موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث

أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث

قال -رحمه الله- في كتاب المواريث: وكذلك جميع الذكور غير الزوج والأم عصبات، وهم: الإخوة الأشقاء، أو لأب وأبناؤهم، والأعمام الأشقاء، أو لأب وأبناؤهم، أعمام الميت، وأعمام أبيه، وجده، وكذلك البنون وبنوهم، وحكم العاصب: أن يأخذ المال كله إذا انفرد، وإن كان معه صاحب فرض أخذ الباقي بعده، وإذا استغرقت الفروض التركة لم يبق للعاصب شيء، ولا يمكن أن تستغرق مع ابن الصلب، ولا مع الأب.

وإن وجد عاصبان فأكثر فجهات العصوبة على الترتيب الآتي: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم، ثم الولاء وهو المعتق، وعصبات المتعصبون بأنفسهم، فيقدم منهم الأقرب جهة، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، فإن كانوا في المنزلة سواء قدم الأقوى منهم، وهو الشقيق على الذي لأب، وكل عاصب غير الأبناء والأخوة لا ترث أخته معه شيئا، وإذا اجتمعت فروض تزيد على المسألة بحيث لا يسقط بعضهم بعضا، عالت بقدر فروضهم، فإذا كان زوج، وأم، وأخت لغير أم، فأصلها ست، وتعول لـثمانية، فإن كان معهم أخ لأم فكذلك، فإن كانوا اثنين عالت لـتسعة، فإن كان الأخوات لغير أُمّ ثنتين عالت لـعشرة، وإذا كان بنتان، وأم، وزوج عالت من اثنتي عشرة إلـى ثلاثة عشرة، فإن كان معهم أب عالت إلـى خمسة عشر.

فإن كان بدل الزوج زوجة فأصلها من أربع وعشرين، وتعول إلـى سبع وعشرين، وإن كانت الفروض أقل من المسألة، ولم يكن معهم عاصب، رد الفاضل على كل ذي فرض بقدر فرضه، فإن عدم أصحاب الفروض والعصبات ورث ذوي الأرحام؛ وهم من سوى المذكورين ومنزلون منزلة من أدلوا به، ومن لا وارث له فماله لبيت المال، يصرف في المصالح العامة والخاصة، وإذا مات الإنسان تعلق بتركته أربعة حقوق مرتبة: أولها مؤنة التجهيز، ثم الديون الموثقة والمرسلة من رأس المال، ثم إذا كان له وصية تنفذ من ثلثه للأجنبي، ثم الباقي للورثة المذكورين. والله أعلم.

وأسباب الإرث ثلاثة: النسب، والنكاح الصحيح، والولاء. وموانعه ثلاثة: القتل، والرق، واختلاف الدين. وإذا كان بعض الورثة حملا، أو مفقودا، أو نحوه عملت بالاحتياط، ووقفت له، إن طلب الورثة قسمة التركة، عملت بما يحصل به الاحتياط على حسب ما قرره الفقهاء -رحمهم الله تعالى-.


ذكر أن جميع الذكور كلهم عصبات إلا الزوج والأخ من الأم، ويقولون: إن التعصيب هو: الإرث بلا تقدير، هذا هو التعصيب: الإرث بلا تقدير، وذلك لأن صاحب الفرض يرث فرضه الذي هو نصيب مقدر شرعا، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول؛ فصاحب الفرض يأخذ فرضه، وأما صاحب التعصيب فإنه يرث بلا تقدير، فتارة يأخذ المال كله، وتارة لا يأخذ إلا ما بقي ولو قليلا، وتارة يسقط.

الذكور كلهم عصبة؛ لما ذكر الله تعالى الأولاد، قال: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1) ولم يقدر للولد الواحد الذكر نصيبه، وقدر للأنثى وللأنثيين، وقدر نصيب البنت بالنصف، والبنات بالثلثين، ولم يقدر نصيب الابن، ولا ابن الابن، ولا الابنين، لماذا ؟ لأنه يأخذ المال كله، كذلك الإخوة لما ذكر الأخت جعل نصيبها النصف، وذكر الأختين جعل نصيبهما الثلثين، ثم ذكر الإخوة جميعا والأخوات، فذكر أن لهما الثلثان ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (2) ذكر الأخ، ولم يذكر ميراثه، بل قال: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (1) يعني: يرثها كل المال، يرثها كل مالها إن لم يكن لها ولد، فدل على أن الإخوة يرثون بالتعصيب؛ واحدهم أو عددهم.

جميع الذكور كلهم عصابات إلا الزوج، فإن نصيبه مقدر شرعا؛ إما النصف، أو وإما الربع، ويدخل عليه العول، وكذلك الأخ من الأم، ولو كانوا من الرجال فنصيبه مقدر؛ إما السدس، وإما المشاركة في الثلث، هذان يرثان بالفرض.

أما بقية الذكور فإنهم عصبة؛ فمنهم الإخوة الأشقاء وبنوهم وبنو بنيهم وإن بعدوا، ومنهم الإخوة من الأب وبنوهم وبنو بنيهم وإن نزلوا.

فالأخ الشقيق عصبة، وكذلك ابنه وابن ابنه، والأخ من الأب عصبة، وابنه وابن ابنه، والعم الشقيق، أو العم لأب، أو ابن العم الشقيق، أو ابن العم لأب، أو عم الأب، أو ابنه، أو عم الجد، أو ابنه، أعمام الأب، أو أعمام الجد، وكذلك الأبناء.

عدوا العصبة اثنا عشر: الابن، وابن الابن، والأب، والجد، والأخ الشقيق وابنه، والأخ لأب وابنه، والعم الشقيق وابنه، والعم لأب وابنه، هؤلاء من القرابات. اثنا عشر كلهم عصبات، ويلحق بهم المعتق والمعتقة، فإنهم أيضا عصبة يرثون بالتعصيب.

