موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الهبة والعطية والوصية - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب الهبة والعطية والوصية

باب الهبة والعطية والوصية

وهى من عقود التبرعات، فالهبة: التبرع بالمال في حال الحياة والصحة، والعطية التبرع به في مرض موته المخوف، والوصية التبرع به بعد الوفاة، فالجميع داخل في الإحسان والبر، فالهبة من رأس المال، والعطية والوصية من الثلث فأقل لغير وارث، فإن زاد عن الثلث أو كان لوارث توقف على إجازة الورثة الراشدين، وكلها يجب فيها العدل بين أولاده لحديث: « اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم »(1) متفق عليه.

وبعد تقبيض الهبة وقبولها لا يحل الرجوع فيها لحديث: « العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه »(2) متفق عليه، وفي الحديث الآخر: « لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده »(3) رواه أهل السنن، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها، وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء ما لم يضره أو يعطيه لولد آخر أو يكون بمرض موت أحدهما لحديث: « أنت ومالك لأبيك »(4) وعن ابن عمر مرفوعا: « ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده »(5) متفق عليه، وفي الحديث « إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »(6) رواه أهل السنن، وفي لفظ « إلا أن يشاء الورثة »(7) وينبغي لمن ليس عنده شيء يحصل منه إغناء ورثته ألا يوصي بل يدع التركة كلها لورثته كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس »(8) متفق عليه، والخير مطلوب في جميع الأحوال.


انتقل إلى باب الهبة والعطية والوصية.

الهبة هي الهدية، والغالب أن الذي يهدي إما أن يقصد بالهدية المعروف أو التقرب أو الخير أو العوض أو ما أشبه ذلك، هذا الغالب في الهبة، يعني: مثلا إنسان عنده بستان، وجاء إليك وأهدى إليك من بستانه رطبا أو فاكهة أو خضارا أنت تعرف أنه يقصد أخوتك ويكتسب صداقتك أو يريد منك مكافأة، يريد أن تعطيه مكافأة أكثر من ثم نه أو مثل ثمنه أو يريد مكافأتك على منفعة حصلت منك أنك قد نفعته وقد شفعت له وقد جازيته أو نحو ذلك، فهديته هذه أو هبته يقصد بها أحد هذه الأمور الصداقة وقوة الأخوة أو المكافأة بأكثر منها أو المجازاة على فعل قد فعلته معه، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها.

الهبة: التبرع بالمال في حال الحياة والصحة بهذا الشرط تبرع بمال، حتى ولو كان المال نقدا، إذا أهدى إليك مثلا مائة ريال هدية، أهدى إليك ثوبا، أهدى إليك جنيها، أهدى إليك حليا، أهدى إليك ساعة تبرع بماله وهو صحيح شحيح قوي يسمى هذا هبة ويسمى أيضا هدية.

العطية: تبرع به في مرض موته المخوف، هكذا عرفها، ولكن يظهر أيضا أن العطية يدخل فيها العطية للمستحق كعطية الأولاد، إذا أعطى الوالد أولاده، أعطى هذا سيارة، وأعطى هذا بيتا، وأعطى هذا أرضا، وأعطى هذا دراهم تسمى هذه عطية، وأما إذا أعطى وهو مريض، يعني: وهو مريض قال: أعطيك يا فلان ألفا فمثل هذه لا تنفذ إلا إذا خرجت من الثلث بعد الموت ينتظر بها الصحة، فإن صح نفذت، وإن مات في مرضه اعتبرت من الثلث إلا أن يجيزها الورثة.

