موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب النكاح - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - كتاب النكاح

كتاب النكاح

وهو من سنن المرسلين، وفي الحديث: « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء »(1) متفق عليه. وقال -صلى الله عليه وسلم-: « تنكح المرأة لأربع، لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين، تربت يمينك »(2) متفق عليه.

وينبغي أن يتخير صاحبة الدين والحسب الودود الولود الحسيبة، وإذا وقع في قلبه خطبة امرأة فله أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها، ولا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه المسلم حتى يأذن أو يترك، ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة مطلقا ويجوز التعريض في خطبة البائن بموت أو غيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ (3) .

وصفة التعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب، أو لا تفوتي نفسك علي، ونحوها، وينبغي أن يخطب في عقد النكاح بخطبة ابن مسعود، قال: « علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التشهد في الحاجة أن الحمد لله نحمده ونستعينه وتستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات »(4) من رواية أصحاب السنن، والثلاث آيات سردها بعضهم وهى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (5) والآية الأولى من سورة النساء وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (6) الآيتين، ولا يجب إلا بالإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي كقوله: زوجتك أو أنكحتك، والقبول وهو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه كقوله: قبلت هذا الزواج أو قبلت، ونحوه.


من هنا يبدأ القسم الثالث من أقسام الفقه قالوا: إن القسم الأول حق الله وهو العبادات، والقسم الثاني المعاملات وهي أهم من غيرها؛ لأن الإنسان بحاجة إلى القوت، وبحاجة إلى الكسب الحلال فيتعلم الكسب الحلال واكتساب المال، الذي يغني به نفسه ويسد به فاقته، فإذا استغنى واكتسب وجمع الحال تاقت نفسه بعد ذلك للنكاح، فعند ذلك ذكروا كتاب النكاح بعد المعاملات.

يقول: وهو من سنن المرسلين، يقول الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً (7) جعل الله -تعالى- يعني أباح لهم النكاح وأباح لهم اتخاذ الزوجة أو الزوجات، وأن يرزقوا منها أولادا وذرية، وقد ذكر الله -تعالى- بعضهم، فحكى أن نوحا له امرأة كافرة، وكذلك لوطا، وأخبر الله -تعالى- في هذه الآية عن عموم المرسلين أن لهم زوجات وأخبر عن موسى أنه تزوج لما ذهب إلى مدين، زوَّجه صاحب مدين مقابل رعايته للأغنام ونحوها، لا شك أن هذا دليل على أنه من سنن المرسلين، والدليل أيضا حديث الثلاثة: روى أن « ثلاثة من الصحابة سألوا عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- في السر فكأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم ولا أرقد، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنتم الثلاثة الذين قلتم كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني »(8) .

رغب عنها يعني تركها ومَلَّهَا وكرهها « فليس مني »(9) يعني ليس من الأمة وليس من الأتباع؛ لأنه زهد في شيء من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأنه ينتقد النبي -صلى الله عليه وسلم- لا شك أن الله -تعالى- جعل في الرجال ميلا إلى النساء وجعل في النساء ميلا إلى الرجال، وهذا الميل هو الشهوة التي ركبها في كل منهما لماذا؟ حتى يحصل من اجتماعهما هذا التناسل الذي هو وجود الأولاد بينهما، لو لم يكن هناك شهوة تجذب أحدهما إلى الآخر لما حصل هذا التناسل، وهؤلاء الأولاد ونحوهم ولكن يكون في الرجل دافع وفي المرأة دافع، فهو من أسباب وجود وبقاء النوع الإنساني، كما أن بقية الحيوانات تتناكح حتى تتناسل ويبقى نسلها.

يقول -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث عن ابن مسعود: « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء »(1) لماذا خص الشباب؟ لأنهم في العادة أقوى غلبة وأقوى شهوة؛ ولأنهم قد يكونون أشد اندفاعا إلى فعل الفاحشة؛ إذ يكون العلم عندهم أو الدين عندهم أقل منه عند كبار الأسنان؛ لكن ومع ذلك إذا وجدت الشهوة؛ فإنه يشرع له أن يتزوج سواء كان شابا أو كهلا أو كبيرا أو صغيرا؛ لأن الحكم منوط بعلته وهى وجود هذه الشهوة.

