موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الجنائز - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - كتاب الجنائز

كتاب الجنائز

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لقنوا موتاكم لا إله إلا الله »(1)رواه مسلم. وقال: « اقرءوا على موتاكم يس »(2)رواه النسائي وأبو داود.

وتجهيز الميت كتغسيله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه فرض كفاية. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم »(3).

وقال: « نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه »(4)رواه أحمد والترمذي.

والواجب في الكفن ثوب يستر جميعه، سوى رأس المحرم ووجه المحرمة.

وصفة الصلاة عليه أن يكبر فيقرأ الفاتحة ثم يكبر فيصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يكبر فيدعو للميت فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وذكرانا وأنثانا وصغيرنا وكبيرنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، وإن كان صغيرا قال بعد الدعاء العام: اللهم اجعله فرطا لوالديه، وذخرا وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم، ثم يكبر ويسلم.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه »(5)رواه مسلم.

وقال: « من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين »(6)متفق عليه. « ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه »(7) رواه مسلم.

وكان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: « استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل »(8)رواه أبو داود وصححه.

ويستحب تعزية المصاب بالميت، « وبكى النبي -صلى الله عليه وسلم- على الميت وقال: إنها رحمة »(9)مع أنه لعن النائحة والمستمعة، وقال: « زوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة »(10)رواه مسلم.

وينبغي لمن زارها أن يقول: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية.

وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لمسلم نفعه ذلك، والله أعلم.


إلحاق الجنائز بالصلاة، لأن أهم ما يعمل بالميت الصلاة عليه؛ ولأنها تسمى صلاة ويشترط لها أكثر شروط الصلاة، فلأجل ذلك جعلوها تابعة لكتاب الصلاة ولما كان يتعلق بالجنائز كثير من الأحكام، جمعوها تحت هذا العنوان: كتاب الجنائز، وإلا كان يقتصرون على الصلاة على الميت، ويذكرون بقية الأحكام، تبع الوصايا أو غيرها من الموضوعات.

الجنازة: اسم للميت إذا كان على السرير يسمى جنازة، وأما إذا لم يكن عليه جنازة فإنه يسمى سريرا، واشتقاقها من جنز إذا رفع، وكأنهم يرفعونه على متونهم وذلك هو الجنوز، الأصل أن الميت يحمل على نعشه على الرقاب ثم يتبعه الناس، ويسيرون خلفه إلى المقابر، يتعلق بالجنائز أحكام قبل الموت وأحكام بعدها كثيرة، يذكر الفقهاء مثلا والعلماء أحكاما مثل: حكم تمني الموت هل يجوز أم لا يجوز؟ ويصححون الأحاديث التي فيها أنه لا يجوز إلا إذا خشي الفتنة، والأولى أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي. ولا يتمناه؛ لأنه ورد في الحديث: « لا يتمنين أحد منكم الموت لضر نزل به »(11)ويعني لضر أو لمرض أو نحو ذلك، وأما ما حكى الله -تعالى- عن مريم من قولها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (12) فإن إنما خافت من العار، خافت أن تتهم، ويلصق بها تهمة أنها قد زنت وأتت بولد من غير أب، فجعل الله براءتها أن ولدها برأها وتكلم وهو في المهد، فإذا خاف الإنسان من نفسه فتنة، أن يقع في فتنة أو يتهم بها، أو نحو ذلك جاز أن يتمنى الموت، وإلا فالأصل ألا يتمناه، وأن يتمنى الحياة السعيدة، الحياة الطيبة، وقد ذكروا أن بقية عمر المؤمن لا قيمة له.

ومن المسائل التي بحثوا فيها قبل ذكر الجنائز حكم التداوي، هل يجوز التداوي؟ أو تركه أفضل ؟

فالمريض معروف أنه إذا مرض وسئم من المرض، وطال به المرض فإنه يسوءه ذلك لأنه يعوقه عن الأعمال؛ ولأنه يتعبه ويرهقه، فهو يحب زوال هذا المرض، فأبيح له أن يستعمل العلاج، الذي يبرأ به هذا المرض أو يخف، أو يستعمله حتى تطيب نفسه، ولو مات ولم يرد ذلك عنه، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر به وقال: « تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء »(13) .

وبعضهم يفصل فيقول: إن وثق بالتوكل وعلم أن قلبه لا يضعف فالصبر والتحمل على المرض أفضل، إلى أن يقدر الله قدره، فأما إن ضعف قلبه، وضعف توكله، فالعلاج أفضل، حتى يزول الألم أو يقدر الله ما يشاء.

يقول: أولا بحثوا أيضا في عيادة المريض: إذا مرض الإنسان فإنه يستحب لأصدقائه وأحبابه أن يعودوه في مرضه، وإذا عادوه فإنهم ينفسون له في الأجل ويذكرونه التوبة، ويذكرونه الوصية، وإذا نفسوا له في الأجل بشروه بأنه سوف يشفى، وسوف يقوم ويعيد الله إليه صحته وحالته الأولى، وإن كان ذلك لا يرد قدرا، وكذلك أيضا يجتهدون في الدعاء له بالشفاء العاجل فربما أن الله تعالى يستجيب دعوتهم، وإن كان الله قد قدر ما قدره، والأحاديث والآثار في عيادة المرضى كثيرة مكتوبة في كتب الآداب، إذا زاره أو عاده أخوه أو صديقه، فإنه يذكره بالتوبة، حتى يختم عمله وعمره بالتوبة؛ لتكون آخر عمله، يذكره أيضا بالوصية، فقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يحث على كتابة الوصية فيقول: « ما من مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده »(14) .

وذلك؛ لأن الموت قد يأتي فجأة، فيكون ذلك الميت قد فرط فيما عنده، أضاع الأمانات التي عنده أو أضاع أمواله التي عند غيره، أو أضاع مثلا الأوقاف، التي على يديه، ولم يكتبها أو فرط في حقوق تلزمه، فإذا عليه أن يكتب في صحته حتى ولو كان نشيطا، حتى ولو كان في مقتبل عمره، وفي أقوى الصحة، لا يغفل عن كتابة الوصية، فإن الموت قد يأته فجأة، قد يحدث عليه حادثا، أو موت فجأة أو سكتة، أو نحو ذلك، وفي بعض الأحاديث: « في آخر الزمان يكثر موت الفجأة »(15)ولعله في هذه الأزمنة كثرت من يموت بالحوادث، فإن هذا موت فجأة، فالإنسان يركب سيارته ولا يدري هل يسلم أم لا، وإن كان مأمورا بفعل الأسباب من التؤدة والتأني والتوقي للأسباب وللآفات، وما أشبهها، فكتابة الوصية لا تقرب الأجل، بل هي من الحزم، كذلك أيضا مما بحثوا فيه ذكر الموت دائما، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره ( أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « أكثروا ذكر هاذم اللذات »(16)هكذا روي « هاذم اللذات »(17)بالذال ورواه بعضهم بالدال هادم، المعنى أنه مكدر اللذات، أكثروا ذكر الموت.

