موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب صفة الصلاة - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب صفة الصلاة

باب صفة الصلاة

يستحب أن يأتي إليها بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد قال: « باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك »(1) ويقدم رجله اليمنى لدخول المسجد، واليسرى للخروج منه، ويقول هذا الذكر إلا أنه يقول: « وافتح لي أبواب فضلك »(2) كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه.

فإذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر" ورفع يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى شحمتي أذنيه في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، كما صحَّت بذلك الأحاديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم، ويضع يده اليمنى على اليسرى تحت سرته أو فوقها أو على صدره، ويقول: « سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك »(3) أو غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي- صلى الله عليه وسلم-.

ثم يتعوذ، ويبسمل، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ معها في الركعتين الأوليين من الرباعية والثلاثية سورة، تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، يجهر في القراءة ليلا، ويسر بها نهارا إلا الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء فإنه يجهر.

ثم يكبر للركوع، ويضع يديه على ركبتيه، ويجعل رأسه حيال ظهره، ويقول: "سبحان ربي العظيم" ويكرره، وإن قال مع ذلك في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" فحسن، ثم يرفع رأسه قائلا: "سمع الله لمن حمده" إن كان إماما أو منفردا، ويقول أيضا: « ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماء، وملء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد »(4) .

ثم يسجد على أعضائه السبعة كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه والكفين والركبتين وأطراف القدمين »(5) متفق عليه، ويقول: "سبحان ربي الأعلى".

ثم يكبر ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، وهو الافتراش، وجميع جلسات الصلاة في افتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يتورك بأن يجلس على الأرض، ويخرج رجله اليسرى من الخلف الأيمن ويقول: « رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني »(6) ثم يسجد الثانية كالأولى.

ثم ينهض مكبرا على صدور قدميه ويصلي الركعة الثانية كالأولى، ثم يجلس للتشهد الأول وصفته: « التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله »(7) .

ثم يقوم لبقية صلاته، ويقتصر في الذي بعد التشهد على الفاتحة، ثم يتشهد في الجلوس الأخير وهو المذكور، ويقول أيضا: « اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد »(8) « أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال »(9) ويدعو بما أحب، ثم يسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.


هنا وصف الصلاة -رحمه الله- صفة كاملة يعني: مقنعة لمن أراد الاتفاق، حتى إنه أتى فيها بالسنن، وأتى فيها بالمستحبات.

فأولا: في الطريق إليها يأتي إليها بسكينة ووقار، ورد ذلك في حديث يعني: حتى في طريقه يمشي ولا يسرع ولا يكثر الحركة حتى قال في الحديث: « إذا أتى أحدكم إلى الصلاة فلا يشبكن بأصابعه، فإنه في صلاة »(10) إذا دخل المسجد دعا بقوله: « باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك »(11) .

هذا ذكر، ثم دعاء، فالذكر قوله: « باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله »(12) لأن الصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم- سبب من أسباب قبول الدعاء، الدعاء قوله: « اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك »(12) لما كان داخلا إلى المسجد كان بحاجة إلى سؤال الرحمة، فقال: « افتح لي أبواب رحمتك »(12) وإذا خرج فإنه يقول: « باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب فضلك »(13)وذلك لأنه في حاجة إلى طلب الرزق.

وفي دخوله يقدم رجله اليمنى، وفي خروجه يقدم اليسرى لتكون اليمنى أول ما يدخل وآخر ما يخرج، كما أنه إذا دخل بيت الخلاء قدم اليسرى دخولا، وقدم اليمنى خروجا تكريما لليمين.

وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، لا يجزئ غيرها خلافا لبعض الحنفية الذين يقولون: إنه يجزئ كل كلمة تدل على التعظيم، أما الجمهور فقالوا: لا بد من التكبير لقوله- صلى الله عليه وسلم-: « تحريمها التكبير وتحليلها التسليم »(14) .

