موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة

باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوكل في حوائجه الخاصة، وحوائج المسلمين المتعلقة به، فهي عقد جائز من الطرفين تدخل في جميع الأشياء التي تصح النيابة فيها من حقوق الله، كتفريق الزكاة، والكفارة، ونحوها، ومن حقوق الآدميين كالعقود، والفسوخ، وغيرها، وما لا تدخله النيابة من الأمور التي تتعين على الإنسان، وتتعلق ببدنه خاصة كالصلاة، والطهارة، والحلف، والقسم بين الزوجات، ونحوها، لا تجوز الوكالة فيها، ولا يتصرف الوكيل في غير ما أذن له فيه نطقا، أو عرفا. ويجوز التوكيل بجُعْل، أو غيره، وهو كسائر الأمناء لا ضمان عليهم إلا بالتعدي، أو التفريط، ويقبل قولهم في عدم ذلك باليمين، ومن ادعى الرد من الأمناء، فإن كان بجعل لم يقبل إلا ببينة، وإن كان متبرعا قبل قوله بيمينه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: « يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما »(1) رواه أبو داود. فالشركة بجميع أنواعها كلها جائزة، ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه إذا كان جزءا مشاعا معلوما.

فدخل في هذا شركة العنان: وهي أن يكون من كل منهما مال، وعمل. وشركة المضاربة: بأن يكون من أحدهما المال، ومن الآخر العمل. وشركة الوجوه: بما يأخذان بوجوههما من الناس. وشركة الأبدان: بأن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه، وما يتقبلانه من الأعمال. وشركة المفاوضة: وهي الجامعة لجميع ذلك.

وكلها جائزة ويفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، كأن يكون لأحدهما ربح وقت معين، وللآخر ربح وقت آخر، أو ربح إحدى السلعتين، أو إحدى السفرتين، وما يشبه ذلك كما يفسد ذلك المساقاة والمزارعة.

وقال رافع بن خديج: « كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا, ويسلم هذا ويهلك هذا, ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به »(2) رواه مسلم. « وعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع »(3) متفق عليه.

فالمساقاة على الشجر: بأن يدفعها للعامل، ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الثمرة، والمزارعة: بأن يدفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من الزرع، وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه، ولو دفع دابته إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز.


جمع المؤلف هذه الأبواب الأربعة في باب واحد، وهي متقاربة إلا الوكالة, الوكالة: هي ليست من جنس الشركة، أما الشركة، والمساقاة، والمزارعة فقريب بعضها من بعض.

تعريف الوكالة: استنابة جائز التصرف غيره فيما تدخله النيابة, ويعبرون عن المفوَّض بالوكيل وعن المفوِّض بالموكِّل، فإذا رأيت كتابة الموكِّل فلا تقرأها الموكَّل، لا يأتون بكلمة الموكَّل يأتون بدله بالوكيل، فإذا رأيت كتابة الموكل؛ فاقرأها الموكِّل بكسر الكاف.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوكل في حوائجه الخاصة، وحوائج المسلمين المتعلقة به. يوكل في حوائجه؛ يوكل من يشتري له سلعة، كما وكل عروةَ البارقي أن يشتري له شاة؛ هذه وكالة وحوائج المسلمين المتعلقة به, كونه مثلا يوكل من يقبض الصدقات, يوكل أيضا من يقيم الحدود بقوله مثلا: « واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها »(4) وكالة في إقامة حد الحوائج المتعلقة بالمسلمين، ويوكل من يقبض الزكوات ويفرقها.

الوكالة: عقد جائز من الطرفين, عقد جائز بمعنى أنه يجوز فسخه متى شاء الموكل عزل الوكيل, متى شاء الوكيل عزل نفسه؛ لأنه غالبا متبرع، أما إذا كان بأجرة فماذا نسميه؟ نسميه أجيرا, أما إذا كان متبرعا فهو وكيل.

فالحاصل أنها عقد جائز من الطرفين، يعني من طرف الموكل، ومن طرف الوكيل، وكل منهما يجوز له أن يخلعها, تدخل في جميع الأشياء التي تصح النيابة فيها من حقوق الله، كتفريق الزكاة، والكفارة، ونحوها، ومن حقوق الآدميين، كالعقود، والفسوخ، وغيرها.