وفي بعض الروايات قال: فإنه ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا في كثير إلا قلله يعني إذا ذكره الفقير الذي هو في حالة بؤس وفي حالة قلة ذات يد، تذكر أنه سيموت، قنع بما آتاه الله، قنع بالرزق الذي وفق له، ولم يشتد شرهه، ولم يشتد طلبه، وقال: « قد أفلح من رزق كفافا وقنعه الله بما آتاه »(18)وكذلك إذا ذكره الذي عنده التجارات والأموال الكثيرة، زهده فيها وحثه على أن يقدم لآخرته، ويتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فإنك ذاهب وتاركه »(19)وقال -صلى الله عليه وسلم- مرة لأصحابه: « أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ أو أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ فقالوا: كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر »(20) .

والحاصل أن في ذكر الموت ما يزهد الإنسان في الدنيا ويرغبه في الآخرة، ويحثه على الاستعداد للموت، حتى يأتيه أجله وهو على أتم استعداد، ولا يأتيه وهو مفرط، فإن الذين يطيلون الآمال يؤملون آمالا طويلة، أنهم سيعيشون كذا وكذا، وأنهم سوف يكتسبون ويتصدقون، ونحو ذلك هؤلاء قد تقطع عليهم آمالهم، فلا يحصلون على ما فعلوا أو ما أملوا، إذا نُزل بالميت استحب بعضهم وهو مشهور أن يوجه إلى القبلة، ورووا عن حذيفة أنه قال: وجهوني، وإن كان أنكر ذلك بعضهم كسعيد بن جبير وابن المسيب، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر بعض الكبائر، كبائر الذنوب فقال: فعد منها قوله: « واستحلال الكعبة، قبلتكم، قبلتكم أحياء وأمواتا »(15)يعني ومن الكبائر استحلال الكعبة، يعني استحلال حرمة بيت الله الذي هو قبلتكم أحياء وأمواتا، كيف يكون قبلتكم أمواتا؟ يعني توجهون إليها، فيندب إذا احتضر أن يوجه وجهه إلى القبلة، ويكون على جنبه الأيمن، وكذلك إذا وضع في قبره، يجعل وجهه إلى القبلة، ويكون على جنبه الأيمن.

كذلك أيضا التلقين للشهادة، في هذا الحديث قال النبي صلى اله عليه وسلم: « لقنوا موتاكم لا إله إلا الله »(1)يلقنه برفق بأن يقول: قل: لا إله إلا الله مرة، فإن تكلم بعدها أعادها حتى تكون آخر كلامه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة »(21)هكذا حث عليه الصلاة والسلام، وإذا قلت: فقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان آخر كلامه قوله: « بالرفيق الأعلى، ثم قضى »(22)فالجواب أن معنى لا إله إلا الله الاعتراف بأن الله تعالى هو الإله الحق، والاعتراف بأنه المستحق للعبادة، فإذا أتى بهذه الكلمة أو بما يدل عليها من اعترافه بربوبية الله وإلاهيته أو اعترافه بأنه أهل العبادة، وأنه أهل أن يطاع ويعبد، ويرغب إليه، ويدعى فإن ذلك كاف.

فقوله: « اللهم فالرفيق الأعلى »(22)فيه اعتراف بأن الله تعالى هو المدعو وحده وأنه الذي يملك الثواب، وأنه الذي يعطي عبده ما طلبه، وأنه إذا حصل له الرفيق الأعلى الذي هو الملأ الأعلى فإنه في غاية السعادة، فهذا معنى لا إله إلا الله أو معنى التوحيد.

أما حديث « اقرءوا على موتاكم يس »(2)رواه النسائي وأبو داود، ضعفه بعضهم، ولكن يظهر أن له شواهد يتقوى بها، فيعمل به متى؟ بعض الجهلة يقولون: بعد الموت أو عند القبر، أنه أنها تقرأ بعد الموت، والصحيح أنها تقرأ قبل الموت، أي ما دام فيه حياة، يسمع ويفهم ويتعظ ويتذكر، فهذا أو فهاهنا محل قراءتها، يحضر القارئ وهو في آخر حياة ذلك المريض، ويقرأها من حفظه أو من المصحف لماذا؟ لأن فيها بشرى، فيها بشارة بمثل قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (23) وفيها أيضا قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (24) إلى آخرها.

ففيها هذه البشارة فيقوى قلبه ويفرح بذلك ويتعلق قلبه بربه، فقوله: « اقرءوا على موتاكم »(2)أي: على الذين في الموت، يعني الذين قرب موتهم وظهرت عليهم أماراته، هو مثل قوله في الحديث الذي قبله: « لقنوا موتاكم لا إله إلا الله »(1)فكلا الحديثين في المحتضر، إذا حضر أجله وقرب، فإنه يلقن وتقرأ عليه هذه السورة، بعض الجهلة حملوا الحديثين على غير ظاهرهما، على غير المراد منهما، فأخذ كثير من الجهلة التلقين بعد الموت أو بعد الدفن، ورووا في ذلك أحاديث أو حديثا ضعيفا، رواه الطبراني وذكره صاحب سبل السلام عند شرحه لهذا الحديث أو للحديث الأول مطولا: « إذا دفنتم الميت، وسويتم عليه التراب، فقفوا عند قبره، وقولوا: يا فلان بن فلانة فإنه ينتبه، ثم قولوا: يا فلان بن فلانة فإنه يرفع رأسه، ثم قولوا: يا فلان ابن فلانة، فإنه يجلس ويقول: أرشدني أرشدك الله »(15)إلى آخر الحديث.

من الغريب أنه راج على كثير من الجهلة فصاروا يستعملون التلقين بعد الدفن يستعمل في كثير من البلاد الإسلامية، في الشام وفي العراق وفي إفريقيا وفي غيرها، يعملون بهذا الحديث مع أن الحديث ضعيف، حتى قالوا في آخره: يا رسول الله فإن لم نعرف اسم أمه؟ قال: ادعوه باسم أمه حواء. وكل ذلك دليل على غرابته، فلا يعمل به، يعني التلقين بعد الموت بدعة.

بعدما يتوفى ويتم موته، يسن أن يسجى، ثبت عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته سجي بثوب حبرة يعني فيه خطوط، تسجيته حتى تبرد أعضاؤه، ويجعل على بطنه زجاجة أو شيئا ليس بثقيل جدا، حتى يمنعه من الربو، لا ينتفخ بطنه، بعد ذلك يسرعون في تجهيزه، يقول: تجهيز الميت كتغسيله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه فرض كفاية، فرض الكفاية: هو الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، فلازم لمن حوله أن يقوموا بهذا، فإن تركوه حتى أنتن مثلا، أو أكلته الوحوش أثموا، إذا علموا وقدروا، وكذلك إذا دفن قبل أن يجهز، فإنه يعتبر أيضا تفريط ويكون ذلك عن جهل، كما ذكر أن بعض البوادي، البوادي الذين قرب الرياض البوادي لا يعرفون شيئا إذا مات ميتهم، حفروا له حفرة دون أن يكون فيها لحد، وألقوه بثيابه فيها دون تغسيل ودون تكفين ودون صلاة يعتبرونه كجيفة من الجيف، يوارونها حتى لا يتأذون برائحتها هكذا كانوا، وهذا من أثار الجهل، ولا شك أن في ذلك إثم كبير.