يقول: ما حكم العاصب؟

العاصب أحكامه ثلاثة: إذا انفرد حاز المال، وإذا بقي شيء بعد أهل الفروض أخذه، وإذا استغرقت الفروض التركة سقط، هذه أحكام العاصب؛ فمثلا: إذا كان الميت ليس له إلا عمه؛ عمه أخو أبيه، يأخذ المال كله، هذا بالفرض، أو ابن عمه، أو أخوه، أو ابن أخيه ماله إلا هذا العاصب يحوز المال، فإذا كان مع عمه أصحاب فروض.

إذا كان الميت امرأة، ولها زوجها، وأمها؛ لها زوج، وأم، وأخت من الأم، وعم، في هذه الحال نعطي الزوج النصف: ثلاثة، ونعطي الأم الثلث: اثنان، ونعطي الأخت من الأم السدس، العم يسقط، استغرقت الفروض التركة، ما بقي للعم شيء؛ لأنه عصبة، والعاصب إنما يأخذ ما بقي بعد أهل الفروض، فلو لم يكن معنا أخت من الأم، بل إنما هو زوج، وأم، وعم، ماذا يبقى؟ يبقى السدس، نعطه العم، وهكذا لو لم يبق إلا أقله.

لو كان معنا أختان شقيقتان، وزوجة، وعم؛ الأختان الشقيقتان لهما الثلثان: ثمانية من اثني عشر، والزوجة لها الربع: ثلاثة من اثني عشر، كم بقي من اثني عشر؟ واحد نصف السدس يأخذه العم، يعني: ما أخذ إلا هذا القدر القليل.

وهكذا لو كان عندنا بنتان للميت، وزوجة للميت، وأم للميت، وعم، أليس البنتان لهما الثلثان: ستة عشر من أربعة وعشرين، الأم لها السدس: أربعة من أربعة وعشرين، هذه عشرون، الزوجة لها الثمن: ثلاثة من أربعة وعشرين، ماذا بقي؟ ثلث الثمن يأخذه العم، الذي هو العاصب، فهو يأخذ م بقي قل أم كثر، يعني: هذا حكم العاصب؛ يأخذ المال كله إذا انفرد، فإن كان معه صاحب فرض أخذ الباقي، فإذا استغرقت الفروض التركة لم يبق للعاصب شيء وسقط.

ولا يمكن أن تستغرق مع الابن، ولا مع الأب، مع ابن الصلب، ولا مع الأب، أما مع ابن الابن فقد تستغرق. لماذا لا تستغرق مع الابن ؟

لأن الابن يحجب الإخوة، يحجب الأخوات، كذلك -أيضا- ينقص الزوج أو الزوجة، ينقص الأب والأم، لا يرث مع الابن إلا من أهل الفروض: الزوج، أو الزوجة، والأم، والأب، هؤلاء الذين يرثون مع الابن، يسقط البنات، أو يعصبهن، ويسقط أولاد الابن، ويسقط الإخوة والأخوات، ويسقط الأجداد والجدات، ما يرث معه إلا الأب، والأم، والزوج.

فإذا كان معنا أب، وأم، وزوج، وابن، يبقى للابن؛ لأن الزوج ما له إلا الربع، حجبه الابن، والأبوين لكل واحد منهما السدس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ (2) فلكل واحد منهما السدس، فعندنا -الآن- سدسان، وربع، تكون المسألة من اثني عشر، فربع الاثني عشر: ثلاثة، وسدسها: اثنان، وسدسها الثاني: اثنان، ويبقي خمسة للابن، على الرغم أن الابن ما يسقط بحال، كذلك الأب لا يسقط بحال، ولكن قد تستغرق الفروض التركة، وتعول له المسألة، تعول له؛ لأنه وارث بكل حال.

فلو فرضنا -مثلا- أن عندنا بنتان، وزوج، وأم، وأب، المسألة من اثني عشر؛ لأن الزوج لا يرث إلا الربع مع البنات، فالزوج له ثلاثة، والبنتان لهما ثمانية من اثني عشر، هذه أحد عشر، والأم لها اثنان، هذه ثلاثة عشر، استغرقت الفروض. فهل يسقط الأب؟

ما يمكن أن يسقط، الله تعالى جعل له فرضا بقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (2) تعول له المسألة، فيكون له السدس، فتعول المسألة إلى خمسة عشر على الرغم أن الأب لا يمكن أن يسقط، وكذلك الابن.

ثم ذكر أنه إذا وجد عاصبان فأكثر، فجهات العصوبة على الترتيب الآتي: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم، ثم الولاء، وهو المعتق، وعصابات المتعصبون بأنفسهم، تسمى هذه: جهات التعصيب، فإذا كثر عندك العصبة، فبأيهم تقدم ؟

إذا كان مثلا عندك ابن، وابن ابن، وأب، وجد، وأخ شقيق وابنه، وأخ لأب وابنه، وعم وابنه، وكذلك معتق وابنه، من الذي تقدمه ؟

لا بد أنك تعرف من هو أحق بالتقديم: الابن؛ الابن يُسقط هؤلاء كلهم، ويصير هو العصبة إلا الأب، فإنه لا يسقطه، بل يعطيه سدسا، يكون له السدس، أما البقية فإنهم لا يرثون مع الابن، وكذلك إذا لم يكن هناك ابن، ولكن هناك ابن ابن، وأب، وجد، وأخ شقيق وابنه، وأخ لأب وابنه، عم شقيق وابنه، من الذي يكون العاصب ؟

ابن الابن؛ لأنه فرع، ولأنه من الولد، فيقوم مقام أبيه، كذلك إذا لم يكن عندنا ابن، ولا ابن ابن، ولا ابن ابن ابن، ولكن عندنا أب، وجد، وأخ شقيق وابنه، وأخ لأب وابنه، وعم شقيق وابنه، وعم لأب وابنه، فبأيهم نبدأ؟ من هو الذي يكون العاصب ؟