فمن حقوق الله التي تدخلها النيابة الحج، الوكالة في الحج، بأن توكل من يحج عن أبيك، أو يحج عن ميتك هذا عبادة، ومع ذلك تدخلها النيابة، وكذلك تفريق الزكاة؛ توكل تعطي من يفرق زكاتك، فيأخذ هذه الزكاة يفرقها على المستحقين، وكذلك الكفارة؛ عليك كفارة إطعام ستين مسكينا، أو عشرة مساكين تعطيها واحدا يفرقها على المساكين، تقول: وكلتك تفرقها. هذه من حقوق الله.

حقوق الآدميين كثيرة توكله مثلا يقبض دينك، توكله يحفظ مالك, توكله يبيع سلعتك, توكله يأخذ لك سلعة، يشتري لك سلعة، أو سيارة، أو ما أشبه ذلك, الوكالة تدخل في هذا كله.

كذلك أيضا العقود، العقود والفسوخ, الفسوخ: توكله مثلا يطلق امرأتك، أو يزوج ابنتك، أو نحو ذلك، يجوز, فيجوز مثلا أن تقول: أنا غائب وقد وكلتك يا فلان أن تزوج ابنتي إذا جاءك من يخطبها كفئا. فيقول للخطيب: زوجتك ابنة موكلي، ونحو ذلك، أو كذلك الزوج يقول: وكلتك تقبل النكاح لي من فلانة. فيقول مثلا الوكيل:.. يقول الموكل: زوجت موكلك زيد ابنتي. فيقول الوكيل: قبلت النكاح لموكلي زيد. يجوز ذلك، أو مثلا في الطلاق يقول: وكلتك أن تطلق امرأتي في الشهر الفلاني، وكلتك تراجعها بعد الطلاق، وأشباه ذلك. فهذا معنى قوله: العقود والفسوخ وغيرها.

وكذلك في إقامة الحدود الحاكم يقيم الحدود، وكلتك تقطع يد هذا السارق، وكلتك تجلد هذا الزاني، أو ترجم هذا الزاني مثلا أو ما أشبه ذلك.

أما ما لا تدخله النيابة من الأمور التي تتعين على الإنسان، وتتعلق ببدنه خاصة، كالصلاة، والطهارة، والحلف، والقسم بين الزوجات، ونحوها، لا تجوز الوكالة فيها، هذه لا تصلح الوكالة فيها، وذلك؛ لأنها تتعلق بالبدن، أو تتعلق بالذمة، فلا يقول مثلا: وكلتك تصلي عني؛ لأن الصلاة عبادة تتعلق بالبدن، فلا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، العبادة هذه عبادة بدنية تتعلق ببدن المكلف، فإن قدر عليها وإلا سقطت، فلا يقول: وكلتك تصوم عني، أو تصلي عني، أو تتطهر عني. فإن هذا كله عبث، ولا يجوز، والذين يقولونه في الغالب أنهم فسقة.

يذكر لنا بعض الإخوان أنه عندما يمر على بعض الفسقة ويقول لهم: اذهبوا صلوا. يقولون: وكلناك تصلي عنا، وأنت بالنيابة عنا. هؤلاء هم الفسقة، فلا يجوز.

كذلك الحلف ما يحلف أحد عن أحد؛ لأن الحلف يتعلق بالذمة فلا يجوز لأحد أن يحلف ويقول: أحلف عن فلان. كذلك القسم بين الزوجات، معلوم أن الزوجة أنها حق الزوج، عليها المؤانسة، والمبيت عندها، فلا يوكل من يبيت عند الزوجة، ولا من يطأها؛ لأن هذا يحل حراما، القسم بين الزوجات.

الحاصل أن الوكالة تصح فيما تدخله النيابة دون ما لا تصح، كذلك لا يتصرف الوكيل في غير ما أذن له فيه نطقا أو عرفا، فإذا أذن لك أن تقبض الدين، وقبضته فهل تتصرف فيه وتنميه وتتجر فيه؟ ما وكلك اقتصر على القبض، وكلك مثلا أنك تخاصم، فلان عنده لي دين، وكلتك تخاصمه عند القاضي خاصمته وفلجته هل تقبض الدين؟ ما وكلك إلا على الخصومة، لا تتجاوزها اقتصر على ما وكلك فيه نطقا أو عرفا.

