موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

وحديث جابر في حج النبي -صلى الله عليه وسلم- يشتمل على أعظم أحكام الحج، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « مكث في المدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله صلى الله عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة، حتى إذ أتينا البيت معه استلم الركن، فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (2) فصلى ركعتين فجعل المقام بينه وبين البيت
- وفي رواية أنه - قرأ في الركعتين ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (3) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (4) ثم رجع إلى الركن واستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (5) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره.
وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ومشى إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة، كما فعل على الصفا حتى كان آخر طواف على المروة.
فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى، فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصابعه واحدة بالأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد، وقدم علي من اليمن ببدن للنبي -صلى الله عليه وسلم- فوجد فاطمة ممن حل، ولبست صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا .
قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرشًا على فاطمة للذي صنعت، مستفتيًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت عليها، فقال: صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإني معي الهدي، فلا تحل قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي.
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى عُرنة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحّلت له.
فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذن بلال ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقتة القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه .
ودفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا، حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده .
فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس حتى أتى بطن محسرٍ فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخزف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنه ببضعة، فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقتها، ثم ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأفاض إلى البيت بمكة الظهر.
فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقالوا انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه
»(1). رواه مسلم.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يفعل المناسك، ويقول للناس: « خذوا عني مناسككم »(6) فأكمل ما يكون من الحج الاقتداء فيه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم.


حديث جابر هذا ساقه المؤلف -رحمه الله- كأنه يكتفي به عن صفة الحج، فيقول جابر -رضي الله عنه-: « مكث النبي الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة تسع سنين لم يحج »(1) أي: لم يتيسر له، فقبل الفتح كان أهل مكة منعوه حتى منعوه، وقد أحرم بالعمرة في سنة ست، وبعد الفتح انشغل فلم يتيسر له إلا هذه السنة.

أذن في الناس بالعاشرة في السنة العاشرة أمر أن يؤذن وينادى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاج، يعني هذا العام قدم المدينة بشر كثير ممن حول المدينة من أهل القرى ومن البوادي، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقتدوا به، لكونه إمامهم في الحج وإمامهم في العبادة، كلهم يحب أن يقتدي به، فلما عزم على الحج خرج للحج، وكان خروجه لخمس بقين من ذي القعدة، واختلف في يوم الخروج، فقيل: إنه يوم الخميس، وقيل غير لك.

واختلف في ذلك ابن القيم وابن حزم تكلم على الحجة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن القيم في زاد المعاد، واستوفى ما يقال حولها في نحو أكثر من مائة وخمسين صفحة، كلها تتعلق بحج النبي -صلى الله عليه وسلم- في زاد المعاد.

لما خرجوا نزلوا في ذي الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة، وتسمى الآن أبيار علي، ويذكر شيخ الإسلام أن هذه التسمية، لا أصل لها، وذلك لأن الرافضة يدعون أن عليًا قاتل فيها الجن. أن هناك بئرًا قاتل فيها الجن علي، وأن ذلك من فضائله فالأصل في تسميتها ذو الخليفة، لأن فيها شجر ونبات يسمى الحلفة، وتصغر الحليفة، ذو الحليفة أي ذات الحلفة. بينها وبين المسجد النبوي ستة أميال. سار، صلى الظهر بالمدينة أربعًا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وبات بذي الحليفة، وبات الذين معه من الحجاج في ذي الحليفة، وكان من جملتهم أبو بكر -رضي الله عنه- وكان معه امرأته أسماء بنت عميس فصادف أنها حامل... فولدت تلك الليلة ولدت محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر تسأله ماذا تفعل، فأمرها بأن تحرم، ولو كانت نفساء، وأمرها بأن تتحفظ وتستثفر بثوت، وتلبي كما يلبي الحجاج.