أول شيء يبدأ بتغسيله، المؤلف -رحمه الله- لم يذكر التغسيل ولم يذكر صفته، وهو من أهم ما يعمل به، ولعله تركه؛ لأنه شيء معروف ومشهور، ومع ذلك فإن الكثير لا يعرفونه، بل يعتقدون أنه يغسل يعمم بالماء مجرد إمرار أو نحوه، يذكر أن كثيرا من الإخوان قبل عشر سنين أن الأموات الذين يموتون في المستشفيات يأتي عامل من العمال، وأغلبهم ليسوا بمسلمين، ثم يجرد عريانا ثم يصب عليه الماء بالليل مجرد صب، يصب عليه مرتين حتى يعموه، ثم بعد ذلك يلفوه في كفنه ويغسلوه ويقولوا حصل التغسيل، دون أن يعملوا بما ورد من السنة، وهذا تفريط إلى أن وفق الله بعض الإخوة الذين بنوا هذه المغاسل، مغاسل الأموات المشهورة الآن، اشتهرت، وكذلك شجعوا على تعلم هذا العمل، فتعلمه كثير من الإخوان من الشباب والكبار والصغار ذكورا وإناثا وأتقنوا تعلمه، فصاروا بذلك قد حفظوا هذه السنة، وعملوا بها، لا شك أن هذا من أهم الأعمال، الاهتمام بتغسيل الميت.

الفقهاء ما تركوا ذلك بل علمونا بالكيفية، وهي أيضا ثابتة في الأحاديث، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأم عطية ومن معها من النساء في تغسيل ابنته زينب: « اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا »(25).

فهذا إرشاد إلى الكيفية، أنه ليس مجرد أن يعمه الماء بل لا بد أن يغسل تغسيلا له أثره، كذلك ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يغسلون الموتى تغسيلا كاملا، ثم بعد ذلك يطيبونه بطيب وأنواع من الطيب تسمى الحنوط حتى روي عن بعض السلف كأنس أنه طلي بالمسك كله من مفرقه إلى قدمه، طلوه بالمسك والطيب، وعن بعضهم أنهم قالوا افعلوا بموتاكم كما تفعلون بعرائسكم، العروس يُهتم بها ليلة الزفاف وتلبس أحسن الثياب، وكذلك أيضا تطيب بأحسن الأطياب، فيقولون: إن الميت قادم على ربه فعليكم أن تجملوه وأن تنظفوه وأن تطيبوه بقدر ما تستطيعون .

أما صفة التغسيل فبالغ العلماء والفقهاء -رحمهم الله- في ذكرها، فقالوا: أولا يجرد إلا العورة من السرة إلى الركبة يستر، ولا يجوز كشفه، وأما بقية جسده فإنه يجرد، واستدلوا بما روي أن « لما أرادوا تغسيل النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: لا ندري أنجرده كما نجرد موتانا، فأتاهم من أخبرهم بأنه يغسل في ثيابه »(26)فدل على أنهم يجردون الموتى، ينزعون عنهم الثياب، كذلك بعد تجريده وستر عورته يغسل بخرقة، الغاسل يلف على يديه خرقة، ثم يغسل بها فرجه، فيلف على يده اليسرى خرقة ويصب الماء من تحت الستارة ويغسل فرجه بهذه الخرقة حتى ينظفه، وينظف آثار النجاسة إن كان هناك نجاسة على القبل أو الدبر، وبعدما ينظفه يلف على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوها يغسل بها أو يدلك بها بقية جسده.

أما المضمضة والاستنشاق فلا يستعملها، مخافة أنه إذا دخل الماء إلى جوفه فإنه يحرك بطنه، فيخرج منه شيء مما في بطنه فيشق بعد ذلك تنظيفه، مرة أخرى، بل يدخل إصبعه مبلولة ويدلك بها أسنانه وكذلك في منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء، أما بقية أعضائه فإنه يغسلها، يبدأ بأعضاء الوضوء، في حديث أم عطية قال -صلى الله عليه وسلم-: « ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها »(27)هكذا أمر، فالبدء بأعضاء الوضوء بأن يغسل وجهه كما يغسل في الوضوء ثم يغسل يديه من رءوس الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه وبأذنيه، ثم يغسل رجليه، ثم بعد ذلك يبدأ بغسله، فيبدأ بالشق الأيمن، واختلف هل يفرغ من الشق كله، أو كلما غسل عضوا غسل نظيره؟ يعني أنه إذا غسل منكبه الأيمن، انتقل إلى الأيسر، إذا غسل عضده الأيمن انتقل إلى الأيسر، إذا غسل جنبه الأيمن غسل الأيسر إلى آخر جسده، أو يغسل جسده كله، أي: يمينه كله إلى رجليه، ويساره بعد كل ذلك إلى رجليه، والأقرب أنه لا يكلف نفسه، بل يجعله على جنبه الأيسر ويغسل الأيمن كله ثم بعد ذلك يغسل الأيسر كله، حتى لا يشق ذلك عليه، ذكروا أنه يغسل بماء وسدر، ففي حديث أم عطية: « اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر »(28) .

وفي حديث ابن عباس في الذي وقصته ناقته وهو محرم بعرفة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه و لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا »(29)فذكر الماء والسدر، وذلك؛ لأنه لأن السدر، منظف في ذلك الوقت، ما يتيسر له إلا ورق السدر، السدر المعروف ورقه إذا يبس يسحق، حتى يكون دقيقا ثم يخلط بماء ويكون له رغوة، وينظف الثياب، كما ينظف التايد، أو غيره من الصابون، فإذا دلكوا هذا الماء أو صبوا ذلك السدر في الماء وصار له رغوة فهذه الرغوة يغسل بها الشعر، شعر رأسه وشعر لحيته؛ لأن السدر يكون له سفالة، هذه السفالة التي تكون في أسفله، لو دخلت بين الشعر لصعب بعد ذلك تخليصها، فيقتصرون على الرغوة رغوة السدر، بعدما يغسلونه مرة لليمين، ثم مرة لليسار يعيدون مرة ثانية، أو ثالثة يختمون على وتر ثلاثا أو خمسا أو سبعا، هذا هو الأفضل، وإن كان نظيفا ليس في بدنه وسخ ولا دم ولا شيء اكتفي بغسله مرة واحدة، وإن زيد إلى ثلاثة أو خمسة أو ما أشبه ذلك.

