موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أركان الحج وواجباته - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - أركان الحج وواجباته

أركان الحج وواجباته

فقال -رحمه الله-: وكان -صلى الله عليه وسلم- يفعل المناسك، ويقول للناس: « خذوا عني مناسككم »(1) فأكمل ما يكون من الحج، الاقتداء فيه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه -رضى الله عنهم- ولو اقتصر الحاج على الأركان الأربعة التي: هي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي، والواجبات: التي هي الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أيام التشريق بمنى، ورمي الجمار والحلق، أو التقصير لأجزأه ذلك.

والفرق بين ترك الركن في الحج، وترك الواجب أن تارك الركن لا يصح حجه، حتى يفعله على صفته الشرعية، وتارك الواجب حجه صحيح، وعليه إثم ودم لتركه، ويخير من يريد الإحرام بين التمتع، وهو أفضل، والقران والإفراد، فالتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه، وعليه هدي إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، والإفراد هو أن يحرم بالحج من الميقات مفردا، والقران أن يحرم بهما معا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها، قبل الشروع في طوافها، ويضطر المتمتع إلى هذه الصفة، إذا خاف فوات الوقوف بعرفة إذا اشتغل بعمرته، وإذا حاضت المرأة، أو نفست، وعرفت أنها لا تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، والمفرد والقارن فعلهما واحد، وعلى القارن هدي دون المفرد.


في هذا تكميل لما في المناسك، مما هو توضيح لما مر في حديث جابر، أو إضافات وتكميلات. المناسك التي يفعلها الحاج، أو المعتمر تنقسم إلى:

أركان، وواجبات، وسنن، فلا بد أن يأتي بالأركان، ولا يتم حجه، أو عمرته إلا بها، وأما الواجبات، فإذا تركها، فإنها تجبر بدم، وأما السنن، فلا شيء فيها، لا شيء في تركها، لكن الإتيان بها والمحافظة عليها أكمل، وأكثر ثوابا، فالأركان أربعة - أركان الحج كما هو معروف-: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت الذي هو طواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة، هذه عند الإمام أحمد كلها أركان، وعند غيره فيها خلاف.

بالنسبة إلى الواجبات سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل، والمبيت بمنى أيام منى، ورمي الجمار، والحلق، أو التقصير، وطواف الوداع هذه الواجبات أما بقية المناسك، فإنها سنن. وإن كان بعض العلماء جعل منها ما هو أركان، فالمبيت بمنى ليلة عرفة سنة عندنا، وهناك من أوجبه، والتلبية سنة عند أكثر العلماء، وهناك من جعلها ركنا، والأدعية، وكذلك الأذكار سنن.

وكذلك في الطواف فيه سنن -مثلا- الدعاء فيه واستلام الحجر، أو تقبيله من السنن، وكذلك استلام الركن اليماني من السنن، واختلف في ركعتي الطواف عند الإمام أحمد -أيضا- أنها من السنن، وجعلها تابعة للطواف لا بد أن يكمل حجه بالأركان والواجبات.

يقول: لو اقتصر الحاج على الأركان الأربعة: وهي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي، وعلى الواجبات: وهي الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، والمبيت بمنى ليالي التشريق، ورمي الجمار والحلق، أو التقصير؛ وطواف الوداع ما ذكره، ولكنه واجب عندنا.. لأجزئه ذلك، يعني: ترك بقية الأفعال: ترك الرمل مثلا، وترك الاضبطاع، وترك التلبية، وترك الدعاء، وترك استلام الحجر، أو نحوه، وترك الصلاة خلف المقام، وترك الرقي على الصفا، والرقي على المروة، وترك رفع اليدين والدعاء، وما أشبه ذلك يعتبر أن هذه من السنن والمكملات.