الأب؛ لأنه أقربهم، فيقدم الأب على هؤلاء، ويكون هو العاصب، فإذا لم يكن عندنا أب قام مقامه الجد هذا على خلاف، وابن سعدي ما ذكر الخلاف ترجح عنده أن الجد يسقط الإخوة، وقد وقع خلاف في عهد عمر -رضي الله عنه- هل الجد يسقط الإخوة، أو لا يسقطهم ؟

فأكثر العلماء على أنه لا يسقطهم، وأنهم يقتسمون المال هو وهم على قسمة معروفة في كتب الفقه، ولكن اختار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وشيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم، وشيخنا ابن باز، اختاروا أن الجد يسقط الإخوة، وأنه يقوم مقام الأب، وقد رجح ذلك ابن القيم في "إعلام الموقعين" بعشرين وجها مذكورة في الكتاب، استدل على أن الأب والجد يتناوبان؛ يقوم الجد مقام الأب، وأن الجد أب، فعلى هذا الجد يسقط الإخوة.

إذا كان عندك جد، وأخ شقيق وابنه، وأخ لأب وابنه، وعم شقيق وابنه، وعم لأب وابنه، فالجد هو الذي يعصب، ويسقط الباقيين، فإذا لم يكن هناك أب، ولا جد، يعني: لا أصل ولا فرع، عندك أخوة أشقاء وبنوهم، وأخوة لأب وبنوهم، وأعمام أشقاء وبنوهم، وأعمام لأب وبنوهم، فالمقدم من ؟

المقدم الأشقاء، وذلك لقوتهم، ولو كان الإخوة لأب مثلهم في القرب، ولكن هؤلاء يدلون بجهة، وهؤلاء يدلون بجهتين، والذي يدلي بقرابتين أولى من الذي يدلي بقرابة واحدة، فإذا لم يكن هناك أخوة أشقاء قدمت الإخوة من الأب على أبناء الإخوة الأشقاء، فإذا لم يكن هناك أخوة أشقاء، ولا لأب، قدمت أبناء الأشقاء على أبناء الإخوة من الأب، فإذا لم يكن هناك أخوة أشقاء ولا بنوهم، ولا إخوة لأب ولا بنوهم، قدمت الأعمام لأب، الأعمام لأب على بنيهم. الأعمام الأشقاء، ثم الأعمام لأب، ثم أبناء الأعمام الأشقاء، ثم أبناء الأعمام لأب. هكذا ترتيبهم.

تقول -مثلا-: الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب. هذا ترتيبهم. لماذا قدمنا الإخوة على الأعمام ؟ لأنهم أقرب منهم جهة؛ هؤلاء جهة الإخوة، وهؤلاء جهة العمومة. لماذا قدمنا الأشقاء على الإخوة لأب، مع كونهم في درجة واحدة ؟ لأنهم يدلون بالقوة، يعني: أنهم أقوى، والبيت المشهور للجعبري يقول:

فبالجهـة التقـديم ثم بقربه *** وبعده التقديم بالقوة اجعلا

أولا تقدم بالجهة؛ فتقدم البنوة على الأبوة.

ثانيا تقدم بالقرب؛ فتقدم ابن الابن على ابن ابن ابن، هذا التقديم يسمى تقديما بالقرب، وتقدم الأخ الشقيق على ابن الشقيق، والعم الشقيق على ابن العم الشقيق، هذا يسمى تقديما بالقرب، ثم بعد ذلك التقديم بالقوة؛ الأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، مع أن القرب واحد.

العم الشقيق أقوى من العم لأب، مع أن القرب واحد، والدرجة واحدة؛ فتقديم بالجهة، ثم تقديم بالقرب، ثم تقديم بالقوة؛ هذا ذكره بقوله: فيقدم منهم الأقرب جهة.

عرفنا الجهات أنها خمس؛ ذكر أن الجهات خمس: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم عمومة وبنوهم ثم ولاء، فالجهات خمس؛ فيقدم منهم الأقرب جهة على ترتيبهم: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم، ثم الولاء وهو المعتق، وعصبات المتعصبون بأنفسهم؛ فيقدم منهم الأقرب جهة، فإن كانوا في جهة واحدة، في جهة واحدة مثل ابن، وابن ابن، وابن ابن ابن، أليسوا في جهة واحدة ؟

نعم. فيقدم الأقرب؛ الابن أقرب من ابن الابن، الأقرب منزلة، فإن كانوا في المنزلة سواء، قدم الأقوى منهم، كالأخ الشقيق والأخ لأب في درجة واحدة، أو العم الشقيق والعم لأب في درجة واحدة، يقدم الأقوى منهم، وهو الشقيق على الذي لأب، وكل هذا أخذ من الحديث قوله -عليه السلام-: « ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر »(3) كلمة أولى نبهتنا على أننا نأخذ الأولى من كل سبب، فالأقرب أولى من الأبعد، والأقوى أولى من الأضعف، البعد يكون بجهة البنوة؛ لأن الابن أقرب من ابن الابن، وأما القوة فلا تكون إلا في الإخوة والأعمام، الإخوة بعضهم أقوى من بعض؛ الشقيق أقوى من الأب، من ابن الأب.

والأعمام -كذلك- بعضهم أقوى من بعض؛ العم الشقيق أقوى من العم لأب، فيقدم بالقوة؛ لكونه أولى.

