موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الهدي والأضحية والعقيقة - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب الهدي والأضحية والعقيقة

باب الهدي والأضحية والعقيقة

قال -رحمه الله-: تقدم ما يجب من الهدي وما سواه سنة وكذلك الأضحية والعقيقة، ولا يجزئ فيها إلا الجزع من الضأن، وهو ما تم له نصف سنة، والثني من الإبل ما له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: « أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكبيرة التي لا تنقي »(1) صحيح رواه الخمسة .

وينبغي أن تكون كريمة كاملة الصفات، وكلما كانت أكمل فهي أحب إلى الله وأعظم لأجر صاحبها.

وقال جابر: « نحرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة »(2) رواه مسلم، وتسن العقيقة في حق الأب عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة.

قال -صلى الله عليه وسلم-: « كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى »(3) صحيح رواه الخمسة، ويأكل من المذكورات ويهدي ويتصدق، ولا يعطي الجزار أجرته منها، بل يعطيه هدية أو صدقة.


لم يتكلم المؤلف عن الهدي، وقد كان العرب قبل الإسلام يهدون إلى البيت إذا توجه أحدهم إلى البيت أهدى معه بعضا من بهيمة الأنعام، وجعلها هدية للبيت ولسكان البيت ولعمار البيت الحرام، وبقيت هذه سنة، يعني: أنها سنة باقية قبل الإسلام وبعده، والدليل على سنيتها الكتاب والسنة.

فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ (4) دل على أنهم كانوا يهدون، وأنه لا يجوز أن تستحل الهدي ولا تستحل القلائد، الهدي هو أنه إذا توجه إلى البيت عزل معه بعضا من ماله إما من إبل أو بقر أو غنم، ثم يشعر الإبل ويقلدها، الإشعار هو أن يشق صفحة سنامها حتى يخرج منها دم ثم يأخذ من وبرها من ذروة السنام وبرا ويبله حتى يحمر ثم يعقده في ذروة السنام علامة على أنها مهداة إلى البيت، حتى لا يتعرض لها أحد.

وكذلك التقليد. .. يعمد إلى حبال من وبر أو من شعر ثم يربطها في رقابها، وقد يعلق في الرقبة نعلين، كل ذلك ميزة لها؛ فلذلك حرم الله الاعتداء عليها، ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ (4) يعني المشاعر التي تقام فيها المناسك، ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ (4) لا تستحلوه ﴿وَلَا الْهَدْيَ (4) الذي يهدى إلى البيت، إذا رأيت هديا مهدى إلى البيت عرفته بأنه مشعر بهذا الشعار، وأنه مقلد فلا تتعرض له، لا يجوز أن تركبه ولا أن تحلبه، بل اترك حلابه لولده، ولا أن تذبحها ولا أن تغتصبها، ولا أن تتملكها؛ لأنها مهداة إلى البيت لتعظيم حرمات الله تعالى .

ولا يجوز استحلال القلائد، لا يجوز لأحد أن يحل القلادة التي في رقبتها؛ وذلك لأنها ميزة لها وعلامة، والآية الثانية قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ (5) قياما للناس بمعنى أنهم يحترمونها، إذا رأوا الهدي احترموه، إذا رأوا القلائد احترموها فلا يتعرضون لها، ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم-« لما توجه إلى »(6)مكة في سنة ست ساق معه الهدي وقلدها، ولما وصل إلى الحديبية صده المشركون ولما صدوه ومنعوه أنزل الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ(7) صدوا الهدي وردوه أن يبلغ محل ذبحه.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (8) أي: محل ذبحه، وكذلك في عمرة القضية، ساق النبي -صلى الله عليه وسلم- معه هديا سنة سبع ولما اعتمر نحره وأباح من يأكل منه ومن يأحذ منه وكذلك لما حج أبو بكر أرسل معه النبي -صلى الله عليه وسلم- هديا وبقي بالمدينة ولم يحرم عليه شيء كان حلالا له، وذلك الهدي غنم، تقول عائشة: « أهدى النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة غنما »(9) وتقول:« فتلت قلائد هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- بيدي فقلدها وأرسلها وأقام بالمدينة ولم يحرم عليه شيء كان له حلالا »(10) وفي حجة الوداع ساق معه من المدينة سبعين بدنة وقلدها، وكذلك جاء علي بثلاثين بدنة من اليمن، وتمت مائة بدنة، ولما قيل له لماذا لم تتحلل قال: "إني قلدت هديي ولبدت راسي فلا أحل حتى أنحر" فبقي على إحرامه حتى نحر الهدي يوم النحر، إن هذا الهدي كانوا يهدونه كثيرا ولكن في هذه الأزمنة قل من يهديه.