الوصية: التبرع به بعد الموت، هكذا عرفها، إذا مت فأعطوا فلانا من مالي ألفا مكافأة له، وأعطوا فلانا من مالي مائة نفعا وهبة ومعروفا، الجميع داخل في الإحسان والبر الهبة والعطية والوصية، لكن الوصية أعم؛ ولأجل ذلك أطال عليها العلماء، جعلوا فيها خمسة أبواب أو ستة، قالوا: باب الوصايا، ثم قالوا: باب الموصي إليه، ثم قالوا: باب الموصي له، ثم قالوا: باب الموصي به، ثم قالوا: باب الوصية والأنصباء والأجزاء. . وذكروا تحت كل أحكامه، لكن المؤلف اختصرها واقتصر على رؤوس أقلام منها.

الهبة من رأس المال؛ وذلك لأنها عطية في الحياة، والوصية والعطية من الثلث فأقل إذا كانت لغير وارث، إن زادت عن الثلث أو كانت لوارث توقفت على إجازة الورثة الراشدين، فإذا أوصى قال: إذا مت فأعطوا فلانا من تركتي عشرة آلاف، ولما مات وإذا تركته مثلا عشرون ألفا فكم نعطي هذا الذي أوصى له؟ نعطيه ثلث العشرين ستة آلاف ستمائة وستة وستين؛ وذلك لأن هذا هو الثلث، والميت لا يتصرف إلا في ثلثه، فإن سمح الورثة، وقالوا: نعطيه العشرة كاملة ننفذ وصية أبينا جاز ذلك، كذلك إذا كانت الوصية لوارث إذا مت فأعطوا زوجتي أو أعطوا بنتي أو أعطوا أمي كذا وكذا وهي ترث ألا يكفيها نصيبها من الإرث؟.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في هذا الحديث: « إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »(6) هذا الحديث قالوا: إنه نسخ الآية التي في البقرة وهى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ (9) إن ترك خيرا كتبت عليكم الوصية للوالدين والأقربين، معلوم أن الوالدين يرثان الأقربون بعضهم يرث وبعضهم لا يرث، فالوالدان يكفيهما ميراثهما فلا يوصي لهما، فإن أوصى لهما فلا بد من إجازة الورثة الآخرين كالأولاد والزوجات، أما الأقربون فإن كانوا من الورثة كالإخوة والأولاد - الأولاد يرثون بكل حال - والإخوة قد يرثون وقد لا يرثون، فإذا كانت للوارث فلا تجوز إلا بإجازة الوارثة، وإن كانت لغير وارث فلا تجوز إلا بقدر الثلث إلا أن يجيزها الورثة. يقول: كلها يجب فيها العدل بين أولاده لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم »(10) .

سبب هذا الحديث أن بشير بن سعد الأنصاري أعطى ولده النعمان غلاما فقالت أمه: أشهد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لا أشهد على جور اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، ألك ولد غير هذا قال: نعم، قال: هلا سويت بينهم اعدلوا بين أولادكم »(10) فنهاه أن يعطي واحدا ويترك الباقي، فالوالد مأمور بأن يسوي بين أولاده في العطية، هذا إذا كانت العطية لغير حاجته أما إذا أعطاه لحاجته فلا بأس، مثلا بلغ أحدهم واحتاج للزواج فيزوجه ولا يقول: أعطي الآخرين مثله وإن لم يبلغوا إذا بلغوا يزوجهم، أو مثلا احتاج لمصاريف الدراسة أو سيارة للتنقل عليها يعطيه، يعطيه بقدر حاجته، الباقون إذا بلغوا يعطيهم مثله، أما إذا أعطاهم تبرعا كأن أعطاهم وهم بالغون مساكن فلا بد أن يسوي بينهم أو أعطاهم دراهم فلا بد أن يسوي بينهم، يجوز له أن يفضل من هو مستحق، فإذا كان أحدهم بارا به وخادما له والآخر عاص وخارج عن طاعته فإن له أن يشجع هذا البار ويزيده حيث أنه خدمه وقام بخدمته أو شاركه في تنمية تجارته يجعل له قسطا عن مشاركته.

