موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شروط الصلاة - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - شروط الصلاة

كتاب الصلاة

شروط الصلاة

وقَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كتاب الصلاة: تقدم أن الطهارة من شروطها، ومن شروطها دخول الوقت، والأصل فيه حديث جبريل أنه أمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول الوقت وآخره وقال: « يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين »(1) رواه أحمد والنسائي والترمذي، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس »(2) رواه مسلم.

ويُدْرَك وقت الصلاة بإدراك ركعة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة »(3) متفق عليه.

ولا يحل تأخيرها أو تأخير بعضها عن وقتها لعذر أو غيره، إلا إذا أخرها ليجمعها مع غيرها، فإنه يجوز لعذر من سفر أو مطر أو مرض أو نحوها، والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها إلا العشاء إذا لم يشق، وإلا الظهر في شدة الحر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم »(4) متفق عليه.

ومن فاتته الصلاة وجب عليه المبادرة إلى قضائها مرتبة، فإن نسي الترتيب أو جهله أو خاف فوت الصلاة سقط الترتيب.

ومن شروطها: ستر العورة بثوب مباح لا يصف البشرة، والعورة ثلاثة أنواع: مغلظة: وهي عورة المرأة الحرة البالغة، فإن جميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها، ومخففة: وهي عورة ابن سبع سنين إلى عشر، فإنها الفرجان، ومتوسطة: وهي عورة من عداهم من السرة إلى الركبة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (5) .

ومنها: استقبال القبلة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (6) فإن عجز عن استقبالها لمرض أو لغيره سقط -كما تسقط جميع الواجبات بالعجز عنها-، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (7) وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- « يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به »(8) متفق عليه. وفي لفظ: « غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة »(9) .

ومن شروطها: النية، وتصح الصلاة في كل موضع إلا في محل نجس أو مغصوب أو في مقبرة أو حمام أو أعطان إبل، وفي سنن الترمذي مرفوعا: « الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام »(10) .


لنتكلم على شروط الصلاة الباقية، أي: تقدم منها شرطان: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث.

الشرط الثالث: دخول الوقت، فلا يدخل في الصلاة إلا بعدما يدخل وقتها، زمان محدد لإيقاع العبادة، ومن جملتها الصلاة فإن لها زمانا محددا، لا تصح إلا فيه، فلو قدمها لم تصح، ولو أخرها لم تصح إلا قضاء.

وقد دلَّ على الوقت الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ (11) - يعني: الفجر والعصر - ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ (11) أي: المغرب والعشاء، وكقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (12) أي: الفجر والمغرب والعشاء، ثم قال: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (13) "عشيا": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. وغيرها من الآيات.

أما السنة: ففي الحديث أن جبريل أمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما في أول الوقت، واليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: « يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين »(1) ذكر أن الحديث في المسند وبعض السنن، قال في تفصيله: أنه في اليوم الأول أَمَّه حين زالت الشمس للظهر، وفي اليوم الثاني حين كان ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال، وأَمَّه في العصر في اليوم الأول حيث كان ظل الشيء مثله، وفي اليوم الثاني حين كان ظل الشمس مثليه، وفي المغرب حيث وجب في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين غرب الشفق قرب الغروب، وفي العشاء في اليوم الأول حين غرب الشفق، وفي اليوم الثاني بعد مضي نصف الليل أو ثلثه، وفي اليوم الأول في الفجر حين طلع الفجر، وفي اليوم الثاني حين ++أشر جلده وقرب الإشراق، وقال: « الصلاة بين هذين »(1) .

وحديث ابن عمر، وفيه تحديد الأوقات لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « وقت الظهر إذا زالت الشمس »(2) ما معنى زالت؟ أي: مالت بعدما كانت في الشرق مالت إلى جهة الغرب، وعلامة ذلك أن يبدأ الظل في الزيادة إذا طلعت، فإن لكل شيء ظل، ثم لا يزال الظل ينقض حتى تكون الشمس في نحر الظهيرة فوق الرأس فيقف، ثم إذا ابتدأ الظل في الزيادة فهذا هو وقت الزوال.