الفرق بين ترك الركن في الحج، وترك الواجب: تارك الركن لا يصح حجه، حتى يفعله على صفته الشرعية، وتارك الواجب حجه صحيح وعليه إثم وعليه دم لتركه، فالذي يترك الإحرام ما دخل في النسك؛ لأن الإحرام هو النية، هو نية النسك، فإذا وقف بعرفة بغير إحرام لم يكن حاجا، لا بد أن يكون محرما، والذي يحرم للحج، ولكن لا يطوف بعرفة ما يتم حجه. ومعناه أنه -مثلا- لو بقي في المزدلفة، أو بقي في منى يوم عرفة، ولم يصل إلى عرفة، ولم يقف فيها، ولو قليلا -يوم عرفة وليلة النحر- لم يتم حجه ورد الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-« الحج »(6) عرفةبمعنى أن معظم الحج وركن الحج، الذي يفوت هو يوم عرفة، وأما البقية، فإنها لا تفوت الطواف بالبيت، الذي هو طواف الزيارة، أو طواف الإفاضة ركن، ولكنه لا يفوت إن طافه في يوم العيد، فهو أفضل، وأن طافه بأيام التشريق جاز، وإن طافه بعد ذلك، ولو -مثلا- في اليوم الخامس عشر، أو العشرين أدرك ذلك. السعي -أيضا- واجب على القول الصحيح، ومع ذلك لا يفوت، يمكن إدراكه، ومحله بعد الطواف السعي، لا بد أن يكون بعد الطواف المشروع، هذا هو القول الراجح.

والصحيح -أيضا- أنه لا يقدم على الطواف إلا للجاهل، إذا كان ناسيا، أو جاهلا، فسعى قبل الطواف، فإن ذلك يجزئه للحديث الذي ورد فقال: « لم أشعر، بل سعيت قبل أن أطوف، قال: لا حرج »(2) .

والجمهور وجمهور الصحابة اتبعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنه قدم الحج، قدم في الحج وفي العمرة الطواف، بدأ بالطواف، فلما كمله أتى بعده بالسعي قالوا: لأن الطواف هو الأصل، وهو الذي أكثر الله من ذكره قال -تعالى- ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (3) وقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ (4) وقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ (5) منها تحية مكة الطواف بالبيت، فيبدأ به.

لذا نعتبر أن من قدم السعي، وهو عارف بأنه لا يقدم، فإنه يعيد السعي بعد الطواف، كذلك معلوم أن السنن مكملات كما ذكرنا، والواجبات مكملات، ولكن السنن، ولا شيء فيها، والواجبات تجبر بدم، الذي يحرم بعدما جاوز الميقات، يعتبر قد ترك نسكا، لماذا حددت هذه المواقيت؟ لماذا نص عليها؟

ليكون الإحرام منها، فإذا جاوزها، وأحرم بعدها، فقد ترك نسكا، ومن ترك نسكا، فعليه دم.

كذلك لو انصرف من عرفة قبل الغروب لخالف السنة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بقوا بعرفة، حتى غربت الشمس، فإذا انصرف قبل الغروب، فقد خالفهم، فيعتبر قد ترك واجبا، فعليه دم.

كذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه باتوا بالمزدلفة ليلة النحر، حتى أصبحوا إلا أنه رخص للضعفة والظعن أن ينصرفوا قبله، في آخر الليل بعدما غرب القمر، رخص لهم، وذلك قبل الفجر بساعة، أو بساعتين حتى يرموا قبل حطمة الناس، هذا دل على أن المبيت يكون إلى نصف الليل، أو ثلثي الليل، فمن نفر في النصف الأخير من الليل، فقد أدى الواجب، ومن انصرف قبل أن ينتصف الليل، فقد ترك الواجب.

كذلك أيام منى الإقامة في منى من شعائر الحج، ومن المشعر، فلا بد أن الحجاج يقيمون في منى أيام منى، على الأقل يومين لقوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى (13) .

فالذين لا يقيمون بمنى في أيام منى، قد تركوا واجبا من الواجبات، فعليهم دم، واختلف في القدر المجزئ، فقال بعضهم: الليل يكفي، والأصل أن منى مقر الحجاج ليل، ونهارا، ولا يخرجون منها إلا لحاجة كالذين يذهبون للطواف، ثم يرجعون، أو الذين لهم عذر كالسقاة والرعاة، فقد رخص النبي -صلى الله عليه وسلم- للرعاة أن يذهبوا عند الإبل، عند الرواحل يرعونها، وأسقط عنهم المبيت، ورخص للسقاة الذين يسقون الحاج من زمزم، رخص لهم أن يبيتوا بمكة، ويتركوا المبيت بمنى؛ لحاجة الحاج إلى من ينزع لهم الماء، فدل على أنه تختص الرخصة بمن له عذر، فأما من لا عذر له، فلا بد أن يقيم بمنى ليلا ونهارا، هذا هو الأرجح، ولكن الواجب يتأتى بالليل، أن يكون في الليل في منى، وإذا امتلأت منى، فإن لهم أن ينزلوا في أقرب ما يجدونه منها، أقرب شيء من منى، فإذا امتلأت نزلوا في أدنى المزدلفة، وجاء بعدهم، فنزل بعدهم وجاء من بعدهم، فنزل وراءهم، ولو إلى نصف مزدلفة ذلك؛ لأنهم لم يجدوا مكانا فجلسوا، أو سكنوا في أقرب ما يمكنهم، بمنزلة ما لو امتلئ المسجد يوم الجمعة، فإن الذين يأتون يصفون عند الأبواب، ولا يصفون بعيدا ولو سامعين الصوت، بل يصفون قريبا قريبا، فهكذا إذا امتلأت منى يصفون، أو يسكنون في أقرب ما يمكنهم بهذه.