رفع اليدين: ذكر أنه في أربعة مواضع إذا افتتح الصلاة عند تكبيرة الإحرام، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من التشهد الأول، يرفع يديه كلتيهما، منتهى الرفع، قيل: إنه إلى المنكبين، وقيل: إلى شحمتي الأذنين، وقيل: إلى فروع الأذنين، والكل جائز، يعني: هو مهيأ؛ وذلك لأن الرفع ورد مطلقا؛ لأنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود، هكذا في حديث ابن عمر، وخالف في ذلك الحنفية، فلا يرفعون إلا في التحريمة، وخالف في ذلك الإباضية من المبتدعة، ولا عبرة بخلافهم، وكذلك الرافضة ونحوهم.

بعدما يكبر ويرفع يديه، يقبض اليدين، يقبض اليسرى باليمنى، ثم هذا القبض يعتبر من السنن، قيل: إنه يضعهما تحت سرته أو فوق سرته أو على صدره، ورد في ذلك آثار، ولكن الأرجح أنه على صدره؛ ليكون ذلك من باب الاهتمام، فإن من اهتم بشيء فإنه يقبض عليه، فكأنه مهتم بقلبه؛ فيقبض قلبه بيديه حتى يكون أجمع له، وأبعد عن تشتت القلب.

بعد ذلك يستفتح، اختار الإمام أحمد هذا الاستفتاح « سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك »(3) في صحيح مسلم أن عمر كان يجهر به، وكذلك -أيضا- روته عائشة، ولكن ما هو في صحيح مسلم، بل في السنن، فهو ثناء مختصر جامع؛ فلذلك اختاره الإمام أحمد، بدأه بالتسبيح، ثم بالحمد الذي هو الثناء على الله، ثم بالبركة التي هي كثرة الخير، ثم بالعلو « تعالى جدك »(15)يعني: حظك وما تستحقه، ثم بالتوحيد « ولا إله غيرك »(16) .

وهناك استفتاحات أخرى مثل قوله: « اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس »(17)هذا مروي في الصحيحين عن أبي هريرة.

هذا الاستفتاح عنه -عليه الصلاة والسلام- في آخر الليل كما في الصحيح عن عائشة أنه كان يقول: « اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم »(18) ومثله حديث علي الطويل أنه كان يقول: « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين.. »(19)إلخ، لكنه طويل، مروي في سنن أبي داود وغيره.

يقول الإمام أحمد: إنه يستحب أن ينوِّع، وكذلك يقول شيخ الإسلام، أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة؛ حتى لا يكون شيء من السنة مهجورا.

ثم بعد الاستفتاح يتعوذ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (20) يعني: إذا أردت القراءة بعد ذلك يبسمل، ولا يجهر بالبسملة في الجهرية، فإنه- صلى الله عليه وسلم- والصحابة لم يكونوا يجهرون بها، يقول أنس: « صليت خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، و»(21)أبي بكر، وعمر، وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية: « كانوا يقرءون يستفتحون ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ »(22) لا يقرءون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها، أي: كانوا يسرون بها.

قراءة الفاتحة ركن، قال -صلى الله عليه وسلم-: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب »(23) ولكنهم خصوها بالإمام والمنفرد، وجعلوا المأموم قراءته تابعة لقراءة إمامه، بعد الفاتحة يقرأ سورة كاملة، يفضل أن يقرأ سورة، وإن قرأ بعض سورة أجزأ لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (24)هذا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، في كل ركعة من الأوليين من هذه الصلوات الأربع، يقرأ بعد الفاتحة سورة، وإن قرأ بعضها أجزأ، سواء من أولها، أو من آخرها، أو من وسطها، ولكن الأفضل سورة كاملة.

هكذا ذكروا في الفجر من طوال المفصل، طوال المفصل من "ق" إلى "المرسلات" يعني: ثلاثة أجزاء، وفي المغرب من قصار المفصل، قصاره من الضحى إلى آخره، وفي الباقي من أوساطه، أوساطه من "عم" إلى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (25)، الظهر والعصر والعشاء يقرأ بأوساطه، يجهر في القراءة ليلا، ويسر في نهاره، في النهار، المغرب والعشاء والفجر ليلية؛ فيجهر فيها، قالوا: إن السبب كون الإنسان قد فرغ، والليل ينقطع فيه الشواغل، فهو بحاجة إلى سماع القرآن، وأما النهار فإنه منشغل، فيقرأ لنفسه.

