موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الصيام - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - كتاب الصيام

كتاب الصيام

الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (1) الآيات، ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم برؤيا هلال أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: « إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له »(2) متفق عليه، وفي لفظ: « فاقدروا له ثلاثين »(3) وفي لفظ: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين »(4) رواه البخاري، ويصام برؤيه عدل لهلاله، ولا يقبل في بقية الشهور إلا عدلان، ويجب تبييت النية لصيام الفرض، وأما النفل، فيجوز بنية من النهار، والمريض الذي يتضرر الصوم والمسافر لهما الفطر والصيام، والحائض والنفساء يحرم عليها الصيام، وعليهما القضاء، والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، والعاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه يطعم عن كل يوم مسكينًا، ومن أفطر فعليه القضاء فقط إذا كان فطره بأكل أو بشرب أو قيء عمدًا أو حجامة أو إمناء بمباشرة إلا من أفطر بجماع، فإنه يقضي ويعتق رقبة فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينًا، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه »(5) متفق عليه.

وقال: « لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر »(6) متفق عليه، وقال: « تسحروا فإن في السحور بركة »(7) متفق عليه وقال: « إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور »(8) رواه الخمسة. وقال -صلى الله عليه وسلم-: « من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه »(9) رواه البخاري.

وقال: « من مات وعليه صيام صام عنه وليه »(10) متفق عليه.


كتاب الصيام لما كان الصيام إنما يكون في السنة مرة شهر، وكانت أحكامه مشتهرة اختصره الشيخ -رحمه الله- واقتصر على جمل من أحكامه، ولم يفصل فيه التفصيل الذي يوجد في كتب الفقهاء، يقول الأصل فيه، يعني في وجوبه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (1) الآيات من سورة البقرة، يعني الله تعالى أوجبه بهذه الآيات، وفيها قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (11) وفيها قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (12) والآيات التي بينته، قد ذكر الله الصيام في آيات أخرى، كقوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ (13) الواجب هو صيام شهر رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام وما عداه، فإنه تطوع لأن الله خصه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (11) الوجوب يختص بالمسلم فلا يجب على كافر.

ومن شروطه: أن يكون بالغًا، فلا يجب على الصغير دون البلوغ لأن فيه مشقة، ومن شروطه أن يكون عاقلًا، فلا يجب على المجنون لكونه ليس له عقل يحجزه عن المفطرات، قادر على الصوم برؤية هلاله.

الصيام يجب بشيئين: برؤية الهلال أو بإكمال الشهر ثلاثين يومًا. إكمال شعبان، فلذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: « إذا رأيتموه يعني هلال رمضان، فصوموا وإذا رأيتموه -يعني: هلال شوال- فأفطروا فإن غم عليكم هلال رمضان فاقدروا له »(14) متفق عليه .

اختلف في معنى فاقدروا له، فذهب الإمام أحمد في الرواية المشهورة إلى أن المراد ضيقوا عليه، أي: قدروه تسعة وعشرين يومًا، هكذا قال فاقدروا له، والصحيح أن المراد ما ذكر في الرواية الأخرى، فاقدروا له ثلاثين، وفي رواية: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين »(4) على القول الأول يصام يوم الشك، اليوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دونه غيم أو قتر؛ لأنه من باب الاحتياط، كان كثير من السلف يصومونه، إذا لم ير الهلال لأجل غيم أو قتر ليلة الثلاثين منهم ابن عمر وعائشة، وتقول لأن أصوم يومًا من شعبان أفضل من أن أفطر يومًا من رمضان .

والقول الثاني: أنه لا يصام يوم الثلاثين إلا إذا رؤي، حتى ولو كان هناك غيم أو قتر، وهذا هو الراجح؛ لقوله: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين »(4) ويصام برؤية عدل لهلاله إذا رآه واحد عدل، قبل صومه ذلك؛ لأنه ليس له دوافع، فيقبل صومه إذا كان عدلًا، يقبل قوله، ففي حديث ابن عمر: « تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أني رأيته فأمر بصيامه »(15) .