يقول: وكل عاصب غير الأدنى، والأخوة لا ترث معه أخته شيئا، عرفنا أن الابن ترث مع أخته، وابن الابن يعصب بنت الابن سواء كانت أخته، أو بنت عمه التي في درجته، أو التي أعلى منها إذا احتاجت إليه، مثاله: إذا كان عندنا بنتان للميت، وبنت ابن، وابن ابن ابن أنزل منها؛ فالبنتان يأخذن الثلثين، وبنت الابن كانت ساقطة، ولكن ابن أخيها الذي أنزل منها يعصبها، تقول له: لو كان أبوك حي لورثتُ معه، فأنا أقرب منك، عصبني كما يعصبني أبوك فيعصبها، يعصبها أخوها، وهو ابن الابن، أو يعصبها ابن أخيها، وهو ابن ابن ابن.

كذلك -أيضا- الأخت الشقيقة ترث مع أخيها تعصيبا، والأخت لأب ترث مع أخيها تعصيبا، ولكن بنت الأخ ما يعصبها ابن الأخ؛ لأنها ليست من الورثة، وكذلك العمة ما يعصبها العم، وكذلك بنت العم ما يعصبها العم، ليست وارثة. النساء ما يرث منهن أبعد من الأخت؛ فبنت الأخ، وكذلك أخت الأب وهي العمة، وكذلك بنت العم ونحوهن ما يرثون بالفرض، ولا بالتعصيب، لا يعصبها أخوها. إذا اجتمعت فروض تزيد على المسألة بحيث لا يسقط بعضهم بعضا، عالت بقدر فروضها، عالت بقدر فروضهم.

قد ذكرنا أن العول زيادة في السهام نقص في الأنصبة، وسببه أن الفروض قد تكثر، وكلهم وارثون، ولا يسقط بعضهم بعضا، فتعول المسألة ويدخل عليهم النقص كلهم.

فمثلا: إذا كان عندك أخت شقيقة، وأخت من الأب، وزوج، أليس الزوج يأخذ النصف: ثلاثة، والأخت الشقيقة تأخذ النصف: ثلاثة، هل تسقط الأخت من الأب؟

الأخت من الأب صاحبة فرض تأخذ السدس تكملة الثلثين، ما تسقط، فنعطيها السدس، فتكون المسألة من سبعة؛ فنقسم المال من سبعة، بدل ما تأخذ الشقيقة النصف تأخذ ثلاثة أسباع، بدل ما يأخذ الزوج النصف يأخذ ثلاثة أسباع، هذا يسمى عول.

كذلك وقع في عهد عمر أن امرأة ماتت، ولها زوج، وأخت، وأم، الزوج له النصف، والأخت لها النصف، والأم لها الثلث، من أين نعطي لهم؟ نصف ونصف، من أين نعطي الأم؟

تعول لها المسألة، فنجعل المسألة من ستة، وهي مخرج السهام، نحتاج أن نذكر لكم المخارج، وإن كانت تستغرق وقتا، لكن من باب التعريف، فنقول: إذا كانت المسألة ثلث ونصف، من كان يخرج؟ ثلث أليس مخرجه من ثلاثة؟ ونصف مخرجه من اثنين؟ فتضرب اثنين في ثلاثة بستة، فتكون المسألة من ستة، فتكون المسألة من ستة؛ للأخت النصف: ثلاثة، وللزوج النصف: ثلاثة، وللأم الثلث: اثنان، عالت المسألة إلـى ثمانية.

كذلك -مثلا- لو كان عندنا، عندنا -مثلا- في هذه المسألة: أختان شقيقتان لهما الثلثان، وزوج له النصف، وأم لها السدس؛ لوجود الأختين حجبنها، عالت المسألة إلى ثمانية؛ لأن الأختين لهما الثلثان، هذه أربعة، والزوج له النصف، هذه سبعة، والأم لها السدس، هذه ثمانية، فلن يكون معنا أم، ولكن معنا أختان من الأم، أليس لهما الثلث؟

نقول: الأختان الشقيقتان لهما الثلثان، والزوج له النصف، والأختان من الأب لهما الثلث، عالت المسألة إلى تسعة، فإذا وجدت معنا الأم عالت إلى عشرة. الزوج له النصف، والأختان لهما الثلثان، والأختان من الأب لهما الثلث، يعني: ثلث الستة؛ الأم لها السدس، سدس الستة أصبحت عشرة، هذا نهاية عول هذه المسألة.

كذلك إذا كان عندنا زوجة لها الربع، وأختان لهما الثلثان، وأم لها السدس، وأختان من الأم لهما الثلث، ننظر أليس مخرج الربع من أربعة؟ أليس مخرج الثلثين من ثلاثة؟ أليس مخرج السدس من ستة ؟

نعم مخرج السدس والثلث من ستة، وكذلك الثلثان، فعندنا الآن ستة، الستة فيها النصف، وفيها الثلث، وفيها الثلثان، وعندنا الربع مخرجه الأربعة، مخرج الربع أربعة، كيف نعمل حتى نعرف أصل المسألة ؟

ننظر بينهم فنجد بينهم موافقة، أليس الأربعة فيها نصف، والستة فيه نصف؟ نأخذ نصف الأربعة: اثنين، نضربه في الستة باثني عشر، أو نأخذ نصف الستة: ثلاثة، ونضربه في الأربعة باثني عشر، يسمى هذا أصل المسألة. فكيف نعطيهم الآن ؟

عندنا أختان شقيقتان لهما الثلثان: ثمانية، ثلثي اثني عشر: ثمانية، وعندنا الزوجة لها الربع: ثلاثة، هذه أحد عشر، الأم لها السدس هذه ثلاثة عشر، الإخوة من الأم لهم الثلث، ثلث اثني عشر: أربعة، وصلت إلى سبعة عشر، عالت المسألة من اثني عشر إلى سبعة عشر، يسمى هذا العول.

