موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب عشرة النساء - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب عشرة النساء

باب عشرة النساء

يلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة وكف الأذى وأن لا يمطله حقه، ويلزمها طاعته في الاستمتاع وعدم الخروج والسفر إلا بإذنه، والقيام بالخبز والعجن والطبخ ونحوها، وعليه نفقتها وكسوتها بالمعروف قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(1)وفي الحديث « استوصوا بالنساء خيرا »(2)متفق عليه، وفيه « خيركم خيركم لأهله »(3)وقال -صلى الله عليه وسلم- « إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح »(4)متفق عليه.

وعليه أن يعدل بين زوجاته في القسم والنفقة والكسوة وما يقدر عليه من العدل، وفي الحديث: « من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل »(5)متفق عليه، وعن أنس « من السنة إذا تزوج الرجلُ البكرَ على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاث ثم قسم »(6)متفق عليه، وقالت عائشة: « كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها »(7) متفق عليه.

وإن أسقطت المرأة حقها من القسم بإذن الزوج، أو من النفقة، أو الكسوة جاز ذلك وقد « وهبت سودة بنت زمعة يومها لعائشة فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم لعائشة يومها ويوم سودة »(8)متفق عليه، وإن خاف نشوز امرأته وظهرت منها قرائن معصية وعظها، فإن أصرت هجرها في المضجع فإن لن ترتدع ضربها ضربا غير مبرح، ويمنع من ذلك إن كان مانِعًا لحقها، وإن خيف الشقاق بينهما بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها يعرفان الأمور والجمع والتفريق يجمعان إن رأيا بعوض، أو غيره، أو يفرقان فما فعلا جاز عليهما، والله أعلم.


العشرة هي الصحبة، الصحبة التي تكون بين الزوجين، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(1)ويسمى كل منهما عشيرا للآخر، ويقال: هذا عشير هذه المرأة، وهذه عشيرته يعني زوجته وصاحبته تسمى صاحبة كما في قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(9)فكل منهما صاحب للآخر.

ومعلوم أن الزوجين يصطحبان صحبة طويلة إذا وُفِّقَ بينهما فقد تصحبه زوجته ستين سنة، أو سبعين سنة، أو نحوها، وهي زوجة له، فهي أطول من يصاحبه؛ ولذلك تسمى شريكة الحياة، يعني أنها تشاركه في حياته في أفراحه وأتراحه؛ فلأجل ذلك ورد الأمر بتحسين الصحبة وبتحسين العشرة، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(1)يلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، يلزم الزوج أن يعاشرها بالمعروف، ويلزمها أن تعاشره بالمعروف.

العشرة: الصحبة الجميلة وكف الأذى، وإيصال الخير، وبذل الندى، وكف الأذى، والتخلق بالفضائل، والبعد عن الأدناس والرذائل ومساوئ الأخلاق، ولين الجانب، والصحبة الطيبة، والتغاضي عن الهفوات وعن الأخطاء التي قد تحصل من أحدهما، والتغاضي عن الهفوات، وترك التشدد في المطالب والطلبات.

وكذلك أيضا أداء الحقوق التي لكل منهما على صاحبه، لا يثقله بحقه، ولا يتبرم عند طلبه، فإذا طلبها مثلا لفراشه فلا تتمادى ولا تمطله ولا تطيل البعد عنه، وكذلك أيضا إذا طلبت منه حقا لها، فلا يمطلها إذا طلبت نفقة واجبة، أو لازمة، أو كسوة -وهو قادر على ذلك- فليس له أن يتأخر ويماطلها.

الله تعالى فرض لها حق النفقة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ (10)يلزمها طاعته للاستمتاع حتى قالوا: إذا دعا الرجل امرأته فلتأته ولو كانت على التنور، يعني: تخبز في التنور إذا دعاها لحاجته، وكذلك تأته، قالوا: فلتأته ولو كانت على ظهر قتب يعني: ولو كانت راكبة على ظهر القتب، الذي هو الرَّحْل الذي على البعير، فيلزمها أن تطيعه ولا تمتنع منه، فيباشرها لحاجته ولا تمنعه نفسها، وفي الحديث، يأتينا الحديث في ذلك.

