موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الطلاق البائن والرجعي - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - الطلاق البائن والرجعي

الطلاق البائن والرجعي

قال -رحمه الله- في كتاب الطلاق: فصل: ويملك الحر ثلاث طلقات، فإذا تمت لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره بنكاح صحيح ويطؤها؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ (1) إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (2) .

ويقع الطلاق بائنا في أربع مسائل هذه إحداها، وإذا طلق قبل الدخول لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (3) .

وإذا كان في نكاح فاسد، وإذا كان على عوض وما سوى ذلك فهو طلاق رجعي يملك الزوج رجعة زوجته ما دامت في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (4) والرجعية حكمها حكم الزوجات إلا في وجوب القسم، والمشروع إعلان النكاح والطلاق والرجعة، والإشهاد على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (5) .

وفي الحديث « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة »(6) رواه الأربعة إل النسائي وفي حديث ابن عباس مرفوعا « إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه »(7) رواه ابن ماجه.

باب الإيلاء والظهار واللعان

الإيلاء هو أن يحلف على ترك وطء زوجته أبدا، أو مدة تزيد عن أربعة أشهر، فإذا طلبت الزوجة حقها من الوطء أُمِرَ بوطئها، وضُرِبَتْ له أربعة أشهر، فإن وطئ كفَّر كفارة يمين، وإن امتنع ألزم بالطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (8) .

والظهار أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي ونحوه من ألفاظ التحريم الصريحة لزوجته، فهو منكر وزور، ولا تحرم الزوجة بذلك لكن لا يحل له أن يمسها حتى يفعل ما أمره الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا (9) … إلى آخر الآيات.

فيعتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب الضارة بالعمل، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، وسواء كان الظهار مطلقا، أو مؤقتا بوقت كرمضان ونحوه، وأما تحريم المملوكة والطعام واللباس وغيرها ففيه كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ (10) إلى أن ذكر الله كفارة اليمين في هذه الأمور.

وأما اللعان فإذا رمي الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف، ثمانون جلدة إلا أن يقيم البينة أربعة شهود عدول فيقام عليه الحد، أو يلاعن فيسقط عنه حد القذف، وصفة اللعان على ما ذكره الله في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ (11) … إلى آخر الآيات فيشهد خمس شهادات: بالله إنها لزانية، ويقول في الخامسة: وإن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد هي خمس مرات: بالله إنه لمن الكاذبين، وتقول في الخامسة: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

فإذا تم اللعان سقط عنه حد القذف، واندرأ عنها العذاب، وحصلت الفرقة بينهما والتحريم الأبدي، وانتفى الولد إذا ذكر في اللعان، والله أعلم.

كتاب العدد والاستبراء

العدة تربص من فارقها زوجها بموت، أو طلاق، فالمفارقة بالموت إذا مات عنها تعتد على كل حال، فإن كانت حاملا فعدتها وضعها جميع ما في بطنها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (12) وهذا عام في المفارقة بموت، أو حياة، وإن لم تكن حاملا فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، ويلزم في هذه العدة أن تحد المرأة وتترك الزينة والطيب والحلي والتحسن، بحناء ونحوه، وأن تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجتها نهارا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (13) الآية.

وأما المفارقة في حال الحياة، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا عدة له عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (3) وإن كان قد دخل بها، أو خلا بها، فإن كانت حاملا فعدتها وضع حملها قصرت المدة، أو طالت، وإن لم تكن حاملا، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حِيَض كاملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (4) وإن لم تكن تحيض كالصغيرة التي لم تحض والآيسة فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (12) .

فإن كانت تحيض وارتفع حيضها لرضاع ونحوه انتظرت حتى يعود الحيض فتعتد به، وإن ارتفع، ولا تدري ما رفعه انتظرت تسعة أشهر احتياطا للحمل، ثم اعتدت بثلاثة أشهر، وإذا ارتابت بعد انقضاء العدة لظهور أمارات الحمل لم تتزوج حتى تزول الريبة.

وامرأة المفقود تنتظر حتى يحكم بموته بحسب اجتهاد الحاكم، ثم تعتد، ولا تجب النفقة إلا للمعتدة الرجعية، أو لمن فارقها زوجها بالحياة وهي حامل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (14) .

وأما الاستبراء فهو تربص الأمة التي كان سيدها يطأها فلا يطؤها بعده زوج، أو سيد حتى تحيض حيضة واحدة، وإذا لم تكن من ذوات الحيض تستبرئ بشهر، أو وضع حملها إن كانت حاملا.


بعد أن عرفنا صيغة الطلاق والعبارة التي يستعملها، وأن منها ما هو صريح كقوله: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلقة، أو لفظ الفراق، أو لفظ التسريح الذي ذكره الله ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (5) ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (15) وكذلك الكنايات مثل قوله أنت حرة، وأنت بائن، وأنت حرج، وأنت وحبلك على غاربك، واذهبي وذوقي، وتجرعي واخرجي واحتجبي، وما أشبه ذلك.

بعد ذلك اختُلِفَ في بعض الأمور فمنها: إيقاع الثلاث جميعا، كأن يقول: أنت طالق ثلاثا، فقيل: إنها: تقع واحدة كما هو اختيار شيخ الإسلام، ولكنه خالف بذلك الأئمة الأربعة، وعذره أنه في زمانه ابتلى بالتحليل، صار الرجل إذا قال: أنت طالق ثلاثا، ورأى أنه لا يتمكن من استرجاعها استأجر من يحللها، والتحليل حرام كما هو معلوم.