وفي حديث آخر: « قدم أعرابي فقال: إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله قال نعم، فأمر الناس بالصيام »(16) ولا يقبل في بقية الشهور إلا عدلان، يعني هلال شوال، يكون له الإفطار، فلا يقبل فيه إلا عدلان، وكذلك هلال ذي الحجة، يعني هلال الحج، لا يقبل في رؤيته إلا عدلان، وكذلك هلال المحرم إذا أراد أن يصوم العاشر أو التاسع والعاشر، لا يقبل فيه إلا عدلان، وقد تساهل كثير من الناس في رؤيته، فظهر كذب كثير من الذين يدعون أنهم يرون هلال شوال برؤية منازله، الله تعالى أخبر بأن له منازل في قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (17) فإذا تحقق أن هذا الرائي كاذب، فلا تقبل روايته بعد ذلك، ولا يكون عدلًا.

من شروط الرائي: أن يكون عدلًا، والعدالة لها أوصاف كثيرة مذكورة في كتب الفقه، يقول: يجب تبييت النية لصيام الفرض. ورد حديث عن حفصة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:« من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له »(18) .

والصحيح أنه يكفي أن يقوم للسحور. فقيامه للسحور نية، وقيل أيضا: يكفي لرمضان نية واحدة؛ لأن المسلم ما دام أنه مقيم وسليم، فإنه لا يظن به أنه يترك الصوم، فهو قد نوى، ولو لم يقل: إني نويت يكفي أنه عازم على الصيام أنت في رمضان، لو جاءك إنسان يعرف أنك مقيم، وأنك بالغ عاقل قادر، وقال لك أتصوم غدًا ألست تنكر عليه؟. يتهمك أو يشك في صومك. يشك في صومك، وأنت مسلم عاقل، وهل أحد يفطر في رمضان بلا عذر؟.

فهذا دليل على أن الإنسان قد عزم على الصيام، فلا حاجة إلى أن يحرك قلبه بالنية، ولا حاجة إلا أن يقول: نويت أن أصوم غدًا، بل يكفي عزمه وتصمميه على الصوم وعزمه على أن لا يفطر.

يمكن يتصور هذا بعض الصور، مثلًا: إنسان عزم على أنه يسافر غدًا، وأنه سوف يفطر في الليل عزم وجمع أثاثه (متاعه) ولما أصبح وهو لم يعزم على الصوم، عازم على الفطر لم يتيسر له السفر. في هذه الحال مضى عليه جزء من نهاره، وهو ما نوى، فنقول له أمسك، ولكن اقض هذا اليوم؛ لأنك أصبحت مفطرًا، أما لو عزمت على الصوم وقلت: سوف أصوم غدًا، وإن تيسر لي أني أسافر أفطرت بعدما أفاق البلد، ففي هذه الحال يجوز لك الفطر، ويجوز لك إتمام الصوم، فأما إذا عزمت على الفطر وقلت: سوف أفطر لأني أسافر، ثم لم يتيسر لك السفر، وأمسكت ذلك اليوم، قلت: ما دمت أني لم أسافر، فسوف أتم يومي لأني ما أكلت فيه، نقول: عليك أن تتمه وتقضيه. لا بد للصوم من نية من أول النهار إلى آخره، بخلاف النفل، تقول عائشة: « دخل علينا النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذًا صائم »(19) أصبح مفطرًا، وظن أنه يجد عند أهله طعامًا، ولما لم يجد عزم النية على الصوم من الضحى، إني إذًا صائم.

فيصح النفل بالنية من النهار بشرطين: الأول: ألا يكون قد أكل في أول النهار. الثاني: أن يكون ما بقي من النهار أكثر مما مضى، فإذا لم ينو مثلًا إلا بعد الظهر، فلا يفيده؛ لأن النهار قد مضى، وورد أيضًا أنه -صلى الله عليه وسلم- صام يومًا تطوعًا، ثم دخل على أهله فأخبروه بأنه أهدي إليهم طعام قال: « أرنيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل »(20) ورد أيضًا « أن المتطوع أمير نفسه، إن شاء أتم صيامه، وإن شاء لم يتم »(21) .