اختلف فيما إذا لم يكن له شهوة فهل له أن يتزوج؟ نعم، يستحب له أن يتزوج ولو لم يكن هناك شهوة قوية؛ وذلك لأنه قد يوجد معه من الشهوة ما يحصل به إعفاف نفسه وإعفاف زوجته؛ ولو لم يكن هناك شهوة تدفعه قوية، وأما إذا كان يخشى على نفسه الزنا إذا لم يتزوج فإنه يعتبر واجبا في حقه، وهو أفضل من نوافل العبادات.

وأما إذا كان له شهوة ولكنه يقدر على إمساك نفسه وعلى حفظها عن الوقوع في الفاحشة فإنه يستحب في حقه، إذن فيقال: متى يجب النكاح؟ يجب إذا كانت شهوته تدفعه إلى الزنا يخاف على نفسه الزنا، متى يكون مستحبا؟ إذا كان له شهوة ولكن أقل من الأول يقدر أن يملك نفسه، متى يكون مباحا، إذا لم يكن له شهوة ولكن قد يقدر على إعفاف المرأة، لم يكن له شهوة، ولكن هناك ما يقدر معه على الإعفاف، متى يكون مكروها؟ إذا علم أنه لا يقوم بحق الزوجة لا من ناحية الشهوة ولا من ناحية النفقة، فإنه يكون مكروها في حقه، لأنه يضر بالمرأة.

النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر الباءة، « من استطاع منكم الباءة … »(10) الباءة هي مؤونة النكاح، يعني من استطاع أن يقوم بالمؤونة يعني بالنفقة وبالكسوة وبالسكنى وبالحاجيات الضرورية وما أشبهها « فإنه أغض للبصر »(11) يتزوج فإنه يغض بصره، بدل ما كان كلما رأى امرأة امتد بصره إليها « وأحصن للفرج »(12) يعني أحفظ له من الوقوع في الفاحشة؛ لأنه غير متزوج لا يأمن أن تدفعه شهوته إلى فعل الفاحشة، « ومن لم يستطع … »(13) الباءة، ليس له قدرة مالية، « فعليه بالصوم، فإنه له وجاء »(14) .

المراد به الصوم الذي يكون معه جوع شديد وتعب شديد فإنه إذا كان يتعب للاكتساب ويتعب لطلب الرزق وهو مع ذلك صائم، فيلحقه جوع ويلحقه جهد ويلحقه تعب، فإن هذا كله يكسر حدة الشهوة، بمنزلة الوجاء، الوجاء هو رض عروق الخصيتين فإنه إذا رضت العروق خفت الشهوة أو بطلت هذا اسمه الوجاء، وأما الخصاء فهو قطع الخصيتين.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: « تنكح المرأة لأربع، لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك »(15) . المعنى أن الناس ما يدفعهم إلى المرأة إلا أربعة صفات، تارة يقول: هذه امرأة ثرية، وعندها مال، فأنا أتزوجها، حتى أتوسع بمالها، وحتى تنفق عليَّ وتنفق على أولادي، وإذا ماتت ورثتها أو ورثها أولادي منها، وأنا أرغبها لأجل المال، هذا مقصد ولكن يكره أن يكون هذا هو المقصد ذلك؛ لأنها ربما تَمُنُّ عليه، وربما تتبرم من صحبته، فتذكره دائما تقول أنا صاحبة الفضل عليك، أنا التي رفعت لك أنا التي اشتريت لك، وأنا التي أنقذتك من الجوع، وأنا التي فعلت وفعلت، فيكره أن يتزوجها لأجل المال.

الثاني: الحسب، الحسب الشرف، يعني شريفة الآباء والأجداد والأسرة، والقبيلة من أناس كرماء نجباء، من أناس شجعان أقوياء، لهم مكانة ولهم شهرة ولهم سطوة، هذه أيضا قد تمن عليه، وتقول أنت خامل الذكر؟ أنا التي رفعت مكانتك، أنا التي شرفت أولادك، أنا بنت الشريف فلان أنا بنت الأمير أنا بنت الشجاع وما أشبه ذلك؟ فإذا تزوجها من أجل الحسب ومن أجل شرف الآباء والأجداد، فإن هذا مقصد ليس بشريف، لكن إذا كان شريفا مثلها، إذا كان ذا شرف وذا حسب فإنهما يتقابلان.