فيقول شيخ الإسلام: إني ابتليت بالتحليل؛ فلأجل ذلك ليس لي حيلة إلا أن أجعل الثلاث واحدة، حتى يتمكن من الرجوع، ودليله في ذلك حديث في صحيح مسلم، والحديث قد اختلفوا فيه، وذكر صاحب سبل السلام عنه ستة أجوبة، وكأنه لم يقنع بها.

كذلك قولهم: أنت طالق ألبتة كثير من العلماء يقول: ألبتة هي الثلاث ليس لو كان يملك ألف طلقة، ثم قال: أنت طالق ألبتة فإنها تحرم عليه أبدا، هذا هو الذي اختاره. وجمع آخرون قالوا: بل لا يقع إلا واحدة.

أما عدد الطلقات التي يملكها المطلق فهي ثلاث يملك الحر ثلاث طلقات، وأما العبد فيملك طلقتين، والسنة أن يطلقها واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها، فإن أراد الرجعة راجعها في العدة، وإن لم يرد رجعتها فإنها تحل لغيره بعد العدة، وتحل له بعد العدة برضاها، ويكون كخاطب من الخُطَّاب، هذا هو طلاق السنة بأن يطلقها واحدة، مثلا إذا طهرت من حيضتها وقبل أن يطأها قال: أنت طالق، أو اشهد يا فلان وفلان أني طلقت امرأتي فلانة، ثم يتركها في منزله حتى تنتهي عدتها.

فإن أرادها وراجعها وجامعها رجعت إلى عصمته، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها سرَّحها بمعروف، وأرسلها إلى أهلها، وحلت لغيره من الأزواج، وحلت له إن أرادها ولو بعد سنة، أو عشر سنين تحل له برضاها وبعقد جديد ومهر جديد.

بعد أن عرفنا صيغة الطلاق، والعبارة التي يستعملها، وأن منها ما هو صريح كقوله: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلقة، أو لفظ الفراق، أو لفظ التسريح الذي ذكره الله ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (5) ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (15) وكذلك الكنايات، مثل قوله: أنت حرة، وأنت بائن، وأنت الحرج، وحبلك على غاربك، واذهبي، وذوقي، وتجرعي واخرجي واحتجبي… وما أشبه ذلك.

بعد ذلك اختلف في بعض الأمور، فمنها: إيقاع الثلاث جميعا، كأن يقول: أنت طالق ثلاثا، فقيل: إنها تقع واحدة، كماهو اختيار شيخ الإسلام، ولكنه خالف بذلك الأئمة الأربعة، وعذره أنه في زمانه ابتلي بالتحليل، صار الرجل إذا قال: أنت طالق ثلاثا، ورأى أنها لا يتمكن من استرجاعها، استأجر من يحللها. والتحليل حرام، كما هو معلوم، فيقول شيخ الإسلام: إني ابتليت بالتحليل؛ فلأجل ذلك ليس لي حيلة إلا أن أجعل الثلاث واحدة؛ حتى يتمكن من الرجوع. ودليله في ذلك حديث في صحيح مسلم، والحديث قد اختلفوا فيه، وذكر صاحب "سبل السلام" عنه ستة أجوبة، وكأنه لم يقنع بها، كذلك قولهم: أنت طالق البتة، كثير من العلماء يقول: البتة، هي الثلاث، ليس لو كان يملك ألف طلقة، ثم قال: أنت طالق البتة، فإنها تحرم عليه أبدا، هذا هو الذي اختاره جمع. وآخرون قالوا: بل لا يقع إلا واحدة.

أما عدد الطلقات التي يملكها المطلق، فهي ثلاث يملك الحر ثلاثا، ثلاث طلقات، وأما العبد فيملك طلقتين، والسنة أن يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها، فإن أراد الرجعة راجعها في العدة، وإن لم يرد رجعتها، فإنها تحل لغيره بعد العدة، وتحل له بعد العدة برضاها، ويكون كخاطب من الخطاب، هذا هو طلاق السنة بأن يطلقها واحدة، مثلا إذا طهرت من حيضتها، وقبل أن يطأها قال: أنت طالق، أو اشهد يا فلان وفلان: أني طلقت امرأتي فلانة، ثم يتركها في منزله حتى تنتهي عدتها، فإن أرادها وراجعها وجامعها رجعت إلى عصمته.

وإن لم يراجعها، حتى انقضت عدتها سرحها بمعروف، وأرسلها إلى أهلها، وحلت لغيره من الأزواج، وحلت له إن أرادها، ولو بعد سنة، أو عشر سنين تحل له برضاها، وبعقد جديد ومهر جديد.

أما إذا طلقها مرة، ثم راجعها في العدة، أو نكحها بعد العدة، ثم طلقها الثانية، ثم راجعها في العدة، أو نكحها بعد العدة، ثم طلقها الثالثة، فإنها قد تم ما يملك من الطلاقات، فإذا تمت الثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ويكون ذلك الزوج ناكحا لها نكاح رغبة، لا نكاح تحليل.

قد تقدم لنا تحريم التحليل، كذلك لا بد أ ن الزوج الثاني يدخل بها، ويطؤها؛ لقصة امرأة رافعة، ذكرت قالت: يارسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، ونكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وذكرت أنه لم يصبها فقال: « أتريدين أن ترجعي إلى »(16) رفاعة؟ لا تحلي له حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته يعني: حتى يحصل الوطء، فالله تعالى أطلق النكاح، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ (1) يعني: الطللاق الرجعي؛ لأنه قال -بعد ذلك-: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ (4) يعني: بعد الطلقتين، ثم قال ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا (2) يعني: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (2) فقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ (2) بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النكاح هنا هو الدخول بها، والوطء. يعني: أن يدخل بها، وأن يستمتع بها، فإذا طلقها الثاني، أو مات عنها، حلت للأول.