يقول: المريض الذي لم يتضرر بالصوم والمسافر لهما الفطر والصوم، إذا قال المريض: أنا يضرني الصوم، لكني سوف أتحمل وأصبر على الضرر، جاز له ذلك وإن كان الأفضل له أن يأخذ برخصة الله. المسافر له الفطر والصوم، فإذا قال: أنا سوف أصوم مع المشقة سوف ألاقي مشقة في هذا السفر وصعوبة، ولكني سوف أصبر عليها، وأتحمل المشقة، أعظم للأجر جاز ذلك، ولكن الأخذ بالرخصة أفضل.

فيه عدة أحاديث منها حديث أبي موسى وغيره في الرجل الذي كان في سفر، فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، قال: ما هذا؟ قالوا: صائم. فقال:« ليس من البر الصيام في السفر »(22) وفي رواية « عليكم برخصة الله التي رخص لكم »(23) هذا رجل صام في السفر، ولقي مشقة لم ينتصف النهار، وإذا هو متعب وإذا الناس ينظرون إليه وقد ظلل عليه تحت شجرة، وكأنه بحاجة إلى من يرشه بالماء، ومن يظلل عليه، ومن يأتيه بحاجته، فهذا قد أضر نفسه؛ فلذلك قال: « عليكم برخصة الله »(24) .

ومع ذلك يجوز ففي حديث أبي الدرداء الذي في الصحيح قال: « كنا في سفر في حر شديد حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة »(25) تحمل الصوم في هذا الحر الشديد طلبًا للأجر، فدل على أنه يجوز، ولكن عند المشقة الفطر أفضل، في حديث جابر في سفر النبي -صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى مكة زمن الفتح صاموا ثمانية أيام ومعه عشرة آلاف كلهم يصومون ولما وصلوا إلى قديد أو إلى عسفان قالوا له: إن الناس قد شق عليهم الصيام فعند ذلك أمر بالفطر. أمر بالإفطار، وعلل بأنه أقوى لهم، قال: « إنكم قد قربتم من عدوكم والفطر أقوى لكم »(26) يعني: أفطروا حتى تتقووا على قتال عدوكم، فهذا دليل على أن الفطر أفضل، إذا كان هناك مشقة، فإذا لم يكن هناك مشقة، فقيل: إنه بالخيار.

في حديث أنس قال: « كنا نسافر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولم يعب المفطر على الصائم »(27) يرون أن من به قوة وجلد، فإنه يصوم ومن معه ظرف فإنه يفطر. هذا يظهر أنه في التطوع، وبكل حال نختار أنه إذا كان هناك مشقة على المسافر، فالفطر له وإذا لم يكن هناك مشقة، فالصوم أفضل له، وإن أفطر مع عدم المشقة جاز، وإن صام وتكلف المشقة جاز.

" الحائض والنفساء يحرم عليها الصيام" وذلك تعبد، يعني: ولو لم يكن هناك حاجة إلى الإفطار، ولكن لما كان معها هذا الدم حرم عليهما الصيام، وعليهما القضاء. الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وأما إذا كان الخوف على الولد، فإنها تقضي وتطعم عن كل يوم مسكينًا. إذا خافت على جنينها مثلًا أنها إذا لم تأكل تضرر الجنين، أو خافت على رضيعها أنها إذا لم تأكل فإنه يقل اللبن، فيلحقه الجوع، فإنها تفطر.