الثالث: الجمال، جمالها يعني حسنها وحسن خلقتها وحسن بنيتها وحسن مشيتها محاسنها، الجمال كثيرا ما يكون دافعا للإنسان ولكنه أيضا مقصد حسن وذلك؛ لأنها إذا كانت جميلة فإنها ينفعه جمالها، إذا نظر إليها سرته وإذا نظر إليها عفته، فهذا مقصد حسن ولكن لا ينبغي أن يكون هو المقصد الأساسي، ولا ينبغي أن يكون هو المقصد وحده.

أما الدين فهو الأصل إذا كانت ذات دين يعني دَيِّنَة عابدة تقية نقية نزيهة ورعة بعيدة عن التهم، وبعيدة عن الفواحش والمنكرات، تحفظ نفسها وتحفظ لسانها وتحفظ بيتها وتصلي صلواتها، وتؤدي حقوق الله وتؤدي حقوق زوجها، هذه هي التي تكون أمينة، فلذلك قال: « فاظفر بذات الدين تربت يداك »(16) وينبغي أن يتخير صاحبة الدين والحسب، والحسب هو الشرف حتى يكون شرفه شرفا لأولاده ونحوهم.

الودود، يعني المتحببة إلى زوجها يقول -صلى الله عليه وسلم- « تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم …. »(17) الولود هي التي من نساء يعرفن بكثرة الولادة. يعني أمها وجدتها وأخواتها معروفات أنهن يلدن، بخلاف ما إذا خيف أنها عاقر، أو لا تلد، أو لا تلد إلا كل أربع سنين أو ست سنين أو نحو ذلك، ينبغي أن تكون ولودا، لقوله: « فإني مكاثر بكم الأمم »(18) يحثهم على أن يتكاثروا ويكثروا نسلهم حتى تكون أمته أكثر من غيره، فإذا وقع في قلبه خطبة امرأة، الخِطْبَة -بكسر الخاء- يعني طلب امرأة من أهلها.

أما الخُطْبَة في خطبة الجمعة ونحوها، وأما الفعل فإنه سواء، يخطب خطبة، يخطب خطبته، إذا وقع في قلبه خطبة امرأة فله أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، ورد في حديث المغيرة « أن رجلا قال: يا رسول الله أريد أن أتزوج امرأة، قال: هلا نظرت إليها؟ اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما »(19) ويقول جابر: « إني خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دفعني إلى نكاحها »(20) يعني يتخبأ لها حتى رأى مثلا وجهها أو رأي يديها أو رأي ساقيها أو نحو ذلك، مما رغَّبه في نكاحها.

فقيل: إن ذلك يكون في الاختفاء، يختفي لها، يتخبأ وينظر ولو لم تشعر به، وقيل: إن ذلك يكون في العلانية بأن يطلب من أبيها أن تبرز له لينظر إليها، فلها والحال هذه، على أبيها أن يجيبه إذا عرف أنه صادق الرغبة، وأنه كفء، بخلاف ما إذا خاف أن يكون متفرج، أن يكون نظره لأجل أن ينظر إليها ثم يتركها، أما إذا عرف صدق الرغبة، فإنه يمكنه من النظر لما يظهر غالبا كالوجه واليدين والشعر والقامة والقدمين وما أشبه ذلك ويكون في غير خلوة.

ولا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه، حتى يأذن أو يترك إذا علمت بأن أخاك المسلم قد خطب تلك المرأة فلا يحل لك أن تتقدم لخطبتها؟ ولو كنت أكثر منه مالا، ولو كنت أشب منه، ولو كنت أحسب منه ما دام أنه خطبها فيتركه حتى يأذن لك، أو يتزوج أو يتركها، وعلى الأولياء إذا جاءهم من يخطبون ابنتهم وقد تقدم غيره أن يخبروه ويقولوا قد خطبها غيرك بعض الناس، إذا جاءهم من يخطب أعطوه موعدا، ثم بعد أيام جاءهم من هو أحسن منه، وأجمل منه وأغنى منه، ردوا الأول وقد أعطوه موعدا، وربما أنه قد باع بعض أمواله، وقد جمع الأساس وبعض المهر.