انصب لك عصا، وانظر ترى أن الظل لا يزال ينقص، ينقص، فإذا وقفت الشمس وقفت العصا في ظلها، فإذا زالت ولو قليلا وجد لها ظل في جهة الشرق، ثم لا يزال يزيد هذا الظل إلى أن تغرب، فابتداء الظل في الزيادة هو وقت الظهر، يقول: « وكان ظل الشيء كطوله، ما لم تحضر العصر »(2) يعني: ويمتد حتى يكون ظل كل شيء مثله، ولكن لا يحسب الظل الموجود وقت الزوال؛ لأن الشمس في الصيف تستوي فوق الرأس في أحد البروج، وهي برج الجوزاء، وبرج السرطان وبرج الأسد، هذه البروج تكون الشمس في وسط السماء، فلا يكون هناك للظل وجود في وقت زوال الشمس إلا قليلا.

وأما بقية البروج فيوجد للشمس ظل وقت الزوال؛ لأن برج الجدي تكون الشمس في جهة الجنوب، فإذا جاءت في وسط السماء وجد ظل في جهة الشمال، قد يصير ظلك ثمانية أقدام في وسط النهار، فـإذا وقفت -مثلا- في برج السرطان، وصارت الشمس فوقك لن يكن لك ظل، وإذا وقفت وسط النهار في برج الجدي الشمس هناك يوجد لك ظل قدره ثمانية أقدام.

فالحاصل أن هذا الظل الموجود في وقت الزوال لا يحسب، إنما يحسب الظل الذي بعده الذي تزيد به، فإذا زاد الظل بعد الزوال بمثل الإنسان، إذا كان طول الإنسان -مثلا- طوله ثمانون سم، إذا كان -مثلا- طوله مائة وعشرون سم أو مائة وأربعون، فينظر الطول، فإذا زاد ظله بعد الزوال بطوله خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر.

وقت العصر ما لم تصفر الشمس، يعنى: الشمس إذا قربت الغروب بردت وذهب حرها، وصارت كأنها صفراء بحيث إن الذي ينظرها لا يشق عليه نظرها، ليس كمثلها لما كانت في وقت العصر أو في وقت الظهر، لا يستطيع الإنسان أن ينظر إليها بعينه؛ فلذلك إذا اصفرت خرج وقت العصر، يعني: وقت الاختيار، ولكن العصر -أيضا- له وقت اضطرار يعني: بادئ اضطرارها يبقى وقت اضطرار ووقت ضرورة يمتد إلى غروبها، ودليله قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر »(14) يعني: فقد أدرك الوقت، وصارت صلاته أداء لا قضاء.

ووقت المغرب إذا غربت الشمس، فلتدع إذا غربت، تحقق غروبها، إلى متى؟ ما لم يغب الشفق، وما الشفق؟ الشفق الحمرة التي تكون في جهة المغرب، إذا غربت الشمس واختفت تشاهد حمرتها، فإذا زالت ذهب وقت المغرب، ودخل وقت العشاء، إلى متى؟ إلى نصف الليل، يعني: وقت الاختيار إلى نصف الليل، وأما بقية الليل فإنه وقت لها، ولكنه وقت اضطرار يعني: يمتد وقت العشاء إلى طلوع الفجر، ولكن النصف الأخير يعتبر وقت ضرورة، فأصبح العصر لها وقتان: وقت اختيار، ووقت اضطرار، والعشاء لها وقتان: وقت اختيار، ووقت اضطرار.

ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، ينتهي بطلوع الشمس، والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: « من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر »(15) أي: فقد أدركها وصارت أداء، يقول: "ويدرك وقت الصلاة بإدراك ركعة" وقت الصلاة إذا أدرك ركعة في الوقت فقد أدرك الوقت، وأصبح صلاته أداء، فإذا أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس صارت صلاته أداء، فإذا أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس صارت صلاته أداء، يكلمها بعد الطلوع، فإذا أدرك من العشاء ركعة قبل طلوع الفجر صارت صلاته أداء، وهكذا يقال في المغرب وفي الظهر.