أما إذا كانت لا تخاف عليه، أو تجد من يرضعه أو ترضعه باللبن الصناعي فلا تفطر. العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه يطعم عن كل يوم مسكينًا. الكبير الذي لا يستطيع الصيام والمريض الذي مرضه لا يرجى برؤه، يطعم عن كل يوم مسكينًا، ذكروا عن أنس -رضي الله عنه- أنه لما كبر وزاد عمره عن المائة كان يفطر، ولكن إذا كان أول ليلة من رمضان جمع ثلاثين مسكينًا، وعشاهم وأطعمهم، واكتفى بذلك عن الصيام، يطعمهم يومًا واحدًا.

ليس بحاجة أن يطعم كل يوم، بل إذا قدم الإطعام أطعمهم جاز أو أخر الإطعام وأطعمهم في آخر الشهر. من أفطر فعليه القضاء فقط، إذا أفطر بسبب من الأسباب إذا أفطر مثلًا بأكل. أفطر مثلًا لسفر أو مرض أو نحو ذلك أو بشرب، يعني جهل مثلًا أو لعذر، فعليه القضاء فقط. القيء إذا كان عمدًا، فإنه يفطر في حديث: « من استقاء، فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه »(28) فإذا خرج القيء بدون اختياره، بل قهريًا، فلا يفطر، وأما إذا تسبب عصر بطنه مثلًا، أو أدخل يده في حلقه حتى أخرج القيء، فإنه يقضي اختار المؤلف أن الحجامة تفطر لأن حديث: « أفطر الحاجم والمحجوم »(29) رواه عدد من الصحابة حتى قيل: إنه متواتر العدد الكثير الذين رووه، ولو كانت الطرق لا تخلوا من ضعف، لكن بعضها يقوي بعضًا يشد بعضها بعضًا، وأما الأحاديث التي فيها: أنه -صلى الله عليه وسلم- « احتجم وهو صائم »(30)« احتجم وهو محرم »(31)« واحتجم وهو صائم »(31) فطعن الإمام أحمد في ذكر الصيام، وقال أصحاب ابن عباس اقتصروا على الإحرام أصحابه خواصه، ولم يرو إلا عن عكرمة، وعكرمة يضعف في الحديث؛ ولذلك لم يرو عنه مسلم، فطعنوا في هذا الحديث، ولو كان في صحيح البخاري، والذين صححوه قالوا: إن له عذرا، إنه مسافر، والمسافر له الإفطار؛ لأنه ما أحرم في البلد فدل على أنه كان مسافرًا، فالحاصل أن في المسألة مناقشة كثيرة.

الإمام أحمد هو الذي اختار أن الحاجم والمحجوم يفطران، وأما الأئمة الثلاثة، فقالوا لا يفطران، ولكل اجتهاده أو إمناء بالمباشرة إذا باشر أو قبل فأمنى، فإنه يقضي أما إذا أفطر بجماع، فإنه عليه القضاء وعليه الكفارة مثل كفارة الظهار. تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، هذا هو الذي يجب على من أفطر بجماع، واختلف هل يجب على المرأة إذا مكنته من نفسها، فأكثر الفقهاء قالوا: ما دام أنها مكلفة، فإن عليها مثل ما عليه، أما إذا لم تمكنه ولكنه قهرها وغصبها، فإن الكفارة عليه وحده؛ لأنها مكرهة.

أما من نسي ففي هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه »(5) بحثوا فيما إذا رأيت إنسانًا يأكل، وهو صائم أو يشرب، وهو صائم هل تذكره أم لا تذكره؟، الصحيح أنك تذكره لأن هذا من باب الأمر بالمعروف، ولأنه يحب أن يتذكر لا يحب أن يختل صومه، ولو كان صيامه تامًا، وإنما أطعمه الله وسقاه، فمن باب تذكيره ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تذكره بصومه. « لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر »(6) فيه أنه لا يستحب الوصال، وهو أن يؤخر الإفطار إلى السحور، ولكنه لا يحرم فقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم - واصل بأصحابه لما لم ينتهوا يومين ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، ولكن تعجيل للفطر أفضل، وذلك لأن يقدمه قبل الصلاة، يأكل ما تيسر قبل الصلاة ليكون ذلك مبادرًا إلى ما أحله الله، فأحب الناس إلى الله أعجلهم فطرًا، ولا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، حديث « تسحروا، فإن في السحور بركة »(7) قيل: إن الحكمة فيه أنه يقوي على العبادة، ويقوي على الأعمال الأخرى، ويقوي أيضًا على الأعمال البدنية التي هي أعمال الدنيا، ويحبب الصيام، أما إذا لم يتسحر، فإنه يهزل، ويضعف بدنه، وينهار، وينخذل عن الأعمال الخيرية، ويغلب عليه الكسل والخمول والضعف، فلذلك حث على السحور بما تيسر، ويؤخره أيضًا يسن أن يكون في آخر جزء من الليل .