وذلك لأنهم رأوا كثرة الذبائح التي هي ذبائح الفدية، ورأوا أنها أكثرها لا يستفاد منه وكثير منها لا يستفاد منه، فرأوا أنه لا حاجة إلى الهدي، لكن يجوز الإهداء في غير وقت الحج، فمثلا إذا اعتمر إنسان في رمضان وساق معه خمس بدن أو بدنة، أو أربعا، أو عشرا وقلدها، فإذا انتهى من عمرته وقصر أو حلق ذبحها وتركها لمساكين الحرم فله ذلك؛ ففي حديث في حجة الوداع أنه -صلى الله عليه وسلم- لما نحر تلك البدن قال:« من شاء اقتطع »(11) يعني: ترك لهم الحرية، يأتي هذا فيقتطع قطعة من الفحذ، ويقتطع هذا قطعة من الظهر، ويقتطع هذا قطعة من البطن. .. وهكذا حتى اقتطعوها.

يقول علي - رضي الله عنه -:« أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدْنِهِ وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين »(12) فقسمها كلها على المساكين، لحومها معلوم أنها تؤكل، جلودها تدبغ وتستعمل، جلالها كذلك أيضا تستعمل، وكانوا يجعلون على ظهر البعير جلالا؛ حتى لا تؤذيه الطيور التي تقع على ظهره وتنقره، فتصدق حتى بجلالها.

يقول: تقدم ما يجب من الهدي. .. الذي تقدم هو هدي التمتع وهدي القران أنه واجب، وكذلك أيضا ما يسمى: بدم الجبران وهو الذي يترك واجبا، أن عليه دم يسمى دم الجبران.

وكذلك أيضا فدية المحظور، من فعل محظورا من محظورات الإحرام واختار أن يفدي بدم فيسمى فدية المحظور، وكذلك تقدم أيضا جزاء الصيد، المذكور في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (13) هذا هو الذي تقدم، وهو واجب، وما سواه سنة، يعني الهدي الذي يتبرع به ويتطوع به سنة، وكذلك الأضحية سنة، ليست واجبة ولكنها فاضلة، وكذلك العقيقة سنة ليست واجبة وإن كان بعض العلماء قد أوجبها كما يأتي.

ثم يقول: لا يجزئ فيها إلا الجزع من الضأن والثني من غيره، فالجزع من الضأن هو الذي تم له ستة أشهر، يسمى جذعا؛ لأن ثديته قد بدت، الثنية الأولى أو الثانية من تحت، وأما الثني من غيره، من الإبل ما تم له خمس سنين؛ لأنه في تلك الحال يتم نمو بدنها، أما قبل ذلك فإنها تكون صغيرة، وإن كانت أطيب للحم ولكن لصغرها تقل قيمتها ويقل لحمها؛ فلذلك إذا أراد أن تكون هديا أو تكون أضحية أو نحو ذلك فإنه لا بد أن تتم خمس سنين.

ومن البقر ما تم له سنتين، ما تم سنتين؛ لأنها حينئذ تكون قد تمت وقاربت أنها تلد وأنها يكون فيها لبن وأنها تكون قيمتها كاملة، ومن المعز ما تم له سنة؛ لأنها قبل ذلك تكون صغيرة وقليلة اللحم وقليلة القيمة.