صلاة الجمعة والعيد والخسوف والاستسقاء نهارية، ولكن يجهر فيها؛ وذلك لأنها تجمع خلقا كثيرا، فاحتيج إلى إسماعهم، قد لا يكون بعضهم يسمع القرآن إلا في ذلك الوقت؛ لأنه لا يسمع السور بعد القراءة والانتهاء منها.

يكبر للركوع، يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويلقم كل يد ركبة، ويجعلها -مثلا- حيال ظهره، وفي حديث عائشة: إنه كان إذا ركع لم يصوب رأسه، ولا يشخصه يعني: لم يدله، ولم يرفعه، ولكن بين ذلك، يسوي رأسه وظهره بحيث لو وضع قدح على ظهره لاستقر، يقول في الركوع: « سبحان ربي العظيم »(26) ثلاث مرات عند الكمال، وتجزئ مرة واحدة.

يستحب في الركوع والسجود بعد التسبيح قوله: « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي »(27) في حديث عائشة أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يقولها بعدما نزل عليهم ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (28) يقول في ركوعه وسجوده: « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي »(27) بعد ذلك يرفع رأسه من الركوع قائلا: « سمع الله لمن حمد »(29) التسبيح يختص بالإمام والمنفرد.

وأما المأموم فإنه يرفع ولا يقول: "سمع الله" وذلك لأن الإمام يُسمِع من خلفه حتى ينبههم فيحمدوا، الجميع يقولون: « ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد »(30) وفيه زيادة في بعض الروايات أنهم يقولون: « أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد »(31) وإن زاد بقوله: « لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد »(32) فحسن، بعدما ينتهي، ورد في هذا الحديث أنه كان يطيل الرفع حتى يقول القائل: قد نسي الركن الذي بعده الركوع وهو الرفع، يطيله حتى يقول القائل: قد نسي، يعني: يقول: طالت.

بعد ذلك يسجد على أعضائه السبعة يقول -صلى الله عليه وسلم-: « أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار إلى أنفه كأنه وضع يده على جبهته، ومسح على أنفه »(33) فالجبهة والأنف عضو واحد، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، هذه هي أعضاء السجود، يسن أن يمكنها، وألا يخل بشيء منها يتعاهد بقدميه؛ لأن بعض الناس يرفع قدميه، ولا يمكنهما.

السجود محل للدعاء لقوله- صلى الله عليه وسلم-: « فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم »(34) لكن ورد أنه يسبح فيه بقول: "سبحان ربي الأعلى" قالوا: « لما نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »(35) قال: اجعلوها في سجودكم « ولما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ »(36) قال: اجعلوها في ركوعكم يقولها مرة، هذا القدر مجزئ، والكمال أدناه ثلاث، وأعلاه بحق الإمام عشر؛ لحديث أنس أنه صلى خلف عمر بن عبد العزيز فقال: « إنه أشبهكم بصلاة النبي- صلى الله عليه وسلم- لما كان أميرا على المدينة، قالوا: فحذونا تسبيحه في الركوع والسجود عشرا عشرا»(37) .

بعد السجود يكبر ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويسمى هذا افتراشا، فالمفترش هو أن يعرض اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويجعل بطون أصابعها إلى الأرض، ورءوس أصابعها إلى القبلة، هذا هو الأفضل، وجميع جلسات الصلاة افتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يتورك -يعني- إن تمكن، أما إذا كان هناك زحام في الصفوف فإنه يفترش أيضا، التورك أن يجلس على الأرض، ويخرج رجليه عن يمينه، وتكون اليمنى منتصبة، واليسرى -يعني- مبسوطة.

بين السجدتين يقول: « ربي اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، وعافني »(38) كما روي ذلك مرفوعا، وإن زاد في الدعاء، وكرر هذا الدعاء فلا بأس.