هذا الحديث متفق عليه: « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة »(3) لكن هذا الحديث هل المراد به من أدرك ركعة في الوقت أو من أدرك ركعة مع الجماعة؟ فيه قولان، إذا قيل: إن المراد الجماعة فمعناه -مثلا- أنك إذا دخلت والجماعة يصلون الركعة الأخيرة وصليتها معهم أدركت فضل الجماعة خمسا وعشرين درجة أو سبعا وعشرين.

فإن دخلت وهم قد قاموا من الركوع في الركعة الأخيرة، فاتتك الأربع، فاتتك الركعات كلها، ما أدركت إلا آخر الصلاة من سجدات التشهد، فإنك والحال هذه ما تكون مدركا للجماعة؛ لأن الحديث يقول: « من أدرك ركعة من الصلاة -يعني: مع الجماعة- فقد أدرك الصلاة »(3) أي: فقد أدرك الجماعة، أو من أدرك ركعة من الصلاة في وقتها فقد أدرك الصلاة في وقتها.

ما حكم تأخير الصلاة أو تأخير بعضها عن وقتها؟ لا يجوز، لا يجوز تأخير الصلاة ولا تأخير بعضها عن وقتها لا لعذر ولا لغيره، والدليل أن الله -تعالى- أمر بأدائها في حال المسايفة رجالا أو ركبانا قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (16) فدل على أنه لا يجوز تأخيرها حتى ولو حال المسايفة -حال القتال-، وأمر بصلاتها صلاة خوف حتى أسقط بعض الواجبات، أو غيَّر فيها بعض التغييرات محافظة على وقتها، فلو جاز تأخيرها لعذر لجاز ذلك في وقت الخوف، وفي وقت المسايفة.

فإن قلت: أليس النبي -صلى الله عليه وسلم- أخَّر صلاة العصر وهو يقاتل في غزوة الخندق، وقال: « حبسونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- حتى غابت الشمس »(17) فيقال: صحيح، ولكن كأنه لم ينبه المسلمين أن يصلوا في حال المسايفة، ورجا أنه ينفصل القتال قبل المغيب فلأجل ذلك استمروا يقاتلون حتى غربت الشمس، فصلاها بعد الغروب.

يجوز تأخيرها إذا كانت مما يجمع مع ما بعدها لعذر كسفر أو مرض، فإذا دخل عليه وقت الظهر وهو مسافر ويسير، ويحب مواصلة السير جاز له أن يؤخرها حتى ينزل لصلاة العصر، فيصلي الاثنتين مجموعتين، وإذا دخل عليه وقت المغرب وهو يسير في الطريق جاز له أن يؤخر المغرب حتى ينزل مرة واحدة لصلاة العشاء، فيصلي الصلاتين جمعا.

وكذلك المريض الذي يشق عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، فيجوز له الجمع جمع التقديم أو جمع التأخير، فيتوضأ للظهر -مثلا- ويقدم العصر، أو يؤخر الظهر حتى يأتي وقت العصر، ويتوضأ لهما وضوءا واحدا إذا كان يشق عليه، أو يشق عليه إجلاس أو ما أشبه ذلك.

وهكذا أيضا الجمع للمطر، المطر الذي يؤذي الناس يجوز الجمع له، إذا كان المطر مستمرا بحيث لا يقدر أحد أن يسير إلى المسجد، أو كان بينه وبين المسجد مستنقعات وحمأ وطين ومزلة أقدام، يخشى -مثلا- أنهم إذا لم يجمعوا شقَّ عليهم أن يحضروا لصلاة العشاء ونحوها.

هل تقديم الصلاة أفضل أم تأخيرها؟ إن تقديمها أفضل يعني: الصلاة في أول وقتها أفضل؛ وذلك لأنه دليل المبادرة والمسارعة قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (18) فأفاد بأن المسارعة ينده بها، فالذي يؤدي الصلاة في أول وقتها من المسارعين، اختلف في بعض الصلوات، أما صلاة العشاء، فتأخيرها أفضل إلا مع المشقة، ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- مرة أخَّرها حتى جاء نصف الليل أو قريب منه، ثم قال: « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة في هذه الساعة »(19) .