ثم ذكر ما لا يجزي، تكلم العلماء كما تسمعون في خطب العيد على ما لا يجزي، وذكروا أشياء كثيرة، فهذا الحديث ذكر فيه أربعة، يقول -صلى الله عليه وسلم-:« أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها. .. »(14) وهي التي ذهب ضوء بصرها فلا تبصر إلا بعين واحدة، وبطريق الأولى إذا ذهبت عيناها فإنها لا تجزي أما إذا كان في عينها بياض لا يمنع النظر فإن ذلك لا يردها.

وكذلك المريضة بنوع من المرض، أنواع المرض كثيرة، ولكن إذا عرف أنها مريضة فإنها لا تجزي؛ لأنها تقل قيمتها، وكذلك أيضا لا يرغب في لحمها.« العرجاء البين ظلعها »(15) وعرفت بأنها التي لا تطيق المشي مع الصحاح، إذا مشت مع الغنم تخلفت ولم تدركهن، فهي عائبة، فيها هذا العيب . « الكبيرة التي لا تنقي »(16) ويعبر عنها بالهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها من الكبر، العادة أنها إذا كبرت فإنها تتآكل ثناياها، الثنايا التي في مقدم فمها، فلا يبقى فيها إلا شيء يسير، فيقال لها: هتماء. ذهبت ثناياها من أصلها.

وقوله:« لا تنقي »(17) أي ليس بها نقي يعني: مخ، وعبر بعضهم بالهزيلة التي لا مخ فيها، وهي نوع آخر ولو كانت لم تذهب ثناياها، ولو كانت غير كبيرة إذا لم يكن فيها مخ ولا نقي فإنها لا تجزي.

واختلف في غير ذلك مثل: ما قطع من أذنها أكثر من النصف أو ما قطع من قرنها أكثر من النصف، وتسمى العضباء، ورد فيها أحاديث، ولكن كأن أكثر العلماء لم يصححوا تلك الأحاديث وقالوا: لأن هذا لا يقلل من قيمتها.

وكذلك المقابلة والمدابرة وهي التي شقت أذنها من أمام أو من خلف، إن شقا مستطيلا أو شقا عرضيا، ذهب بعضهم إلى أنها لا تجزئ؛ لأن هذا يصح عيبا، ولكن لما لم يكن يزيد في القيمة أو ينقص القيمة رأى بعضهم أنه لا أهمية له وأن الأحاديث التي فيه لا تخلو من مقال، وبهذه المناسبة نبحث في قطع آذان الدواب الموجودة الآن. .. ما حكمه ؟

تشاهدون كثيرا من الأغنام المستجلبة من سوريا ومن غيرها تجب آذانها مع النصف ومع الثلثين، ويدعون أن ذلك زينة، وأن هذا يضاعف قيمتها، بدلا من أن تكون قيمتها مثلا خمسمائة تصير قيمتها ألفا أو ألفين، أو أكثر أو أقل.

نقول: أرى أن ذلك من المثلة، لكن يذكر بعضهم أن آذانها طويلة، وأنها من طولها تتثنى أمام فمها عند الرعي، فتردها عن المرعى مثلا، أو عن الشرب، هكذا يعللون، فإذا كان كذلك فيقطع منها شيء يسير، بحيث لا يمنعها. .. حتى لا يمنعها من الشرب أو من الرعي، ولون من الدواب تستطيع أن ترفع آذانها عند الشرب ونحوه، إن هم قطعوها استئصالا أو قطع النصف أو الثلثين فإن ذلك مثلة قد يدخل في قول الله تعالى عن إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ (18) وهذه الآية فسرت بما كانوا يفعلونه علامة على البحائر والسوائب ونحوها.

يستحب وينبغي في الأضاحي اختيار الأفضل أن تكون كريمة كاملة الصفات، يستحب استسمانها واستحسانها والمغالاة في أثمانها؛ لأن ذلك دليل على أنه جادت نفسه بها لله تعالى ولو كانت رديئة الثمن، وكلما كانت أكمل فهي أحب إلى الله تعالى وأعظم لأجر صاحبها؛ وذلك:

أولا: أنها تؤكل.

