موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الطلاق - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - كتاب الطلاق

كتاب الطلاق

والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(3)وغيرها من نصوص الكتاب والسنة، وطلاقهن لعدتهن فسره حديث ابن عمر حيث « طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر -رضي الله عنه - رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء »(4)متفق عليه.

وفي رواية: « مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا »(5) وهذا دليل على أنه لا يحل له أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر وطئ فيه إلا إن تبين حملها، ويقع الطلاق بكل لفظ دل عليه من صريح لا يفهم منه سوى الطلاق كلفظ الطلاق، وما تصرف منه وما كان مثله، وكنايته إذا نوى بها الطلاق، أو دلت القرينة على ذلك، ويقع الطلاق منجزا، أو معلقا على شرط كقوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، فمتى وجد الشرط الذي علق عليه الطلاق وقع.


نبدأ بعد ذلك بكتاب الطلاق. معروف أن الطلاق هو فراق الزوجة سواء منه، أو منها، وذكروا أنه تتعلق به الأحكام الخمسة، فقال في زاد المستقنع: "يباح للحاجة، ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة" تتعلق به الأحكام الخمسة فيباح للحاجة إذا تضررت المرأة بحيث إنها تكاد أن تفتدي نفسها، وعرف زوجها أنها متضررة، فإنه يباح، يباح أن يطلقها يعني إذا كان محتاجا للطلاق، وإن كانت يمكن أن تكون الصحبة باقية، يباح للحاجة لحاجته إلى الطلاق، ولو لم يكن هناك ضرر، ويكره لعدمها إذا كانت الحالة مستمرة، والزوجة صالحة وقائمة بالحقوق، وليس عليها نقص فطلاقها -والحال هذه- مكروه. يكره الطلاق لعدم الحاجة.

ويستحب للضرر، إذا تضررت الزوجة، وبقيت حالة، يخشى أنها تفتدي نفسها، استحب له أن يطلقها حتى تتخلص من الضرر، ومن المشقة.

ويجب للإيلاء - كما يأتينا في باب الإيلاء - أنه إذا آلى منها، ثم انتهت المدة فإنه يجب عليه أن يطلق، أو يكفر، ويحرم للبدعة يحرم عليه أن يطلقها زمن البدعة - وسيأتي مع أمثلة لها - ولا شك أنه يحصل به ضرر؛ ولذلك ورد في الحديث: « أبغض الحلال إلى الله الطلاق »(7)يعني أنه حلال، ولكنه يبغضه الله، وذلك لما فيه من التفريق بين الأولاد، ومن التفريق بين الزوجين اللذين يجب أن تحسن العشرة بينهما.

ويكره أن يكون الإنسان مذواقا مطلاقا، أنه يتزوج هذه كأنه يذوقها، ثم يطلقها، ولكن لا مانع من ذلك إذا كان ذا قدرة مثلا ورغبته وسمحت له بطلاقها، ذكروا الحسن بن على - رضي الله عنه - أنه تزوج عددا كثيرا من النساء، وكان يجمع عنده أربعة، ثم يطلق واحدة ويتزوج بدلها حتى طلق أكثر من عشرة، أو نحوها.

الأصل فيه قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(3)وهذه السورة تسمى سورة الطلاق؛ لأن الله ذكر في أكثرها الطلاق، في قوله في أولها، ثم ذكر العدة، ثم ذكر الإسكان ﴿أَسْكِنُوهُنَّ(8)يعني المطلقات ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ(8)ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ(8)إلى آخره.

وذكر الطلاق أيضا في سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ(1)وفي قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (9) ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ(2)﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ(6)﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ (10)في موضعين، ذكر الطلاق في عدة آيات.

ولهذا قال: وغيرها من نصوص الكتاب والسنة، إذن قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(3)فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الطلاق للعدة بقوله: « أن تطلقها طاهرا، أو حاملا »(11)أو تطلقها في طهر لم يجامعها فيه، إذا أراد الطلاق من عدة فلا يطلقها وهي حائض، ولا يطلقها في طهر قد جامعها فيه قبل أن يتبين حملها، فإن هذا طلاق بدعة.