أما صلاة الظهر في شدة الحر، فوردت أحاديث في تأخيرها حتى تنكسر ثورة الشمس وشدة الحر، وعلل بقوله: « إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم »(4) يعني: من زفيرها ومن وهجها، وثبت أنهم كانوا مرة في سفر، فأراد أن يؤذن بلال فقال: « أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال: أبرد »(20) قال الراوي: « حتى رأينا فيء التلول »(20) التلول: جمع تل، وهو الكثيب يعني: المرتفع من الرمل تسمى تلول يعني: أخرها حتى صارت لتلك التلول ظل مما يدل على أنه أخرها، والعلة أنهم إذا صلوا في شدة الحر لم يطمئنوا في صلاتهم؛ ولكن هذه العلة قد تكون مفقودة في هذه الأزمنة لوجود المكيفات، والمراوح الهوائية الكهربائية ونحوها التي تخفف الحر؛ فلذلك يجوز أن تصلى في وقت واحد.

من فاتته الصلاة وجب عليه قضاؤها، ولا يجوز تأخيرها، بل يبادر بقضائها، بقضاء الفوائت على الفور، إذا فاتته -مثلا- لإغماء أو فاتته لشغل أو فاتته لنوم، كأنما ثلاث صلوات أو أربع صلوات، فإنه يبادر بقضائها، أو فاتته لتفريط في مرض أو نحوه بادر بقضائها، ثم يقضيها مرتبة.

فإذا -مثلا- نام قبل الظهر، ولن يستيقظ إلا في آخر الليل، فاته أربع صلوات فيقضيها مرتبة؛ فيبدأ بالظهر أربعا، ثم يأتي بعدها العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، لكن لو خاف أن يطلع الفجر قبل أن يصلي الفجر، فعليه أن يصلي الفجر، ثم يصلي ما بقي، فلو -مثلا- أنه ما استيقظ إلا بعدما طلع الفجر، قلنا له: صلِّ الظهر وصل العصر، وخاف أن تطلع الشمس يصلي الفجر حتى تؤدى في وقتها، ثم بعد ذلك يقضي المغرب والعشاء، ولو بعد طلوع الشمس.

نقول: إذا نسي الترتيب سقط، أو جهله، لا يدري ما أول الصلوات التي تركها، أو خاف فوت الصلاة -كما مثلنا-، خاف أن تطلع الشمس قبل أن يصلي الفجر في وقتها، فيصلي الفجر في وقتها، ثم يصلي بعدها بقية الصلوات التي فاتته.

هذا آخر ما يتعلق بشرط الوقت، وهو الشرط الثالث.

لنتكلم عن شروط الصلاة الباقية:

أما الشرط الرابع: وهو ستر العورة، والستر لا شك أنه واجب على المسلم، بل على العاقل في الصلاة وفي غير الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا (21) ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (5) زينتكم يعني: لباسكم، فلا بد أن يستر العورة في الصلاة، لا بد أن يكون الستر ثوبا مباحا، كلمه الثوب لا تختص بالأكمام، والقميص الذي له جيب وأكمام، هذا يسمى بضاعة أو قميصا، وأما كلمة الثوب فيدخل فيها الرداء كرداء المحرم يسمى ثوبا، والإزار كإزار المحرم يسمى ثوبا، والسراويل تسمى ثوبا، والعباءة تسمى ثيابا، والعمامة على الرأس تسمى ثوبا، فالحاصل أنه لا بد أن يستر عورته بثوب، ولا بد أن يكون مباحا، فإذا كان مغصوبا فلا تصح الصلاة عند بعض العلماء، وعند بعضهم أنها تصح ويأثم.

ولا بد ألا يصف البشرة، يخرج ماذا؟ يخرج الشفاف الرقيق الذي توصف من ورائه البشرة، إذا رأيت -مثلا- الشعر من وراء الثوب، أو رأيت بياض الجلد، أو سواده، أو حمرته، فإذا كان شفافا فلا تصح الصلاة فيه.