والظاهر أن الدم انقطع عنها في نصف شهر، وذلك لأنها رجعت معهم، فيدل على أن النفاس قد ينقطع في نصف شهر، وذلك لأنها ولدت مثلًا في خمس وعشرين من ذي القعدة ثم لا بد أنها طافت طواف الحج طواف الحج لا بد من طوافه، فلا تخرج حتى تطوف، فلعلها طهرت في اليوم العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر.

النبي -صلى الله عليه وسلم - خرج من منى في اليوم الثالث عشر، وأبو بكر معه، وكذلك أيضًا خرج من مكة في صباح اليوم الرابع عشر فلا بد أنها طافت في هذه الأيام، فيدل على أن النفاس قد ينقطع في أقل من عشرين يوما، قال لها: " اغتسلي " أخذوا من هذا سنية الاغتسال للإحرام حتى ولو كان الإنسان لا يصلي كالمرأة الحائض، أنها تغتسل فإذا شرع الاغتسال حتى للحائض والنفساء، فغيرهما بطريق الأولى، لكن في هذه الأزمنة قد يخف أمره يعني لو اغتسلت مثلًا في الرياض وتنظفت ثم ركبت الطائرة أو ركبت السيارة ووصلت بعد ثمان ساعات أو عشر ساعات عن طريق البر. أو بعد ساعة أو ساعة ونصف عن طريق الجو لا يمكنك أن تتسخ.

الاغتسال القصد منه حصول النظافة، فيكفي يكفي الوضوء في ذلك المكان للإحرام، فالحاصل أنه أمرها بالاغتسال، فدل على شرعيته والاستثفار هو التحفظ به، أي لتجعله على عورتها حتى يمسك الدم، قوله: « فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد ثم ركب »(1) .

الصلاة هنا هي الفجر، صلى صلاة الصبح ثم ركب القصواء، وهي ناقته التي حج عليها ناقته مشهورة، وتسمى سابقة الحاج قبل أن تكون له، اختلف متى لبى ففي حديث جابر هذا ذكر أنه لم « استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك »(1) والبيداء هي المكان المتسع بعد ذي الحليفة كأنه لما استوى على البيداء، وصار في تلك الصحراء الواسعة رفع صوته بالتلبية، وروي عن عبد الله بن عمر قال: « بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقد أهل في مصلاه »(7) .

والصحيح أنه أهل لما صلى الركعتين التي أحرم بعدهما فسمعه أناس فنقلوا ذلك، ثم لما ركب ناقته، واستوت به أهل مرة ثانية، فسمعه آخر ثم لما وصل إلى البيداء، أهل فعند ذلك سمعه الجمع كله فضج الناس بالتلبية.

الإهلال هو رفع الصوت، ومنه سمى الهلال؛ لأنه الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم مستبشرين به، وقول أهل بالتوحيد لأن تلبيته مشتملة على التواحيد، كرر فيها ما يدل على التوحيد، وذلك لنسخ التلبية الجاهلية تلبية المشركين، كان فيها شرك، كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فلما أهل كرر التوحيد، فقال: « لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك »(1) لبيك هذه مرة « لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك »(1) فكرر قوله: « لا شريك لك »(1) إبطالًا لقولهم: إلا شريكًا هو لك، هكذا كانت التلبية التي لباها النبي -صلى الله عليه وسلم-.

أهل الناس بهذا الدين يهلون به يعني الناس الذين معه كانوا يلبون بتلبية أخرى منهم من يوافقه، ومنهم من يضيف إليها. بعضهم يقول: لبيك وسعديك والخير بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، نحن عبادك الوافدون إليك، الراغبون فيما لديك، وبعضهم يقول: لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا، وبعضهم يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، وبعضهم يقول: لبيك والرغباء إليك والعمل، ويقرهم على ذلك، ولكنه لازم تلبيته ما رد عليهم شيئًا، لزم تلبيته .