فالحاصل أنه غسله للتنظيف، ولو كان قد اغتسل قبل أن يموت مثلا، بخمس دقائق وتنظف، فإن ذلك لا يمنع أن يغسل، كما تقدم في باب الغسل أن من موجبات الغسل الموت، فالموت من موجبات الغسل، لا بد من تغسيله، وبعدما يفرغون من تغسيله يجعلون في الغسلة الأخيرة كافورا، وهو هذا الأجر المعروف، يسحق، ثم يخلط بالماء، ثم يغسل في الغسلة الأخيرة لماذا؟ لأنه يصلب الأعضاء يعنى أعضاء الإنسان الأعصاب واليدين ونحوها قد تسترخي بالموت، فإذا غسل بهذا الصابون فإن الأعصاب تشتد حتى لا تتثنى هكذا ذكروا، يجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا، أما الحنوط فبعد ذلك، بعد أن يتم غسله يحنط، بأن يجمع هذا الحنوط الذي هو من مسك، وورد وريحان أنواع من الطيب تجمع وتسحق وتجعل في علبة ويؤخذ منها، فيذر على مواضع من جسده على عينيه مثلا، وعلى حلقه وعلى إبطيه، وبين أليتيه، وبطون ركبتيه، وبطون مرفقيه، يعني مرافقه، وإن طيب كله فلا بأس، هذا يسمى الحنوط، إلا المحرم في حديث ابن عباس قوله: « ولا تحنطوه »(29) لأن المحرم لا يطيب، فلا يتطيب وهو محرم، فإذا مات فهو باق على إحرامه، لا يطيب ولا يغطى رأسه، ويقول: هذا كيفية تغسيله.

أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: « أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم »(30)ما المراد بالإسراع؟ حمله بعضهم على سرعة السير، يعني: إذا حملتموها فأسرعوا في السير، وقالو: إنهم كانوا إذا حملوا الجنازة فأنهم يسرعون حتى كأنهم يخبون خبا أو يرملون رملا، أن سيرهم يشبه الرمل من سرعتهم، ولكن ورد أيضا حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- « مر عليه بجنازة وهي تمخض مخض الزق فقال: أربعوا، أو لا تسرعوا »(31) ومعنى تمخض: يعني أنهم من سرعة سيرهم أنها تضطرب وتتحرك كما يتحرك الزق، السقاء المنفوخ، فيكون هذا دليلا على أنه لا يسرع الإسراع الشديد؛ ولأن ذلك قد يتعبهم ويرهقهم، والصحيح أن هذا الحديث، قوله: « أسرعوا بالجنازة »(30)المراد به التجهيز، أسرعوا في تجهيزها ولا تتثاقلوا، ولا تتوانوا بها حتى تقدموها إلى الخير إذا كانت صالحة فإنكم تقدمونها إلى الخير، القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، فأنتم تقدمونها إلى تلك الروضة، التي ينال فيها كرامته، وينال فيها أول جزائه وثوابه، فهذا معنى تقدمونها إليه، وإن تك غير صالحة فشر تضعونه عن رقابكم، إذا كانت غير صالحة فإنكم تستريحون من هذا العمل ومن هذه العملية.

وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: « إذا وضعت الجنازة على السرير واحتملها الرجال على رقابهم فإنها تصيح وتقول إن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت سوى ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه الإنسان لصعق »(32).

فأفاد أن قوله: قدموني يعني الإسراع في تقديمها إلى القبر، وكذلك أيضا ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله »(33)أي بعد موته يسمى جيفة قد فارقته الروح فلا تحبسوا جيفته أي جنازته بين ظهراني أهله بل أسرعوا بها وادفنوها وكذلك أيضا ثبت قوله -صلى الله عليه وسلم- لعلي: « يا علي ثلاث لا تؤخرهن: الصلاة إذا حضر وقتها، والجنازة إذا وجدت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا »(34)فذكر من جملتها الجنازة إذا حضرت فلا تؤخر، كذلك أيضا على ورثته الإسراع بقضاء دينه، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: « نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه »(4)وكان -عليه الصلاة والسلام- « إذا آتاه ميت سأل هل عليه دين؟ فإذا قالوا: ليس عليه دين صلى عليه، وإلا لم يصل عليه »(35)حتى يتكفل بالوفاء عنه أحد أصحابه ولما تكفل أبو طلحة بتحمل دينارين عن ميت وقضاهما، قال: « الآن بردت عليه جلدته »(36).

بعد ذلك الكفن، الواجب في الكفن ثوب يستر جميعه، هذا هو الواجب ثوب يعني لفافة تستره من رأسه إلى قدمه يستر الرأس وتستر القدمان، هذا هو أقل شيء للرجل أو المرأة، ولكن الأفضل للرجل ثلاثة ثياب، وذكروا أنه قبل ذلك يجعل على عورته خرقة تشد الحنوط الذي بين أليتيه وعلى عورته شبيهة بالتبان، التبان هو السراويل بلا أكمام يعني خرقة يضعها على أليتيه وتكون مشقوقة الطرف ثم يدخل شقتيها بين فخذيه حتى تستر عورته قبله ودبره.

ثم يعمد على الشقين ويدخلهما تحته ويربط بعضهما ببعض من خلفه، فتكون بذلك قد سترت عورته، ثم توضع الخرقة الأولى ويوضع عليها شيء من الحنوط ثم الثانية فوقها، ثم الثالثة فوقها، ثم يوضع الميت عليها ويرد طرف الخرقة على جنبه الأيمن، وطرفها الثاني على جنبه الأيسر، ثم الثانية والثالثة كذلك ثم العقد والخرق فوق ذلك، وتكون سبع خرق دقيقة تربط إحداهما وراء قدميه والأخرى وراء رأسه، والخمس في وسطه على صدره وعلى بطنه وعلى أليتيه، وعلى فخذيه، وعلى ساقيه معروفة عند المغسلين.

هذه الخرق الدقيقة التي يعقدونها عليه ثم يعقدون أطرافها، وإذا وضع في القبر تحل هذه العقد فقط تحل العقدة وتبقى الخرقة على حالتها؛ لأنه عادة ينتفخ فإذا حلت لن ترده هذا هو السبب.

أما المرأة فإنها تكفن في خمسة، في خمسة أثواب: الأول: إزار كإزار المحرم يلف على العورة. والثاني: قميص يعني خرقة يشق وسطها للرأس ويجعل نصفها فراشا ونصفها لحافا، وتكون ساترة من الرقبة إلى القدمين. والثالث: خمار يلف به الرأس هذه ثلاث. والرابع والخامس لفافتان كلفافتي الرجل إحداهما فوق الأخرى، وهذا هو الكفن.

يستثنى المحرم لا يغطى رأسه، وكذلك المحرمة لا يغطى وجهها هكذا نص الفقهاء، وبعضهم قال: ما دام أنها سوف تقدم للرجال فلا بد أنها تغطى حتى تستر عن نظر الرجال، ولو كانت محرمة وهذا هو الصحيح.

وإذا وضع في قبره فلا يكشف وجهه هذا هو الصحيح، وما روي عن بعضهم أنه يكشف وجه المحرم لا أذكر له دليلا.

بعد ذلك يقدم للصلاة عليه، يفضل أن الذي يتولى الصلاة عليه وصيه، فإذا أوصى قال: يصلي عليَّ فلان فإنه يختار ويقدم، وإذا لم يوص صلى عليه من هو معروف بالفقه والعلم.

صفة الصلاة عليه:

ذكر هنا أربع تكبيرات أن يكبر الأولى، فيقرأ الفاتحة بالتسمية ثبت « أن ابن عباس قرأ في صلاة الجنازة الفاتحة وأسمع من خلفه، وقال: لتعلموا أنها سنة »(37)فأفاد بأنها من السنة يعني من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد جعلوها ركنا.