العورة ثلاثة أنواع: مغلظة ومخففة ومتوسطة كعورة المرأة الحرة البالغة، الحرة يخرج الأمة، البالغة يخرج الصغيرة التي دون سبع سنين أو دون تسع سنين، جميع بدنها في الصلاة عورة إلا وجهها، الصلاة لا تخرج إلا وجهها، تستر كفيها وتستر قدميها. ثبت قوله- صلى الله عليه وسلم-: « لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار »(22) أي: صلاة امرأة قد حاضت، يعني: كلفت. وقالت أم سلمة: « أتصلي إحدانا في الدرع الواحد؟ فقال: نعم إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها »(23) فاشترط أن يغطي ظهور قدميها.

أما المخففة: فهي عورة ابن سبع سنين، يعني: صبي أو صبية إلى عشر سنين، عورته الفرجان، يعني: ليس الفخذ -مثلا- ولا السرة بعورة في الصبي الصغير، أما من عداهم كالرجل الذي -يعني- قد بلغ، وكذلك الأمة من السرة إلى الركبة، والدليل حديث علي قال: « لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت »(24) وفي حديث جَرْهَد: « الفخذ عورة »(25) نهاية الفخذ إلى الركبة، وأخذت الركبة تابعة له؛ وذلك لأنه عضو واحد، وورد -أيضا- في حديث آخر أن ما بين السرة والركبة عورة.

الشرط الخامس: استقبال القبلة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (26) "شطره "يعني: جهته، والمسجد الحرام أي: الكعبة والبيت الحرام، هذا الشرط لا بد أن يتحقق قبل أن يدخل في الصلاة، فإن عجز عن استقبالها لمرض أو غيره سقط، فالمريض على السرير الذي لا يستطيع أن يتحرك يصلي حيثما كان وجهه، كما أنها تسقط عنه جميع الواجبات، العاجز يسقط عنه الركوع والسجود -مثلا-، يصلي على حسب حاله، ويسقط عنه القيام إذا عجز عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (7) .

فالحاصل أنه لا بد من استقبال القبلة إلا عند العجز عنها لمرض أو نحوه، يستثنى من ذلك الصلاة على الراحلة في السفر، ولكنها النافلة « كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي على راحلة حيثما توجهت به »(27) يصلي صلاة الليل، أو صلاة الوتر، أو صلاة التطوع، فالرواتب في السفر، النافلة على راحلته حيثما كان وجهه.

واختلف هل يستقبل القبلة عند التحريم؟ والصحيح أنه لا يلزمه بل يصلي كل صلاة تحريمها وركوعها وسجودها، ولو كان وجهه مخالفا للقبلة، يستثني من ذلك الفريضة، تقول له: إنه لا يصلي عليها المكتوبة.

الشرط السادس: النية، النية شرط للعبادات كلها، الصيام لا بد له من نية، والطهارة لا بد لها من نية، والصلاة لا بد لها من نية، والنية محلها القلب، ويكفي فيها العزم على الشيء، فهذه ستة شروط: رفع الحدث، وإزالة النجاسة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، وستر العورة، والنية، وبقي ثلاثة شروط مشهورة هي: الإسلام والعقل والتمييز، لم يذكروها؛ لأنها تتكرر في كل العبادات.

مواضع الصلاة:

يعني: ما تصح فيها الصلاة، يعني: المساجد، تصح في كل الأرض إلا في المحل النجس الذي عليه أثر النجاسة، ورد في الحديث: « نهي عن الصلاة في سبعة مواطن: المجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، والحمام، وفوق ظهر بيت الله -تعالى- والمقبرة »(28) هذه الأماكن لا تصح الصلاة فيها، أما المجزرة والمزبلة؛ فلأنها مظنة النجاسة، وأما المقبرة؛ فإنها مخافة الغلو في أهل القبور، حتى ولو كانوا أنبياء، الحديث « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد »(29) والحمام؛ لأنه محل كشف العورة، ومحل النجاسات إلقاء النجاسات وما يشبهها، وأعطان الإبل قيل: لأنها مأوى الشياطين؛ لأنه ورد: « أن على رغاء كل بعير شيطان »(30) .