هذا لا يجوز بل متى ركنوا إلى إنسان وأعطوه موعدا وعرفوا أنه كفء كريم فليس لهم أن يمنعوه ولو جاءهم بعده من هو خير منه، يقول -صلى الله عليه وسلم- « إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير »(21) .

ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة، التصريح كأن يقول: زوجوني ابنتكم، أو أريد ابنتكم زوجة، وهى مطلقة، أو يقول: إني أريد أن أتزوج بك، أترضين أني زوجا لك، وهى مطلقة لا تزال في العدة، أو متوفًى عنها، المعتدة هي التي طلقها زوجها طلاقا رجعيا له عليها رجعة، أو طلاقا بائنا بالثلاثة لا رجعة له عليها، ولكنها لا تزال في العدة عدتها -كما سيأتي- ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر وعشر عدة المتوفى عنها أو وضع الحمل، فإذا كانت في العدة فلا يجوز لك أن تخطبها خطبة صريحة، ولكن يجوز التعريض، قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا (3) فالتعريض جائز، وأما التصريح فلا يجوز.

يجوز التعريض بخطبة البائن بموت أو غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ (3) صفة التعريض: إني في مثلك لراغب، لا تفوتيني بنفسك، لا تعوقي بنفسك، على هذا قالوا: إنه تعريض، وبعضهم يقول إنه تصريح، التعريض أن يقول مثلا، إني أريد الزواج، أنا بحاجة إلى امرأة تعفني، أنا بحاجة إلى امرأة مثلك تناسب، أو يذكر نفسه، فيقول: أنا ابن الكرماء وأنا من عرف بفضله وبنسبه وبحسبه وما أشبه ذلك.

يقول: وينبغي أن يخطب في عقد النكاح بخطبة ابن مسعود، هذه الخطبة رواها الإمام أحمد ورواها أهل السنن يقول ابن مسعود: « علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عقد النكاح علمنا التشهد في الحاجة -وفي رواية عند الحاجة- أن نقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله »(4) هذه خطبة ابن مسعود.

العاقد يقرأ بها عند العقد ليكون ذلك سببا في حصول البركة وحصول الخير ويقرأ ثلاث آيات، بعدما يقرأها، يقرأ ثلاث الآيات التي فيها الأمر بالتقوى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (5) وفي أول سورة النساء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً (22) إلى آخر الآية، وآيتان من آخر سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (23) إلى آخر الآيات.

هذه الثلاث السر فيها التقوى ـ اتقوا الله ـ كأنه يذكرهم يقول عليكم بتقوى الله، عليك أيها الولي بتقوى الله، وعليك أيها الزوج بتقوى الله وعليكم أيها الشهود بتقوى الله وعلى المرأة أن تتقي الله، أن تتقيه حق تقاته، وفسر قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ (5) فسره ابن مسعود بقوله: أن يطاع فلا يُعْصَى ويُذْكَر فلا يُنْسَى ويُشْكَر فلا يُكْفَر، يعني هذه تقوى الله حق تقاته.

ثم لا بد من الإيجاب والقبول، من شروط النكاح الإيجاب والقبول، الإيجاب من الولي، والقبول من الزوج، لا بد من الكلام فيه، بخلاف البيع فإنه يصح بالمعاطاة، وأما النكاح فلا بد فيه من القول من الكلام، الإيجاب قيل: إنه لا بد فيه من اللفظتين، النكاح أو التزويج، من إحدى اللفظتين أن يقول أنكحتك أو زوجتك، اشترط هذا كثير من الفقهاء، وقالوا: إنهما اللفظتان اللتان وردتا في القرآن، في القرآن كلمة التزويج: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ (24) ﴿زوجناكها (25) وفي القرآن لفظة النكاح ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ (26) ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ(27) .