كذلك -أيضا- رمي الجمار من الواجبات أيضا، فيوم النحر: ذكر في حديث جابر، أنه رمى جمرة العقبة، ولم يرم غيرها في ذلك اليوم، ورماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، أما الأيام الثلاثة لمن لم يتعجل، فإنه لا بد من رمي ثلاث جمرات، كل واحدة بسبع ووقت الرمي يبدأ من الزوال، أي بعد زوال الشمس، وينتهي على الصحيح بغروب الشمس؛ وذلك لأن غروب الشمس يبدأ بها يوما آخر، فيكون هذا هو وقت الرمي، يرمي الجمرات مرتبا، يبدأ بالصغرى بسبع حصيات، ثم بالوسطى، ثم بالكبرى هذا في اليوم الأول، وهكذا في الثاني، وهكذا في الثالث إن لم يتعجل، ورخص بعض مشياخنا في الرمي ليلا امتدادا لليوم الذي قبله، واستدلوا بالرواية التي قال فيها أحد الرواة: « رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج »(7) وإن كان الشراح قالوا: إنه في يوم العيد، والمراد بالمساء آخر النهار، ولكن حملهم على ذلك المشقة، فإذا لم يتمكن يوم العيد أن يرمي في النهار، ورمى في الليل، بعدما غربت الشمس أجزأه، وكذلك باليوم الحادي عشر إذا لم يتمكن، واستمر إما لزحام، وإما لانشغال، وإما لتعب، ورمى في الليل أجزأه.

أما اليوم الثاني عشر، فإن كان ممن يريد أن يتعجل، فلا بد أن يرمي قبل الغروب، ويخرج من منى، قبل أن تغرب الشمس، أما إذا كان لا يتعجل، بل يقيم في اليوم الثالث عشر، فله أن يرمي ليلا، أي في ليلة الثالث عشر، أما اليوم الثالث عشر، فإنه يرمي في الوقت المحدد: من الزوال إلى الغروب، ولا يؤخره إلى الليل؛ وذلك لأن الليل به تنتهي أيام التشريق، وبه تنتهي أيام الحج، وأيام الموسم.

أما الحلق، فإنه يعتبر عبادة وقربة من القربات، ولو أنه إزالة شعر، ولو أنه فعل للنظافة، ولكنه قربة من العبادات؛ فلأجل ذلك لا بد منه، والحلق أفضل من التقصير، فقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثا والمقصرين مرة؛ وذلك لأن الحلق أتم في الامتثال، وإذا قيل بالتقصير، التقصير لا بد أن يعم فيها الرأس، لا بد أن يدور على الرأس، ويأخذ ما أمكنه من شعر الرأس، فإن كان شعره طويلا جمعه، وأخذ من رأسه من هنا ومن هنا، وإن كان قصيرا استدار عليه بالمقراض، وأخذ منه من كل جوانبه، حتى يحتاط، ويعلم أنه قد أخذ منه كله.

طواف الوداع: واجب، ولكنه يسقط عن الحائض والنفساء؛ وذلك للمشقة، وأما غيرهما، فلا يسقط، ومن تركه، فعليه دم كسائر الواجبات، ويفعل عند العزم على السفر، ويكون هو آخر أعمال الحج، ولا يقيم بعده، إن أقام بعده يوما، أو ليلة، فلا بد من إعادته، وكذلك إذا اتجر بعده إذا باع واشترى واستربح، فإنه يعيده. كذلك إذا خرج، وتذكر هو في الطريق، وأمكنه أن يرجع، فإنه يرجع، ما لم تشق عليه الرجعة، يجوز له أن يرجع لطواف الوداع، ولو من الرياض فضلا عن جدة والمدينة والطائف، يعني: المشقة كانت موجودة، ولكنها خفت في هذه الأزمنة، فسهل الرجوع، لكن لو رجع إلي بلاد خارج المملكة، وشق عليه الرجوع، فإن عليه دم.