هل يجوز الوكالة بالجعل بالأجرة؟ يجوز التوكيل بجعل أو بغيره، يقول: وكلتك تخاصم فلانا، وإذا خصمته فلك مائة، أو لك نصف الدين، أو ربعه، أو نحو ذلك، أجرة على خصومتك. وكذلك وكلتك تبيع هذه الأكياس، ولك من كل كيس تبيعه ريال، أو ريالان، أو نحو ذلك.

الوكيل كسائر الأمناء، لا ضمان عليهم إلا بالتعدي، أو التفريط إذا مثلا وكلته وقبض دينك، ثم تلف عنده، هو أمين ما يضمن، وكلته مثلا يشتري لك بعيرا، ثم اشترى بعيرا، وركبه، وتلف البعير تحته يضمن؛ لأنه تعدى، وكلته يشتري لك ثوبا، ثم اشترى ثوبا فلبسه، ولما لبسه تمزق، أو مر بعود فمزقه، يضمن؛ لأن هذا تعدٍ.

قد ذكرت لكم قريبا الفرق بين التعدي والتفريط، فإذا تعدى أو فرط؛ فإنه يضمن، ويقبل قولهم بعدم ذلك باليمين، يحلف إنني ما فرطت، إنني ما لبست الثوب، ولا ركبت البعير، وإنني ما أهملت الأكياس مثلا , وأني حفظتها في حرزها، حافظ للدراهم.

ومن ادعى الرد من الأمناء؛ فإن كان بجعل لم يقبل إلا ببنية، إذا قال مثلا: رديت إليك وديعتك. عندي لك وديعة أمانة، أو وكلتني أقبض دينك، وأعطيتك إياه، أنا موكل في الدراهم، وكلتك وأعطيتك مثلا من كل مائة خمسة، فالآن ما أقبل كلامك إلا ببنية، ائتني ببينة تشهد أنك سلمت لي الأمانة التي تحفظها بجعل، أو سلمت لي الدين؛ فإذا أتى ببينة؛ قبل، وإذا لم يأت ببينة؛ فاليمين على المنكر.

أما إذا كان متبرعا ما له مصلحة وكيل في الخصومة، ولا مصلحة له وكيل في حفظ هذه الأكياس متبرعا، وكيل في قبض الدراهم والديون متبرعا، ثم ادعى أنها تلفت، يقبل قوله بيمينه بدون بينة، انتهى من الوكالة.

بدأ بالشركة وهي مهمة، نقتصر منها على تعريفاتها، يقول -صلى الله عليه وسلم-: « قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما »(5) الشركة هي، تعريفها أنها: اجتماع في استحقاق أو تصرف.

فالاجتماع في الاستحقاق مثل قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ (6) الورثة شركاء في المال يستحقونه جميعا، شركاء في هذا البيت، شركاء في هذا الجمل، شركاء في هذه السيارة.

وأما التصرف فهو مثلا إذا جمعوا مالا وقالوا: نريد أن نتصرف فيه. فهذا اشتراك في تصرف. الشركة بجميع أنواعها كلها جائزة، يقول: إنها عقد جائز متى طلب أحدهما الفسخ فإنه يفسخ، وكلها مباحة، ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه، الربح بينهما، ورأس المال بينهما على ما يتفقان عليه إذا كان جزءا مشاعا معلوما، الجزء المشاع هو أن يكون مثلا الثلث، الربع، النصف، أو ما أشبه ذلك، بجزء مشاع معلوم.

فذكر أنها خمسة: شركة العنان: وهي أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ليعملا فيه ببدنيهما بجزء معلوم النسبة، بجزء معلوم من الربح لكل منهما، أو لواحد منهما، أو نحو ذلك، لا بد أن يكون المال من الاثنين، والعمل من الاثنين، هذا يدفع مثلا عشرة آلاف، وهذا يدفع عشرة آلاف، ويشترون بضاعة، ويفتحون دكانا، هذه شركة عنان، كأنهما فرسي عنان متساويان، يشتغل هذا ساعتين وهذا ساعتين، أو يشتغلان جميعا يحضران جميعا، أو يشتغل هذا أول النهار، وهذا آخر النهار، ويتفقان على الربح، أو يقول مثلا: أنت وكيل على المشتريات تشتري، وأنا وكيل على البيع أصرف، يجوز ذلك، أو أنت وكيل على الأسفار تسافر تجلب السلع، وأنا أصرفها في البلاد، والربح بيننا. أو لي ثلاثة الأرباع؛ لأني أسافر وأخاطر، ولك الربع، أو لي الثلثان، ولك الثلث. يجوز ذلك، هذه شركة العنان المال والعمل منهما معا.