فلا بد أن الولي يقول: زوجتك ابنتي؟ أو يقول: أنكحتك ابنتي، هكذا اشترط بعضهم، وذهب شيخ الإسلام وغيره إلى أنه يصح بكل لفظة تدل على المعنى، فإذا قال: ملكتك ابنتي، فالتمليك معروف أنه يملك منها ما يملك المرء من زوجته، ملكتكها، وليس المراد أنه يملكها كما يملك الأمة، بل يملكها كما يملك الزوج من زوجته، وإذا قال: وهبتك ابنتي، وهما يعرفان أن الهبة أنها بمعنى العقد، صح ذلك أيضا ولم يكن شرطا أن يكون بلفظ التزويج، الهبة بمعنى هبة المنافع، كأنه يقول وهبتك منافع ابنتي، أو ما أشبه ذلك.

فالحاصل أن هنا، لا يشترط لفظ التزويج أو النكاح، بل إذا قال: وهبتك أو ملكتك أو خذ ابنتي حلال لك أبحت لك نكاحها، أو أبحت لك الاستمتاع بها، أو هي زوجة لك، أو هي امرأتك أو نحو ذلك، كفى ذلك القبول من الزوج أو نائبه، نائبه أي وكيله، إذا كان الزوج غائبا، ووكل إنسانا فإنه يقبل، يقول: قبلت هذا الزواج أو قبلت أو رضيت أو وافقت، أو أنا قابل أو موافق أو أخذتها أو نحو ذلك من المعاني، وإذا كان نائبا، يقول: قبلتها لموكلي أو لمنوبي أو رضيتها زوجة لموكلي أو ما أشبه ذلك.


(1) البخاري : النكاح (5066) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(2) البخاري : النكاح (5090) , ومسلم : الرضاع (1466) , والنسائي : النكاح (3230) , وأبو داود : النكاح (2047) , وابن ماجه : النكاح (1858) , وأحمد (2/428) , والدارمي : النكاح (2170).
(3) سورة البقرة: 235
(4) الترمذي : النكاح (1105) , والنسائي : الجمعة (1404) , وأبو داود : النكاح (2118) , وابن ماجه : النكاح (1892) , وأحمد (1/432) , والدارمي : النكاح (2202).
(5) سورة آل عمران: 102
(6) سورة الأحزاب: 70
(7) سورة الرعد: 38
(8) البخاري : النكاح (5063) , ومسلم : النكاح (1401) , والنسائي : النكاح (3217) , وأحمد (3/285).
(9) البخاري : النكاح (5063) , ومسلم : النكاح (1401) , والنسائي : النكاح (3217) , وأحمد (3/285).
(10) البخاري : النكاح (5065) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2165).
(11) البخاري : الصوم (1905) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(12) البخاري : الصوم (1905) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(13) البخاري : الصوم (1905) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(14) البخاري : الصوم (1905) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2239) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(15) البخاري : النكاح (5090) , ومسلم : الرضاع (1466) , والنسائي : النكاح (3230) , وأبو داود : النكاح (2047) , وابن ماجه : النكاح (1858) , وأحمد (2/428) , والدارمي : النكاح (2170).
(16) البخاري : النكاح (5090) , ومسلم : الرضاع (1466) , والنسائي : النكاح (3230) , وأبو داود : النكاح (2047) , وابن ماجه : النكاح (1858) , وأحمد (2/428) , والدارمي : النكاح (2170).
(17)�'b�'b��? �w�'b�'bh�'bname="reference18">(18) النسائي : النكاح (3227) , وأبو داود : النكاح (2050).
(19) الترمذي : النكاح (1087) , والنسائي : النكاح (3235) , وابن ماجه : النكاح (1866) , وأحمد (4/244) , والدارمي : النكاح (2172).
(20) أبو داود : النكاح (2082) , وأحمد (3/334).
(21) الترمذي : النكاح (1084) , وابن ماجه : النكاح (1967).
(22) سورة النساء: 1
(23) سورة الأحزاب: 70 - 71
(24) سورة الأحزاب: 28
(25) سورة الأحزاب: 37
(26) سورة النساء: 3
(27) سورة البقرة: 230