السجدة الثانية كالأولى، يقول فيها ما يقول في السجدة الأولى، بعدها ينهض مكبرا على صدور قدميه، يختار المؤلف أنه لا يجلس للاستراحة، بل ينهض مكبرا من السجود على صدور قدميه، وكأنها لم تثبت عنده أو أنها خاصة بالكبير؛ لأنها ما رويت إلا عن مالك بن حويرث، وما ذكرها إلا في آخر حياة النبي- صلى الله عليه وسلم-، فلعلها لحاجة أو لكبر أو مرض أو نحوه؛ لذلك لم يذهب إليها إلا الشافعي في رواية، والإمام أحمد رجع إليها، يعني: عمل بها أخيرا، لعله لحاجة.

الركعة الثانية كالأولى إلا أنه ليس فيها استفتاح ولا تعوذ، فلينهض، ثم يبسمل، ويقرأ الفاتحة، ويصلي الركعة كاملة، بعد الركعتين يجلس للتشهد، وجلسته إذا كان التشهد الأول فإنه -كما تقدم- يجلس مفترشا، واختار المؤلف تشهد ابن مسعود، هذا التشهد الذي ساقه هو تشهد ابن مسعود، قال: لأنه لم يختلط عليه فيه، الذين رووه لم يختلفوا ولو بحرف؛ ولأنه يقول: « علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التشهد وكفي بين كفيه »(39) يعني: أنه اهتم به حتى علمه كما يعلمه السورة من القرآن.

وقد روي التشهد عن عمر وعن جابر وعن ابن عباس، وفيه زيادة أو نقص كلمات، ففي تشهد عمر « التحيات لله الزاكيات »(40) وفي تشهد جابر أو ابن عباس « التحيات لله المباركات الطيبات »(41) يعني: زيادة كلمة أو نقص كلمة، والكل جائز بعدما يتشهد التشهد الأول يقول: « عبده ورسوله »(42) يقوم لبقية صلاته إذا كانت رباعية بقي عليه ركعتان، فيقوم للركعتين، وإن كانت ثلاثية قام للركعة التي بقيت، إذا قام فإنه يقتصر في القراءة على الفاتحة، في الركعتين الأخيرتين لا يزيد فيهما عن الفاتحة.

في حديث سعد أنه كان يمد في الأوليين، ويحذف في الأخريين، يمد في الأوليين يعني: الركعتين الأوليين يمد فيهما، ويطيل فيهما، وإن قرأ فيهما زيادة جاز، روي ذلك في حديث أبي سعيد الذي في صحيح مسلم.

وبعدما يصلي الركعتين الأخيرتين، أو الركعة الأخيرة، يجلس للتشهد الأخير، يتشهد له فيأتي بهذا التشهد "التحيات لله.. " إلى آخره، ثم يأتي بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وردت بصفات، واختار المؤلف منها هذه الصفة، والصفات متقاربة، والاختلاف إنما هو في قوله: « كما صليت على »(43) في بعض الروايات « كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم »(44) وفي رواية « كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم »(45) وفي حديث آخر: « كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد »(46) وفي رواية « كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد »(47) اختار المؤلف « كما صليت على آل إبراهيم »(47) .

جمع بين محمد وآله، واقتصر على آل إبراهيم؛ وذلك لأنه أخذه من الآية الكريمة في سورة "هود" وهي قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (48)؛ ولهذا ختم هذا الدعاء وهذه الصلاة بقوله: « إنك حميد مجيد »(49) كما ختمت الآية ب ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (48) ومن هذه الآية أخذ بعض العلماء أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- معناها الرحمة؛ لأنه قال: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (48)وهنا قال: "كما صليت، كما باركت".

بعد هذا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي بهذه الاستعاذة، ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال »(50) ؛ لذلك قال: يقول: « أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال »(9) ويستحضر هذه المعاني، وفيه إثبات عذاب القبر، وأنه يستعاذ منه، وفيه الخوف من الفتنة، الفتنة في الدنيا، والفتنة عند الممات، وفيه التحذير من فتنة الدجال، بعدها يدعو بما أحب، وورد في حديث أنه يختار من الدعاء ما أحب، أو أعجبه إليه.