يقول: يقع الطلاق بائنا في أربع مسائل؛ هذه إحداها، وهو كونه طلقها ثلاثا مجموعة، أو متفرقة، وكأن ابن سعدي يرى أنها إذا جمعت وقع بها البينونة، يعني: مع أنه كثيرا ما يختار اختيارات شيخ الإسلام، لكنه هنا أطلق، ذكر أنها تبين بالثلاث، ولو مجموعة.

الحالة الثانية: إذا طلق قبل الدخول، فإنها تقع بائنة؛ لقوله تعالى ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (3) إذا عقد عليها وقبل أن يدخل بها، قال: هي طالق، فإنها تبين، تبين منه، ولكن البينونة تنقسم إلى قسمين: بينونة كبرى، وبينونة صغرى، فالبائن بينونة كبرى، هي المطلقة ثلاثا متفرقة، أو مجموعة على القول الصحيح المشهور، فهذه بينونتها كبرى أي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وأما المطلقة قبل الدخول، فإنها تبين منه بينونة صغرى.

بمعنى أنه لا يقدر على مراجعتها، ولكن يقدر على نكاحها بعقد جديد إذا رضيت، إذا تراضوا بينهم جددوا العقد، ودفع لها صداقا كذلك.

الثالثة: إذا كان في نكاح فاسد، إذا نكحها نكاحا فاسدا، ثم فارقها، فإنها بائنة بينونة صغرى، وقد تقدم أمثلة له كنكاح المتعة، ونكاح الشغار، ونكاح التحليل والنكاح في العدة، فإن هذا نكاح فاسد، والنكاح بلا ولي، والنكاح بلا شهود. إذا نكحها نكاحا فاسدا وفارقها، فلا رجعة له عليها.

الحالة الرابعة: الخلع إذا فارقها على عوض، فإنها تبين منه؛ لأنها ما بذلت المال إلا تريد التخلص، تريد أن تتخلص منه، فلا يملك الرجعة، لكن لو تراضوا بينهم جددوا العقد، فأصبحت البينونة أربع: الطلاق الثلاث بينونة كبرى، الطلاق قبل الدخول بينونة صغرى، تحل له بعقد جديد، الفراق في نكاح فاسد بينونة صغرى، الفراق على عوض بينونة صغرى، أما الطلقة والطلقتان، فإنها لا تصير بينونة، بل تصير رجعية ما دامت في العدة، ما سوى ذلك، فهو طلاق رجعي، يعني: طلقة، طلقتان. يملك الزوج رجعة زوجته، ما دامت في العدة، كمايأتينا في باب العدد قريبا إن شاء الله.

قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (4) ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (4) يعني: مراجعتهن إن أرادوا إصلاحا عليهم، إذا أرادوا الرجعة، أن يقصدوا بذلك الإصلاح. الرجعية: هي التي طلقت واحدة، أو طلقت طلقتين مجموعتين، أو متفرقتين، فهذه رجعية أي يملك رجعتها إلى متى؟ ما دامت في العدة. الرجعية حكمها حكم الزوجات إلا في وجوب القسم، بمعنى أنه ينفق عليها، يرثها إن ماتت، ترث منه إن مات. كذلك -أيضا- يسكنها، قال تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (14) مع أنهن مطلقات، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ (17) فالرجعية: لا تخرج من البيت، ولا تتحجب عن زوجها المطلق، بل لها أن تتجمل أمامه، ولها أن تتطيب، ولها أن تلبس أحسن الثياب، ولها أن تبدي زينتها أمامه؛ حتى ترغبه في رجعتها وإمساكها، إذا أرادت ذلك، أو أرادته، فإذا أمسك نفسه وصبر عنها، حتى تنتهي عدتها، ولم يمسها، ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فإنها بعد ذلك تتحجب عنه، وتصير بائنة بينونة صغرى، بمعنى أنها تحرم عليه إلا بعقد جديد. يقول: المشروع إعلان النكاح والطلاق والرجعة.

قد تقدم أن النكاح من شروطه عندنا الشاهدان، وإعلانه وإعلان ليلة الزفاف؛ لقوله -في الحديث-: « أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف »(18) .

كذلك إعلان الطلاق، يعني: الإشهاد عليه؛ لقوله في هذه السورة سورة الطلاق ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (5) كذلك الرجعة، إذا أراد أن يراجعها، فإنه يشهد شاهدين.

جاء رجل إلى ابن عباس، قال: إني طلقت زوجتي، ثم راجعتها، وهي في بيتها، فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة.

يعني: أن السنة الإشهاد على الطلاق، والإشهاد على الرجعة، حتى لا يحصل إنكار، أما هذا الحديث: « ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد »(19) فالهزل، هو الكلام الذي يقصد به التهكم مثلا، أو السخرية، فإنه يقع.

فلو قال: زوجتك ابنتي، وهو هازل، ولو كانت صغيرة، فقال: قد قبلتها، وفرضت لها -مثلا- ألفا اشهد بشهادتك يا فلان وفلان تم العقد، ولو كانا هازلين ينعقد النكاح، وتصبح زوجة له، إذا كانت صغيرة، فالأب -مثلا- يزوجها بلا رضاها، إذا رأى ذلك مصلحة، فمثل هذا لا يهزل به، ولا يتهكم به.

كذلك الطلاق: لا يصح أن يكون هزلا، إذا هزل به، فإنه يقع، فلو يقول -مثلا-: لفظا، أو كتابة زوجتي طالق، أو كتب فلانة طالق اسم امرأته، ثم قال: ما أردت بذلك إلا تحسين خطي، أو ما أردت بذلك إلا -مثلا- إضرارها، أو غمها، أو نحو ذلك يقع، لا يرجع في ذلك إلى ما قال، نحكم عليه بما أظهر.