قالوا: أركان الصلاة على الجنازة أربعة: الفاتحة والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- والتكبيرات والدعاء للميت، فلا بد من هذه كلها، فالفاتحة تعتبر ركنا كما أنها ركن في الصلاة العادية.

بعد الثانية يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- كالصلاة عليه في آخر التشهد: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد إلى قوله: وبارك على محمد إلى قوله إنك حميد مجيد.

بعد التكبيرة الثالثة يأتي بهذا الدعاء. الدعاء ينقسم إلى قسمين دعاء عام، ودعاء خاص فالدعاء العام إذا قال: « اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وشاهدنا وغائبنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان »(38).

هذا هو الدعاء العام، يؤتى به في الدعاء في الصلاة على الصغير وعلى الكبير؛ لأنه يذكر فيه كل مسلم، أما الدعاء الخاص فهو الذي ذكره هنا، وهو حديث عمرو بن عوف ذكر « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على جنازة قال: فحفظت من دعائه قوله: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونَقِّه من الذنوب أو نَقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وأدخله الجنة، وقِهِ من عذاب القبر وعذاب النار »(39) .

هذا ما روي في هذا الحديث وفي بعضها زيادات، ويستحب أن يقول: اللهم قه من عذاب القبر وعذاب النار وأفسح له في قبره، ونور له فيه؛ لمناسبة ذلك.

وروى الشافعي أيضا زيادة أدعية مثل قوله: « اللهم إنه عبدك وابن عبدك مُنْزَل بجوارك وأنت خير مُنْزَل به ولا نعلم إلا خيرا »(15)ومثل قوله: « اللهم أنت ربه وأنت خلقته وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئنا شفعاء إليك فاغفر له، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه »(40) يختار من الدعاء ما يناسبه.

روى أبو داود عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء »(41)ولم يحدد. دل على أنهم مأمورون بأن يجتهدوا في الدعاء ويخلصوا له مما تيسر، أما إذا كان طفلا إذا كان الميت صغيرا فيستعمل الدعاء العام: « اللهم اغفر لحينا وميتنا »(38)إلى آخره، ثم بعد ذلك يأتي بهذا الدعاء: اللهم اجعله فرطا لوالديه وذخرا.

الفرط: هو الذي يذهب قدام الوالدين يهيئ لهم المورد، قال -صلى الله عليه وسلم-: « أنا فرطكم على الحوض »(42)يعني أتقدمكم أهيئ لكم المشرب عادة العرب إذا وردوا علي الماء أقبلوا على الماء، ومعهم دوابهم أرسلوا واحدا معه حبل ودلو يهيئ لهم الماء يسمونه الفرَط، كأنه تقدمهم؛ فلذلك يدعى أن يكون هذا الطفل فرطا لأبويه يعني مقدما ليصلح لهم أو يهيئ لهم المنزل الذي يأتونه وهو الثواب في الآخرة فيدعى للميت بقول: اللهم اجعله ذخرا، اللهم اجعله فرطا لوالديه وذخرا.

يعني زخرا عند الله وشفيعا مجابا؛ لأنه ورد أيضا أن الأطفال يشفعون لآبائهم إذا ماتوا صغارا، ونقول: اللهم ثقل به موازينهما، ففي حديث أبي عبد الرحمن الطويل أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه »(15)فدل على أن الأفراط الذين ماتوا وهم صغار يكونوا سببا في ثقل موازين أبويهما وعظم أجورهما، وفي بعض الروايات « وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقِهِ برحمتك عذاب الجحيم »(15) .

في حديث سمرة في الرؤيا التي رآها النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « …فأتينا على رجل طويل وعنده أطفال كثير، أكثر ما رأيت فقيل لي: أما الرجل فإنه إبراهيم وأما الأطفال فإنهم أولاد المسلمين الذين ماتوا صغارا وهم تحت كفالة إبراهيم »(43) .

ثم يكبر ويسلم، يعني هكذا ذكروا اقتصر الشيخ -رحمه الله- على أربع تكبيرات قد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- كبر أحيانا خمسة وكذلك بعض الصحابة كبر بعضهم سبعا على ميت، وقال: إنه بدري، فدل على أنه يجوز الزيادة على أربع ولكن المشهور الاقتصار على أربع لصلاته -صلى الله عليه وسلم- على النجاشي صلاة غائب يقول: « صفنا وراءه وكبر أربعا »(44)في الغائبين لا يستنكر إذا زاد على أربع كخمس أو ست في بعض الأحوال أو لبعض الأشخاص يعني بعض الأشخاص يناسبهم.

وكذلك لو كانت الصلاة على كبير وصغير فإنه يندب أن يكبر خمسا حتى يكون الدعاء للميت الصغير بعد الرابعة، أما إذا كان اقتصر على أربع فإنه يقف بعد الرابعة قليلا واختلفوا ماذا يقول؟ وذكر النووي أنه يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله، وهو الدعاء الذي ذكره المؤلف في آخر الدعاء، يعني أنه لا يسلم بعد الرابعة مباشرة بل يقف قليلا، قد كان كثير من السلف يقف بعد الرابعة قليلا حتى يخيل إلى الناس أنهم سوف يأتون بخامسة فيدعون، لا شك أن هذا الوقوف لا بد فيه من دعاء ليس هو وقوف مع سكوت، أما التسليم فالجمهور على أنه يقتصر على تسليمة واحدة يقصد بها الخروج من الصلاة، لكن لو سلم تسليمتين قياسا على بقية الصلوات فلا يستنكر ذلك لوروده في بعض الأقوال.

يندب كثرة المصلين على الميت، فكلما كانوا أكثر كان أقرب إلى مغفرة الذنب وأقرب إلى الشفاعة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: « ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه »(5)أربعون حثا على كثرة المصلين، وفي حديث آخر أنه عليه السلام قال: « من صلى عليه مائة مسلم من أهل التوحيد غفر له »(45)أو كما قال، مائة رجل أو مائة مسلم حتى ولو كان بعضهم من الإناث، وكان النساء يشهدن الصلاة على الجنائز إذا لم تكن في المقابر، ولما مات عبد الرحمن بن عوف طلبت عائشة أن يُصَلَّى عليه في المسجد حتى تشترك في الصلاة عليه هي وأمهات المؤمنين.

يندب للمسلم أن يحرص على الصلاة على الجنائز وعلى اتباعها، فكما أن من حق أخيك عليك أن تعوده في مرضه فكذلك من حقه، ومن حق أقربائه أن تشهد جنازته، أن تصلي عليه وأن تشيعه حتى يتم تجهيزه، وحتى يتم دفنه ولك في ذلك أجر هذا الحديث متفق عليه رواه أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قالوا: وما قيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبل العظيم من الأجر »(46).