يقول جابر: « لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة »(1) فلم نذكر العمرة، إنما هذا حج، وذلك لأنهم قبل الإسلام، ما كانوا يعتمرون مع الحج، بل يعتمرون في غير أشهر الحج يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فظنوا أنها لا تجوز العمرة مع الحج، فصاروا لا يعرفون إلا الحج، كلهم إنما أحرموا بالحج، ولكن ثبت عن ابن عمر وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرهم قال: « من شاء أن يحرم بحج فليحرم، ومن شاء أن يحرم بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يحرم بحج وعمرة فليفعل فقالت »(8) عائشة«: فكنت ممن أهل بعمرة »(9) فدل على أن هناك من أهل بعمرة مفردة.

يقول: « حتى إذا أتينا البيت معه »(1) يعني لما وصلوا إلى مكة، « استلم الركن »(1) ويراد بالركن هنا الحجر الأسود، بدأ به وهذا يدل على سنيته، وأجمل الطواف هنا ولم يذكر كيفية الطواف، ولا الدعاء في الطواف. أجمله إلا أنه ذكر أنه رمل ثلاثًا ومشى أربعة أشواط، وفي بعض الروايات في حديث ابن عمر: « خبا ثلاثًا ومشى أربعًا »(10) .

الرمل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى، وفعله لأجل إغاظة المشركين. فعله بعمرة القضية، ثم أصبح سنة يقول: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم. المقام المعروف الذي شرق البيت، ثم قرأ هذه الآية من سورة البقرة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (2) ليشير أنه سوف يصلي في هذا، فصلى فيه ركعتين جعل المقام بينه وبين البيت.

أي صلى شرق المقام، قرأ في هاتين الركعتين سورتي الإخلاص لما فيهما من تجديد العقيدة، حتى يؤكد أن طوافه بالبيت لله لا أنه تعظيم للبيت أو عبادة للبيت، وإنما هو عبادة لرب البيت ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (11) بعدما صلى الركعتين رجع إلى الركن الذي هو الحجر، واستلمه. هذه يقولون: سنة قد أميتت، وهي أنك إذا انتهيت من ركعتي الطواف، ترجع إلى الحجر، وتستلمه، ثم تخرج إلى الصفا. قليل من يفعل ذلك، وإذا لم يتيسر لك استلامه تشير إليه. بعد ذلك خرج إلى الصفا باب هناك قديم يسمى باب الصفا، يخرج إلى الصفا، يقول:

« فلما دنا من الصفا »(1) أي قرب منه أو رقا عليه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (5)

شعائر الله هي المشاعر التي جعلها محل عبادة، فالصفا والمروة محل عبادة.

قوله: « أبدأ بما بدأ الله به »(1) الله تعالى قدم الصف ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ (4) بدأ بالصفا، فرقا عليه، فدل على سنية البدء بما بدأ الله، واستدلوا بهذا على أنه يشرع أن يبدأ بكل شيء بدأ الله به، استدلوا به على ترتيب أعضاء الوضوء ترتيب أعضاء الوضوء. وحد الله وكبره لما رقا على الصفا، أخذ يهلل ويكبر، ومن ذلك قوله: « لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده صدق وعده، أو أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء قبله ولا بعده »(1) .

دعا بعد ذلك وكرر هذا التهليل ثلاث مرات؛ لأن هذا بدء عبادة؛ فناسب أن يبدأها بهذا الذكر. بعد ذلك نزل متوجهًا إلى المروة يمشي مشيًا عاديًا حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى. كان بين الصفا والمروة واد أدركناه قبل أربعين سنة أو قبل خمس وأربعين سنة، فجرى منخفض، فكانوا إذا نزلوا فيه يسعون حتى ينتهوا منه، والآن قد سوى وجعلوا علاماته وهي الأعلام الخضر علمين أخضرين، يعني نجفات خضر، فما بينهما هو محل مجرى الوادي. ذكروا أن هاجر أم إسماعيل لما نزلت الوادي أسرعت السير؛ لأنها لما نزلت خفي عليها ولدها فصار سنة الإسراع، فيما بين العلمين، فإذا لما أنه صعد من الوادي مشى حتى أتى المروة، يقول: « فعل على المروة كما فعل على الصفا »(1) يعني أنه ذكر الله وكبره، وهلله ووحده، يقول: حتى كان آخر طوافه على المروة، الشوط السابع تم بالمروة.