وكذلك الرجعة: أيضا لو راجعها ظاهرا، قال: قد راجعتها، وهو ما قصد الرجعة في باطنه، تقع الرجعة إذا كانت رجعية، ترجع إليه، فالحاصل أنه لا يجوز التهكم بعقد النكاح، ولا بالطلاق، والرجعة؛ فإن ذلك يقع، ولو لم تكن نيته المراجعة، أو الطلاق يعامل بما أظهر.

كذلك الحديث الثاني: « إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه »(7) وفي رواية « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه »(20) يستشهد العلماء بهذا الحديث كثيرا، وهو في هذه الرواية ضعف، ولكن له متابعات وشواهد، ويؤيدها -أيضا- قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (21) وقوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (22) .

فمثلا الخطأ يصدق فيه، فإذا قال: إذا قال -مثلا- لزوجته: أنت طالق. وقال: أخطأت، أردت أن أقول: أنت طاهر، وقامت بذلك قرينة، فإن خطأ اللسان يعفى عنه، وكذلك إذا تكلم بكلام، وهو ناس.

إذا حلف -مثلا- بالطلاق إن فعل الشيء، الذي فعله ناسيا، فإنه يعفى عنه على القول بأنه يقع الطلاق، إذا قال -مثلا-: إن أكلت طعام فلان، فزوجتي طالق، فأكله، وهو ناس، عفي عنه؛ لهذا الحديث.

الخطأ والنسيان، وأما الاستكراه، فإذا أكرهه من هو قادر على أن يفعل، قال: إن لم تطلقها، فإني سأقتلك، أو سأقطع لسانك، أو سأحبسك حبسا مؤبدا، فاضطر إلى الطلاق خوفا من الحبس، أو خوفا من القتل، ويعني: أن ذلك الذي أكرهه قادر، كأن يكون له ولاية، وله سلطة، عنده قدرة على الفعل، ففي هذه الحال لا يقع الطلاق مع الإكراه؛ لأنه مغلوب على أمره، وهكذا ما يشبهه.

ومن ذلك ما روي أن رجلا رأى مكان عسل في وسط جبل، له قمة طويلة، فصعد رأس الجبل، هو وامرأته، وقال: أمسكي الحبل حتى أنزل، وأشتار من العسل: آخذ منه، فلما تدلى نحو باع، أو باعين، قالت له: إن لم تطلقني، فإني سألقيك، أترك الحبل؛ تسقط على أم رأسك، عرف أنها صادقة وجادة، فتلفظ بالطلاق، ذهب إلى عمر -رضي الله عنه- وأخبره بالقصة، فردها عليه، وقال: أنت أملك بها، وهي زوجتك؛ لأن هذا شبه إكراه؛ لأنها لو ألقته لمات من قمة الجبل، الذي ارتفاعه -مثلا- أكثر من خمسين باعا، وإذا سقط سقط على حجارة من هذا المكان الرديء، فيعتبر هذا إكراها.

قال: باب الإيلاء، والظهار، واللعان

الفقهاء قالوا: إن كل واحد من هذه باب، ولكن المؤلف اختصر، ودمجها في باب واحد، وفيها مسائل كثيرة، ولكن اقتصر على المشهور منها.

الإيلاء: أن يحلف على ترك وطء زوجته أبدا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، إذا قال -مثلا-: والله لا أطؤها سنة، أو والله لا أطؤها أبدا، أو والله لا أطؤها حتى ينزل عيسى مثلا، أو حتى تطلع الشمس من مغربها، أو حتى أموت، أو تموت، أو حدد: لا أطؤها ستة أشهر، أو ثمانية، أو نحو ذلك، فهذا يسمى إيلاء، وحكمه أنه يؤجل أربعة أشهر، فإذا مرت الأربعة أشهر، فإنها إذا طلبت حقها من الوطء، ألزم بأحد أمرين: بالكفارة، أو بالطلاق. يكفر ويطأ، أو يطلق. يقال له: قف عند هذه الأربعة، لا تزد على الأربعة؛ لأن زيادتك، هجرانك لها هذه المدة ضرر عليها، فيوقف بعد الأربعة، ويقال: إما أن تفيء، وإما أن تطلق.

الفيئة، يعني: الرجوع، فاء يعني: رجع إلى زوجته، فإذا فاء، فإنه يخرج كفارة، كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم.. كما في الآية، أما إذا لج في يمينه، فإنه يؤمر بالطلاق، أو يطلق عليه الحاكم، إذا زادت على أربعة أشهر، وطلبت الزوجة حقها من الوطء، أمر بأن يطأها وضربت له أربعة أشهر، فإن وطئ كفر كفارة يمين؛ لأنه حلف على ترك الوطء، وقد وطئ، فإذا امتنع من الوطء، وتمم يمينه، فإنه يلزم بالطلاق، يقول له الحاكم: طلق. أما إذا سكتت، ولم تطالب، فإن الحق لها، وقد أسقطته، ولو بقيت سنة، أو سنوات، الحق لها.

الحاصل أنها إذا طالبت بالوطء، فإنه يكفر، ويطأ بعد الأربعة، أو يطلق قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ (23) يعني: يحلفون من نسائهم، يعني: من وطء نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (23) أي انتظار أربعة أشهر، ﴿فَإِنْ فَاءُوا (23) وكفروا عن يمينهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (24) ويعودون إلى زوجاتهم، وإن امتنعوا ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (25) يسمع كلامهم، فعليهم أن يفعلوا أحد الأمرين: إما الفيء مع الكفارة، وإما الطلاق، أما الاستمرار، فإنه ضرر. هذا هو الإيلاء.