وكذلك أيضا لا تخرج ولا تسافر إلا بإذنه؛ لأنه ملك الاستمتاع بها وملك نفسها، فلا تخرج إلا بإذنه إلا إذا كان بينهما شرط، في هذه الأزمنة تشترط مثلا الدراسة أنها تخرج للدراسة، وإذا كانت عاملة تشترط خروجها لعملها؛ لأداء العمل الوظيفي، ولا بد أن يكون هو الذي يوصلها مثلا ويردها، أو هناك من يرسلها، فالحاصل أن له أن يمنعها من الخروج للسفر إلا بإذنه.

أما الخدمة فمن العلماء من يقول: لا يلزمها خدمته، ولكن الصحيح أن عليها أن تخدمه، وأن تعمل في بيتها ما تعمله الخادمة هكذا كان نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- وهكذا كان نساء الصحابة يخدمن أزواجهن فتصلح الطعام، تخبز وتعجن وتطبخ وتصلح أثاث الدار، وتغسل الأواني مثلا، وتخرج القمامة من الدار وما أشبهها، وتفرش الفرش، وتطويها وتغسل الثياب والأواني وتنظفها، شغل البيت وعمله من واجبها على زوجها، ولو كان قادرا على أن يشتري خادمة، أو يستجلبها.

فالحاصل أنها تعمل الأعمال التي تعملها أمثالها، وقد ثبت أن فاطمة - رضي الله عنها - لما تزوجها عليّ كانت هي التي تخدم زوجها، وتخدم أولادها حتى إنها طحنت يعني على الرحى حتى مجلت يداها أي تلفطت يداها من الطحن، وكذلك كانت أيضا تطعم دوابه وتصلح طعامه، وتغسل ثيابه، ونحو ذلك، طلبت من النبي -عليه السلام- خادما لما أتاه بعض السبي فاعتذر إليها، وأمرهما بأن يقتصرا على التسبيح والتكبير والتهليل عند النوم وقال: « هو خير لكما من خادم »(11)وقال: « لا أعطيكما خادما وأذر أهل الصفة، وكان إذا أتاه خادم باعه وأنفق ثمنه على أهل الصفة »(11).

فكل ذلك دليل على أن المرأة تخدم زوجها، كانت أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير - رضي الله عنهم - فكانت تخدمه حتى إنها كان له فرس في أرض له خارج البلد فكانت تطبخ طعام الفرس من النوى، النوى الذي هو نوى التمر كانت تكسره، ثم تطبخه، ثم إذا نضج حملته على رأسها حتى تصل به إلى الفرس لمسافة نصف فرسخ أي نحو ساعة مسيرة ساعة، أو قريبا منها، هذه خدمتها لزوجها، لا شك أن هذا دليل على أن المرأة تخدم زوجها، وتخدم بيتها.

عليه نفقتها وكسوتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (10) هذا من واجبه، وأكد ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كما مر بنا في خطبته في حجة الوداع أنه قال: « ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولكم عليهن ألا يدخلن في بيوتكم أحدا تكرهونه، ولا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه »(12)تقدم هذا في حديث جابر الطويل في حجة الوداع.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: « استوصوا بالنساء خيرا »(2) أمر بالصبر على المرأة قال: « استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج »(2) وقال: « إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها »(13) .

فالرجل لا بد أن يلاحظ في امرأته شيئا من النقص، أو شيئا من المخالفة، أو شيئا من الخلل، فعليه أن يتحمل ويصبر ويستمتع بها ويصبر على العوج الذي يكون فيها.

وقوله: « خيركم خيركم لأهله »(3)تمامه قال: « وأنا خيركم لأهلي »(14)يعني أنه إذا قام بحق امرأته وأدى ما يلزمه، وصحبها صحبة حسنة، وألان الكلام لها، ودخل عليها بوجه منبسط، وتبسم في وجهها وأعطاها ما تطلبه، فإنها تلين له، وتحبه وتركن إليه، وتوافقه، فلذلك قال: « خيركم خيركم لأهله »(3).

