسنا ولا يعذبه، لا يطعنه طعونا كثيرة فيقول: أعذبه، بل يقتله قتلة واحدة « وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة »(31) إذا ذبح بالسكين، فعليه أن يذبحها بسرعة حتى لا تتألم « وليُحد أحدكم شفرته »(32) أي سكينه، يسنّ السكين يُحدّها: يعني: حتى تكون حادة « وليُرح ذبيحته »(33) يذبحها بسرعة بقطع الحلقوم والمريء والودجين بسرعة؛ حتى لا تتألم؛ فإنها إذا كانت كالة وأخذ يحزها، فإن الدابة تتألم ويطول ألمها، قد تبقى -مثلا- ربع ساعة، وهو يحزها ولا تقطع الجلد، ولا تقطع الحلقوم إلا بعد كلفة، فإذا كانت حادة قطعت بسرعة.

أما قوله -صلى الله عليه وسلم- « ذكاة الجنين ذكاة أمه »(5) فالمراد: إذا ذبحت الشاة ووُجد في بطنها جنين، فإنه يباح أكله ولا حاجة إلى ذبحه، وكذلك ولد البقرة، أو ولد البعير، أي الناقة إذا وجد في بطنها جنينا جاز أكله، ولو لم يُذبح وأُلحق بلحمها، يعني: يُطبَخ معها، ويُؤكل إذا أراد ذلك أهله، ولا حاجة إلى ذبحه. انتهى من الصيد ونحوه.


(1) سورة المائدة: 96
(2) البخاري : الجهاد والسير (3075) , ومسلم : الأضاحي (1968) , والترمذي : الأحكام والفوائد (1491) , والنسائي : الضحايا (4410) , وأبو داود : الضحايا (2821) , وأحمد (3/463).
(3) البخاري : الوضوء (175) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929) , والترمذي : الصيد (1470) , والنسائي : الصيد والذبائح (4263) , وأبو داود : الصيد (2847) , وابن ماجه : الصيد (3208) , وأحمد (4/379) , والدارمي : الصيد (2002).
(4) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1955) , والترمذي : الديات (1409) , والنسائي : الضحايا (4413) , وأبو داود : الضحايا (2815) , وابن ماجه : الذبائح (3170) , وأحمد (4/125) , والدارمي : الأضاحي (1970).
(5) الترمذي : الأطعمة (1476) , وأبو داود : الضحايا (2827) , وابن ماجه : الذبائح (3199) , وأحمد (3/39).
(6) سورة المائدة: 1
(7) البخاري : الحج (1829) , ومسلم : الحج (1198) , والترمذي : الحج (837) , والنسائي : مناسك الحج (2887) , وابن ماجه : المناسك (3087) , وأحمد (6/203) , ومالك : الحج (800) , والدارمي : المناسك (1817).
(8) البخاري : الحج (1829) , ومسلم : الحج (1198) , والترمذي5o5o d� Fkh5o 5o# 5o3087) , وأحمد (6/250) , والدارمي : المناسك (1817).
(9) أبو داود : الأدب (5267) , وأحمد (1/332) , والدارمي : الأضاحي (1999).
(10) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2575) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1947) , والنسائي : الصيد والذبائح (4319) , وأبو داود : الأطعمة (3793) , وأحمد (1/322).
(11) الترمذي : الأطعمة (1824) , وأبو داود : الأطعمة (3787) , وابن ماجه : الذبائح (3189).
(12) سورة المائدة: 3
(13) سورة المائدة: 5
(14) سورة الأنعام: 118
(15) سورة الأنعام: 121
(16) ابن ماجه : الأطعمة (3314) , وأحمد (2/97).
(17) سورة المائدة: 4
(18) البخاري : الجهاد والسير (3075) , ومسلم : الأضاحي (1968) , والترمذي : الأحكام والفوائد (1491).
(19) البخاري : الجهاد والسير (3075) , ومسلم : الأضاحي (1968) , والنسائي : الضحايا (4410) , وأبو داود : الضحايا (2821) , وأحمد (3/463).
(20) البخاري : الشركة (2488) , والترمذي : الأحكام والفوائد (1491) , وأبو داود : الضحايا (2821).
(21) البخاري : الشركة (2488) , ومسلم : الأضاحي (1968) , والترمذي : الأحكام والفوائد (1491) , والنسائي : الضحايا (4410) , وأبو داود : الضحايا (2821) , وأحمد (3/463).
(22) البخاري : الذبائح والصيد (5543) , ومسلم : الأضاحي (1968) , والترمذي : الأحكام والفوائد (1492) , والنسائي : الصيد والذبائح (4297) , وأبو داود : الضحايا (2821) , وأحمد (3/463) , والدارمي : الأضاحي (1977).
(23) البخاري : الذبائح والصيد (5486) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929) , والترمذي : الصيد (1470) , والنسائي : الصيد والذبائح (4263) , وأبو داود : الصيد (2847) , وابن ماجه : الصيد (3208) , وأحمد (4/257) , والدارمي : الصيد (2002).
(24) البخاري : الذبائح والصيد (5486) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929) , والترمذي : الصيد (1470) , والنسائي : الصيد والذبائح (4263) , وأبو داود : الصيد (2847) , وابن ماجه : الصيد (3208) , وأحمد (4/257) , والدارمي : الصيد (2002).
(25) البخاري : الذبائح والصيد (5486) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929) , والترمذي : الصيد (1470) , والنسائي : الصيد والذبائح (4263) , وابن ماجه : الصيد (3208) , والدارمي : الصيد (2002).
(26) البخاري : الذبائح والصيد (5486) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929) , والترمذي : الصيد (1469) , والنسائي : الصيد والذبائح (4263) , وأبو داود : الصيد (2849) , وابن ماجه : الصيد (3208) , وأحمد (4/257).
(27) البخاري : المناقب (3610) , ومسلم : الزكاة (1064) , والنسائي : الزكاة (2578) , وأبو داود : السنة (4764) , وأحمد (3/4).
(28) البخاري : الذبائح والصيد (5485) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929).
(29) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1929).
(30) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1955) , والترمذي : الديات (1409) , والنسائي : الضحايا (4413) , وأبو داود : الضحايا (2815) , وابن ماجه : الذبائح (3170) , وأحمد (4/125) , والدارمي : الأضاحي (1970).
(31) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1955) , والترمذي : الديات (1409) , والنسائي : الضحايا (4414) , وأبو داود : الضحايا (2815) , وابن ماجه : الذبائح (3170) , وأحمد (4/125) , والدارمي : الأضاحي (1970).
(32) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1955) , والترمذي : الديات (1409) , والنسائي : الضحايا (4413) , وأبو داود : الضحايا (2815) , وابن ماجه : الذبائح (3170) , وأحمد (4/125) , والدارمي : الأضاحي (1970).
(33) مسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1955) , والترمذي : الديات (1409) , والنسائي : الضحايا (4411) , وأبو داود : الضحايا (2815) , وابن ماجه : الذبائح (3170) , وأحمد (4/125) , والدارمي : الأضاحي (1970).