يقول -مثلا-: عالت المسألة، فإن كان زوج، وأم، وأخت لغير أم، أصلها ست، وتعول لثمانية، أصلها ستة؛ لأن فيها نصف، ونصف، وثلث. أصلها من ستة، ولكن نصف ونصف وثلث، نصف الستة: ثلاثة، نصف الستة: ثلاثة، وثلث الستة: اثنين، عالت إلى ثمانية، فإن كان معهم أخ لأم فكذلك، لماذا ما زادت ؟

لأن الأخ لأم مع الأخت لغير أم حجبا الأم إلى السدس، فلم يكن لها إلا سدس، فأصبح عندنا سدسان ونصفان، نصفان؛ نصف للشقيقة، ونصف للزوج، وسدس للأم، يعني: حجبها أخوها، يعني: إذا كان عندنا زوج فله النصف، وأخت لغير أم لها النصف، وأم لها السدس، وأخ لأم له السدس أصبح عندنا نصفان وسدسان، فعالت إلى ثمانية؛ فإذا كان الإخوة اثنين، الإخوة من الأم أليس لهما الثلث؟

تعول إلى تسعة، فإن كان الأخوات لغير أم ثنتين شقيقتين، وأختين لأم، وزوج، وأم، عالت إلى عشرة، وإذا كان عندنا بنتان، وأم، وزوج، عالت إلى ثلاثة عشر، من اثني عشر إلى ثلاثة عشر؛ لأن البنتين لهما الثلثان: ثمانية، والأم لها السدس: اثنان، هذه عشرة، والزوج له الربع: عشرة وثلاثة، ثلاثة عشرة عالت إلى ثلاثة عشر، فإن كان معهم أب، فالأب أيضا له السدس عالت إلى خمسة عشر، فإن كان ما عندنا أب ولا عندنا بنات، ولكن عندنا شقيقتان لهما الثلثان، وأختان من الأم لهما شقيقتان، لهما الثلثان: ثمانية، وأختان من الأم لهما الثلث هذه اثنا عشر، وزوج له الربع هذه خمسة عشر، وأم لها السدس: اثنان، هذه سبعة عشر.

يقول: فإن كان بدل الزوج زوجة، فأصلها من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، وتسمى المنبرية؛ قالوا: إن عليا -رضي الله عنه- سئل عنها، وهو على المنبر، فقال: صار الثمن تسعا، واستمر في خطبته، الثمن أصبح تُسعا، وصورة إذا كان عندنا بنتان، وأبوان، وزوجة، أليس البنتان لهما الثلثان: ستة عشر؟ أليس الأبوان لهما الثلث، سدس وسدس: ثمانية، استغرق المال، ثلثان وثلث: ثمانية وستة عشر، أربعة وعشرون، ماذا يبقى للزوجة؟ تعول لها المسألة تعول بالثمن، فيصير الثمن تسعا، فتصير إلى سبعة وعشرين. هذه مسائل العول.

تعرفون أن أصول المسائل سبعة؛ أصل اثنان، وأصل ثلاثة، وأصل أربعة، وأصل ستة، وأصل ثمانية، وأصل اثنا عشر، وأصل أربعة وعشرون. هذه تسمى أصول المسائل.

أصل اثنان إذا كان في المسألة نصف، فإنها من اثنين؛ إذا كان عندك -مثلا- زوج، وعم من اثنين، أو زوج وأخت من اثنين، الزوج: النصف، والأخت: النصف، فإذا كان فيها ثلث فهي من ثلاثة، فعندك -مثلا- أم، وعم؛ فالأم لها الثلث، والعم له الباقي من ثلاثة، أو ثلث وثلثان، الثلثان للشقائق، والثلث للإخوة من الأم، ثلث وثلثان، تكون من ثلاثة، فإذا كان فيها ربع وباقي، أو ربع ونصف فهي من أربعة.

إذا كان عندك -مثلا- بنت، وزوج، وعم؛ أليس الزوج له الربع من أربعة؟ فالزوج له الربع من أربعة، الزوج له الربع، والبنت لها النصف، والعم له الباقي، الباقي: واحد، تسمى من أربعة.

يقول: هذه المسائل لا تعول، الاثنين والثلاثة والأربعة والثمانية، الثمانية إذا كان فيها ثمن ونصف، أو ثمن وباقي، أو ثمن ونصف وباقي؛ فإذا كان عندك زوجة، وبنت، وعم من ثمانية. للزوجة واحد الثمن، وللبنت النصف، نصف الثمانية: أربعة، وللعم الباقي. هذه أيضا لا تعول، أما أصل ستة، وأصل اثنا عشر، وأصل أربعة وعشرون فمر بنا أنها تعول.

بعدما ذكر هذه الفروض، وما يعول منها، وما لا يعول، ذكر بعد ذلك ضد العول الذي هو الرد، فهو زيادة في الأنصبة نقص في السهام.

متى يحتاج إلى الرد؟ إذا كانت الفروض أقل من المسألة، ولم يكن هناك عاصب، فإن الباقي يرد على أصحاب الفروض؛ كل واحد بقدر فرضه. هذا هو الرد؛ أن تكون الفروض أقل من المسألة، وألا يوجد عاصب؛ فحينئذ ترد الباقي على أصحاب الفروض، فإن كانوا صنفا واحدا قسمته على عدد رؤوسهم، وإن كان فردا واحدا أخذ المال كله، وإن كانوا صنفين، أو أكثر جعلت سهامهم كأصل المسألة، وأعطيت كلا منهم بقدر سهامه من المال كله. هذا مسألة الرد.

ويتضح بالأمثلة: فإذا كان عندنا أم، وليس للميت غير هذه الأم أخذت المال كله فرضا وردا؛ تأخذ المال كله مع أن ما لها إلا الثلث، ولكن نعطيها المال فرضا وردا، فإن كان عندنا جدتان؛ ما للميت إلا جدتان، فإنهما يأخذان المال كله فرضا وردا، وذلك أن إرثهما السدس، ولكن لم يوجد للميت عصبة، ولا أحد يرثه غير الجدتين، فيقسم المال بينهما.