بعدها التسليم عن يمينه وعن يساره، يختار المؤلف وجوب التسليمتين بأن يقول: « السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله »(51) زيادة "وبركاته" وردت في سنن أبي داود، ولكن يظهر أنه لم يكن يأتي بها دائما، بل يأتي بها أحيانا، والذين روو « السلام عليكم ورحمة الله »(51) خمسة عشر صحابيا، كما ذكر ذلك ابن القيم.


(1) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (713) , والنسائي : المساجد (729) , وأبو داود : الصلاة (465) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (772) , وأحمد (3/497) , والدارمي : الصلاة (1394).
(2��������� �D�����5/���أحمد (6/283).
(3) مسلم : الصلاة (399).
(4) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , والترمذي : الدعوات (3423) , وأبو داود : الصلاة (760) , وأحمد (1/102) , والدارمي : الصلاة (1314).
(5) البخاري : الأذان (812) , ومسلم : الصلاة (490) , والترمذي : الصلاة (273) , والنسائي : التطبيق (1097) , وأبو داود : الصلاة (889) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (883) , وأحمد (1/279) , والدارمي : الصلاة (1318).
(6) الترمذي : الصلاة (284) , وأبو داود : الصلاة (850) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (898).
(7) البخاري : الأذان (831) , ومسلم : الصلاة (402) , والترمذي : النكاح (1105) , والنسائي : السهو (1298) , وأبو داود : الصلاة (968) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (899) , وأحمد (1/427) , والدارمي : الصلاة (1340).
(8) البخاري : أحاديث الأنبياء (3369) , ومسلم : الصلاة (407) , والنسائي : السهو (1294) , وأبو داود : الصلاة (979) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (905) , وأحمد (5/424) , ومالك : النداء للصلاة (397).
(9) البخاري : الجنائز (1377) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (588) , والترمذي : الدعوات (3604) , والنسائي : الاستعاذة (5514) , وأبو داود : الصلاة (983) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (909) , وأحمد (2/477) , والدارمي : الصلاة (1344).
(10) الترمذي : الصلاة (386) , وأبو داود : الصلاة (562) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (967) , وأحمد (4/242) , والدارمي : الصلاة (1404).
(11) الترمذي : الصلاة (314) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (771) , وأحمد (6/283).
(12) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (713) , والنسائي : المساجد (729) , وأبو داود : الصلاة (465) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (772) , وأحمد (3/497) , والدارمي : الصلاة (1394).
(13) الترمذي : الصلاة (314) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (771) , وأحمد (6/283).
(14) الترمذي : الطهارة (3) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (275) , وأحمد (1/123) , والدارمي : الطهارة (687).
(15) الترمذي : الصلاة (243) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (806).
(16) الترمذي : الصلاة (243) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (806).
(17) البخاري : الأذان (744) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (598) , والنسائي : الافتتاح (895) , وأبو داود : الصلاة (781) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (805) , وأحمد (2/231) , والدارمي : الصلاة (1244).
(18) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (770) , والترمذي : الدعوات (3420) , والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1625) , وأبو داود : الصلاة (767) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) , وأحمد (6/156).
(19) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , والترمذي : الدعوات (3423) , والنسائي : الافتتاح (897) , وأبو داود : الصلاة (760) , وأحمد (1/102) , والدارمي : الصلاة (1238).
(20) سورة النحل: 98
(21) البخاري : الأذان (743) , ومسلم : الصلاة (399) , والترمذي : الصلاة (246) , والنسائي : الافتتاح (907) , وأبو داود : الصلاة (782) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (813) , وأحمد (3/223) , ومالك : النداء للصلاة (179) , والدارمي : الصلاة (1240).
(22) البخاري : الأذان (743) , ومسلم : الصلاة (399) , والترمذي : الصلاة (246) , والنسائي : الافتتاح (902) , وأبو داود : الصلاة (782) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (813) , وأحمد (3/223) , ومالك : النداء للصلاة (179) , والدارمي : الصلاة (1240).