ولعل الحكمة في ذلك التقليل من الطلاق؛ فإنه مثلا إذا أراد أن يطلق امرأته ثم جامعها قيل له: لا تطلقها في هذا الطهر الذي قد جامعتها فيه، اصبر حتى تحيض، ثم تطهر، فإذا جاءتها الحيضة وصبر وطهرت من الحيضة قيل له: طلقها، فقال: نفسي تتعلق بها، فيندفع حتى يطأها فإذا وطئها قيل له: الآن لا يجوز لك طلاقها في هذا الطهر الذي قد وطئتها فيه، فاصبر حتى تحيض مرة ثانية، ثم تطهر، فإذا صبر، ثم جاءتها الحيضة الثالثة، قيل له: لا تطلق في الحيضة فإذا طهرت فقد تدفعه نفسه أيضا إلى أن يطأها؛ لأنه صبر عنها هذه المدة.

فيكون ذلك سببا في تقليل الطلاق أنها لا تطلق، وهي حائض، ولا تطلق في طهر قد وطئها فيه قبل أن يتبين حملها، في حديث ابن عمر أنه « طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء »(12)وفي رواية « مره فليرجعها ثم ليطلقها طاهرا، أو حاملا »(13).

قوله: « مره فليراجعها »(5)استدلوا به على أن الطلاق في الحيض يقع؛ وذلك لأن المراجعة لا تكون إلا من طلاق صحيح، ورد ذلك أيضا في رواية صريحة، قال ابن عمر: وقال نافع: وحسبت عليه تطليقة يعني حسبت تلك الطلقة التي طلقها وهي حائض تطليقة، أمره بأن يراجعها في حيضها الذي أوقع الطلاق فيه حتى تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر من الثانية فحينئذ يطلق بعد الثانية، بين الحيضتين ماذا يفعل؟ يجامعها لا بد أن تكون المراجعة بالوطء، كأنه قال: يراجعها ويجامعها بعد الحيضة التي طلقها وهي فيها، فلا بد أن يجامعها بين الحيضتين، ثم يصبر عنها بعد الحيضة الثانية ويطلقها.

فهو طلقها وهي حائض، فقيل له: راجعها في هذه الحيضة، أرجعها إلى عصمتك حتى تطهر من هذه الحيضة، فإذا طهرت فإن المراجعة يكون تمامها الوطء، عليك أن تطأها وتستمتع بها بين الحيضتين، فإما أن تحمل، تحبل من هذا الوطء، وإما ألا تحبل وتحيض الحيضة الثانية، فإذا حاضت الحيضة الثانية فإنك تمسكها حتى تطهر، فإذا طهرت طلقها قبل أن تمسها، هكذا قالوا، أخذوا من هذا أن الطلاق لا يجوز في حالة الحيض ولكنه يقع، ولا يجوز في طهر قد جامعها فيه، ولكنه أيضا يقع على القول الصحيح من أقوال العلماء.

ذهب شيخ الإسلام ابن القيم ويفتي بذلك شيخنا الشيخ ابن باز إلى أن الطلاق في الحيض لا يحسب. وكذلك الطلاق في طهر وطئها فيه، لا يحسب ولكن الأئمة الأربعة وأتباعهم غالبا يرون أنه يحسب، ولو كان بدعة، والأدلة على ذلك منثورة في كتب الفقهاء.

فطلاق السنة أن يطلقها بعد ما يتبين حملها، أو يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي آيسة، إذا كانت قد بلغت سن الإياس بحيث إنها لا تحبل، فمثل هذه تطلق في كل حين؛ وذلك لأنه لا يأتيها حيض، ولا يأتيها حمل.

فلو قلنا: لا تطلقها. قال: إلى متى؟ لأنها انقطع الحيض، وانقطع الحمل عنها متى أطلقها؟ فيطلقها متى يشاء، لا سنة لها ولا بدعة، الآيسة من الحيض، دليل على أنه لا يحل له أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر وطئها فيه إلا إن تبين حملها.