وثانيا: أنها تدل على طيب نفسه.

ورد فيها بعض الأحاديث الكثيرة تذكر في خطب العيد، ومنها: الحديث الذي قالوا فيه: « يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم. قالوا فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة. قيل والصوف؟ قال: وبكل شعرة من الصوف حسنة. »(19) وكذلك الحديث الذي يقول فيه:«إن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع في الأرض فطيبوا بها نفسا. وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وبأظلافها » يعني يأتي بها كدليل أو شاهد على أنه قد تقرب إلى الله تعالى بها.

في حديث جابر يقول:« نحرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة »(2) ؛ وذلك لأن المشركين لما صدوهم عن البيت ولم يكملوا عمرتهم كان عليهم هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (8) فاشتروا أو نحروا ما معهم من الهدي، فنحروا البدنة عن سبعة والمائة عن سبعمائة. .. هكذا، وكذلك البقرة، البقرة عن سبعة، وإن كانت البدنة أغلى ثمنا، ولكن البقرة أيضا ذات لحم كثير أكثر أو قريبا من البدنة.

وأما الشاة الواحدة من الغنم فإنها تذبح عن واحد، ولكن ثبت في حديث جابر وحديث البراء وغيره أنهم كانوا يذبحون الشاة عن الرجل وعن أهل بيته، تجزئ الشاة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا كثيرا، وكذلك أيضا كثر الكلام في الذبح عن الأموات، الأضحية عن الميت هل هي مشروعة أم غير مشروعة ؟

الأصل والآثار والأحاديث أنها عن الرجل وعن أهل بيته، ولكن لما كانت صدقة وكان الميت يصله أجر الصدقة وصل إليه أجر الأضحية، ولما ورد فيها أن بكل شعرة حسنة، وأنه يأتي بقرونها وبأظلافها، وأنه يسن استحسانها واستسمانها كان فعلها عن الميت صدقة فيصل إليه أجرها؛ ولأجل ذلك كان كثير من الناس يجعلون في وصاياهم أضاحي، فإذا أوصى قال: اذبحوا لي أضحية عني وعن أبويّ مثلا، أو أضحيتين أو نحو ذلك، فكان ذلك مشروعا ذكره الفقهاء، فذكره شيخ الإسلام في بعض كتبه، وذكره صاحب الكشاف (كشاف القناع) وهو أوسع المراجع لكتب الحنابلة وكذلك شرح المنتهى، فانتشر وكثر مع أن الأفضل أن الإنسان يضحي عن نفسه وعن أهل بيته.

قوله يخص الأضحية عن والديه. .. جاء إذن ولكن هو وأهل بيته أولى أن يضحي عنهم، وله أن يشرك فيه أبويه أو غيرهم أن يقول هذه أضحية عني وعن أهل بيتي، أو هذه أضحية عن والدي أو أمواتي أو نحو ذلك، وقد كثر الخوض في هذه المسألة وتكلم فيها أو ألف فيها ابن محمود رسالة، فيها الإنكار على الذين يضحون عن الأموات وينسون أنفسهم، وكأنه يميل إلى أنها ليست مشروعة عن الميت.

ثم رد عليه المشايخ، رد عليه شيخنا الشيخ: عبد الله بن حميد -رحمه الله- برسالة مطبوعة: ( غاية المقصود في التنبيه على أوهام ابن محمود )، ورد عليه أيضا زميلنا الشيخ علي بن فواز -رحمه الله-، ورد عليه ردود مختصرة الشيخ إسماعيل الأنصاري، والشيخ عبد العزيز بن رشيد، وتعقبه ابن رشيد وتعقبه أيض الأنصاري، وذلك تكلف، ولكن يعني إكثار الناس من الأضاحي عن الأموات وترك الأحياء ليس بسنة إلا إذا كانت وصية؛ فإن الوصايا لا بد من تنفيذها.