متى تلزم الهبة؟ تلزم بالقبض، لا تلزم إلا بالقبض، فإذا قال مثلا: وهبتك شاتي الفلانية ولم تقبضها جاز له أن يرجع فيقول: لا حق لك فيها، أما إذا قبضت الشاة وذهبت بها فحرام عليه أن يستردها لهذا الحديث: « العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه »(11) الكلب وبعض السباع كالذئب إذا أكل كثيرا وامتلأ بطنه فإنه يقيء، يتقيأ ما في بطنه، قد يقيء مثلا كوب، ثم بعد ذلك يرجع إلى قيئه ويأكله، فالرسول -عليه السلام- جعل هذا مثلا مستبشعا مستقذرا لمن يهب هبة، ثم يستردها ولو كانت يسيرا، لو وهب لك إنسان قلما، قال: هبة، ثم قال: أنا أحتاجه بعد ما تقبضه يدخل في العائد في هبته فيحرم عليه أن يعود فيها. يقول قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما؛ لأنه مستقذر، ولو كان الإنسان قد أكل طعاما طيبا شهيا لحما مثلا أو فواكه، ثم بعد ذلك وجد ثقلا فتقيأه وأخرجه فإنه مستقذر، فكونه يعود ويأكله مرة ثانية هذا حرام، يقول الحديث الآخر: « لا يحل لمسلم أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده »(12) ؛ وذلك لقوله -عليه الصلاة والسلام- « أنت ومالك لأبيك »(4) فالوالد له أن يتملك من أموال أولاده الشيء الذي لا يحتاجون إليه، وكذلك له أن يهب ولده، ثم يسترد الهبة، فلو وهبك سيارة، ثم استرجعها له ذلك، أو وهبك أرضا، ثم استرجعها له ذلك، أو وهبك مثلا مالا، وكان موجودا عندك دراهم، وأراد أن يستردها فإنك تردها إليه إذا طلب، كما أن له أن يتملك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه.

اشترطوا في تملك المال، مال الولد شروطا. الشرط الأول: ألا تتعلق حاجة الولد بذلك المال، فليس له مثلا أن يخرجه من داره ويقول: اسكن في خيمة أو اسكن في الصحراء، ويقول: أنا أبوك أملك مالك هذا البيت ملكك وسوف آخذه وأبيعه ليس له حق أن يأخذ شيئا تتعلق حاجة الولد به أو سيارته التي لا يستغني عنها أو نحو ذلك.

الشرط الثاني: ألا يأخذه من ولد ويعطيه ولدا، لا يأخذ من الكبير ويعطي الصغير؛ لأنه عليه أن يعدل بين أولاده، فكونه يعطي هذا من مال هذا يعتبر جورا يدخل في « لا أشهد على جور »(10) .

الشرط الثالث: ألا يكون في مرض الموت، إذا كان في مرض الموت فقد تعلقت به حقوق الورثة فلا يجوز له أن يأخذ من مال ولده المريض أو لا يأخذ وهو مريض، سواء كان المريض الولد أو الوالد مرض مخوف.

« كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها »(13) وتسمى هدية الثواب يعني: إذا عرفت مثلا أن صاحبها الذي أهدى إليك لا يريد إلا أن تعطيه وأن تثيبه فإن هذه هدية الثواب، وهناك هدية أخرى تسمى هدية التبرر، يعني: الصدقة، فالنبي عليه السلام كان يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة كما في حديث سلمان الفارسي: لما ذكرت له صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة جمع له تمرا وجاء به بين أصحابه وقال: « هذه صدقة ففرقها على أصحابه ولم يأكل منها، فجمع مرة أخرى تمرا نفيسا وجاء به وقال: هذه هدية فأكل منها »(14) .