(23) البخاري : الأذان (756) , ومسلم : الصلاة (394) , والترمذي : الصلاة (247) , والنسائي : الافتتاح (911) , وأبو داود : الصلاة (822) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (837) , وأحمد (5/313) , والدارمي : الصلاة (1242).
(24) سورة المزمل: 20
(25) سورة الليل: 1
(26) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (772) , والترمذي : الصلاة (262) , والنسائي : التطبيق (1133) , وأبو داود : الصلاة (874) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (888) , وأحمد (5/398) , والدارمي : الصلاة (1306).
(27) البخاري : الأذان (794) , والنسائي : التطبيق (1122) , وأبو داود : الصلاة (877) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (889).
(28) سورة النصر: 3
(29) البخاري : الجمعة (1066) , ومسلم : الكسوف (901) , والنسائي : الكسوف (1472) , وأبو داود : الصلاة (1180) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1263) , وأحمد (6/87).
(30) مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , والترمذي : الدعوات (3423) , وأبو داود : الصلاة (760) , وأحمد (1/102) , والدارمي : الصلاة (1314).
(31) مسلم : الصلاة (477) , والنسائي : التطبيق (1068) , وأبو داود : الصلاة (847) , وأحمد (3/87) , والدارمي : الصلاة (1313).
(32) مسلم : الصلاة (477) , والنسائي : التطبيق (1068) , وأبو داود : الصلاة (847) , وأحمد (3/87) , والدارمي : الصلاة (1313).
(33) البخاري : الأذان (812) , ومسلم : الصلاة (490) , والترمذي : الصلاة (273) , والنسائي : التطبيق (1097) , وأبو داود : الصلاة (889) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (884) , وأحمد (1/292) , والدارمي : الصلاة (1318).
(34) مسلم : الصلاة (479) , والنسائي : التطبيق (1120) , وأبو داود : الصلاة (876) , وأحمد (1/219) , والدارمي : الصلاة (1325).
(35) أبو داود : الصلاة (869) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (887) , وأحمد (4/155) , والدارمي : الصلاة (1305).
(36) أبو داود : الصلاة (869) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (887) , وأحمد (4/155) , والدارمي : الصلاة (1305).
(37)
(38) الترمذي : الصلاة (284) , وأبو داود : الصلاة (850) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (898).
(39) البخاري : الاستئذان (6265) , والترمذي : النكاح (1105).
(40) مالك : النداء للصلاة (204).
(41) مسلم : الصلاة (403) , والترمذي : الصلاة (290) , والنسائي : التطبيق (1174) , وأبو داود : الصلاة (974) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (900) , وأحمد (1/292).
(42) البخاري : الأذان (831) , ومسلم : الصلاة (402) , والترمذي : النكاح (1105) , والنسائي : السهو (1298) , وأبو داود : الصلاة (968) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (899) , وأحمد (1/427) , والدارمي : الصلاة (1340).
(43) البخاري : أحاديث الأنبياء (3369) , ومسلم : الصلاة (407) , والنسائي : السهو (1294) , وأبو داود : الصلاة (979) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (905) , وأحمد (5/424) , ومالك : النداء للصلاة (397).
(44) النسائي : السهو (1290).
(45) البخاري : أحاديث الأنبياء (3370) , وأحمد (4/244).
(46) الترمذي : الصلاة (483) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (904) , وأحمد (4/241).
(47) البخاري : تفسير القرآن (4797) , ومسلم : الصلاة (406) , والترمذي : الصلاة (483) , والنسائي : السهو (1289) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (904) , وأحمد (4/243) , والدارمي : الصلاة (1342).
(48) سورة هود: 73
(49) البخاري : تفسير القرآن (4797) , ومسلم : الصلاة (406) , والترمذي : الصلاة (483) , والنسائي : السهو (1288) , وأبو داود : الصلاة (976) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (904) , وأحمد (4/244) , والدارمي : الصلاة (1342).
(50) البخاري : الجنائز (1377) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (588) , والترمذي : الدعوات (3604) , والنسائي : السهو (1310) , وأبو داود : الصلاة (983) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (909) , وأحمد (2/477) , والدارمي : الصلاة (1344).
(51) الترمذي : الصلاة (295) , وأبو داود : الصلاة (996) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (914) , وأحمد (1/394).