وكذلك لو كان للميت أخ من الأم ليس له غيره، فإنه يأخذ المال كله فرضا واحدا، فإن كان أخوته من الأم عشرة، كلهم أخوته من الأم، وليس له قرابة غيرهم قسمنا المال بينهم على عدد رؤوسهم، وسميناه فرضا وردا، هذا فيما إذا كان الوارث صنفا واحدا، فإن كان أكثر من صنف فإنك تجمع سهامهم، وتجعلها هي أصل المسألة، وتقسم المسألة عليهم.

فتقول -مثلا-: إذا كان عندنا أم، وأخ لأم، نقول -مثلا- جدة، وأخ من أم، أليس الجدة لها السدس والأخ لأم له السدس؟ السدسان: اثنان، وليس عندك إلا شخصان، تقسم المال بينهما، تقول: لكِ نصف، ولك نصف؛ لأنا ما وجدنا إلا سهمين جعلنا المال قسمين سهمين، هذا على قدر سهامهما، فإن كان بدل الجدة أم، وأخ من أم، أليس الأم لها الثلث: اثنان من ستة؟ والأخ له السدس: واحد من ستة؟ ما وجدنا إلا ثلاثة أسهم. نقسم المال بينهم على ثلاثة أسهم، نقول: لك يا أم ثلثان، لك يا أخ الثلث؛ بدل السدس أخذ الثلث، بدل الثلث أخذت الثلثين. هذا مسألة الرد.

كذلك ولو كان عندنا بنت، وبنت ابن فقط، وليس للميت ورثة غيرهم؛ بنت وبنت ابن، أليس فرض البنت النصف: ثلاثة من ستة؟ وفرض بنت الابن السدس، تكملة الثلثين؟ الجميع أربعة، نقسم التركة على أربعة بدل ما كانت بنت الابن لها السدس تأخذ الربع، بدل ما كانت بنت الابن البنت لها النصف أخذت ثلاثة الأرباع، حيث لم يكن هناك وارث غيرهما.

كذلك لو وجدنا بنتين، وأم فقط، بنتين أليس لهما الثلثان؟ أُمّ أليس لها السدس؟ نقسم المال على خمسة؛ لكما يا بنات أربعة الأخماس، لك يا أم الخمس، هذا يسمى الرد، رددناه عليهم.

أكثر الفقهاء قالوا: الزوج والزوجة لا يرد عليهما، ولكن ابن سعدي كأنه يختار الرد عليهما، واختار ذلك في غير هذا الكتاب، صرح بأن الزوج يدخل عليه العول، فكذلك يدخل عليه الرد.

انتقل بعد ذلك إلى نوع آخر، فإن عدم أصحاب الفروض، وعدم العصبات ورث ذوي الأرحام وهم من سوى المذكورين، وينزلون منزلة من أدلوا به، هذا يسمى ميراث ذوي الأرحام. من هم ذوو الأرحام ؟ هم من ليسوا بذي فرض ولا عصبة؛ أقارب الميت الذين لا يرثون، لا بفرض ولا بتعصيب.

وقد أخذ ميراثهم من قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ (4) فإذا كان للميت ذوو أرحام، ولم يوجد عاصب، ولم يوجد له صاحب فرض، فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض، فنقربهم، ونعطيهم تركته أولى من أن نعطيها بيت المال، فأقاربه لهم حق في ماله، فهم أحق من غيرهم؛ فمثلا الجد -أبو الأم- ما يرث، فإذا عدم الورثة الذين هم أهل الفروض، وأصحاب التعصيب ورثنا الجد أبو الأم، الخال، والخالة، والعمة، وبنت العم، وابن البنت، وابن الأخت هؤلاء أقارب، فإذا مات ميت، وليس له إلا خال، أعطينا الخال المال قلنا، يقول في الحديث: « الخال وارث من لا وارث له »(5) كذلك إذا لم يوجد له إلا عمته، أو خالته أعطيناها ماله، وقلنا: هي أحق من غيرها، من بيت المال ونحوه؛ لأن لها قرابة، وهي من ذوي الأرحام فنعطيها ماله، نعطيها تركته، وكذلك إذا وجدنا له بنت بنت، أو ابن بنت، أو ابن أخت الذي هو خاله فهم أحق من بيت المال، فيعطون ماله.

يقول المؤلف: ينزلون منزلة من أدلوا به؛ يعني: فيما إذا كثروا، فإنهم ينزلون منزلة من أدلوا به، يقرب البعيد منهم، حتى يجعل بمنزلة الوارث؛ فإذا كان عندنا -مثلا- بنت بنت، وعندنا بنت أخ لأم، أو ابن أخ لأم، ابن أخ من أم هل يرث ؟

ما يرث ابن الأخ من أم، ولكن أبوه يرث نجعله بمنزلة أبوه، وبنت البنت ما ترث، نجعلها بمنزلة البنت نقربها، وإذا قربناها ننظر، نقول: الآن عندنا بنت أخ لأم، من الذي يرث منهم؟ أليس البنت تسقط الأخ لأم؟ ما يرث معها الأخ لأم، إذًا أنت يا ابن الأخ لأم لا حق لك مع بنت البنت؛ لأن بنت البنت بمنزلة البنت، وابن الأخ لأم بمنزلة الأخ لأم، والأخ لأم يسقط مع البنت، قربنا هذا، وقربنا هذا.