وثبت أيضا أنه لما تصدق على بريرة بشاة أكل من تلك الشاة وقال: « هو لها صدقة وعلينا هدية »(15) . يقول: "للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء ما لم يضره أو يعطيه لولد آخر أو يكون بمرض موت أحدهما لحديث « أنت ومالك لأبيك »(4) ذكرنا هذه الشروط ألا يكون في مرض أحدهما، الوالد أو المولود، أو يعطيه لولد آخر أو يضره، يتعلق به حاجة الولد، ويضره يحمله على الاستدانة وما أشبه ذلك، هذا يتعلق بالوصايا الحديث « ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده يقول ابن عمر: فما أتت علي ثلاث ليال إلا ووصيتي مكتوبة تحت رأسي »(5) ؛ وذلك لأنه لا يأمن الأجل أن يفاجئه الأجل فيأتيه وهو مفرط.

فلذلك الإنسان عليه أن يحتاط ويكتب ما له وما عليه وما يريد أن يوصي به، فيقول فيها: عندي لفلان كذا، وعند فلان لي كذا وكذا، علي يدي من الأوقاف كذا وكذا، أوصي أولادي بكذا وكذا، أوصيهم أن يخرجوا من مالي كذا وكذا، وأن يتصدقوا لي بكذا وكذا، وأن ينفعوني بعد موتي بكذا، ويكتب ذلك في دفتره حتى إذا أتاه الأجل، وإذا هو قد أحرز نفسه وقد أبرأ ذمته وقد أراح أولاده من التهم أو من العناء أو نحو ذلك.، ثم يقول -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »(16) المراد أعطاهم الله -تعالى- في المواريث فروضهم، فالوارث لا يوصى له وفي لفظ: « إلا أن يشاء الورثة »(7) ثم ينقسم الناس في الأموال إلى ثلاثة أقسام: قسم فقير وورثته فقراء، في هذه الحال الأولى له ألا يوصي ويترك ماله لورثته، إذا لم يكن له إلا هذا البيت الذي يسكنه، أو مثلا هذه السيارة التي يركبها، أو هذا الدكان الذي يبيع فيه ويتصرف فيه وينفق على أولاده إذا سبل البيت أو سبل الدكان أو تصدق بالسيارة بعد موته، ترك ورثته، فالأولى له والحال هذه أن يتركه لورثته ولا يتصدق به؛ لأن الصدقة به أو الوصية به تضر أولاده والنبي -عليه الصلاة والسلام - قد رفق بالأولاد، فإذا كان ليس عنده شيء يحصل منه إغناء لورثته فينبغي ألا يوصي بل يدع التركة كلها لورثته، يدعها ورثته أحق، الدليل هذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- « إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس »(8) يستجدون ويشحذون ويسألون، لا شك أن ورثته أحق بماله فيترك ماله القليل لورثته ولا يتصدق منه فيعوزهم إلى التسول والتكفف. هذا هو القسم الأول.

القسم الثاني: الذي لا وارث له، ليس له وارث ماله سوف يجعل في بيت المال، في هذه الحال لو أوصى بماله كله لو جعل ماله كل وقفا أو سبله جاز ذلك؛ لأنه ما نهي إلا لأجل الورثة وليس هناك وارث، أو عرف مثلا أن ورثته مستغنون عندهم ثروة وعندهم أموال طائلة وأن تركته هذه لا تزيدهم ولا تنفعهم جاز له أن يوصي بماله، واستحب للورثة وتأكد بحقهم أن ينفذوا وصيته، وأما إذا كان من أوساط الناس وورثته من أوساط الناس فإن له أن يوصي بالثلث، وإن نقصه إلى الربع فهو أولى يقول ابن عباس: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « الثلث والثلث كثير »(17) فيستحب بعضهم أن يتصدق بالربع يوصي به، وبعضهم بالخمس روى عن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، وقال: رضيت لنفسي ما رضى الله -تعالى- لنفسه في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ (18) فيتصدق بالخمس هذا أولى، فإن كان الورثة أثرياء وأغنياء فله أن يتصدق بالثلث ولا يرده وليس لهم أن يتعقبوه. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم »(19) بمعنى أن الإنسان له التصرف في الثلث وليس لورثته أن يمنعوه من الثلث أو أقل من الثلث، وإن زاد على ذلك ولم يكن عليهم ضرر فلا بأس.