ويقع الطلاق بكل لفظ دل عليه من صريح لا يفهم منه سوى الطلاق كلفظ الطلاق، وما تصرف منه وما كان مثاله، وكنايته إذا نوى بها الطلاق، أو دلت القرينة على ذلك، يعني ذكروا أن للطلاق صريحا وكناية، فصريحه هو اللفظ الظاهر الذي لا يحتمل غيره.

فإذا قال: هي طالق، فإنها تطلق، ولو ادعى أنه ما يريد الطلاق، نقول: أنت تلفظت بلفظة صريحة في الطلاق كلمة الطلاق إذا قال: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو هي مطلقة مني، أو طلقتها، أو نحو ذلك فهذا اللفظ صريح لا يحتمل الخطأ.

قد يقول: إنني نويت طلاقها من العقال، إذا كانت مثلا مقيدة، أو مربوطة فقال: أنت طالق يعني من هذا الخيط، أو من هذا الحبل، أو من هذا الوثاق، نقول: إن هذا نادر، والنادر لا حكم له، صحيح أنه يقال مثلا: هذه الناقة طالق يعني مطلقة ليس مربوطة، ولا موثقة ولا مقيدة ولا معقولة، الناقة طالق، لكن في حق المرأة لا يقال لها طالق إلا إذا كانت مفسوخة من زوجها، فهذا اللفظ صريح.

ولو ادعى الخطأ بيَّن لو قال مثلا: إني أردت أن أقول أنت طاهر فأخطأ لساني، وقلت: أنت طالق، الأصل أنه لا يقبل، لكن إذا كان لم يسألنا بينه وبين ربه فهو على ما نوى.

من الألفاظ الصريحة أيضا لفظ التسريح قال الله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(10)فإذا قال: أنت مسرحة، سرحتك، اسرحي، سرَّحْت امرأتي فهذا أيضا طلاق؛ وذلك لأنه يستعمل في القرآن فلا يقبل إذا قال: إني ما قصدت الطلاق، لكن إن كان هناك قرينة لو قال: سرحت هذه الدواب يعني ترعى الأغنام مثلا، أو هي مسرحة مع الدواب، أو الأغنام وكان هناك قرينة تدل على قصده فيمكن أن يقبل قوله.

فأما إذا لم يكن هناك قرينة فإنه يقع الطلاق، هي مسرحة، أو سرحتها، أو قد سرحتك، أو ما أشبه ذلك، كذلك لفظ الفراق يستعمل في القرآن كما في هذه السورة، في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(14)فلفظ الفراق أيضا صريح، فإذا قال: فارقتها، أو هذا فراق بيني وبينها، أو قد فرقت ما بيني وبينها، أو فارقيني، أو نحو ذلك، وعرف أن قصده الطلاق، فإن هذا صريح أيضا يقع به الطلاق، وما تصرف منه.

هذه الألفاظ: الطلاق، والفراق، والتسريح من الألفاظ الصريحة، أما الكناية فإنها ألفاظ يعني تستعمل على أنه يريد بها شيئا قد يكون طلاقا وقد لا يكون طلاقا، فإذا قال مثلا: اخرجي، اذهبي، ذوقي، تجرعي، لست لي بامرأة، خليت سبيلك، أو مثلا حبلك على غاربك، أو اطلبي غيري، اطلبي رزقك انتهى ما بيننا، انتهى حظك ونصيبك مني.

أو ما أشبه ذلك هذه الكلمات يظهر منها أنه لا يريدها طلاقا، ولكن قد يكون في بعضها شيء مما يدل على أنه لم يكن قاصدا الطلاق، بل الزجر والتأديب ونحوه، إذا قال مثلا: اذهبي، فقد يقول: ما قصدت الذهاب مطلقا، أردت أنها تذهب إلى أهلها ذهابا مؤقتا يُدَيَّنُ.

أما إذا كانت نيته الطلاق فإن العمل على ما في قلبه، فإذا قال: ما قصدت إلا الذهاب مؤقتا فهو مُصَدَّق، أو قال مثلا: ذوقي تجرعي فمثل هذه الكلمات تستعمل أيضا في التأديب، يعني كأن يكون مثلا: ذوقي الآلام، أو تجرعي الغصص، أو ما أشبه ذلك.