كذلك -مثلا- إذا كان عندنا عمة العمة ما ترث إلا مع ذوي الأرحام، وعندنا بنت عم نقربهم؛ العمة نجعلها بمنزلة الأب؛ لأنها أخته، هي تقول: أنا أخت أبيه، نجعلها بمنزلة الأب، وبنت العم نجعلها بمنزلة العم؛ بمنزلة أبيها، فنقول: عندنا عم، وأب من الذي يرث؟ أليس الأب يسقط العم ؟

إذاً بنت العم لا ترث مع العمة؛ لأنها أقرب، فأما إذا كانوا كلهم وارثون، فإنه يقسم بينهم كما يقسم بين المدلى بهم، المدلى بهم مثلا، فإذا كان عندنا بنت بنت، وبنت بنت ابن، أليس بنت البنت إذا نزلناها مكان أمها ترث، وبنت ابن ابن ننزلها مكان أمها ترث؟

تقول: هذه بمنزلة أمها، لها النصف، وهذه بمنزلة أمها لها السدس، تكملة الثلثين، أربعة يكون الإرث بينهما. هذا يسمى ميراث ذوي الأرحام، ينزلون منزلة من أدلوا به.

يقول بعد ذلك: ومن لا وارث له فماله لبيت المال؛ يصرف في المصالح العامة والخاصة، إذا لم يوجد له مال أصلا يدخل ماله في بيت المال، يصرف في المصالح العامة والخاصة، في مصالح المسلمين.

ثم يقول بعد ذلك: إذا مات الإنسان تعلق بتركته أربعة حقوق:

أولها: مئونة التجهيز، ثم الديون الموثقة والمرسلة من رأس المال، ثم إذا كان له وصية تنفذ من ثلثه للأجنبي، ثم الباقي للورثة المذكورين. تسمى هذه الحقوق المتعلقة بعين التركة.

يبدأ بمئونة التجهيز قبل كل شيء، فيؤخذ من ماله أجرة المغسلين، يؤخذ من ماله ثمن الكفن، يؤخذ من ماله ثمن الحانوت، يؤخذ من ماله أجرة الحفار، إذا لم يوجد من يتبرع؛ هذه تؤخذ من ماله، فلو قال الورثة: المال لنا. نقول: ليس لكم إلا بعد تجهيزه، ما لكم إلا ما بقي بعد التجهيز، التجهيز يقدم. هذا مئونة التجهيز.

فإذا جهز بعد ذلك تقضى الديون؛ الديون إما أن يكون فيها رهن، وإما أن تكون بغير رهن، فيقدم الدين الذي فيه رهن يباع العين المرهونة، ويعطى صاحب الدين دينه، وأما البقية التي ليس فيها رهن فتباع بقية الأموال، فتوفَّى الديون كلها، فإذا أوفيت الديون، وبرئت ذمته انتقل إلى الوصايا، فإذا كان قد أوصى في آخر عمره، أو أوصى بعد موته: أعطوا فلانا كذا، أخرجوا ثلث تركتي، أو ربعها، أعطوا فلانة كذا، فهذه الوصايا تخرج من رأس المال قبل الميراث، وبعد الديون تخرج من المال، روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: « إنكم تقرءون قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ »(6) وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالدين قبل الوصية ؛ لأن الآية مذكورة فيها الوصية، ثم الدين ﴿وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (2) وما ذاك إلا أن الوصية قد تكون ثقيلة على الورثة حيث إنها تبرع، فجعلها الله مقدمة حتى تسهل عليهم، بخلاف الدين فهو حق آدمي يطالب به أصحابه. وبعدما تنتهي الوصية، وتنفذ الوصايا ولو كانت لأجنبي، الباقي يكون للورثة المذكورين الذين تقدم ذكرهم.

بعد ذلك يقول: أسباب الإرث ثلاثة: النسب، والنكاح الصحيح، والولاء، يعني: هذه الأسباب هي التي يكون بها الإنسان وارثا.

النسب: هو القرابة، وينقسم إلى ثلاثة -كما تقدم-: أصول وفروع وحواشي. هذا هو النسب.

فالأصول: الأب، والجد، وأبو الجد، وجد الجد، وإن بعد، وكذلك الأم، وأم الأم، وأم الأب، ونحوهم هؤلاء هم الأصول.

الفروع: الابن، والأبناء، وأبناء الأبناء، والبنات، وبنات الابن، ونحوهم هؤلاء هم الفروع.

الحواشي: الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، وأعمام الأب وبنوهم، وأعمام أب الأب وبنوهم وإن نزلوا هؤلاء هم الحواشي، هؤلاء هم النسب. النسب: القرابة، وقد تقدم كيفية توريثهم.

الثاني: النكاح الصحيح، لماذا قيده بالصحيح؟ ليخرج النكاح غير صحيح .

النكاح الذي عند الرافضة يسمونه نكاح المتعة، هذا نكاح باطل، فلا يحصل به التوارث؛ لأنه باطل من أصله، وكذلك إذا حكمنا بأن هذا النكاح فاسد أو باطل، فلا يحصل به التوارث، لا بد أن يكون النكاح تام الشروط، ويعرفونه بأنه: عقد الزوجية الصحيح الخالي من الموانع الشرعية، وإن لم يحصل دخول، ولا خلوة، فيتوارث به الزوجان؛ يرث كل منهما الآخر بمجرد العقد، إذا حصل عقد الزوجية، حصل الملكة فإنهما يتوارثان.

فمثلا غير الصحيح يخرج إذا زوجت المرأة نفسها، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هنالك حائل « إلا بولي »(7) إذا زوجها وليه بدون شهود فهذا غير صحيح؛ لحديث: « لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل »(7) فلا بد من شاهدي عدل .

إذا تزوجها، وهي في العدة، فهذا نكاح غير صحيح، باطل؛ لأنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تنتهي عدتها.

إذا تزوج امرأة وعنده قبلها أربع، فهذا نكاح غير صحيح. وأمثلة ذلك كثيرة، فلا بد من الصحيح الذي تمت شروطه عقد النكاح الصحيح.

أما الولاء فيعرفون الولاء بأنه: عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه، فيرثه هو وعصبته الذكور دون الإناث.