يعني أن له أجرا كبيرا كأنه يحصل له ما يساوي هذا الجبل، ولا نعلم ما كيفية هذا القيراط ولا من أي شيء ولكنه مقدار من الأجر، والعادة أنهم كانوا يصلون على الأموات في البقيع قرب المقبرة لكنها دونها فيأتون ثم يصفون هناك ويصلون عليه ثم يحملونه إلى القبر، ولكن قد لا يتيسر لكل أحد أن يشيعه ويذهب إلى المقابر فلأجل ذلك اختير الصلاة عليه في المساجد التي يجتمع فيها المصلون، فليس كل منهم يتفرغ لتشييعه واتباعه، ولكن من شيَّعه واتبعه حتى يدفن فله هذا الأجر، الأجر من الله -تعالى- مع ما فيه من أداء حق من حق أخيه المسلم؛ ولأن فيه أيضا من حق أقربائه فإنهم إذا رأوك تشيعه وتتبعه عرفوا بذلك مودتك وصداقتك ومحبتك لهم وذلك مما يسبب المحبة للمسلمين من بعضهم لبعض.

تكلم العلماء هنا على حمل الجنازة الأصل أنهم كانوا يحملونها على الرقاب كما ذكرنا في بعض الأحاديث، يقال: يسن التربيع في حمله، وما كيفية التربيع؟ العادة أن الذي يحمله أربعة، فالتربيع هو أنك تبدأ بطرف العمود الأيسر المقدم فتضعه على منكبك الأيمن وتحمله قليلا، ثم إذا أخذه منك آخر تأخرت وحملت طرفه المؤخر الأيسر أيضا على منكبك الأيمن، ثم انتقلت إلى مقدم طرف السرير الأيمن تحمله على منكبك الأيسر ثم تتأخر، وتحمل مؤخره على منكبك الأيسر، فتكون كأنك قد حملت الجنازة حملت أولا ربعا، ثم ربعا، ثم ربعا، ثم ربعا فهذا هو معنى قولهم: يسن التربيع في حمله.

وأباح بعضهم أن يحمله بين العمودين: العمودان هما المقدمتان يعني لو حمل ما بينهما أو حمل في الوسط فكل ذلك جائز ومن السنة، وكما ورد تكلموا أيضا على المشيعين، في ذلك الوقت كان المشيعون مشاة غالبا، وقد يكون بعضهم ركبانا يركب أحدهم على فرس أو على حمار، أو على بعير، فقالوا: يسن أن يكون الركبان خلفها والمشاة أمامها، ويجوز العكس، وكان كثير من الصحابة أحيانا يمشون قدام الجنازة وأحيانا يمشون خلفها والمشي خلفها أولى؛ لأن ذلك هو الاتباع « إذا وضعت الجنازة على السرير واتبعها الرجال »(47).

وضعها في القبر: كما ذكرنا أن ينزل من قِبَل رجلي القبر، يدلون رأسه من قبل رجلي القبر، لا يدلون رجليه أولا مخافة أن يتحرك بطنه ويخرج منه شيء فيسن أن يدلى على رأسه ثم يوضع على جنبه الأيمن ويوجه إلى القبلة كما ذكرنا، ثم يوضع اللبن عليه، واللحد أفضل من الشق، اللحد هو المعروف الآن، والشق أن يشق في وسط القبر حفرة ويوضع عليها اللبن ورعاء، وذلك جائز ولكن اللحد أفضل وفي حديث سعد أنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: « ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- »(48).

يسن عند إدخاله أن يقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، محافظة على السنة؛ لأن هذا من السنة بسم الله وعلى ملة رسول الله، يسن إذا انتهوا من صف اللبن ووضعوا عليه الطين البداءة بالدفن ويسن أن تحثو عليه ثلاث حثيات إن تيسر من قبل رأسه تأخذ قبضة من التراب وتلقيها بسم الله وعلى ملة رسول الله، بسم الله وعلى ملة رسول الله. ثلاث مرات هكذا استحبوا وإن زدت فوق ذلك فلا بأس بعد ذلك إذا سوي القبر يندب أو لا يجوز أن يجصص، « نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه »(49) رواه مسلم.

الجص هو هذا المعروف الأبيض، وقريب منه ما يسمى بالجبس فإنه يبيضه، والسبب في ذلك أنه إذا بيض فقد يكون لافتا للأنظار، ومن رآه اعتقد بأن له ميزة وأن له خاصية فربما يؤدي ذلك إلى تعظيمه أو إلى تخصيصه بشيء، لا يجوز فلذلك نهى أن تجصص القبور، وكذلك نهى أن يبنى على القبر؛ لأنه إذا بني عليه ورفع لفت الأنظار، وكان أيضا سببا في تعظيمه أو عبادته من دون الله؛ فقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- أرسل عليا وقال: « لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته »(50)يعني سويته بالقبور، ورأيته مشرفا يعني مرتفعا عن بقية القبور فَسَوِّه ببقية القبور، وأن يقعد عليه.

ورد فيه حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يقعد على قبر »(51) ؛ وذلك لأن قعوده عليه فيه امتهان لأخيه المسلم، ولو كان ميتا، ولو كان لا يشعر بذلك بل عليه أن يحترمه حيا وميتا، « كان -صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل »(52)رواه أبو داود وصححه.

أي بعد ما يتم دفنه، وينتهون منه يقوم عند رأسه ويقول: اللهم أنطقه بالحق اللهم ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لقنه حجته، اللهم ثبته على الصراط، وما أشبه ذلك فهذه الدعوات تثبيت له، وتذكير له تدعو له بأن يذكره الله -تعالى- حجته يعني عندما يفتن ويُسْأَل في قبره: مَن ربك؟ ما دينك؟ إلى آخره.

يقول: فإنه الآن يُسأل، أي في هذه الحال بدأ سؤاله الذي هو سؤال فتنة القبر ونعيمه ونحو ذلك.

بعد ذلك تسن تعزية الميت المصاب، تعزية المصاب بالميت متى يبدأ المعزي من حين الموت اعتاد كثير من الناس أنهم لا يبدءون بالتعزية إلا بعد الدفن فتجدهم يقبلون ذلك الولي الأخ أو الابن أو نحو ذلك ويعزونه، نقول: إن الأصل أن من مات له ميت فإنه في تلك الحال يعزى ويصلى ويدعى لميته ويترحم عليه فيقول مثلا: جبر الله مصابك وأحسن عزاءك وغفر لميتك، ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فعليك بالصبر والاحتساب.

ويستعمل ما روي من ألفاظ التعزية كقوله: « إن في الله خلفا لكل فائت ودركا من كل هالك فبالله ثقوا وإياه فارجعوا فإن المصاب من حرم الثواب »(15)ويحثهم على الاسترجاع وهو أن يقولوا: « إنا لله وإنا إليه راجعون »(53)ويحثهم على الصبر والصبر عند الصدمة الأولى كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام.

أما البكاء على الميت ففي هذا الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- بكى على الميت « لما رفع إليه طفل ابن بنته ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، إنما يرحم الله من عباده الرحماء »(54) فبكى على الميت وقال: إنها رحمة، ولما مات ابنه إبراهيم بكى أيضا وقال: « العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإن بفراقك يا إبراهيم لمحزونون »(55)ففرق بين البكاء وبين غيره.