بعد ذلك قال: وتسن العقيقة في حق الأب … العقيقة هي الذبيحة تذبح عن المولود، سنة وهي في حق الأب لا في حق الأم؛ وذلك لأن الأب هو الذي ينسب إليه المولود، وأيضا هو الذي ينفق على أولاده، فيكون هو الذي يعق عنهم، كانت العقيقة هكذا اسمها في الجاهلية، فبقيت على هذا الاسم، لكن ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن العقيقة فقال: « لا أحب العقوق »(20) فكأنه كره الاسم، ثم قال:« من أحب أن ينسك على ولده فليفعل »(21) فسماها نسيكة.

ولكن ورد حديث أو أحاديث في تسميتها عقيقة، ومنها الحديث المشهور أنه -صلى الله عليه وسلم- « أمر بالعقيقة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة »(22) الغلام يعني الذكر يذبح عنه شاتان مكافئتان، والجارية الأنثى يكتفى بشاة واحدة، والسنة أن تكون كاملة مجزئة في الأضاحي سالمة من العيوب.

ثم ذكر هذا الحديث حديث سمرة: « كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى »(23) والحديث صححه الترمذي ورواه الخمسة، وهو الحديث الذي قالوا إن الحسن سمعه من سمرة.

أخذ بعضهم منه أنها واجبة؛ لأنه قال مرتهن كأنه رهينة، فيدل على أنه ملزم بأن تذبح عنه، فإذا لم تذبح عنه بقي مرهونا، فلا بد من فك الرهن. « مرتهن بعقيقته »(24) .

والسنة أن تذبح يوم سابعه أي: بعد أسبوع، وإذا لم يتيسر فبعد أسبوعين أي في اليوم الرابع عشر، وإذا لم يتيسر فبعد ثلاثة أسابيع أي: في اليوم الحادي والعشرين، ورد ذلك عن عائشة، فإذا لم يتيسر في الثلاثة أسابيع بعدها ذبحها متى تيسر فلا تعتبر السبعة بعد ذلك بل متى تيسرت ولو بعد شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين.

وأما حلق رأسه فثبت أنه عليه السلام حلق رأس الحسن وتصدق بوزنه ورِقا أو قال لأمه: « تصدقي بوزنه ورِقا يعني فضة »(25) .

فيحلق رأسه حلقا رفيقا؛ لأنه قد لا يتحمل إذا كان ذكرا ويسمى في ذلك اليوم، ويجوز تسميته قبل السابع، ثبت أنه عليه السلام أنه قال: « إنه ولد لي الليلة ولد وسميته باسم أبي إبراهيم »(26) فسماه بعد ولادته فورا، ويجوز أيضا تأخير الاسم عن اليوم السابع، والحاصل أن العقيقة ذهب بعضهم إلى وجوبها لهذا الحديث، ولكن الصحيح أنها سنة، ذكرنا قوله « من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل »(21) .

يقول: ويأكل من المذكورات ويهدي ويتصدق، هذه السنة، السنة أن يأكل منها ويهدي ويتصدق، الأكل له ولأهل بيته والهدية لأصدقائه وجيرانه، والصدقة على المساكين والمستضعفين، الهدية لو مثلا جعلها كوليمة ودعا إليها رفقاءه وأصحابه، كان ذلك أنفع وأشهر؛ لأن في ذلك إحياءا للسنة، ولا يعطي الجزار أجرته منها، ذكرنا قول علي رضي الله عنه: « أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدْنِهِ وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين ولا أعطي في جزارتها شيئا منها وقال: نحن نعطيه من عندنا »(12) يعني الجزار الذي يذبحها ويسلخها ويوزعها ويقسم لحمها لا يعطى أجرته منها، بل يعطى من غيرها، وإن أعطاه منها فينويه صدقة إن كان من أهل الصدقة، أو هدية إن لم يكن من أهل الصدقة، يأخذ منها كهدية. انتهى هذا الباب. بعده نقرأ في البيوع ‍! .