الوصية يعني بالثلث أو نحوه أو بالخمس قالوا: إنها لمن ترك خيرا. الله -تعالى- يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ(9) وفسر الخير بأنه المال الكثير، وهنا يقول: الخير مطلوب في جميع الأحوال، الوصي الذي يجعل على يده هذا الثلث عليه أن يعدل فيه وأن يحفظه وأن ينميه؛ لأن الوصية إذا كانت في شيء يبقى ويتنامى استمر أجر الموصي بمنزلة الوقف، ولم ينقطع وصار صدقة جارية، وأما إذا انقطع، انقطع أجره؛ فإذا مثلا كان له بستان وقال: أوصي فيه بهذه النخلات تكون فطورا للصوام أو صدقة على الفقراء، فلا يجوز للوصي أن يهملها ولا يسقيها بل عليه أن يسقيها كما يسقي باقي النخل؛ لأنه أوصى بها وبما يحييها، وكذلك إذا قال: أوصي بهذا البيت أجرته صدقة في رمضان، فالوصي عليه أن يحفظه وعليه أن يلاحظه ويصلح ما وهى منه وما أشبه ذلك، هذا آخر الوصايا وهي مختصرة جدا ونقرأ في الفرائض مقدمتها.


(1) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587) , ومسلم : الهبات (1623) , وأبو داود : البيوع (3542).
(2) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2589) , ومسلم : الهبات (1622) , والترمذي : البيوع (1298) , والنسائي : الهبة (3699) , وأبو داود : البيوع (3538) , وابن ماجه : الأحكام (2385) , وأحمد (1/217).
(3) الترمذي : الولاء والهبة (2132) , والنسائي : الهبة (3703) , وأحمد (1/237).
(4) ابن ماجه : التجارات (2291).
(5) البخاري : الوصايا (2738) , ومسلم : الوصية (1627) , والترمذي : الجنائز (974) , والنسائي : الوصايا (3619) , وأبو داود : الوصايا (2862) , وابن ماجه : الوصايا (2699) , وأحمد (2/80) , ومالك : الأقضية (1492).
(6) الترمذي : الوصايا (2120) , وأبو داود : البيوع (3565) , وابن ماجه : الوصايا (2713).
(7)
(8) البخاري : الجنائز (1296) , ومسلم : الوصية (1628) , والترمذي : الوصايا (2116) , والنسائي : الوصايا (3628) , وأبو داود : الوصايا (2864) , وأحمد (1/176) , ومالك : الأقضية (1495) , والدارمي : الوصايا (3196).
(9) سورة البقرة: 180
(10) البخاري : الشهادات (2650) , ومسلم : الهبات (1623) , والنسائي : النحل (3681) , وأبو داود : البيوع (3542) , وأحمد (4/270).
(11) البخاري : الجهاد والسير (3003) , ومسلم : الهبات (1620) , والنسائي : الزكاة (2615) , وأحمد (1/40) , ومالك : الزكاة (624).
(11) الترمذي : الولاء والهبة (2132) , والنسائي : الهبة (3690) , وأحمد (1/237).
(12) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2585) , والترمذي : البر والصلة (1953) , وأبو داود : البيوع (3536) , وأحمد (6/90).
(13) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2576) , ومسلم : الزكاة (1077) , وأحمد (2/406).
(14) البخاري : الزكاة (1493) , ومسلم : العتق (1504).
(15) الترمذي : الوصايا (2120) , وأبو داود : البيوع (3565) , وابن ماجه : الوصايا (2713).
(16) البخاري : الوصايا (2743) , ومسلم : الوصية (1629) , والنسائي : الوصايا (3634) , وابن ماجه : الوصايا (2711) , وأحمد (1/233).
(17) سورة الأنفال: 41
(18) ابن ماجه : الوصايا (2709).