أما الظهار: فهو أن يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو أنت علي كفرج أمي، أنت علي مثل أمي، وقد يشبه بغير الأم أنت علي مثل ابنتي، أو مثل أختي، أو مثل جدتي فلانة، أو نكاحك علي كنكاح خالتي، أو عمتي، أو بنت أخي، يعني: من المحرمات عليه، ومثله: إذا قال: أنت محرمة علي، أو زوجتي حرام علي.

وأما إذا قال: علي الحرام، فهذه اللفظة قد اختلف العلماء فيها على اقوال: حتى أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال، منهم من قال: إنها يمين، ومنهم من قال: إنها طلاق، ومنهم من قال: إنها ظهار، ومنهم من قال: إنها تحريم، ومنهم من فصل في ذلك، ولعل الأمر يرجع إلى نيته، فإذا قال: علي الحرام، ونيته تحريم امرأته حسبناه ظهارا، فإذا قال: علي الحرام، ونيته تحريم فعل، إذا قال -مثلا-: علي الحرام ما أركب مع فلان، ونيته تحريم الركوب لا تحريم المرأة، فإنها يمين، فالله تعالى ذكر الظهار ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا (26) سماه الله منكرا، يعني: فدل على أنه كلام محرم، يعني: تحريم امرأته، وتشبيهها بأمه، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ (27) أي ليست زوجتك أما لك ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ (26) فهو منكر وزور، ولكن لا تحرم به المرأة.

في الجاهلية إذا قال: أنت علي كظهر أمي أصبح طلاقا، ولكن جعله الله يمينا مكفرة، ولكن كفارتها مغلظة، فلا تحرم الزوجة بذلك، ولكن لا يحل أن يمسها حتى يكفر، حتى يفعل ما أمره الله. يتجنبها إلى أن يفعل ما أمره الله، الله تعالى جعل الكفارة على الترتيب قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ (9) أي فعليه أن يحرر رقبة، يعني: يعتقها، والرقبة إذا أطلقت لا بد أن تكون سليمة من كل عيب يضر بالعمل، فلا يعتق أعمى، ولا أعور، ولا أعرج، ولا أشل، بل رقبة كاملة سليمة من العيوب ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ (28) لم يجد الثمن، أو لم يجد الرقيق، كما في هذه الأزمنة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (29) تغليظا عليه، حتى لا يتعرض مرة ثانية في هذا الظهار، فإذا كان قادرا على الصيام يعني: قادرا عليه بالقوة وبالبدن وبالزمان، فإنه يلزم بالصيام، ولا تحل له زوجته، ولا يطئوها حتى يصوم.

ويشترط التتابع في الشهرين، فإذا لم يقدر لعذر كمرض مثلا، أو سفر، أو عمل شاق، أو نحو ذلك انتقل إلى الإطعام، فإطعام ستين مسكينا، فيلزمه أن يحرر رقبة سالمة من العيوب التي تضر بالعمل، فإذا عدمها، أو عدم ثمنها، فصيام شهرين متتابعين، إما شهرين هلاليين، ولو كانا ناقصين، أو أحدهما، وإما ستين يوما بالحساب، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع من الطعام المعتاد.

وسواء كان الظهار مطلقا، أو مؤقتا، قد يكون الظهار مؤقتا كرمضان، أو نحوه، فإذا قال -مثلا-: أنت علي كظهر أمي، حتى يخرج رمضان، فإذا وطئها في رمضان لزمته الكفارة؛ وذلك لأنه فعل، عاد إلى ما حرمه، قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا (9) كذلك -أيضا- لو قال: أنت علي كظهر أمي حتى أشفى، أو حتى تشفين، أو حتى تفطمي هذا الولد، أو حتى تضعي حملك، فإذا وطئها قبل انتهاء المدة، فعليه كفارة.

أما تحريم المملوكة والطعام واللباس وغيرها، ففيه كفارة يمين، إذا قال: هذا الطعام علي حرام، فلا يكون حراما، ولكن عليه الكفارة، أو مثلا هذه الأمة علي حرام، دخول هذا البيت علي حرام، ركوب هذه السيارة علي حرام، حرام علي ألا أركب مع فلان، حرام علي أن ألبس هذا الثوب، ماذا يفعل؟ يكفر كفارة يمين؛ لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ (30) ثم قال ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ (31) يعني: الكفارة لما أنه -عليه الصلاة والسلام- « حرم عسلا كان يشربه، عند زينب، قال: هو علي حرام »(32) عند ذلك أباحه الله له، وأمره بالكفارة كذلك هذه الآية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ (10) إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ (33) فذكر كفارة اليمين في هذه الأمور؛ وذلك لأن جماعة من الصحابة حرموا بعض الطعام في قصة الثلاثة الذين ذكرناهم، فيما مضى الذي قال -مثلا-: حرام علي ألا آكل اللحم، وآخر قال: حرام علي آلا أتزوج النساء، وقال آخر: حرام علي ألا أنام على فراش، فأنزل الله ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ (10) وأنزل كفارة اليمين. انتهى الظهار.

أما اللعان:

فإنه أن يرمي زوجته بفعل الفاحشة، يقول: إنها زانية،أو قد زنت، أو نحو ذلك ذكروا أنه « لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ قال بعض الصحابة: إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا يذهب، ويأتي بأربعة شهود إذا ذهب، فإن ذلك الفاجر يهرب، ولا يقدر عليه كيف نفعل، فكره النبي، ثم جاء وقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فكره النبي -صلى الله عليه وسلم- المسألة وعابها، ثم جاء مرة، وقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فقال: إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآنا، فعند ذلك أحضرها، وتلاعنا قرأ عليها الآيات من سورة النور »(34).