المعتق يرث عبده العتيق، فإذا مات المعتق، وبقي أولاده ورثوا عتيق أبيهم الذكور فقط، ولا ترث معهم الإناث.

عصوبة يعني: عصبة سببها نعمة السيد على عبده بالعتق، فيرثه هو وورثته الذكور دون الإناث، هذا هو الولاء.

وموانعه ثلاثة: القتل، والرق، واختلاف الدين.

موانع الإرث ثلاثة: القتل: وهو ما أوجب دية، أو قصاصا، أو كفارة، فإنه يحرم من الإرث « القاتل ما يرث »(8) هكذا ورد في الحديث، وفي قصة قتادة المدلجي أنه قتل ولدا له، فلما قتله عند ذلك جاء عمر -رضي الله عنه- وأمره بدفع الدية.

أنت أيها الأب قتلته عمدا، ولكن لا نقتلك، ولكن ادفع الدية؛ وهذه الدية ليس لك منها شيء، الدية تكون لأمه ولإخوته، ولم يعط عمر القاتل، ولو كان أب قتل ولده، لا يرث القاتل، فإن كان القتل عمدا، ولكن سقط القصاص كقتل الوالد لولده، فإنه يحرم من الميراث، وإن كان القتل خطأ حيث فيه كفارة ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (9) فلا يرث -أيضا- سدا للباب؛ مخافة أن يتسرع أحد الأقارب، ويقتل قريبه، ويقول: سأرثه، فيقال: من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، هذا القتل.

كذلك الرق: الرق: عجز حكمي يكون بالإنسان سببه الكفر، هذا تعريف الرق، فالرقيق هو المملوك، المملوك لا يملك؛ لأن ما بيده لسيده، فلو أعطيناه ميراثا من أبيه، وكان أبوه حرا، وأعطيناه لأخذه سيده، وسيده أجنبي، فالرقيق لا يرث، ولا يورث؛ لأن ما بيده لسيده، حتى لو كان له أولاد أحرار ما يرثونه، ميراثه لسيده، لكن إذا كان معتقا بعضه يسمى المبعض، فالمبعض يرث، ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية.

الثالث: اختلاف الدين: إذا كان أحدهما كافر، فإنهما لا يتوارثان لحديث أسامة: « لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم »(10) واستثنوا الولاء أنه يرث بالولاء؛ إذا كان له عبد كافر قد أعتقه، فإنه يرثه، أو كان -مثلا- الكافر له عبد مسلم عتيق، فإنه يرثه إلا بالولاء على خلاف في ذلك.

يقول: وإذا بعض الورثة حملا، أو مفقودا، أو نحوه عملت بالاحتياط، ووقفت له، وينتظر الورثة قسمة التركة على سبيل ما يحصل به الاحتياط على حسب ما قرره الفقهاء -رحمهم الله-، يعني: توسع الفقهاء في هذا، حتى المتأخرون منهم فجعلوا باب الحمل، وذكروا فيه أكثر من ست صفحات، سبع صفحات، وكذلك باب المفقود.

الحمل الذي يرث هو حمل هذه المرأة، فنحن إذا كان في الورثة حمل، لا ندري هل هو ذكر أم أنثى، أم ذكرين أم أنثين، أم ذكر وأنثى؟ فنحتار ونوقف له الأكثر، الأكثر في الحمل، أنثيين، أو ذكرين، فإن كان الأكثر حمل أنثيين أوقفنا حمل أنثيين، أوقفنا نصيب أنثيين، وإن كان نصيب الذكرين أكثر، أوقفنا نصيب ذكرين. هذا الاحتياط.

وكذلك المفقود الذي انقطع خبره، لا يدرى خبره هل حي أم ميت؟ انقطع خبره، فمثل هذا -أيضا- يقولون: إن كان الغالب على سفره الهلاك، كالذي خرج من بيته بليل، ثم انقطع خبره يغلب على الظن أنه اغتيل، أو قتل غيلة، فمثل هذا ينتظر أربع سنين، فإن جاء وإلا قسم ماله، ففي هذه المدة التي هي أربع سنين إذا مات أحد أقاربه يحبس نصيبه له؛ لأنه حكم بأنه حي، وإن كان الغالب على سفره البقاء، والحياة كالذي يسافر -مثلا- للهند، أو السند، أو أفريقيا، وينقطع خبره فينتظر بتمام عمره تسعين سنة، إذا تم عمره تسعين سنة قسم ماله، وقبل ذلك لا يقسم، وإذا مات أحد أقاربه في هذه المدة أعطي نصيبه كاملا، وحبس حتى يتحقق من أمره، ثم يقسم مع تركته لورثته.

وبعد الآذان نبدأ في باب العتق إن شاء الله والله أعلم وصلى الله على محمد بعد الصلاة.


(1) سورة النساء: 176
(2) سورة النساء: 11
(3) البخاري : الفرائض (6737) , ومسلم : الفرائض (1615) , والترمذي : الفرائض (2098) , وأبو داود : الفرائض (2898) , وابن ماجه : الفرائض (2740) , وأحمد (1/292).
(4) سورة الأنفال: 75
(5) الترمذي : الفرائض (2104).
(6) الترمذي : الفرائض (2094) , وابن ماجه : الوصايا (2715) , وأحمد (1/144).
(7) الترمذي : النكاح (1101) , وأبو داود : النكاح (2085) , وابن ماجه : النكاح (1881) , وأحمد (4/418) , والدارمي : النكاح (2182).
(8) الترمذي : الفرائض (2109) , وابن ماجه : الفرائض (2735).
(9) سورة النساء: 92
(10) البخاري : الفرائض (6764) , ومسلم : الفرائض (1614) , والترمذي : الفرائض (2107) , وأبو داود : الفرائض (2909) , وابن ماجه : الفرائض (2730) , وأحمد (5/208) , ومالك : الفرائض (1104) , والدارمي : الفرائض (2998).