شركة المضاربة: أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر. عندك مال، عندك مثلا عشرة آلاف، ولكنك لا تتفرغ تصرفها، وأنا ليس عندي عمل، وليس عندي مال مثلا فآخذ هذه العشرة، وأنميها، وأتجر فيها، مني العمل ومنك المال، أشتري، وأبيع، وأتصرف، فإذا تمت السنة نظرنا كم الربح، واقتسمناه، لي النصف ولك النصف، لك ربح مالك، ولي ربح عملي. هذه تسمى المضاربة، يعني قد يكون إنسان عنده أموال، ولكنه ما يتفرغ وينميها، وآخر متفرغ وقادر على التنمية، وقادر على التصريف ولكن ما عنده مال فيجتمعان فيكون من هذا المال ومن هذا العمل.

شركة الوجوه: وهي المداينة. كلنا ما عندنا مال، ولا عندنا رأس مال، ولكن الناس يعرفونا، نشتري منهم دين ونبيع، أنا أشتري من فلان، وأنت تشتري من فلان، أنا أشتري مثلا الأقمشة، وأنت تشتري الأحذية، ونبيع ونتصرف، وإذا تصرفنا أوفينا هذا وأوفينا هذا، والربح بيننا. هذه شركة الوجوه.

شركة الأبدان: ما عندهم مال؛ ولكن عندهم حرفة يحترفان ويشتغلان فيشتركان في الكسب مثل العمال، عمال مثلا في البناء يشتركون مثلا في الدهان، يشتركون في البلاط، يشتركون في الكهرباء تركيب مثلا يشتركان في السباكة، كلاهما مثلا عمله مستقل، فيقولون نتقبل، هذا مثلا يروح لفلان، وهذا يروح عند فلان، وهذا يشتغل في هذه العمارة، وهذا يشتغل في هذه الفيلا، والكسب بينهم. هذه تسمى شركة الأبدان.

وكذلك في المباحات تصح في الاحتشاش مثلا يجلبون الحشيش، ويبيعونه، يحتش ويبيع، وهذا يحتش ويبيع، والربح بينهما، أو في الحطب يحتطبان مثلا أو في الصيد يصيد هذا ويبيع، ويصيد هذا ويبيع، والربح بينهما، هذه شركة الأبدان. يشتركان بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه وما يتقبلان من الأعمال، مقاولات ما يتقبلان من الأعمال.

شركة المفاوضة: وهي الجامعة لجميع ذلك، يقول: جامعة للجميع، يفوض كل منهما الآخر أنا وإياك متفاوضان نأتي بمال، ونحتطب، ونستدين، ونعمل بأبداننا، والمال بيننا، ورأس المال والكسب بيننا، متى تفسد؟ يفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، الظلم: هو أن يخون أحدهما؛ لأن كلا منهما أمين مأمون، فإذا خان أخطأ، ثم عثر عليه فسدت، حرام قرأنا الحديث « ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما »(7) .

وكذلك الغرر، إذا غرَّر بصاحبه، إذا خدعه؛ لأنه أمين. فإذا قال: أنا أحسن التصرف، أعطني مائة ألف، وسوف أربح فيها؛ لأني أحسن التصرف. ثم أخذها وأتلفها، فقال: تلفت خسرت، أليس هذا غرر به؟ وخدعه حتى أخذ ماله، فيكون آثما وله مطالبته، كأن يكون لأحدهما ربح، وقت معين وللآخر ربح وقت آخر هذا أيضا غرر فلو قال مثلا: لي ربح شهر ولك ربح شهر ما يجوز، أو مثلا: لي ربح الثياب، ولك ربح النعال ما يجوز؛ بل كلاهما الربح بينهما هذا وهذا، أو مثلا: لي ربح السلع التي نجلبها مثلا من مصر ولك ربح السلع التي نجلبها من الهند مثلا هذا غرر أيضا إذا قال مثلا: لي ربح إحدى السلعتين الثوب، ولك ربح النعل لي ربح إحدى السفرتين هذا أيضا غرر.

يقول: كما يفسد بذلك المساقاة والمزارعة. المساقاة: هي أن يكون لك شجر، ولكنك لا تقدر على سقيه، فتقول: يا فلان اسق شجري هذا ولك نصف الثمر، أو ثلث الثمر، عليك السقي وعلي الشجر، فإذا دخلها الغرر فسدت، إذا مثلا أهملها، أو خان، أو أخذ شيئا لا يستحقه.