ولما أنه حضر عند بعض أصحابه ثم بكى وبكوا كأنهم استغربوا ذلك فقال: « إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن قلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم يعني اللسان »(56) كأنه يحثهم على الصبر والتسلي وعدم رفع الصوت، وكان ينهى عن النياحة لعن النائحة والمستنيحة « وبرء من الصالقة والشاقة والحالقة »(57)برء منهم: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها، والحالقة التي تحلق شعرها أو تنتفه وليس خاصا بالنساء، ولكن كان هو الأغلب، وقال -صلى الله عليه وسلم-: « ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية »(58)وخص الجيوب؛ لأن عادتهم إذا جاءهم خبر ميت فإن المرأة ونحوها تمسك جيببها وتشقه حزنا على ما حصل لها من فوات هذا الميت.

كذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بزيارة القبور وقال: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة »(59)وكان قد نهاهم عن زيارة القبور؛ لما كانوا حديثوا عهد بإسلامهم؛ لما كانوا في أول الأمر مخافة الفتنة؛ مخافة الغلو في القبور فرَخص لهم بعد ذلك في زيارة القبور لأمرين: أنها تذكر الآخرة، وأنهم يدعون للأموات ويترحمون عليهم، واستثني من ذلك النساء فإنهن لا يزرن القبور.

والرخصة خاصة بالرجال النهي عام ثم ورد التخصيص للرجال، ونهى النساء عن ذلك وقال: « لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج »(60)خص النساء؛ لأن المرأة ضعيفة عندما تزور القبر فقد لا تتحمل، وقد تصيح أو تنوح أو تتذكر قريبها أو نحو ذلك، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى نسوة متوجهة إلى المقبرة في تشييع ميت فقال لهن: « هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: هل تدفن أو كما قال؟ قلن: لا، فقال: ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تؤذين الأموات وتفتن الأحياء »(61)فأمرهن بالرجوع قبل أن يصلن إلى القبور.

وروى أبو داود والترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « رأى فاطمة جاءت من قِبَل البقيع فسألها أين ذهبت؟ فقالت: إلى أهل الميت ذلك أعزيهم في ميتهم فقال لعلك بلغت معهم الكداء؟ قالت: معاذ الله لقد سمعتك تنهى عن ذلك، فقال: لو بلغت مهم الكداء ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك »(62)هكذا في سنن أبي داود فيفيد أن الإذن خاص بالرجال.

زيارة القبور قيل: إنها كل أسبوع أو كل شهر وبعضهم يقول: كلما أحس في قلبه بقساوة زارها حتى يجدد العهد بالأموات، وحتى يلين قلبه، وحتى يدعو، وليس لذلك حد محدود ولا يوم محدد ينبغي لمن زارها أن يقول: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم نسأل الله لنا ولكم العافية »(63)يجوز تقديمها أو تأخيرها.

ومن ذلك أنه يدعو لهم ويقول: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد يدعو لهم بالرحمة، كذلك لا يغفل أهل الميت عن ميتهم بل ينبغي أن يدعوا له، وأن يتصدقوا عنه وأن يتقربوا له بأي قربة حتى ينفعه؛ لأنه قد انقطع عمله، وهو بحاجة إلى من يهدي له شيئا، ولذلك يقول: "أي قربة فعلها وجعل ثوابها لمسلم نفعه ذلك" لأنه لو كان ذلك المسلم ميتا نفعه ذلك.

في هذه المسألة كلام طويل وخلاف بين العلماء المتقدمين والمتأخرين فمنهم من يقول: إن الميت لا ينتفع بشيء من عمل الحي، ويستدلون بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (64) والصحيح أن المراد ليس له ملك إلا ما سعى، فأما إذا أهديت له عملا، فإن ذلك ينفعه فمن ذلك الصلاة عليه تنفعه، ومن ذلك الصدقة عنه، في حديث « أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت عليها نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم »(65)فأمره بأن يتصدق عنها، وكذلك الحج والعمرة تنفع عن الميت، فقد ثبت أنه عليه السلام: « لما استأذنه رجل في أبيه الذي لا يثبت على الراحلة أو أمه قال له: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء »(66) .

فأمره بأن يحج ويعتمر عن أبويه كل ذلك دليل على أن ذلك ما ينفع الميت إذا أهدي له عمل، واختلف في إهداء الأعمال البدنية، والصحيح أنه يصل إليه الثواب فلو مثلا صليت ركعتين وجعلت ثوابها لميت نفعه ذلك على عموم كلام الفقهاء؛ وكذلك أيضا لو صمت عنه بل قد ورد نص في الصيام صريحا قال -صلى الله عليه وسلم-: « من مات وعليه صيام صام عنه وليه »(67).

والأحاديث واضحة في ذلك، وعلى كل حال الصحيح الذي نختاره أنه يصل إليه كل عمل سواء كان عمليا بدنيا قوليا كل ذلك ينتفع به إذا أهداه له قريبه أو غير قريبه من المسلمين، وبهذا نكون انتهينا من كتاب الجنائز، ونقرأ إن شاء الله في الأسبوع الآتي الزكاة وما بعدها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.

قسم العبادات ويشتمل على الصلاة والزكاة والصوم والحج، وألحق به بعضهم الجهاد، وأهمه الصلاة ثم الزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، فلذلك صار الفقهاء على هذا الترتيب فبدءوا بالصلاة لأهميتها؛ ولأنها تتعلق بالأبدان؛ وأتبعوها بالزكاة؛ لأنها حق المال انتهينا من الصلاة، وما يتعلق بها والآن نواصل القراءة:


(1) مسلم : الجنائز (916) , والترمذي : الجنائز (976) , والنسائي : الجنائز (1826) , وأبو داود : الجنائز (3117) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1445) , وأحمد (3/3).
(2) أبو داود : الجنائز (3121) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1448) , وأحمد (5/26).
(3) البخاري : الجنائز (1315) , ومسلم : الجنائز (944) , والترمذي : الجنائز (1015) , والنسائي : الجنائز (1911) , وأبو داود : الجنائز (3181) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1477) , وأحمد (2/240) , ومالك : الجنائز (574).
(4) الترمذي : الجنائز (1078) , وابن ماجه : الأحكام (2413) , وأحمد (2/440) , والدارمي : البيوع (2591).
(5) مسلم : الجنائز (948) , وأحمد (1/277).
(6) البخاري : الإيمان (47) , ومسلم : الجنائز (945) , والترمذي : الجنائز (1040) , والنسائي : الجنائز (1997) , وأبو داود : الجنائز (3168) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1539) , وأحمد (2/387).
(7) مسلم : الجنائز (970) , والترمذي : الجنائز (1052) , والنسائي : الجنائز (2027) , وأبو داود : الجنائز (3225) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1563) , وأحمد (3/339).
(8) أبو داود : الجنائز (3221).
(9) البخاري : الجنائز (1303).
(10) مسلم : الجنائز (976) , والنسائي : الجنائز (2034) , وأبو داود : الجنائز (3234) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1569) , وأحمد (2/441).
(11) البخاري : الدعوات (6351) , ومسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2680) , والترمذي : الجنائز (971) , والنسائي : الجنائز (1821) , وأبو داود : الجنائز (3108) , وابن ماجه : الزهد (4265) , وأحمد (3/208).
(12) سورة مريم: 23
(13) البخاري : الطب (5678) , وابن ماجه : الطب (3439).
(14) البخاري : الوصايا (2738) , ومسلم : الوصية (1627) , والترمذي : الجنائز (974) , والنسائي : الوصايا (3616) , وأبو داود : الوصايا (2862) , وابن ماجه : الوصايا (2699) , وأحمد (2/3) , ومالك : الأقضية (1492).
(15)
(16) الترمذي : الزهد (2307) , والنسائي : الجنائز (1824) , وابن ماجه : الزهد (4258) , وأحمد (2/292).
(17) الترمذي : الزهد (2307) , والنسائي : الجنائز (1824) , وابن ماجه : الزهد (4258) , وأحمد (2/292).
(18) مسلم : الزكاة (1054) , والترمذي : الزهد (2348) , وابن ماجه : الزهد (4138) , وأحمد (2/172).
(19) مسلم : الزهد والرقائق (2958) , والترمذي : الزهد (2342) , والنسائي : الوصايا (3613) , وأحمد (4/24).
(20) البخاري : الرقاق (6442) , والنسائي : الوصايا (3612) , وأحمد (1/382).
(21) أبو داود : الجنائز (3116) , وأحمد (5/233).
(22) البخاري : المرضى (5674) , ومسلم : فضائل الصحابة (2444) , والترمذي : الدعوات (3496) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1619) , وأحمد (6/45) , ومالك : الجنائز (562).
(23) سورة يس: 26 - 27
(24) سورة يس: 55 - 56
(25) البخاري : الجنائز (1253) , ومسلم : الجنائز (939) , والترمذي : الجنائز (990) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1459) , وأحمد (6/407).
(26) أبو داود : الجنائز (3141) , وأحمد (6/267).
(27) البخاري : الوضوء (167) , ومسلم : الجنائز (939) , والنسائي : الجنائز (1884) , وأبو داود : الجنائز (3145).
(28) البخاري : الجنائز (1259) , ومسلم : الجنائز (939) , والترمذي : الجنائز (990) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1459) , وأحمد (6/407).
(29) البخاري : الحج (1849) , ومسلم : الحج (1206) , والترمذي : الحج (951) , والنسائي : مناسك الحج (2855) , وأبو داود : الجنائز (3238) , وابن ماجه : المناسك (3084) , وأحمد (1/328) , والدارمي : المناسك (1852).
(30) البخاري : الجنائز (1315) , ومسلم : الجنائز (944) , والترمذي : الجنائز (1015) , والنسائي : الجنائز (1911) , وأبو داود : الجنائز (3181) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1477) , وأحمد (2/240) , ومالك : الجنائز (574).
(31) ابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1479) , وأحمد (4/406).
(32) البخاري : الجنائز (1314) , والنسائي : الجنائز (1909) , وأحمد (3/41).
(33) أبو داود : الجنائز (3159).
(34) الترمذي : الجنائز (1075) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1486) , وأحمد (1/105).
(35) البخاري : الحوالات (2297) , ومسلم : الفرائض (1619) , والترمذي : الجنائز (1070) , والنسائي : الجنائز (1963) , وابن ماجه : الأحكام (2415) , وأحمد (2/453) , والدارمي : البيوع (2594).
(36) أحمد (3/330).
(37) البخاري : الجنائز (1335) , والترمذي : الجنائز (1027) , والنسائي : الجنائز (1988) , وأبو داود : الجنائز (3198).
(38) الترمذي : الجنائز (1024) , والنسائي : الجنائز (1986) , وأحمد (4/170).
(39) مسلم : الجنائز (963) , والترمذي : الجنائز (1025) , والنسائي : الجنائز (1984) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1500) , وأحمد (6/23).
(40) أبو داود : الجنائز (3200).
(41) أبو داود : الجنائز (3199) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1497).
(42) البخاري : الرقاق (6575) , ومسلم : الفضائل (2297) , وأحمد (5/393).
(43) البخاري : التعبير (7047) , وأحمد (5/8).
(44) البخاري : الجنائز (1245) , ومسلم : الجنائز (951) , والترمذي : الجنائز (1022) , وأبو داود : الجنائز (3204) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1534) , ومالك : الجنائز (530).
(45) ابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1488).
(46) البخاري : الإيمان (47) , ومسلم : الجنائز (945) , والترمذي : الجنائز (1040) , والنسائي : الجنائز (1997) , وأبو داود : الجنائز (3168) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1539) , وأحمد (2/387).
(47) البخاري : الجنائز (1314) , والنسائي : الجنائز (1909) , وأحمد (3/41).
(48) مسلم : الجنائز (966) , والنسائي : الجنائز (2008) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1556) , وأحمد (1/184).
(49) مسلم : الجنائز (970) , والترمذي : الجنائز (1052) , والنسائي : الجنائز (2027) , وأبو داود : الجنائز (3225) , وأحمد (3/339).
(50) مسلم : الجنائز (969) , والترمذي : الجنائز (1049) , والنسائي : الجنائز (2031) , وأبو داود : الجنائز (3218) , وأحمد (1/138).
(51) مسلم : الجنائز (971) , والنسائي : الجنائز (2044) , وأبو داود : الجنائز (3228) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1566) , وأحمد (2/389).
(52) أبو داود : الجنائز (3221).
(53) مسلم : الجنائز (918) , وأبو داود : الجنائز (3119) , وأحمد (6/313) , ومالك : الجنائز (558).
(54) البخاري : التوحيد (7377) , ومسلم : الجنائز (923) , والنسائي : الجنائز (1868) , وأبو داود : الجنائز (3125) , وأحمد (5/204).
(55) البخاري : الجنائز (1303) , ومسلم : الفضائل (2315) , وأبو داود : الجنائز (3126) , وأحمد (3/194).
(56) البخاري : الجنائز (1304) , ومسلم : الجنائز (924).
(57) مسلم : الإيمان (104) , وأحمد (4/397).
(58) البخاري : الجنائز (1297) , ومسلم : الإيمان (103) , والترمذي : الجنائز (999) , والنسائي : الجنائز (1860) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1584) , وأحمد (1/465).
(59) مسلم : الجنائز (976) , والنسائي : الجنائز (2034) , وأبو داود : الجنائز (3234) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1569) , وأحمد (2/441).
(60) الترمذي : الصلاة (320) , والنسائي : الجنائز (2043) , وأبو داود : الجنائز (3236) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1575) , وأحمد (1/337).
(61) ابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1578).
(62) النسائي : الجنائز (1880) , وأبو داود : الجنائز (3123) , وأحمد (2/168).
(63) مسلم : الجنائز (975) , والنسائي : الجنائز (2040) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1547) , وأحمد (5/353).
(64) سورة النجم: 39
(65) البخاري : الجنائز (1388) , ومسلم : الزكاة (1004) , والنسائي : الوصايا (3649) , وأبو داود : الوصايا (2881) , وابن ماجه : الوصايا (2717) , وأحمد (6/51) , ومالك : الأقضية (1490).
(66) البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة (7315) , والنسائي : مناسك الحج (2632) , وأحمد (1/239).
(67) البخاري : الصوم (1952) , ومسلم : الصيام (1147) , وأبو داود : الصوم (2400) , وأحمد (6/69).