وأما قوله: « إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح »(4)فهذا فيه أمر لها بأن تطيع زوجها، وألا تتمادى لا تتمادى في العصيان، ولا تتبرم في إعطائه حقه؛ وذلك لأنه ما تزوجها إلا ليعف نفسه، ليس القصد فقط أن تخدمه بل أن تعفه عن أن ينظر إلى غيرها، وأن تطيعه متى طلبها، ولو كانت على أية حال، إلا أنها لا تمكنه من نفسها إذا كانت حائضا، أو نفساء، لا تمكنه من أن يطأها وهي غير ذلك بل تمكنه من أن يستمتع منها فيما دون الفرج، إذا كانت عليها هذا العذر.

ولكن مع ذلك تنام معه وتجلس معه ويجلس معها، فالحاصل أن عليها أن تطيعه، قوله: « لعنتها الملائكة »(15)يعني هذا وعيد شديد « لعنتها الملائكة حتى تصبح »(15)إذا امتنعت من فراش زوجها. هذا يتعلق بباب العشرة، انتهى من باب العشرة، والذي بعده يتعلق بالقسم بين الزوجات.

الفقهاء يجعلونه باب آخر يقولون: باب القسم بين الزوجات، ولكن المؤلف أدخله في العشرة، عليه أن يعدل بين زوجاته في القسم والنفقة والكسوة وما يقدر عليه من العدل، القسم إذا كان له زوجتان فإنه يبيت عند هذه ليلة، وعند هذه ليلة، وإذا كسا هذه كسا مثلها الأخرى، وإذا اشترى لهذه فاكهة اشترى للأخرى كذلك، وإذا اشترى لهذه لحما اشترى لهذه لحما، أو قسم اللحم بينهما، لا يؤثر واحدة على واحدة.

فإن ذلك من الجور الذي نهى الله تعالى عنه في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً(16)كذلك في النفقة والكسوة، القسم والتسوية والعدل في القسم، وقالوا: إن القسم هو المبيت ولا يلزم منه الوطء يعني لا يلزمه أن يسوي بينهن: إذا جامع هذه يجامع هذه، هذا شيء قد لا يقدر عليه؛ وذلك لأن هذا شيء يتعلق بالشهوة.

والإنسان قد لا تميل نفسه إلى إحداهن، فتميل إلى هذه أكثر؛ ولذلك ثبت عن عائشة قالت: « كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك »(17)يعني: القلب، القلب لا يقدر الإنسان أن يسوي بينهن في المحبة وفي الميول، ولكن القسم الظاهر هو أن يبيت عند هذه ليلة، وعند هذه ليلة.

نُهِيَ عن الميل ففي الحديث « من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل »(5)الميل قد يكون في النفقة بأن لا ينفق على هذه، أو يقصر عليها ويقتر عليها، أو في المبيت ألا يبيت عندها، يبيت عند هذه مثلا عشرة أيام وعند هذه يوما، أو نحو ذلك فإن هذا أيضا ميل ظاهر.

وكذلك في الكسوة إذا كسا هذه كسوة مثلا بمائة كسا هذه كسوة بعشرين، هذا أيضا ميل لا بد أن يسوي بينهما، ولو كانت إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، ولو كانت هذه قديمة، وهذه جديدة لا بد من التسوية بينهما حتى لا يكون ممن يأتي يوم القيامة وشقه مائل، وعن أنس قال: « من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم »(18).

وذلك لأن الجديدة قد يكون لها ميل، قد يكون لنفسه ميل إليها ما دامت جديدة، زوجة جديدة تزوجها وعنده قبلها امرأة، فهذه المرأة الجديدة له ميل إليها؛ لجدتها، فإن كانت بكرا فإنه يعطيها سبعة أيام متوالية يبيت عندها سبعة أيام متوالية، ثم بعد ذلك يقسم بينها وبين الأخرى، أو الأخريات، هذه السبع؛ لجدتها ولكونها بكرا؛ ولأن النفس تميل إلى معاشرتها، والميل إليها شيء ظاهر.