المزارعة: أن يكون عندك أرض لا تقدر على زرعها وفيها ماكينة مثلا وهذا إنسان متفرغ يحسن يزرع، فتقول: ازرع أرضي قمحا ولك ثلث الزرع، أو ربعه، أو نحو ذلك، عليك العمل وعلَيَّ الأرض، فإذا خان مثلا وأخفى شيئا فهذه الخيانة حرام؛ لأنه أمين، فلا يحل له أن يخفي، فتفسد بذلك.

يقول رافع بن خديج رضي الله عنه: « كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما على الماديانات » بما الباء ساقطة منها « بما على الماديانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع »(8) فالماديانات هي مجاري الماء، وأقبال الجداول يعني حافات السواقي، الساقي يسمى جدول، وهو مجرى الماء، معلوم أن الزرع الذي في حافات الساقي يكون يشرب دائما فيكون نباته كثيرا، يمكن الحبة فيها مائة سنبلة، أو ستين سنبلة، فإذا قال: أجرتك هذه الأرض ولي النبات الذي على هذه الماذيانات، أو على هذه الأقبال ولي زرع هذه البقعة؛ لأنه يعلم أنها بقعة طيبة، ولك زرع الباقي، فربما يظلم أحدهما يكون مثلا العامل ما يحصل له إلا زرع ليس فيه إلا سنبل قليل، أو سنبل قصير، فذلك بلا شك غرر، فلذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مثل هذا؛ لأنه سبب في أن يهلك هذا ويسلم هذا، يسلم هذا، ويهلك هذا، ربما أن هذه البقعة التي اشترطها للعامل ما يكون فيها زرع؛ فيكون تعبه خسارة، هذا كراء الناس أولا لم يكن للناس كراء إلا هذا، فهذا الذي زجر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فأما إذا قال: ازرعها ولك النصف، ولك الثلث، من هذا، ومن هذا، ومن هذا. أليس في هذا مصلحة؟ ليس فيه ضرر، شيء معلوم، لك نصف الزرع، لك ثلثه، لك ثلثاه، يجوز ذلك، أمَّا إذا قال: لك زرع هذه البقعة ولي زرع هذه البقعة، فهذا غرر.

يقول: أما إذا كان بشيء معلوم مضمون فلا بأس به. لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر كان الصحابة منشغلين بالجهاد، لا يتفرغون لحرث، ولا لسقي، ولا لزبر، وكان اليهود أهل عمل، فقالوا: يا محمد دعنا نحرث، ونزرع، ونسقي كأجراء، ولك النصف ولنا النصف، « فصالح أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع »(9) وأقرهم فيها كعمال، وصار كل سنة يرسل من يخرص النخل، فإذا خرصه يرسل مثلا عبد الله بن رواحة فيقول: هذه النخلة تقارب خمسين صاعا. فإذا قالوا: كثير، كثير. قال: أعطونا خمسا وعشرين ولكم الباقي. فإذا كانت مثلا ستين أعطونا خمسة وعشرين، ولكم خمسة وثلاثين، فقالوا: هذا هو العدل، خرصها خمسة وعشرين، أعطونا خمسة وعشرين، ولكم الزائد إن كانت كثيرا، فإن كان يخرصها عليهم، فالحاصل أنه يأخذ منهم نصف الزرع، ونصف الثمر، ونصف الزبيب مثلا ونصف التمر، وأشباه ذلك.

المساقاة على الشجر أن يدفعها للعامل، ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الثمرة، هذه المساقاة يسلم له الشجر، ويقول: اسقه سنة، النخل ما يحمل إلا كل سنة، كذلك العنب، كذلك التوت، والرمان، وما أشبهه، اسقه ولك النصف، أو الثلث، أو الثلثان، أيها العامل، العامل يقوم عليها ويسقيها، وله جزء مشاع، مشاع يعني شائع في الثمر كله، ما يقول: لك ثمرة هذه النخلة ولي ثمرة هذه النخلة؛ لأنها ربما كانت هذه أكثر، وهذه أقل فلا بد أن يكون مشاعا معلوما من الثمرة.