أما إذا قال: اخرجي، اذهبي فمثل الخروج ليس خروجا دائما مطلقا، قد يقول: اخرجي خروجا مؤقتا فلا يحصل بذلك طلاق، يكون على نيته، والحاصل أن هناك كلام صريح، وهناك كلام غير صريح، مثل اخرجي واذهبي وذوقي وتجرعي ولست لي بامرأة، وحبلك على غاربك، وانتهى ما بيننا وما أشبه ذلك.

يقول: ويقع الطلاق منجزا، أو معلقا على شرط، كقوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، فمتى وجد الشرط الذي علق عليه الطلاق وقع.

المنجز هو: الحال، يقول: هي طالق، أو طلقتها فتطلق من الآن يقع بها الطلاق في الحال هذا طلاق منجز.

والمعلق: هو الذي يعلق على شرط مستقبل، ولم يذكر المؤلف شيئا من الشروط، وقد أطال العلماء في ذكر الشروط التي يعلق عليها، وذكروا أمثلة كثيرة حتى أنهم ذكروا أشياء كالمستحيل، تعليقه على فعل مستحيل، أو على ترك مستحيل، أو ما أشبه ذلك فتارة يعلقه على زمان كأن يقول: أنت طالق إذا جاء رمضان يستمتع بها حتى يأتي رمضان فإذا دخل رمضان وقع بها الطلاق، سواء طلقة، أو طلقتين، أو ثلاثا، حسب ما طلق، هذا طلاق معلق على زمان.

كذلك إذا قال: إذا قدم أخوك من البلاد فأنت طالق، فمثل هذا أيضا طلاق معلق، قد يقدم أخوها بعد يوم وقد لا يقدم إلا بعد سنة، أو سنوات فلا يقع الطلاق حتى يأتي الشرط ويتحقق؛ لأنه شرط على أمر مستقبل، كذلك إذا علقه على فعل من غير صنع الآدمي، كأن يقول مثلا: إذا شفيت من المرض فأنت طالق، أو إذا شفي ولدك فأنت طالق، قد يشفى وقد لا يشفى، قد يشفى بعد يوم وقد لا يشفى إلا بعد سنة.

فإذا حصل الشرط وقع الطلاق؛ لأنه معلق على أمر مستقبل، كذلك أيضا قد يعلقه على أمر قد تملكه وقد لا تملكه، كأن يقول مثلا: إذا ولدت أنثى فأنت طالق، إن ولدت توأمين فأنت طالق، متى حملت ووضعت فهي طالق، لا يقع الطلاق حتى يتحقق الشرط، حتى تلد مثلا أنثى مثلا، أو توأمان، أو حتى تحبل وتضع، أو متى علقت بحمل فهي طالق، لا تطلق حتى يتحقق أنها علقت بالحمل فيقع الطلاق في ذلك الحين.

كذلك أيضا لو علقه على الحيض، إذا حضت فأنت طالق، أو على الطهر إذا طهرت فأنت طالق، أو على الطهور من النفاس إذا طهرت من النفاس فأنت طالق، هذه أيضا أفعال مستقبلة، تعليقه على مثل هذه الأشياء يقع بها الطلاق هنا أيضا تعليق على أفعال قد تكون ممكنة، وتسمى شروطا، وقد تكون غير ممكنة، وهذه تسمى شروط مستقبلة، وهي التي تقع كثيرا في هذه الأزمنة، ويمثل بها كثير من الفقهاء وأكثرهم يعتمدونها.

وشيخ الإسلام ويتبعه شيخنا الشيخ ابن باز وبعض المشايخ لا يوقعون الطلاق بها، الأمور التي يقصد بها الحظر، أو المنع لا يوقعون الطلاق بها ويجعلون فيها كفارة يمين، ويجعلونها كأنها حلف؛ لأنه لم يقصد الطلاق وإنما قصد الحظر، أو المنع وهذا أكثر ما نبتلي به في هذه الأيام وفي هذه الأزمنة، أن الذين يعلقون الطلاق على أمور يقصدون منها الزجر عنها، أو الحث عليها ولا تقع يقعون في حرج ويأتون يستفتون، فنتساهل معهم ونجعلها كفارة يمين، سواء كانت فعلا، أو تركا.