أما إن كانت ثيبا - يعني مطلقة من قبله - وتزوجها وهي ثيب، فإنها -والحال هذه- يكفيها ثلاث ليال، يبيت عندها ثلاث ليال، ثم بعد ذلك يقسم، فإذا اختارت أن يبيت عندها سبعا فإنه يقضي لزوجاته، في حديث أم سلمة لما تزوجها وبات عندها ثلاثا قال: « إنه ليس بك هوان على أهلك، وإن شئت سَبَّعْت لك، وإن سَبَّعْت لك سبعت لنسائي »(19) أي أنه إذا أقام عنده سبعا متوالية فإنه يسبع للمرأة الأخرى.

قول عائشة - رضي الله عنها - « كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها »(20) وهذا أيضا من العدل؛ لأنه لا يقدر أن يسافر بنسائه كلهن في كل سفر، لكنه يسافر بإحداهن تخدمه مثلا، وتبيت معه وتؤنسه ويؤنسها، فيسافر بواحدة كلما سافر إلى غزوة، أو إلى عمرة، أو نحوها، تقول عائشة: « كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه »(21)جمعهن وعمل قرعة.

معروف أن القرعة طريق شرعي لاستخراج المجهولات، هكذا ذكر العلماء، فجعل القرعة طريقا شرعيا لاستخراج المجهولات، فإذن لا يصير إذا خرج سهم واحدة يعني إصابتها القرعة فلا ظلم عليها، ولا ظلم منها ولا ظلم على البواقي؛ لأن هذا سهمها ونصيبها وحظها حيث قرعت وخرج سهمها، وليس فيه تعمد إضرار بالبواقي، ولذلك كلهن يرضين بما حصل؛ لأنه لم يتعمد أن يرضي واحدة.

وإذا سافر بها ومكث معها مثلا في هذا السفر شهرا، أو نصف شهر، ثم رجع فإنه لا يقضي للبواقي بل يبدأ القسم، يبدأ القسم من جديد، وإن أسقطت المرأة حقها من القسم بإذن زوجها، أو من النفقة، أو الكسوة جاز ذلك، كثيرا ما يرغب الرجل عن زوجته يعني لكبر سن، أو لعيب، أو نحو ذلك، أو لكراهة فيقول: لا حاجة لي في الاستمتاع بك، ولا أستطيع أن أنام معك ولا أجامعك فلا أجد نفسي مائلا إليك لأي سبب، فلك الخيار إن أردت أن تبقي في ذمتي ولا حق لك في المبيت فابقي، وإن أردت الطلاق طلقتك وخليت سبيلك، فإذا قالت: لا أريد الطلاق، بل أجلس في بيتي ومع أولادي ولو لم تعطني شيئا من المبيت ولا من القسم فقد رضيت بذلك، أسقطتْ حقها، سقط حقها وصار يقسمه للبواقي، وذلك لأنها رضيت بهذا فهو أهون عليها من الفراق، من الطلاق الذي فيه فراق زوجها، وفراق أولادها وفراق بيتها، ويسمى هذا أيضا صلح.

وذكروه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (22) وقرأها بعضهم (فلا جناح عليهما أن يَصَّالَحَا بينهما صلحا) هذا اصطلاح على أنها تبقى عند أولادها، ولا حق لها في القسم، ينفق عليها مع أولادها. « وهبت سودة بنت زمعة يومها لعائشة، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم لعائشة يومها ويوم سودة»(23)وذلك لأن سودة كبرت؛ لأنها تزوجها بمكة بعد موت خديجة، وكانت قد أسنت فلما كبرت أراد أن يطلقها فقالت: « لا تطلقني، أحب أن أحشر مع زوجاتك يوم القيامة أن أكون لك زوجة، فأمسكني ولا حاجة لي في القسم، وقد وهبت ليلتي لعائشة»(23) فكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقسم لثمان، ويجعل يوم عائشة مع يوم سودة لعائشة، هذا مما اصطلحوا عليه، اصطلحت معه على أن تبقى في ذمته، وألا يكون لها حظ في القسم.