وأما المغصوب إذا كان -مثلا- اغتصب أرضا أو اغتصب بيتا، فصلاته فيه لا تجزئ عند أكثر الحنابلة، والقول الثاني أنها تجزئ مع الإثم، يعني: أنا لا نأمره بالإعادة إذا تاب، إن هذا هو الصحيح، الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.

والصحيح أن الأشياء الباقية النجسة، وما أشبهها كلها داخلة في المنهي عنه.


(1) الترمذي : الصلاة (149) , وأبو داود : الصلاة (393) , وأحمد (1/333).
(2) مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (612) , والنسائي : المواقيت (522) , وأبو داود : الصلاة (396) , وأحمد (2/210).
(3) البخاري : مواقيت الصلاة (580) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (607) , والترمذي : الجمعة (524) , والنسائي : المواقيت (553) , وأبو داود : الصلاة (893) , وابن ماجه : الصلاة (699) , وأحمد (2/459) , ومالك : وقوت الصلاة (15) , والدارمي : الصلاة (1222).
(4) البخاري : مواقيت الصلاة (534) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (617) , والترمذي : الصلاة (157) , والنسائي : المواقيت (500) , وأبو داود : الصلاة (402) , وابن ماجه : الصلاة (678) , وأحمد (2/462) , ومالك : وقوت الصلاة (28) , والدارمي : الصلاة (1207).
(5) سورة الأعراف: 31
(6) سورة البقرة: 149
(7) سورة التغابن: 16
(8) البخاري : الجمعة (1000) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (700).
(9) البخاري : الجمعة (1098) , وأحمد (3/446).
(10) الترمذي : الصلاة (317) , وأبو داود : الصلاة (492) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (745).
(11) سورة هود: 114
(12) سورة الروم: 17
(13) سورة الروم: 18
(14) البخاري : مواقيت الصلاة (579) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (608) , والترمذي : الصلاة (186) , والنسائي : المواقيت (517) , وأبو داود : الصلاة (412) , وابن ماجه : الصلاة (699) , وأحمد (2/462) , ومالك : وقوت الصلاة (5) , والدارمي : الصلاة (1222).
(15) البخاري : مواقيت الصلاة (579) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (608) , والترمذي : الصلاة (186) , والنسائي : المواقيت (515) , وأبو داود : الصلاة (412) , وابن ماجه : الصلاة (699) , وأحمد (2/260) , ومالك : وقوت الصلاة (5) , والدارمي : الصلاة (1222).
(16) سورة البقرة: 239
(17) البخاري : تفسير القرآن (4533) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (627) , والترمذي : تفسير القرآن (2984) , والنسائي : الصلاة (473) , وابن ماجه : الصلاة (684) , وأحمد (1/153) , والدارمي : الصلاة (1232).
(18) سورة المؤمنون: 61
(19) البخاري : التمني (7239) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (639) , والنسائي : المواقيت (531) , وأبو داود : الصلاة (420).
(20) البخاري : مواقيت الصلاة (539) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (616) , والترمذي : الصلاة (158) , وأبو داود : الصلاة (401) , وأحمد (5/155).
(21) سورة الأعراف: 26
(22) الترمذي : الصلاة (377) , وأبو داود : الصلاة (641) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (655) , وأحمد (6/259).
(23) أبو داود : الصلاة (640) , ومالك : النداء للصلاة (326).
(24) أبو داود : الجنائز (3140) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1460) , وأحمد (1/146).
(25) الترمذي : الأدب (2795) , وأبو داود : الحمام (4014) , وأحمد (3/479) , والدارمي : الاستئذان (2650).
(26) سورة البقرة: 150
(27) البخاري : الجمعة (1000) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (700) , والنسائي : القبلة (744) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1200) , وأحمد (2/4).
(28) الترمذي : الصلاة (346) , وابن ماجه : المساجد والجماعات (747).
(29) البخاري : الجنائز (1390) , ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي : المساجد (703) , وأحمد (6/146) , والدارمي : الصلاة (1403).
(30)