أما المزارعة: فهي أن يدفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من الزرع, ازرعها ولي نصف الزرع، ولك النصف قل أو كثر، مشاع معلوم من الزرع، وعلى كل منهما ما جرت العادة به؛ العامل عليه يحرث الأرض، وعليه يسويها وعليه يصلح الجداول السواقي مثلا وعليه يخرج الماء، وعليه يجريه، وعليه الحصاد، وعليه التركيب، وما أشبه ذلك. والمالك عليه الماكينة مثلا وعليه الحيطان إذا احتاج إلى حائط، وما أشبه ذلك، على كل منهما ما جرت العادة به.

والشرط الذي لا جهالة فيه، إذا كان الشرط معلوما ليس فيه جهالة؛ فإنه جائز، ولو دفع دابته إلى آخر يعمل عليها وما حصل بينهما جاز، هذه أيضا تسمى مؤاجرة، أو سيارته قال: هذه السيارة اعمل عليها ولك - سيارة الأجرة مثلا لك نصف الدخل لتعبك ولي نصفه أجرة سيارتي مثلا يجوز، فكل هذا من الأشياء التي شرعت لأجل المصلحة بين العباد.

نقف على باب الإحياء، ونواصل -إن شاء الله- غدا فيما بعده، وإن كان المقام يستدعي طولا، ولكن نقتصر على ما يوضح المعنى -إن شاء الله- وهو واضح، والله أعلم، وصلى الله على محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

قرأنا جانبا من المعاملات، وهي: عقود المبايعات وما يتصل بها.

منها ما هو عقد لازم، ومنها ما هو عقد جائز؛ فعقد البيع لازم إلا إذا كان فيه خيار، وبعد تمام شروطه وانتفاء أسباب الخيار يصبح عقدا لازما، وسواء كان بيع منقول أو بيع عقار، وكذلك عقد الرهن لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن.

الراهن لا يقدر على استرجاعه، والمرتهن يجوز أن يسقط رهنه أو حقه من الرهن، كذلك عقد الحجر أن يحجر الإمام أو يحجر الشرع على إنسان عقد لازم.

أما عقد الوكالة فإنه عقد جائز، وكذلك عقد الشركة بأنواعها عقد جائز، وعقد المساقاة وعقد المزارعة عقد جائز يجوز لكل منهما فسخه؛ وذلك لأنه شبيه بالمصالحة إلا أن عقد المزارعة والمساقاة فيه خلاف؛ حيث هناك من يلزم الوفاء به؛ وذلك لأنه قد يترتب على فسخه ضرر على أحد المتعاقدين.

كما إذا زارعه على هذه الأرض وبعد ما زرعها وكبر الزرع طرده، والمالك قال: لا حق لك. فإنه والحال هذه يتضرر؛ حيث أشرف على هذه الثمرة ولكنهم يقولون: له أجرة مثله والزرع للمالك.

وكذلك إذا طرده في الثمر له أجرة مثله، والثمر للمالك؛ لأنه عين ماله، وأما الصلح فإنه إذا تم يصبح عقدا لازما إذا تم الصلح بين اثنين؛ فإنه يصبح عقدا لازما لا يستطيع أحدهما أن يفسخه؛ فاللازم: هو الذي يتم وإذا تم لا يتمكنون من فسخه كالنكاح. وأما الجائز فهو الذي يتمكن كل منهما من فسخه كالوكالة.

والآن نواصل القراءة:


(1) أبو داود : البيوع (3383).
(2) مسلم : البيوع (1547) , والنسائي : الأيمان والنذور (3899) , وأبو داود : البيوع (3392).
(3) البخاري : الشروط (2730) , ومسلم : المساقاة (1551) , والترمذي : الأحكام (1383) , والنسائي : الأيمان والنذور (3929) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (3008) , وابن ماجه : الأحكام (2467) , وأحمد (2/22) , والدارمي : البيوع (2614).
(4) البخاري : الوكالة (2315) , ومسلم : الحدود (1698) , والترمذي : الحدود (1433) , والنسائي : آداب القضاة (5411) , وأبو داود : الحدود (4445) , وابن ماجه : الحدود (2549) , وأحمد (4/115) , ومالك : الحدود (1556) , والدارمي : الحدود (2317).
(5) أبو داود : البيوع (3383).
(6) ��R��R����h(��R��R���R83).
(8) مسلم : البيوع (1547) , والنسائي : الأيمان والنذور (3899) , وأبو داود : البيوع (3392).
(9) البخاري : المزارعة (2328) , والترمذي : الأحكام (1383) , وأبو داود : البيوع (3408) , وأحمد (2/22).