بعد ذلك خرج إلى الصفا، باب هناك قديما يسمى باب الصفا، يخرج إلى الصفا يقول:

فإذا لما أنه صعد من الوادي مشى، حتى أتى المروة يقول: « فلما دنا من الصفا »(1) يخرج منه أو رقى عليه، قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (5)

شعائر الله هي المشاعر التي جعلها محل عبادة، فالصفا والمروة محل عبادة، قوله: « أبدأ بما بدأ الله به »(1) الله تعالى قدم الصفا. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ (5) بدأ بالصفا فرقى عليه، فدل على سنية البدء بما بدأ الله به، واستدلوا بهذا على أنه يشرع أن يبدأ بكل شيء بدأ الله به. استدلوا به على ترتيب أعضاء الوضوء، « ووحد الله وكبره »(1) لما رقى على الصفا أخذ يهلل، ويكبر، ومن ذلك قوله: « لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده صدق وعده، وأنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء قبله ولا بعده »(1) .

دعا بعد ذلك، وكرر هذا التهليل ثلاث مرات؛ لأن هذا بدء عبادة، فناسب أن يبدأها بهذا الذكر، بعد ذلك نزل متوجها إلى المروة يمشي مشيا عاديا، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى. كان بين الصفا والمروة واد أدركناه قبل أربعين سنة، أو قبل خمسة وأربعين سنة مجرى منخفض، فكانوا إذا نزلوا فيه يسعون حتى ينتهوا منه، والآن وقد سوي جعلوا علامته، وهي الأعلام الخضر علمين أخضرين يعني: نجفات خضر، فما بينهما هو محل مجرى الوادي. ذكروا أن هاجر أم إسماعيل لما نزلت في الوادي أسرعت السير؛ لأنها لما نزلت خافت على ولدها، فصار سنة الإسراع فيما بين العلمين.

« فعل على المروة، كما فعل على الصفا »(1) يعني: أنه ذكر الله، وكبره، وهلله ووحده، يقول: « حتى كان آخر طوافه على المروة الشوط السابع تم بالمروة » ولما انتهى منها كان قد انتهى من أعمال العمرة، فقال: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة »(1) وهذا دليل على أنه فضل التمتع، الذي هو الإحرام بالعمرة، وأمر من لم يكن معه هدي أن يتحلل « من كان منكم ليس معه هدي، فليتحلل، وليجعلها عمرة »(1) هكذا أخبرهم، أحل أكثرهم الذين ليس معهم هدي، أما الذين معهم هدي كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وأبو طلحة، وأشباهم من الأثرياء الذين معهم هدي، فإنهم بقوا على إحرامهم لم يتحللوا.

أما الذين ليس معهم هدي، فإنهم تحللوا، فقصروا من رؤوسهم، ولبسوا الثياب، وتطيبوا وجامعوا النساء، رفع عنهم كل محظور، وتمتعوا بالمباحات، من اليوم الذي قدموا فيه، وهو اليوم الرابع، أو الخامس من شهر ذي الحجة، وبقوا كذلك إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، الذي يسمى يوم التروية. قام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: « يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه؟ -وهي فسخ الحج إلى العمرة- ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد، وشبك بين أصابعه، وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة »(12) يعني: كانوا يعتمرون قبل الإسلام عمرة مستقلة، فأخبر بأنه يجوز إدخال الحج على العمرة، ويصير الإنسان قادما، ويحرم بالعمرة والحج جميعا، فتدخل العمرة في أعمال الحج، « دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة »(12) لا، بل لأبد الأباد أي هذا الفسخ ليس خاصا بهؤلاء.