فالحاصل أنه إذا قذف امرأته بالزنا، ولم يأت ببينة، ولم يلاعن، فعليه حد القذف ثمانون جلدة؛ وذلك لأنه « لما قذف امرأته قال: إني صادق، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: البينة وإلا حد في ظهرك »(36) يعني: ثمانون جلدة، فإذا أقام البينة أربعة بشهود، وشهدوا بأنه رآها تزني، أقام عليها الحد، وهو الرجم، فإذا لم يجد شهودا، فلا بد من الملاعنة على ما ذكره الله تعالى في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (11) فيحضر زوجته، ويقول: أشهد بالله على زوجتي هذه أنها قد زنت، ثم يحلف، ويقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به، ثم أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به.. أربع مرات.

أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم يقول: في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما قذفها به، فإذا تمت شهاداته، فإن الحاكم يخوفها، ويعظها، ويخبرها بأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإذا أصرت، وقالت: قد كذب علي، فإنها تشهد: فتقول: والله إن زوجي كاذب علي، إنه لمن الكاذبين، أشهد بالله عليه إنه لمن الكاذبين، فيما رماني به أربع مرات، ثم تقول: الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما قذفني به، فإذا تمت الشهادات منه ومنها، سقط عنه حد القذف. هو قاذف، ولكن لما أنه لاعن سقط عنه حد القذف، واندرأ عنها العذاب، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ (37) سقط عنها -أيضا- العذاب الذي هو الجلد، أو الرجم.

حصلت الفرقة بينهما، والتحريم الأبدي، قد تقدم في المحرمات أن من التحريم الأبدي الملاعنة على الملاعن، إذا تلاعنا يفرق بينهما تفريقا أبديا، فلا تحل له بعد ذلك، ولو كذب نفسه، ولو تابت، ولو كذبت نفسها لا تحل له بعد ذلك، وإذا كان بينهما ولد، فإنه إذا كان من ذلك الوطء، إذا قال: إن هذا الولد الذي في بطنها ليس مني، فإنه يلحق بأمه، ولا يلحق بأبيه، إذا انتفى منه، إذا نفاه باللعان أما إذا كان الحمل موجودا قبل زناها إذا قذفها، فإن الولد يتبع أباه.

ابتدأ في كتاب العدد:

العدة: تربص من فارقها زوجها بموت، أو طلاق، فالمفارقة بالموت إذا مات عنها، تعتد على كل حال، العدة: هي المدة التي تنتظر فيها الزوجة، فلا تتزوج بعد فراق زوجها، سواء أن كان الفراق بموت، أو بطلاق، أو بفسخ، أو بخلع، أو نحو ذلك، لا بد من العدة، وذلك لئلا تكون حاملا من هذا الذي فارقها، فينكحها الزوج الثاني، وهي حامل من غيره، فينسب الولد إلى الثاني مع أنه من الأول، لا شك أن هذا فيه اختلاط أنساب.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقي ماءه ولد غيره »(38) يعني إذا عرف أنها حامل، فلا يطؤها لأنه يسقي ذلك الولد بمائه، يعني: بمنيه، فيكون قد اشتبه هذا الولد، وأصبح فيه من الزوج الثاني، ومن الأول، بل لا يحل لها أن تتزوج حتى تتحقق أنها ليس بها حمل، وقد قال تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ (4) لا يحل لها أن تكتم الولد الذي في رحمها؛ لأن هذا لا يعرف إلا من قبلها، فمن فارقها زوجها بموت، فعليها العدة، ولو أنه لا يراجعها، كذلك لو فارقها بطلاق، فعليها العدة.

أما عدة الوفاة، فإن ذلك أولا لاستبراء الرحم؛ مخافة أن تكون حاملا. وثانيا: لمعرفة حق الزوج، الذي مات؛ ولأجل ذلك تؤمر بالإحداد، وترك الزينة. المفارقة بالموت، إذا مات عنها تعتد على كل حال، حتى ولو لم يدخل بها، تعتد بكل حال.

فإن كانت حاملا، فعدتها بوضع الحمل، وضع جميع ما في بطنها قال - تعالى-: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (12) عام كل مفارقة بموت، أو حياة، حتى لو وضعت حملها، وهو على السرير لم يدفن، أو لم يغسل، فإنها تنقضي بذلك عدتها؛ لقصة « سبيعة امرأة سعد بن خولة مات عنها في مكة، وكانت متما، فما لبست أن وضعت حملها، فلما وضعت حملها أذن لها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن تتزوج، غير أن لا يمسها زوجها، حتى تطهر من النفاس »(39) .

فالحاصل أنه إذا وضعت حملها كله: إن كان توأما، فلا بد أنها تضع التوأمين، وإن كان واحدا، فتضع الحمل، عندئذ تنتهي مدة تربصها ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (12) سواء أن كانت مطلقة، أو متوفى عنها، أما إذا لم تكن حاملا، فإن كانت متوفى عنها، فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (13) قيل: إن الأربعة الأشهر احتياطا للحمل يعني: مخافة أن تكون حاملا؛ حتى يتبين، والعشرة عشرة الأيام زيادة احتياط، فإذا كانت متوفى عنها، فإنها تحد على زوجها، فتترك الزينة والطيب والحلي والتجمل بالحنا، ونحوه، وتلازم بيتها الذي تزوجها، وهي فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجتها، ولا تخرج إلا نهارا، هذا هو الإحداد، فلا تتخضب بالحنة، أو نحوها، ولا تكتحل للزينة، ولا تلبس الحلي في يديها مثلا، أو في عنقها، ولا تلبس ثياب الجمال، ثياب الشهرة التي تتجمل بها في الحفلات وما أشبهها، ولا تتطيب لا بطيب له لون، ولا بطيب له رائحة، بل تلازم بيتها حتى تنتهي عدتها، فإذا انتهت عدتها أربعة أشهر، أو بوضع الحمل، فإنها تعود إلى ما كانت عليه.