انتهى ما يتعلق بالقسم، وابتدأ في باب آخر يقال له:

باب النشوز

يعني أجمله المؤلف مع عشرة النساء، النشوز هو العصيان، العصيان، أو الإعراض، أو الهجران، أو المخالفة، أو ما أشبه ذلك، وهذا أيضا مذكور في القرآن، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا(24) ثم قال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (25)إلى آخره، فإذا خاف نشوزها يعني رآها مثلا تتكره صحبته، أو تتبرم بأداء حقه، أو لا تجيبه إلى نفسها إلا مع تثاقل، أو رأى منها مثلا أنها لا تطيعه في خدمته، أو أنها تكثر الخروج، أو إذا خرجت إلى أهلها لم ترجع إليه إلا بعد مشقة، وبعد إلحاح، وبعد تشدد فمثل هذا يسمى نشوزا، أو مقدمات النشوز.

فأولا يبدأ بالموعظة فيخوفها من آثار النشوز الذي هو العصيان ويذكر لها عظم حق الزوج حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: « لو كنت آمرا أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها »(26)فيذكر لها حق زوجها عليها، ووجوب طاعتها له، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرها بأن تطيع زوجها، ولا تعصيه، وأخبر بأنها إذا أطاعته فلها كذا، وإذا عصته فعليها كذا، يعظها ويذكرها بالحقوق لعلها أن تتعظ.

فإن أصرت هجرها، ذكر العلماء أنه يهجرها بالكلام ثلاثة، لا يكلمها لعلها تلين، ويهجرها في المضجع بأن لا ينام معها، أو إذا نام يوليها ظهره، وينام مع زوجته الأخرى، إذا كان له زوجة أخرى، يهجرها في المضجع، يعني في الفراش، هذا إذا استطاع ذلك، ولكن كثير إذا لم يكن له إلا زوجة واحدة فقد لا يستطيع قد تتحمل الصبر هي؛ لأن المرأة أقوى على الصبر عن زوجها منه عنها.

كثير من الرجال قد لا يصبر، لكن إذا هجرها بالكلام وعظها فإنه قد يكون مؤثرا، فإن لم ترتدع بالوعظ، ولا بالهجر ضربها ضربًا غير مبرح، أي غير شديد، يضربها بيده مثلا، أو بعصا خفيفة بحيث لا يجرح جلدا، ولا يكسر عظما، يضربها ضربا غير مبرح، أي غير شديد ولا يضرب في الوجه.

أما إذا كان مانعا لحقها فإن الخطأ منه، إذا كان قد منعها حقها، منعها مثلا العشرة، ومنعها النفقة، ومنعها من الكسوة مثلا، أو منعها من لين الجانب، أو منعها من سهولة الكلام، أو من الخلق الحسن، إذا أتاها، أتاها بخلق سيئ، فمثل هذا يعتبر هو الخاطئ، هو الذي قد ظلمها فلها الحق أن تتمنع منه، وأن تتبرم عليه، ويزيل الشقاق بينهما بعث الحاكم يعني القاضي ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا(25)يعرفان أمور الجمع والتفريق يجمعان، أو يفرقان بعوض، أو غيره، أو يفرقان، فما فعلا جاز عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا (25) .

هذان الحكمان يختار الزوج حكما من أقاربه معروفا بالعقل والإدراك والنصح والتوجيه والجمع والتفريق، وهي تختار أيضا حكما من أهلها من أحد أقاربها، من أهل العقل والتميز والفهم والإدراك يجتمع الحكمان بهما، يجتمعان بالزوجين، فيسألان ماذا تنقمي عليه؟ وماذا تنكري عليه؟ وما رأيك؟ وما الذي أنكرت؟ وما موضع تقصيره عليك؟ وأنت ماذا أنكرت عليها وما نوع تقصيرها؟.

فإذا رأوا أن بينهما تقاربا حث كل منهما الآخر على أن يتنازل عن بعض حقه، وأن يُسقِط ما يراه من الحق الذي له، أو عليه، فربما يكون ذلك سببا في الجمع بينهما.

فإذا اتضح أنه لا محاولة مفيدة، بل كل المحاولات فشلت، وحاولوا الجمع بينهما، سواء النفرة من الزوجة، أو من الزوج، فليس لهما إلا الفراق، التفريق بينهما بأن يكون بعوض، فإن كانت هي التي كرهته وقالت: لا أريده، ولا أرضاه زوجا. قيل لها: أعطه كذا وكذا مما دفع لك، أعطه كذا وهو يخلي سبيلك، فإذا دفعت ذلك فإنها تبرأ منه وتتخلى.