يقول: الفرق بين ترك الركن، وترك الواجب : أن تارك الركن لا يصح حجه، حتى يفعله على صفته الشرعية، وتارك الواجب حجه صحيح، وعليه إثم؛ يعني: للنقص ودم لتركه، يقول: عند الميقات يخير من يريد الإحرام بين التمتع والقران والإفراد، واختيار المؤلف: التمتع، وهو أفضل يقول الإمام أحمد: عندي فيه ثمانية عشر حديثا صحاحا حسانا، يعني: في التمتع، أو في اختياره، أو في فسخ الحج إلى العمرة، وأنه آخر الأمرين.

صفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه، وعليه دم، إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، هذه صفه التمتع، فلا بد من شروط.

الشرط الأول:

أن تكون عمرته في أشهر الحج " شوال وذو القعدة وعاشرا من ذي الحجة" فأن كانت عمرته في رمضان، فلا يسمى متمتعا.

الشرط الثاني:

أن يحج في ذلك العام، فلو اعتمر مثلا في ذي القعدة، أو في أول ذي الحجة، ولكنه ما تيسر له الحج، ومنعه مانع، فلا دم عليه ولا يسمى متمتعا.

الشرط الثالث:

ألا يسافر بين الحج والعمرة مسافة طويلة، يعني: سفر قصر، فلو -مثلا- أنه اعتمر في شهر ذي القعدة، ثم رجع إلى أهله في الرياض مثلا، أو في القرى البعيدة، ثم رجع إلى مكة قرب الحج، وأحرم بالحج، فلا يسمى متمتعا.

الشرط الرابع:

ألا يكون من أهل مكة، ولو اعتمر في أشهر الحج لقوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (8) هذه شروط وجوب الدم، أن تكون عمرته في أشهر الحج، أن يحج من عامه، أن لا يسافر بينها مسافة القصر، ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، فهذه إذا تمت الشروط، فهو متمتع، وعليه دم، وإذا قلت: لماذا سمي متمتعا؟

التمتع في اللغة: الانتفاع، سمي متمتعا؛ لأنه انتفع بأي شيء انتفع؟ انتفع بحصول نسكين في سفر واحد، حيث سقط عنه أحد السفرين، الأصل -مثلا- أن يسافر للعمرة سفرا مستقلا، ثم يسافر للحج سفرا مستقلا، فإذا جمع بينهما في سفر، فقد سقط عنه أحد السفرين، فسمي متمتعا، يعني: منتفعا، هذا انتفاع حصل في سفر واحد، بما يعادل الحج والعمرة جميعا، وأراح نفسه، وعن التكلف وعن تجشم المشقة، وعن نفقة أخرى وما أشبه ذلك، فكان من تكملة ذلك أن يذبح هذا الهدي، أن يذبحه تكميلا لنسكه، فلأجل ذلك إذا سافر للحج سفرا وللعمرة سفرا، ولو في أشهر الحج فما حصل له الانتفاع، الذي هو التمتع، فيسقط عنه الدم، ويكون أجره أكثر، الذي يسافر للحج سفرا، وللعمرة سفرا، أكثر وأعظم أجرا من الذي يسافر سفرا واحدا يحصل فيه على حج وعمرة، ولو ذبح الهدي؛ وذلك لأن الأجر على قدر النصب وعلى قدر المشقة.

كذلك عرفنا سبب تسميته تمتعا، كثير من الناس يختار التمتع، فيختار هذه الصفة مع أن السفر مرتين: مرة للحج ومرة للعمرة أفضل، ولكن لما سمع أن أفضل الأنساك التمتع، ظن أنه أفضل مطلقا.