قوله: « إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه لم يجد فعلى ماء فليفطر على ماء، فإنه طهور »(32) يعني يسن أن يكون فطره على تمرات، لأن فيها هذه الحلاوة، تقول عائشة: « كان -صلى الله عليه وسلم- يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حثا حثوات من ماء »(33) أي جرعات من الماء، وفي حديث سلمان الطويل: « يعطي الله هذه الثواب من فطر صائمًا على مزقة لبن أو شربة ماء أو تمرة »(22) يدل على أن ذلك كله مما يفطر عليه، على الصائم أن يحفظ صيامه، فلا يجرحه بالأعمال التي تنقص أجره، أورد قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه »(9) قول الزور الكلام السيء، بمعنى كذب وإفك وسباب وسخرية وقذف وعيب وسلب ونحو ذلك، يجب أن يطهر لسانه وفي حديث أيضً « إذا سابه أحد أو شاتمه، فليقل: إني صائم »(34) وكان كثير من السلف يحفظون صيامهم، يجلسون في بيوتهم، ويقولون: نحفظ صيامنا.

العمل به، يعني: العمل بالزور، وهو مثلًا شهادة الزور، أو القتل والقتال، أو ما أشبه ذلك، وكذلك الجهل، يعني العمل على الجهل والتجاهل، قوله: « من مات وعليه صيام صام عنه وليه »(10) هذا فيه أن الذي مات يقضى عنه الصوم متى؟ إذا كان فرط إذا مات إنسان، وعليه صيام نظرنا، فإن كان فرط، فإنه يقضي عنه، وإن لم يفرط فلا قضاء عليه ولا كفارة.

صورة ذلك إذا أفطر في رمضان لسفر أو مرض، ثم بعد ذلك تمكن في شهر شوال وقدر قام وشفى وسلم من المرض، واستطاع أن يصوم، ولكنه أهمل وفرط، ثم جاءه الأجل، ومات، فإنه يقضى عنه يقضى عدد الأيام التي فرط فيها، فإذا كانت أيامه مثلًا عشرة أيام شفي أو أقام سبعة أيام، ثم عاوده المرض أو عاد إلى السفر هذه السبعة ما صامها، ولو صامها لكان قادرًا، ثم مات فإنه تقضى عنه السبعة، أما الثلاثة التي ما تمكن منها، فلا تقضى عنه تسقط عنه، كذلك أيضًا لو تمادى به المرض. مرض مثلًا في رمضان وأفطر رمضان كله، واستمر به المرض في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة مثلًا، ومات في المحرم، وهو على فراشه، فمثل هذا لا يلزمهم قضاء عنه ولا كفارة وما ذاك إلا لأنه لم يتمكن.