فإذا كان هو الذي ظلمها، وهو الذي هجرها، وهو الذي أضَرَّ بها، والظلم حصل منه قيل له: لا حق لك عليها طَلِّقْهَا، ولا حق لك عليها، أو أعطها ما تستحقه، وطلقها، الحاصل أنهما يفرقان، أو يجمعان، والتفريق يكون بعوض، أو بغير عوض، وأن ذلك جائز؛ بأن الحاكم رضيهما.

بعده باب الخلع.


(1) سورة النساء: 19
(2) البخاري : أحاديث الأنبياء (3331) , ومسلم : الرضاع (1468).
(3) الترمذي : المناقب (3895) , والدارمي : النكاح (2260).
(4) البخاري : النكاح (5193) , ومسلم : النكاح (1436) , وأبو داود : النكاح (2141) , وأحمد (2/439) , والدارمي : النكاح (2228).
(5) الترمذي : النكاح (1141) , والنسائي : عشرة ا�j��j� H�`!W�j��j��j�وأحمد (2/471) , والدارمي : النكاح (2206).
(6) البخاري : النكاح (5214) , ومسلم : الرضاع (1461) , والترمذي : النكاح (1139) , وأبو داود : النكاح (2124) , وابن ماجه : النكاح (1916) , وأحمد (3/99) , ومالك : النكاح (1124) , والدارمي : النكاح (2209).
(7) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2594) , ومسلم : التوبة (2770) , وأبو داود : النكاح (2138) , وابن ماجه : النكاح (1970) , وأحمد (6/194) , والدارمي : النكاح (2208).
(8) البخاري : النكاح (5212) , ومسلم : الرضاع (1463) , وأبو داود : النكاح (2138) , وابن ماجه : النكاح (1972) , وأحمد (6/117).
(9) سورة عبس: 36
(10) سورة البقرة: 233
(11) البخاري : المناقب (3705) , ومسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2727) , وأبو داود : الأدب (5062) , وأحمد (1/136).
(12) مسلم : الحج (1218) , وأبو داود : المناسك (1905) , وابن ماجه : المناسك (3074) , والدارمي : المناسك (1850).
(13) البخاري : أحاديث الأنبياء (3331) , ومسلم : الرضاع (1468) , والترمذي : الطلاق (1188) , والدارمي : النكاح (2222).
(14) الترمذي : المناقب (3895) , والدارمي : النكاح (2260).
(15) البخاري : بدء الخلق (3237) , ومسلم : النكاح (1436) , وأبو داود : النكاح (2141) , وأحمد (2/439) , والدارمي : النكاح (2228).
(16) سورة النساء: 3
(17) الترمذي : النكاح (1140) , والنسائي : عشرة النساء (3943) , وأبو داود : النكاح (2134) , وابن ماجه : النكاح (1971) , وأحمد (6/144) , والدارمي : النكاح (2207).
(18) البخاري : النكاح (5214) , ومسلم : الرضاع (1461) , والترمذي : النكاح (1139) , وأبو داود : النكاح (2124) , وابن ماجه : النكاح (1916) , وأحمد (3/99) , ومالك : النكاح (1124) , والدارمي : النكاح (2209).
(19) مسلم : الرضاع (1460) , وأبو داود : النكاح (2122) , وابن ماجه : النكاح (1917) , وأحمد (6/307) , ومالك : النكاح (1123) , والدارمي : النكاح (2210).
(20) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2594) , ومسلم : التوبة (2770) , وأبو داود : النكاح (2138) , وابن ماجه : النكاح (1970) , وأحمد (6/194) , والدارمي : الجهاد (2423).
(21) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2594) , ومسلم : التوبة (2770) , وأبو داود : النكاح (2138) , وابن ماجه : النكاح (1970) , وأحمد (6/194) , والدارمي : الجهاد (2423).
(22) سورة النساء: 128
(23)
(24) سورة النساء: 34
(25) سورة النساء: 35
(26) الترمذي : الرضاع (1159).