يقول: صفة الإفراد أن يحرم بالحج من الميقات مفردا، وهو ألا يؤدي إلا الحج، ولا يكون له إلا أجر حجة؛ ينشئ سفرا من بلاده، ويمر بالميقات، ويحرم بالحج، ويبقى بمكة حتى يكمل حجه، ولا يعتمر مع حجته، ويقول: سوف أعتمر في رمضان، سوف أعتمر بعد حين، العمرة وقتها واسع، فهذا هو المفرد، وقد ذكرنا أن هناك من يختاره حتى ينشئ للعمرة سفرا آخر، أما القران هو أن يحرم بالحج والعمرة جميعا؛ فيقول لبيك عمرة وحجة، وقد تقدم في حديث جابر قوله -صلى الله عليه وسلم- « دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة »(9) فإنه أخبر بأن الحج والعمرة يتداخلان، وكانت عائشة ممن أحرم بالحج والعمرة جميعا؛ لأنها لما أحرمت معتمرة، وحاضت، وخافت أن يفوتها الحج أحرمت بالحج، وصارت قارنة، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم- « إن طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يكفيك عن حجك وعمرتك »(10 وكذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا؛ وذلك لأنه معه الهدي، ولقد ذكرنا أنه لما طاف -في حديث جابر- لما طاف وسعى قال: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي »(11) فمنع الذين معهم هدي أن يتحللوا، وأمر الذين لا هدي معهم أن يتحللوا؛ وذلك لأن الهدى يمنع التحلل لقوله -تعالى- ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (8)فيقول: « إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر »(12) فبقي على إحرامه حتى نحر هديه، وحلق رأسه يوم العيد، فتحلل.

ومن القران -أيضا- أن يحرم بعمرة، ثم يدخل عليها الحج، قبل الشروع في طوافها، وهو الذي فعلته عائشة، فإنها أحرمت بالعمرة، ولما كانوا في سرف حاضت فقيل: إنها بقيت على إحرامها، ولما كان يوم التروية خافت ألا تطهر، حتى يفوت يوم عرفة، فأمرها، فأحرمت بالحج مع عمرتها، أدخلت الحج على العمرة، وهذا جائز، ويسمى إدخال الأكبر على الأصغر، الحج هو الأكبر فيصح إدخاله على الأصغر التي هي العمرة.

وأما من أحرم بالحج مفردا، فليس له أن يدخل عليه عمرة، لا تدخل الأصغر على الأكبر، إذا شرع في طواف العمرة، وهو معتمر متمتع، فإنه يكملها، ويتحلل، ولا يقول: سوف أدخل عليها حجة؛ لأنه شرع في أسباب التحلل، يضطر إلى هذه الصفة، يضطر المتمتع إلى هذه الصفة إذا خاف فوات الوقوف بعرفة، كما حصل لعائشة، فإنها بقيت على عمرتها، ولما كان في يوم التروية خافت أن يفوت الوقوف بعرفة، قبل أن تطهر، فاضطرت إلى إدخال الحج على العمرة.

إذا حاضت المرأة، أو نفست، وعرفت أنها لا تطهر قبل وقوف.. قبل يوم عرفة أدخلت على عمرتها حجا، وصارت قارنة، وكذلك -مثلا -لو جاء إنسان معتمرا، وكان متأخرا، وخاف أنه إذا ذهب إلى مكة يشتغل بأداء نسك العمرة طوافا وسعيا، وتقصيرا، وإحراما ثانيا، أنه يفوته الوقوف بعرفة، ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة، ويصير قارنا، ويذهب إلى عرفة، حتى لا يفوته الوقوف يقول: القارن والمفرد فعلهما واحد لا فرق بين فعلهما، إلا أن القارن عليه دم؛ وذلك لأنه حصل له أجر حج وعمرة، أحرم بهما جميعا، فصار منتفعا بسقوط أحد السفرين، وأحد العملين، فالقارن يسمى متمتعا، فعليه دم كما على المتمتع دون المفرد، فلا دم عليه.


(1) النسائي : مناسك الحج (3062).
(2) أبو داود : المناسك (2015).
(3) سورة الحج: 29
(4) سورة البقرة: 125
(5) سورة الحج: 26
(6) الترمذي : الحج (889) , والنسائي : مناسك الحج (3044) , وأبو داود : المناسك (1949) , وابن ماجه : المناسك (3015) , وأحمد (4/335) , والدارمي : المناسك (1887).
(7) البخاري : الحج (1723) , والنسائي : مناسك الحج (3067) , وأبو داود : المناسك (1983) , وابن ماجه : المناسك (3050).
(8) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:196
(9) مسلم : الحج (1241) , والترمذي : الحج (932) , وأبو داود : المناسك (1790).
(10) أبو داود : المناسك (1897).
(11) البخاري : التمني (7229) , ومسلم : الحج (1211).
(12) البخاري : الحج (1566) , ومسلم : الحج (1229) , والنسائي : مناسك الحج (2682) , وأبو داود : المناسك (1806) , وابن ماجه : المناسك (3046) , وأحمد (6/285) , ومالك : الحج (897).
(13) سورة البقرة: 203