(1) الترمذي : الأضاحي (1497) , والنسائي : الضحايا (4369) , وأبو داود : الضحايا (2802) , وابن ماجه : الأضاحي (3144) , وأحمد (4/300) , ومالك : الضحايا (1041) , والدارمي : الأضاحي (1950).
(2) مسلم : الحج (1318) , والترمذي : الأضاحي (1502) , والنسائي : الضحايا (4393) , وأبو داود : الضحايا (2807) , وابن ماجه : الأضاحي (3132) , وأحمد (3/396) , ومالك : الضحايا (1049) , والدارمي : الأضاحي (1955).
(3) الترمذي : الأضاحي (1522) , والنسائي : العقيقة (4220) , وأبو داود : الضحايا (2837) , وابن ماجه : الذبائح (3165) , وأحمد (5/17) , والدارمي : الأضاحي (1969).
(4) سورة المائدة: 2
(5) سورة المائدة: 97
(6) البخاري : الشروط (2734) , والنسائي : مناسك الحج (2771) , وأبو داود : الجهاد (2765) , وأحمد (4/323).
(7) سورة الفتح: 25
(8) سورة البقرة: 196
(9) البخاري : الحج (1701).
(10) البخاري : الحج (1699) , ومسلم : الحج (1321) , والنسائي : مناسك الحج (2783) , وأبو داود : المناسك (1757) , وابن ماجه : المناسك (3095) , وأحمد (6/238) , ومالك : الحج (762).
(11) أبو داود : المناسك (1765) , وأحمد (4/350).
(12) البخاري : الحج (1717) , ومسلم : الحج (1317) , وأبو داود : المناسك (1769) , وابن ماجه : المناسك (3099) , وأحمد (1/123).
(13) سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:95
(14) الترمذي : الأضاحي (1497) , والنسائي : الضحايا (4370) , وأبو داود : الضحايا (2802) , وابن ماجه : الأضاحي (3144) , وأحمد (4/300) , ومالك : الضحايا (1041) , والدارمي : الأضاحي (1950).
(15) الترمذي : الأضاحي (1497) , والنسائي : الضحايا (4370) , وأبو داود : الضحايا (2802) , وابن ماجه : الأضاحي (3144) , وأحمد (4/301) , ومالك : الضحايا (1041) , والدارمي : الأضاحي (1950).
(16) الترمذي : الأضاحي (1497) , والنسائي : الضحايا (4370) , وأبو داود : الضحايا (2802) , وابن ماجه : الأضاحي (3144) , وأحمد (4/300) , ومالك : الضحايا (1041) , والدارمي : الأضاحي (1950).
(17) الترمذي : الأضاحي (1497) , والنسائي : الضحايا (4370) , وأبو داود : الضحايا (2802) , وابن ماجه : الأضاحي (3144) , وأحمد (4/300) , ومالك : الضحايا (1041) , والدارمي : الأضاحي (1950).
(18) سورة النساء: 119
(19) ابن ماجه : الأضاحي (3127) , وأحمد (4/368).
(20) النسائي : العقيقة (4212) , وأبو داود : الضحايا (2842) , وأحمد (2/193).
(21) النسائي : العقيقة (4212) , وأبو داود : الضحايا (2842) , وأحمد (2/193).
(22) الترمذي : الأضاحي (1516) , والنسائي : العقيقة (4218) , وأبو داود : الضحايا (2835) , وابن ماجه : الذبائح (3162) , والدارمي : الأضاحي (1966).
(23) الترمذي : الأضاحي (1522) , والنسائي : العقيقة (4220) , وأبو داود : الضحايا (2837) , وابن ماجه : الذبائح (3165) , وأحمد (5/7) , والدارمي : الأضاحي (1969).
(24) الترمذي : الأضاحي (1522) , والنسائي : العقيقة (4220) , وأبو داود : الضحايا (2837) , وابن ماجه : الذبائح (3165) , وأحمد (5/17) , والدارمي : الأضاحي (1969).
(25) أحمد (6/392).
(26) مسلم : الفضائل (2315) , وأبو داود : الجنائز (3126) , وأحمد (3/194).