علي كان في الجنوب قدم من اليمن، ومعه بدن، معه ثلاثون بدنة والنبي -صلى الله عليه وسلم- قدم من المدينة ومعه سبعون، فأصبح الذي مع علي والرسول مائة بدنة، لما قدم علي وجد فاطمة قد حلت، ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وتطيبت، وفرشت في البيت، المسكن الذي كانت فيه، ونفحته بالطيب وظنت أن عليا سوف يتحلل، فلما جاءها وجدها على هذه الحال، فأنكرها، وذهب محرشا عليها للنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: هل رأيتم حال (شأن) فاطمة التي صنعت. ذكر ذلك لما قالت: إن أبي أمرني بهذا، لما ذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبره، يقول: « فأخبرته بالذي أنكرته عليها، قال: صدقت »(12) .

ماذا قلت حين فرضت؟ بأي شيء أحرمت يا علي؟ فأخبر بأنه أحرم إحراما معلقا، يعني: إني قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا دليل على جواز الإحرام إحراما معلقا على فعل الغير، فإذا تيسر معرفة ما أهل به ذلك الإنسان، وإلا، فله الخيار أن يجعلها عمرة، أو حجة يقول: « لما قال: إني أهللت بما أهل به.. قال إني معي الهدي »(12) يعني: وأنت معك هدي أيضا، أشركه بهديه، فلا تحل، كان جماعة الهدي الذي قدم بها علي، والذي أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة.

فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي، فبقوا على حلهم يوم التروية اليوم الثامن، توجهوا إلى منى أحرموا إحراما جديدا من الأبطح كإحرامهم من ذي الحليفة، وتوجهوا محرمين إلى منى، مهلين بالحج « ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأبطح إلى منى، ونزل بمنى، وصلى بها الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد بها حتى طلعت الشمس، صباح يوم التاسع، وأرسل من يبني له قبة بنمرة، قبة من شعر تضرب له، فصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوجها إلى عرفة، وكانت قريش لا تتجاوز مزدلفة، ويسمون أنفسهم الحمس، ويقولون: نحن أهل مكة لا نخرج من حدود الحرم، فظنوا أنه سوف يفعل كفعلهم، لا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام، يعني المزدلفة، ولكنه تجاوز، قريش كانت تزعم في الجاهلية أنها تقف بمزدلفة أجاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  تجاوز مزدلفة حتى أتى عرفة » -في هذه النسخة عرنة، والصواب « حتى أتى عرفة- فوجد القبة قد ضربت له بنمرة »(13) .

وهذا دليل أن نمرة جزء من عرفة، وأن عرفة مكان واسع، فعلى هذا من وقف بنمرة على الصحيح، فإنه قد وقف بعرفة، فالحاصل أنه « نزل في تلك القبة، وبقي حتى زاغت الشمس، فلما زاغت الشمس (مالت) أمر بالقصواء، فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي - يعني: وادي نمرة- وخطب الناس وهو على راحلته »(9) ذكروا هذه الخطبة: « إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم »(12) بعد أن قال: « أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، أي شهر هذا؟ شهر حرام، أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، فقال إن دماءكم، وأموالكم … حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا »(12) تأكيدا لهم على ألا يعتدي أحد على أحد، ثم قال: « ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع »(12) يعني: أمور الجاهلية ألغاها الإسلام، ومن ذلك عادات الجاهلية، وهي -مثلا- طوافهم بالبيت عراة وذبحهم، وأسواقهم واجتماعاتهم، كلها ألغاها، ودماء الجاهلية التي كانت بينهم أمر بإلغائها، بوضعها، بينهم كانت دماء، وقتال.

قال: « أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - يعني: من بني هاشم- كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل»(9) فقال: لا أحد يطالب بشيء من دماء الجاهلية، كذلك قال: « ربا الجاهلية موضوع »(12) ذلك؛ لأنه كانت بينهم معاملات ربوية « وأول ربا أضع من الربا ربا العباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم-»  يعني: أبطل الديون الربوية موضوع كله، ثم أوصاهم بالنساء: « اتقوا الله في النساء »(12) يعني: الزوجات، « فإنكن أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله »(12) حثا لهم على أن يحسنوا إلى النساء، ولا يظلموهن، وذكر حقهم وحقهن « لكم عليهن أن يحفظنكم، ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه »(12) ولا يأذن يعني: لا يدخلن بيوتكم، ويجلسن على فرشكم أحدا تكرهونه « فإن فعلن، فاضربوهن ضربا غير مبرح »(12) يعني: لو أدخلت رجلا حتى ولو من أقاربها بغير إذن زوجها، فإن له المنع « ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف »(12) هذا مذكور في القرآن ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (14) يعني: على الزوج.

« وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعدي إن اعتصمتم به كتاب الله »(12) وفي روايةوسنتي يعني: تمسكوا به، وبعد ذلك قال: « وأنتم مسئولون عني »(12) تسألون ماذا تقولون؟ « ما أنتم قائلون؟ فنطقوا، وقالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت »(12) شهدوا له بالبلاغ، « فقال: بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات »(12) .

بعد ذلك أذن بلال لصلاة الظهر والعصر جمع تقديم، « صلى بهم الظهر، ثم أقام، فصلى العصر جمعا وقصرا، ولم يصل بينهما »(12) وذلك ليطول الوقت وقت الوقوف، « بعد ذلك ركب، حتى أتى الموقف الذي هو عند الصخرات في حبل الرحمة، فجعل بطن القصواء إلى الصخرات »(12) ناقته إلى الصخرات الكبار « وجعل حبل المشاة بين يديه »(12) الرمل الذي عند شمال، أو شمال الجبل جعله بين يديه يعني: قدماه « واستقبل القبلة، ولم يزل واقفا على ناقته رافعا يديه، يدعو حتى إنه سقط مرة الخطام، فتناوله بيده اليسرى، واليمنى مرفوعة، أو بيده اليمنى واليسرى مرفوعة، لم يزل يدعو حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص »(12) يعني: قيل إن القرص، هو الشمس وقيل إنه الصفرة التي تكون بعد الغروب « أردف أسامة بن زيد خلفه على القصواء »(12) ورخص لهم بأن يذهبوا متجهين إلى المزدلفة« ودفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد شنق للقصواء الزمام »(12) .

يعني أنه أخذ يجر الزمام « حتى أن رأسها ليصيب مورك الرحل »(12) يعني: عصا الرحل من شدة ما يمسكها حتى لا تسرع؛ لأنهم يسرعون لما أنهم انصرفوا، وينادي، ويقول -بصوته-: « أيها الناس السكينة السكينة »(12) يعني: لا تتضايقوا، ولا تزدحموا « كلما أتى حبلا من الحبال »(12) الكثب الرملية كلما أتى كثيب « أرخى لها حتى تصعد »(12) صار كذلك حتى أتى المزدلفة. يقول: « حتى أتى المزدلفة، وصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد، وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا » يعني: لم يتطوع بينهما، وهذا الصحيح أنهما بإقامتين، « نام تلك الليلة حتى أصبح، وصلى الصبح ذلك اليوم صباح العيد مبكرا، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، بعد ذلك ركب القصواء »(12) التي هي الناقة التي حج عليه « حتى أتى المشعر »(12) المشعر الذي هو الجبل الذي في وسط مزدلفة « استقبل القبلة، ووقف، ودعا الله، وكبره، وهلل حتى أسفر جدا »(12) لم يزل واقفا حتى أسفر « دفع قبل أن تطلع الشمس »(12) يعني: مخالفة للمشركين كانوا لا يدفعون حتى تشرق الشمس على سبير فيقولون: أشرق سبير كيما نغير.

« لما انصرف من المزدلفة أردف الفضل ابن العباس، وسار حتى أتى بطن محسر (الوادي الذي بين منى ومزدلفة) فأسرع قليلا » لأنه الوادي الذي تحسر فيه فيل أصحاب الفيل « سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى »(12) الطريق الأوسط الذي يسمى الآن طريق الجمرة « حتى أتى جمره العقبة »، وهي التي عند الشجرة، وكانت في أصل الجبل، رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة يقول: الله أكبر، الله أكبر، مثل حصى الخذف الحصى الذي يقذف به الإنسان بين أصابعه « رمى من بطن الوادي، جعل مكةعن يساره، و منى عن يمينه، واستقبل الجمرة».