يأتينا أحدهم ويقول: إن امرأتي عند أهلها، وإني كلمتها عند الباب وقلت: إن لم تخرجي معي فأنت طالق، ولا أريد إلا أنها تخاف من الطلاق فتخرج، ولكنها للحرج لم تخرج، وبقيت عند أهلها أنا ما قصدت الطلاق، إنما قصدت حثها علي أنها تخاف منه وتخرج، فنجعل هذا بمنزلة اليمين، ما دام أنه كأنه يحلف، يقول: والله لتخرجن، أو نحو ذلك.

كذلك إذا قال لها مثلا: إن خرجت من البيت في هذا اليوم فأنت طالق، ما يريد بذلك إلا منعها من الخروج، وحثها علي أن تبقى ولا تخرج حتى يأذن لها مثلا، أو قال مثلا: إن لم تصلحي هذا الطعام في هذه الليلة فأنت طالق، ولكنها ما أصلحته، ما أراد الطلاق إنما أراد حثها علي الإصلاح، وإلا فهي زوجته ويريدها وتريده، ولكن تثاقلت مثلا، وكرهت أن تصلح هذا الطعام، أو نحو ذلك، فعلق هذا الطلاق على هذا الفعل، وهو لم يقصده، فنجعل فيها كفارة يمين؛ لأنه لم يقصد الطلاق.

وهكذا سائر الأفعال إذا قال مثلا: إن لم تركبي معي فأنت طالق، أو ركبت مع فلان فأنت طالق، إن ذهبت مع أخيك فأنت طالق، إن لم تغسلي هذا الثوب فأنت طالق، إن لم تصلحي هذه القهوة فأنت طالق، إن فتحت لفلان فأنت طالق، إن أدخلت فلانة فأنت طالق، إن دخلت على آل فلان فأنت طالق، أمثال ذلك كثير ماذا يقصد؟ يقصد بذلك زجرها ونهيها عن أن تفعل هذه الأفعال، أو حثها على أن تفعل هذه الأفعال، فيجعل لذلك بمنزلة اليمين.

أما أكثر الفقهاء في كتبهم فإنهم جعلوها طلاقا معلقا على شرط، فقالوا: إنه يقع حتى مثلوا في زاد المستنقع بأشياء مستحيلة وغيرها، فقالوا: لو قال لها: أنت طالق إن طرت، أو صعدت السماء، أو قلبت الحجر ذهبا لم تطلق؛ لأن هذا شيء مستحيل يعني في زمانهم ما كان يمكن الطيران.

ولكن لو قاله في هذا الزمان أنت طالق إن طرت وأراد بذلك إن ركبت الطائرة، فإن هذا ممكن، ولكن إذا كان يقصد بذلك زجرها عن أن تسافر في هذه الطائرة فإنا نعدها أيضا يمينا، وأما إذا قال: إن قلبت الحجر ذهبا فإن هذا مستحيل وتطلق بعكسه فورا، بعكسه مثلا لو قال: أنت طالق إن لم تصعدي السماء، أنت طالق إن لم تقلبي هذا الحجر ذهبا، تطلق لأن هذا متحقق أنها لا تفعله، هكذا قالوا.

فالحاصل أن هذا ونحوه من الشروط التي يذكرونها ويعلقون بها الطلاق، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مطبوعة في أن تعليق الطلاق بالشروط التي يقصد منها الزجر، ويقصد منها المنع أنها يمين مكفرة؛ وذلك لأنه ما قصد بذلك إلا حثها على هذا الفعل، أو زجرها عن هذا الفعل فهو بمنزلة اليمين، فإذا كفر كفارة يمين انحلت يمينه ولم يقع الطلاق، خلافا للجمهور.