(1) سورة البقرة: 183
(2) البخاري : الصوم (1900) , ومسلم : الصيام (1080) , ومالك : الصيام (634) , والدارمي : الصوم (1684).
(3) مسلم : الصيام (1080) , وأبو داود : الصوم (2320).
(4) البخاري : الصوم (1909).
(5) البخاري : الصوم (1933) , ومسلم : الصيام (1155) , والترمذي : الصوم (721) , وأبو داود : الصوم (2398) , وابن ماجه : الصيام (1673) , وأحمد (2/425) , والدارمي : الصوم (1726).
(6) البخاري : الصوم (1957) , ومسلم : الصيام (1098) , والترمذي : الصوم (699) , وابن ماجه : الصيام (1697) , وأحمد (5/337) , ومالك : الصيام (638) , والدارمي : الصوم (1699).
(7) البخاري : الصوم (1923) , ومسلم : الصيام (1095) , والترمذي : الصوم (708) , والنسائي : الصيام (2146) , وابن ماجه : الصيام (1692) , وأحمد (3/99) , والدارمي : الصوم (1696).
(8) الترمذي : الصوم (695) , وأبو داود : الصوم (2355) , وابن ماجه : الصيام (1699) , وأحمد (4/18) , والدارمي : الصوم (1701).
(9) البخاري : الصوم (1903) , والترمذي : الصوم (707) , وأبو داود : الصوم (2362) , وابن ماجه : الصيام (1689).
(10) البخاري : الصوم (1952) , ومسلم : الصيام (1147) , وأبو داود : الصوم (2400) , وأحمد (6/69).
(11) سورة البقرة: 185
(12) سورة البقرة: 187
(13) سورة الأحزاب: 35
(14) البخاري : الصوم (1900) , ومسلم : الصيام (1080) , والنسائي : الصيام (2121) , وأبو داود : الصوم (2320) , وأحمد (2/5) , ومالك : الصيام (634) , والدارمي : الصوم (1684).
(15) أبو داود : الصوم (2342) , والدارمي : الصوم (1691).
(16) الترمذي : الصوم (691) , والنسائي : الصيام (2112) , وأبو داود : الصوم (2340) , وابن ماجه : الصيام (1652) , والدارمي : الصوم (1692).
(19) الترمذي : الصوم (733) , والنسائي : الصيام (2323) , وأبو داود : الصوم (2455) , وأحمد (6/207).
(20) مسلم : الصيام (1154) , وأبو داود : الصوم (2455) , وأحمد (6/49).
(21) الترمذي : الصوم (732) , وأبو داود : الصوم (2456) , وأحمد (6/341) , والدارمي : الصوم (1735).
(22)
(23) النسائي : الصيام (2258).
(24) النسائي : الصيام (2258).
(25) البخاري : الصوم (1945) , ومسلم : الصيام (1122) , وأبو داود : الصوم (2409) , وابن ماجه : الصيام (1663) , وأحمد (5/194).
(26) مسلم : الصيام (1120) , وأبو داود : الصوم (2406).
(27) البخاري : الصوم (1947) , ومسلم : الصيام (1118) , وأبو داود : الصوم (2405) , ومالك : الصيام (655).
(28) الترمذي : الصوم (720) , وأبو داود : الصوم (2380) , وابن ماجه : الصيام (1676) , وأحمد (2/498) , والدارمي : الصوم (1729).
(29) الترمذي : الصوم (774) , وأحمد (3/465).
(30) البخاري : الصوم (1939) , والترمذي : الصوم (776) , وأبو داود : الصوم (2373) , وابن ماجه : المناسك (3081) , وأحمد (1/222) , والدارمي : المناسك (1821).
(31) البخاري : الحج (1835) , ومسلم : الحج (1202) , والترمذي : الصوم (777) , والنسائي : مناسك الحج (2845) , وأبو داود : المناسك (1836) , وابن ماجه : المناسك (3081) , وأحمد (1/259) , والدارمي : المناسك (1821).
(32) الترمذي : الصوم (695) , وأبو داود : الصوم (2355) , وابن ماجه : الصيام (1699) , وأحمد (4/18) , والدارمي : الصوم (1701).
(33) الترمذي : الصوم (694) , وأبو داود : الصوم (2356) , وأحمد (3/164).
(34) البخاري : الصوم (1894) , ومسلم : الصيام (1151) , والترمذي : الصوم (764) , والنسائي : الصيام (2216) , وأبو داود : الصوم (2363).