« بعد ذلك انصرف إلى المنحر، إلى بدنه، نحر بيده ثلاثا وستين من البدن »(12) هذا دليل على استحباب أن يتولى نحرها بيده « بعد ذلك أعطى عليا، ونحر ما غبر» يعني: ما بقي، وأشركه بهديه بعد ذلك «أمر بأن يقطع من كل بدنة بضعة- قطعة لحم- فجعلت في قدر وطبخت حتى نضجت، فأكل من لحمها، هو وعلي، وشرب من مرقها حتى يتحقق قول الله -تعالى- ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا »(15) شرب من مرقها، وأكل من لحمها، بعد ذلك أفاض إلى البيت؛ ليكمل حجه، فصلى بمكة الظهر وطاف بالبيت، إما قبل صلاته، وإما بعدها كان بني عبد المطلب هم الذين يسقون على زمزم، فقال لهم: « انزعوا بني عبد المطلب »(12) العباس وخدمه « فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم »(12) لو أنه نازع معهم يعني: اجتذب دلوا، نازعهم الناس، كل منهم يقول: سوف أقتدي بالرسول. « فناولوه دلوا، وشرب منه »(12) إلى هنا انتهى الحديث.

والحاصل أنه يقتدى به -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأفعال؛ حيث إنه كان يقول: « خذوا عني مناسككم »(12) فأكمل ما يكون به الحج الاقتداء به، عليه الصلاة والسلام.

ونكمل بعد الحج، غدا إن شاء الله.

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وصحبه.

ابتدأنا في الحج وساق المؤلف -رحمه الله- حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأنه اكتفى به عن أن يذكر ما على الحاج، وهو حديث جامع، لكن لم يذكر فيه بعض الأشياء، ونبهنا على بعض الأشياء التي تلحق به، فمنها ذكر المواقيت « أحرم النبي -صلى الله عليه وسلم- من ميقات أهل المدينة »(9) وهو ( ذو الحليفة ) وقد وقت لأهل كل قطر ميقاتا في جهتهم، فميقات أهل نجد: قرن المنازل، وميقات أهل اليمن، يلملم، أو ما يسمى بالسعدية وميقات أهل الشام: الجحفة، ثم ميقات أهل العراق، حدث بعدما فتحت العراق في عهد عمر -رضي الله عنه- ما يسمى بذات عرق، وأما أهل مكة، فإن ميقاتهم من مكة للحج، وأما العمرة، فعمرتهم من أدنى الحل مع أن أهل مكة، لا يطالبون بعمرة؛ لأن العمرة ما يسافر لها، وهم في بلادهم، فلا يحتاجون إلى سفر، فعمرتهم الطواف، ومما يلحق بالحديث اختيار المناسك، فقد اشتمل الحديث على قول جابر: « لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة »(12)

يعني: أنهم محرمون كلهم، أو جلهم بالحج، أي مفردين لكن في حديث عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرهم وأن منهم من أهل بالحج، ومنهم من أهل بالعمرة، ومنهم من جمع، أهل بالحج والعمرة، وهو القارن، واختلف أي الأنساك أفضل؟ فذهب الشافعي ومالك إلى اختيار القران، وهو الذي أحرم به النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: إن الله لا يختار لنبيه إلا ما هو الأفضل، وذهب الشافعي في رواية، وأحمد في رواية إلى تفضيل الإفراد، وقالوا: إنه أفضل، حيث إن فيه الإتيان بحج كامل في سفر، ثم إنشاء سفر آخر للعمرة، وكانوا يستحبون أن تكون العمرة في سفر مستقل، والحج في سفر مستقل، وهو الذي كان يأمر به عمر -رضى الله عنه- كان ينهاهم عن أن يعتمروا مع حجهم، حتى ينشئوا عمرة في أثناء السنة، مخافة أنهم إذا اعتمروا مع حجهم في سفر واحد، تعطل البيت، فيريد أن يمنعهم من العمرة مع الحج، حتى يعتمر بعضهم في محرم، ويعتمر آخرون في صفر، ويعتمر آخرون في ربيع، وآخرون في جماد، وآخرون في رجب، وهكذا هذا الذي قصده عمر من منعهم أن يحرموا بالحج والعمرة، أو يتمتعوا بالحج إلى العمرة، ولكل اختياره.