وقد كانت قبل الإسلام تتربص سنة كاملة، وجاء ذلك في أول الإسلام في قوله -تعالى-: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ (40) ثم نسخ ذلك واستقر الأمر بأربعة أشهر وعشرة أيام.

أما المفارقة في الحياة، فتارة تفارق بالطلاق، وتارة تفارق بالفسخ، وتارة تفارق بالخلع، فإذا فارقها بالخلع يعني: اشترت نفسها، ودفعت لزوجها، فإنها تتربص حيضة واحدة؛ تستبرئ رحمها. هذا هو الصحيح؛ لأنه لا رجعة له عليها، أما إذا فارقها بالفسخ بأن فسخ الحاكم النكاح إما لعيب فيه، أو فيها، وإما لمضارة من أحدهما، فهذا فسخ، وأيضا لا يسمى طلاقا، وليس لها عدة إلا أنها تستبرئ بحيضة، هذا هو الفسخ.

أما إذا كان بالطلاق، فإن طلقها قبل أن يدخل بها، أو قبل أن يخلو بها، فلا عدة عليها؛ قال تعالى ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (3) فلو -مثلا- أنه عقد عليها، وبعد يوم قال: هي طالق، ثم أراد أن يراجعها بعد ساعة، قيل: ذهبت عليك ليس لها عدة، لا تملك رجعتها، بانت منك بينونة صغرى. اخطبها من جديد، وجدد العقد، فلا عدة عليها، ولها أن تتزوج غيره بعد طلاقه بساعة، أو بيوم؛ لأنها لا عدة عليها، أما إذا كانت قد دخل بها، أو قد خلا بها، فإن كانت حاملا، فعدتها وضع الحمل كالمتوفى عنها، طالت المدة، أو قصرت؛ لعموم الآية ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (12) وعليه أن ينفق عليها مدة الحمل؛ قال تعالى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (14) فإن لم تكن حاملا، فإما أن تكون ذات أقراء: تحيض، فعدتها ثلاث حيض كاملة، هذا اختيار الإمام أحمد: أن عدة ذات الحيض ثلاث حيضات. وذهب الشافعي وغيره: إلى أن عدتها ثلاثة أطهار؛ وذلك لأنهم اختلفوا في تفسير القرء في قوله -تعالى-: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (4) فقيل: القرء هو الطهر، وقيل: القرء هو الحيض، وهذا هو الذي اختاره الشيخ، وهو الذي ذهب إليه أحمد، فلا بد أن تتربص ثلاث حيض، فإن طلقها، وهي حائض وقلنا يقع، فلا تعد تلك الحيضة، بل تستقبل ثلاث حيض كاملة؛ لأنه لا يصح التلفيق، أن تقول -مثلا-: أعد نصف هذه الحيضة، ونصف الحيضة الأخرى لا، لا بد أن تكون ثلاثة قروء كاملة.

وإن لم تكن تحيض كالصغيرة، التي ما بلغت سن المحيض إذا تزوجها -مثلا- وسنها أربع عشرة، أو ثلاث عشرة، أو خمس عشرة، ولكنها ما بدأها الحيض، إن بعض النساء لا يبدؤها الحيض إلا في سن العشرين، أو السابعة عشر، وبعضهن يبدؤها الحيض في العاشرة، أو الثانية عشر.

فالحاصل أنها إذا لم يبدؤها الحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وكذلك الآيسة التي انقطع حيضها؛ لكبر: ابنة خمسين، أو ستين ينقطع عنها الحيض غالبا، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (12) اللائي يئسن، واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، أي بدل ثلاث حيض، والحكمة في العدة للمطلقة في ثلاثة أشهر، وبثلاث حيض تمكينه من الرجعة إذا كان الطلاق رجعيا، أو احتياطا للنكاح حتى لا تتزوج، وهي حامل، أو نحو ذلك.

أما إذا كانت تحيض، وارتفع حيضها للرضاع، أو لمرض، فإنها تنتظر حتى يعود الحيض، فتعتد به يعني: بعض النساء، إذا أخذت ترضع طفلها توقف الحيض، وانقلب الدم لبنا، فلا تحيض حتى تفطمه، فإذا طلقها، وهي ترضع، فإنها تبقى في العدة حتى تفطم ولدها، ثم يعود إليها الحيض، فتعتد بثلاث حيض، إذا عرف أنها لا تحيض لأجل الرضاع، أما إذا ارتفع، ولا تدري ما رفعه، لا تدري ما الذي رفعه يمكن أن يكون حملا، يمكن أن يكون مرضا، يمكن أن يكون.. لا تدري، مع أنها لا تزال شابة، لا تزال في الثلاثين، أو الأربعين، لم تبلغ سن الإياس، ففي هذه الحال تنتظر تسعة أشهر؛ مخافة أنها حامل، فإذا مرت تسعة أشهر اعتدت ثلاث حيض.

عدة الإياس ثلاثة أشهر، وعدة الآيسة، وإذا ارتابت بعد العدة بعد انقضاء العدة، وخافت أن يكون بها حمل، فإنها لا تتزوج حتى تتحقق براءة رحمها، وتزول الريبة، فبعض النساء قد يبقى بها حمل، يبقى مدة مدة طويلة ما يسمى بالعوارض، فإذا تحققت أن في بطنها هذا الحمل، فلا تتزوج حتى تضعه، ولو طالت المدة.

امرأة المفقود: تنتظر حتى يحكم بموته، بحسب اجتهاد الحاكم، ثم تعتد.