أعداؤه الذين ناصبوه العداء في ذلك الوقت، يعني أعداء شيخ الإسلام لما أنهم قرءوا رسائله قنعوا بها، ووافقه كثير منهم على هذا القول، ووافقه أيضا كثير من المشايخ هذه الأزمنة يعني صاروا يفتون بهذا القول، من باب التسهيل على الناس، ومن باب المجاراة حتى لا يحصل هذا الفراق؛ لأنا نعرف أن الزوج له قصد ويريد امرأته وأن الفراق شديد عليهما، فإذا جعلناها بمنزلة اليمين، وكفَّر عن يمينه ورجعت إليه، وتعهد بعد ذلك ألا يعتاد مثل هذه، حصل الاجتماع الدائم بينهما، ونكتفي بهذا ونواصل غدا إن شاء الله، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه.

ابتدأنا في الطلاق وهو من المسائل التي غالبا فيها خلاف، وذلك في الكلمات التي يقع بها الطلاق وكم يقع بها؟ ووقت إيقاعه، وعدد كلماته، وما أشبه ذلك وقد تكلم عليه العلماء وأطالوا، فلابن القيم - رحمه الله - كلام طويل في "إغاثة اللهفان" ويختار فيها، له اختياراته من عدم الطلاق في الحيض، عدم وقوعه وكذلك طلاق الثلاث أنها لا تقع إلا واحدة، وخالفه غيره في ذلك وأطالوا.

كذلك أيضا له كلام في "إعلام الموقعين" وفي غيره من الكتب، ولابن تيمية في إبطال التحليل كلام أيضا طويل، وعلى كل حال المسائل الخلافية الأوْلى أن يتوقف فيها المبتدئ حتى يترجح له بالدليل القوي ما هو المعمول به، وما يجب أن يقول به في تلك المسائل؛ لقوة الخلاف، وليس كل أحد سمع قولا يقول به.

وتأتينا أسئلة هاتفية اعتمادا على ما يسمعونه في الإذاعة في "نور على الدرب" من سماحة الشيخ مطلقا أن الطلاق في الحيض لا يقع، فيبنون على هذا دائما مع قوة الخلاف، فيطلق في الحيض، ثم يمسك مرارا، وكذلك هذا التعمد لا شك أن فيه خطأ، أن الإنسان كونه يتعمد يقع الطلاق، يجب أن يعاقب بإيقاعه، ولو كانت المسألة خلافية؛ لأنه جعله في الجراح ديدنا له دائما كلما حاضت أخذ يقول: أنت، وأنت ولو رجعنا إلى الأدلة الكثيرة والروايات التي في حديث ابن عمر، لوجدناها ترجح القول بالوقوع.

وابن القيم - رحمه الله - ولو كان معه أسلوب قوي، ولكن إذا مال إلى قول فإنه يتحامل على ذلك القول، ويترك بقية أدلة الأقوال الأخرى، قد خالفه تلاميذه حتى ابن رجب في شرح الأربعين رجَّح أنها تقع، أن الطلاق في الحيض يقع ولو كان بدعة، وهكذا خالفه غيره، والآن نواصل القراءة.


(1) سورة البقرة: 241
(2) سورة البقرة: 229
(3) سورة الطلاق: 1
(4) البخاري : الطلاق (5252) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176) , والنسائي : الطلاق (3390) , وأبو داود : الطلاق (2179) , وابن ماجه : الطلاق (2019) , وأحمد (2/43) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2263).
(5) البخاري : الطلاق (5332) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176) , والنسائي : الطلاق (3392) , وأبو داود : الطلاق (2185) , وابن ماجه : الطلاق (2019) , وأحمد (2/124) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2262).
(6) سورة البقرة: 230
(7) أبو داود : الطلاق (2178) , وابن ماجه : الطلاق (2018).
(8) سورة الطلاق: 6
(9) سورة البقرة: 228
(10) سورة البقرة: 231
(11) مسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176).
(12) البخاري : الطلاق (5252) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1175) , والنسائي : الطلاق (3390) , وأبو داود : الطلاق (2179) , وابن ماجه : الطلاق (2019) , وأحمد (2/63) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2262).
(13) مسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176).
(14) سورة الطلاق: 2