أما الإمام أحمد -رحمه الله- فإنه يفضل التمتع، ويفضل لمن أحرم مفردا أن يفسخ، وأن يكون إحرامه بعمرة، ثم بحجة يعني: متمتعا، ويقول: إنه آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم اشتمل حديث جابر على الرمل في طواف القدوم، وذكرنا أنه سنة، وليس بواجب وسببه لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه بعمرة القضية، وأهل مكة لم يسلموا، قالوا لسفهائهم: يقدم عليكم قوم، قد وهنتهم حمى يثرب، يريدون بذلك أن يحقروا شأنهم عند عوامهم، حتى لا يرون لهم هيبة، حتى لا يهابوهم، فلما علم بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه أن يظهروا القوة والجلد، فأمرهم بالرمل، أمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا أربعة، ولم يمنعهم أن يرملوا السبعة كلها إلا الإبقاء عليهم، يعني: الشفقة حتى لا يتضرروا، ولا يتعبوا، ولما أمرهم بالرمل في تلك العمرة رأى أن الرمل -أيضا- أصبح سنة، فرمل في قدومه ثلاثة أشواط، ومشى أربعة.

ولم يذكر جابر الاضطباع، وقد ثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- أمرهم بالاضطباع، وهو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر؛ وذلك ليكون أنشط لهم في الرمل، وفي الطواف، فيكون الاضطباع -أيضا- خاصا بطواف القدوم، ويكون الاضطباع في الأشواط السبعة كلها، وإذا انتهى من الأشواط، فإنه يعيد الرداء إلى ما كان عليه؛ ليستر منكبيه.

كذلك لم يذكر بقية الحج، يعني: رجوع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد، يوم النحر من مكة إلى منى، لا شك أنه رجع، بعدما طاف وسعى يوم النحر، كذلك مبيته بمنى ثلاث ليال، يعني: ثلاثة أيام التشريق بعد يوم النحر، كذلك رميه للجمرات في ثلاثة الأيام، كذلك طوافه للوداع، ولعله ترك ذلك؛ لكونه أصبح مشهورا، ومعروفا.

والآن نواصل القراءة:


(1) مسلم : الحج (1218) , والترمذي : الحج (856) , والنسائي : مناسك الحج (2761) , وأبو داود : المناسك (1905) , وابن ماجه : المناسك (3074) , وأحمد (3/320) , والدارمي : المناسك (1850).
(2) سورة البقرة: 125
(3) سورة الإخلاص: 1
(4) سورة الكافرون: 1
(5) سورة البقرة: 158
(6) النسائي : مناسك الحج (3062).
(7) مسلم : الحج (1186) , والنسائي : مناسك الحج (2757) , وأبو داود : المناسك (1771) , ومالك : الحج (740).
(8) البخاري : الحج (1560) , ومسلم : الحج (1211) , وأبو داود : المناسك (1778) , وابن ماجه : المناسك (3000) , وأحمد (6/92) , ومالك : الحج (940).
(9)
(10) البخاري : الحج (1644) , ومسلم : الحج (1261) , والدارمي : المناسك (1841).
(11) سورة قريش: 3
(12) مسلم : الحج (1218) , وأبو داود : المناسك (1905) , وأحمد (3/320) , والدارمي : المناسك (1850).
(13) مسلم : الحج (1218) , والنسائي : المواقيت (604) , وأبو داود : المناسك (1905) , وابن ماجه : المناسك (3074) , والدارمي : المناسك (1850).
(14) سورة البقرة: 233
(15) مسلم : الحج (1218) , وأبو داود : المناسك (1905) , وابن ماجه : المناسك (3074) , والدارمي : المناسك (1850).