تقدم في الفرائض أنه إما أن يكون الغالب على غيبته الهلاك، كالذي فقد في القتال، قتال فتنة، أو قتال الكفار، والذي خرج ليلا من بيته ولم يرجع، ويغلب على الظن أنه اغتيل، فإنه ينتظر به أربع سنين، فإذا مرت الأربع سنين، فإن امرأته تعتد، وتتزوج، ويقسم ماله أما إذا كان الغالب عليه السلامة كالمسافر -مثلا- إلى أقصى البلاد، ثم ينقطع خبره، فإنه ينتظر به تمام تسعين سنة من عمره، ثم يقسم ماله، وكذلك تعتد زوجته بعد ذلك، فإن فقد ابن تسعين اجتهد الحاكم.

يقول: لا تجب النفقة إلا للمعتدة الرجعية، أما المتوفى عنها، فلا نفقة لها من زوجها من مال الزوج المتوفى عنها، وكذلك المطلقة قبل الدخول ليس لها نفقة، وكذلك المطلقة ثلاثا، ليس لها نفقة، ولا سكنى، وكذلك من فارقها زوجها، وهي المعتدة التي طلقها واحدة، أو اثنتين، وهي تحل رجعتها ينفق عليها، حتى تنتهي عدتها، وكذلك الحامل قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (14) وإذا أنفق عليها، وهي حامل، وقد طلقها ثلاثا، فالنفقة للحمل، ليست لها، النفقة للحمل يعني: ينفق عليها؛ لأجل الحمل الذي في بطنها، وإن كانت هي التي تأكل النفقة، فلما قلنا: إن النفقة للحمل لم يجب لها كسوة؛ لأن الكسوة ما ينتفع بها الحمل، فالنفقة للحمل لا لها. .من أجله. انتهى ما يتعلق بالعدة وبقي الاستبراء.

الاستبراء: هو استبراء الأمة قبل أن يطأها، وقد يكون -أيضا- لغير الأمة الاستبراء، فمثلا إذا كان له أمة يطؤها سيدها، ثم مات، وانتقلت إلى ولده، فلا يطؤها الولد، حتى يستبرئها بحيضة بعد الموت، وكذلك إذا وطئها السيد، وأراد بيعها، فلا يحل له أن يبيعها حتى يستبرئها بحيضة، ويتحقق براءة رحمها، وكذلك إذا اشتريتها، وهي مملوكة، وقد عرفت أنها أمة، فلا يحل لك أن تطأها حتى تحيض حيضة؛ تستبرئها، وكذلك لو أراد سيدها أن يزوجها، وقد كان يطؤها، فلا يزوجها حتى يستبرئها بحيضة، لا يطؤها زوجها، زوج أو سيد حتى تحيض حيضة، وذلك كله احتياطا للحمل، حتى لا تختلط الأنساب، وإذا لم تكن من ذوات الحيض كالآيسة والصغيرة، فإنها تستبرأ بشهر، فإن كانت حاملا، فإنها تستبرأ بوضع الحمل، إذا كانت الأمة قد زوجها سيدها، وحملت من الزوج، وطلقها الزوج، فإن سيدها لا يطؤها حتى تضع حملها؛ للحديث الذي ذكرنا، فلا يسقي ماءه ولد غيره، هذا صورة الاستبراء.

وبعده نقف هنا وبعد الصلاة إن شاء الله نقرأ النفقات والله أعلم.


(1) سورة البقرة: 229
(2) سورة البقرة: 230
(3) سورة الأحزاب: 49
(4) سورة البقرة: 228
(5) سورة الطلاق: 2
(6) الترمذي : الطلاق (1184) , وأبو داود : الطلاق (2194) , وابن ماجه : الطلاق (2039).
(7) ابن ماجه : الطلاق (2045).
(8) سورة البقرة: 226 - 227
(9) سورة المجادلة: 3
(10) سورة المائدة: 87
(11) سورة النور: 6
(12) سورة الطلاق: 4
(13) سورة البقرة: 234
(14) سورة الطلاق: 6
(15) سورة البقرة: 231
(16) البخاري : الطلاق (5260) , ومسلم : النكاح (1433) , والترمذي : النكاح (1118) , والنسائي : النكاح (3283) , وابن ماجه : النكاح (1932) , وأحمد (6/229) , والدارمي : الطلاق (2267).
(17) سورة الطلاق: 1
(18) أحمد (4/5).
(19) الترمذي : الطلاق (1184) , وأبو داود : الطلاق (2194) , وابن ماجه : الطلاق (2039).
(20) ابن ماجه : الطلاق (2043).
(21) سورة البقرة: 286
(22) سورة النحل: 106
(23) سورة البقرة: 226
(24) سورة البقرة: 192
(25) سورة البقرة: 227
(26) سورة المجادلة: 2
(27) سورة الأحزاب: 4
(28) سورة البقرة: 196
(29) سورة المجادلة: 4
(30) سورة التحريم: 1
(31) سورة التحريم: 2
(32) البخاري : الأيمان والنذور (6691) , ومسلم : الطلاق (1474) , والنسائي : الأيمان والنذور (3795) , وأبو داود : الأشربة (3714) , وأحمد (6/221).
(33) سورة المائدة: 89
(34) مسلم : اللعان (1495) , وأبو داود : الطلاق (2253).
(35) سورة النور: 4
(36) البخاري : تفسير القرآن (4747) , والترمذي : تفسير القرآن (3179) , وأبو داود : الطلاق (2254) , وابن ماجه : الطلاق (2067).
(37) سورة النور: 8
(38) الترمذي : النكاح (1131) , وأبو داود : النكاح (2158).
(39) البخاري : المغازي (3991) , ومسلم : الطلاق (1484) , والنسائي : الطلاق (3518) , وأبو داود : الطلاق (2306) , وابن ماجه : الطلاق (2028) , وأحمد (6/432).
(40) سورة البقرة: 240