موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة

باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة

يستحب إذا دخل الخلاء أن يقدم رجله اليسرى ويقول: « بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث »(1) وإذا خرج منه قدم اليمنى، وقال: « غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني »(2) ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويستتر بحائط أو غيره، ويبعد إن كان في الفضاء، ولا يحل له أن يقضي حاجته في طريق، أو محل جلوس للناس، أو تحت الأشجار المثمرة، أو في محل يؤذي به الناس.

ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها حال قضاء حاجته؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا »(3) متفق عليه.

فإذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار ونحوها، تنقي المحل، ثم استنجى بالماء، ويكفي الاقتصار على أحدهما، ولا يستجمر بالروث والعظام؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وكذلك كل ما له حرمة، ويكفي في غسل النجاسات على البدن أو الثوب أو البقعة أو غيرها أن تزول عينها عن المحل؛ لأن الشارع لم يشترط في غسل النجاسة عددا إلا في نجاسة الكلب، فاشترط فيها سبع غسلات إحداها بالتراب.

والأشياء النجسة: بول الآدمي وعذرته، والدم إلا أنه يعفى عن الدم اليسير، ومثله الدم المسفوح من الحيوان المأكول، دون الذي يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر.

ومن النجاسات: بول وروث كل حيوان محرم أكله، والسباع كلها نجسة، وكذلك الميتات إلا ميتة الآدمي، وما لا نفس له سائلة، والسمك والجراد، فإنها طاهرة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (4) الآية، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا »(5) وقال: « أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال »(6) رواه أحمد وابن ماجه.

وأما أرواث الحيوانات المأكولة وأبوالها، فإنها طاهرة ومني الآدمي طاهر، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يغسل رطبه ويفرك يابسه. وبول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام بشهوة يكفي فيه النضح، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام »(7) رواه أبو داود والنسائي.

وإذا زالت عين النجاسة طهرت، ولم يضر بقاء اللون أو الريح، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لخولة بنت يسار في دم الحيض: « يكفيك الماء ولا يضرك أثره »(8) .


يتكلم في هذا الباب على آداب قضاء الحاجة؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، وتكلم فيه أيضا على تطهير محل النجاسة، وهو ما يسمى بالاستنجاء، وتكلم فيه أيضا على تطهير النجاسات كلها، ذكر النجاسات، وذكر كيفية تطهيرها، وقد توسع الفقهاء رحمهم الله في هذا الباب وفي هذه الأبواب، وألحقوا بها خصال الفطرة التي حث عليها الشرع بقوله: « الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشعر، وقلم الأظافر، ونتف الآباط »(9) وكذلك تكلم فيه أيضا على الترجل والدهان وما أشبهه.

ولكن المؤلف ترك ذلك اختصارا فأولا يقول: يستحب إذا دخل الخلاء أن يقدم رجله اليسرى، وليقل: "بسم الله" لأن اليسرى تقدم في الأشياء المستقذرة، ولا شك أن أماكن قضاء الحاجة -كدورات المياه ونحوها- أنها مستقذرة، فيقدم لها رجله اليسرى، وإذا خرج أخر اليسرى وقدم اليمنى بخلاف المسجد، فإنه يقدم اليمنى دخولا، ويقدم اليسرى خروجا.

الدعاء بقوله: "بسم الله" ورد في حديث، وذكرت العلة أن التسمية تكون حاجزة بينكم وبين الشياطين. في بعض الأحاديث: «إن هذه الشياطين تلعب بمقاعد بني آدم»(10) وفي حديث آخر: «ستر بيننا وبين الشياطين ذكر اسم الله»(5) فإذا ذكر "بسم الله" عند الدخول كان ذلك حاجزا له، وحاجبا له من هذه الشياطين، شياطين الجن وشياطين الأبالسة.

وقوله: « اللهم إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث»(11) ورد تفسيرها بأن الخبُث هم الذكران، والخبائث هم الإناث، استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. قرأ أحدهم الباء ساكنة الخبْث، وقال المراد بالخبث الشر، والخبائث الأشرار سواء من الجن أو من الإنس.

وإذا خرج قدم اليمنى، وقال: «غفرانك الحمد الله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»(12) قال: مناسبة ذكر المغفرة أن الإنسان إذا دخل، وهو مثقل بهذا الأذى، ثم خرج وقد خف تذكر ثقل الذنوب، فقال: "غفرانك" أي: خفف عني الذنوب كما خففت عني هذا الأذى.

وقيل: إن مناسبة طلب المغفرة التقصير في شكر هذه النعمة، أن الله أنعم عليه بالطعام الحلال الطيب، ثم أنعم عليه بإخراجه وإزالته بسهولة وعدم أذى، ولهذا حمد الله وقال: «الحمد الله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»(13) أي منَّ عليَّ، ولم ألق بؤسا ولا ضررا، لا في الأكل ولا في التخلي.

"واعتماده على رجله اليسرى في الجلوس ونصب اليمنى" قيل: لأنه لتكريم اليمنى كي يكون اعتماده على اليسرى، وقيل: إنه أسهل للخروج، يورد ذلك في حديث وإن كان ذلك ليس بحديث، فيه مقال، ليس ذلك بمورود، ولكنه من باب الأفضل.

واستتاره وارد أيضا أنه -عليه الصلاة والسلام- أنه إذا ذهب للخلاء أبعد، وكان يستتر. يحب أن يستتر بجسم حائط أو بشجرة أو بصخرة أو نحو ذلك، حتى إنه مرة لم يجد إلا شجرتين متفرقتين، فأمره الله أن يدني إحداهما إلى الأخرى، قربت حتى صارتا كشجرة واحدة فسترته، ما يدل على أنه يحدث، يستتر إذا جلس على قضاء الحاجة، وذلك أنه على حالة مستقذرة، يندب عليه أن يستر نفسه عن نظر الناظرين، وإذا كان في فضاء يبعد عن الناس؛ حتى لا يؤذيهم بما يخرج منه.

الأماكن التي يجتنب بها قضاء الحاجة

يحرم قضاء الحاجة عن التخلي في الطريق؛ لأن الناس يسلكون هذا الطريق، فيتأذون بهذا القذر، وكذلك محل الجلوس، إذا كان مثلا يظل بظل حائط أو بشجرة، فإنهم يتأذون إذا تغوط فيه، وكذلك تحت الشجرة التي عليها ثمار، ربما يتساقط الثمار على ذلك النتن فيقذرها، وكذلك في مكان يؤذي فيه الناس، يتأذى الناس بهذا الفعل.

استقبال القبلة واستدبارها

ورد فيه أحاديث كثيرة، فيصحح شيخ الإسلام أنه لا يجوز استقبالها ولا استدبارها مطلقا، وتبعهالسعدي هنا، قال: "لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها عند قضاء الحاجة" لم يقل: إلا في البيوت، بل أطلق، فدل على أنه باختياره؛ لأنه اختيار شيخ الإسلام، فالأحاديث التي بها أنه -صلى الله عليه وسلم- استقبل القبلة واستدبرها محمولة على العذر، أو محمولة على الخصوصية. عموم هذا الحديث: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»(3) واضح في أن الحكم عام، وأنه لا يجوز أن أحدا يستقبل القبلة بمكان لا صحراء ولا بنيان.

هذا هو القول الصحيح، وعليه إذا دخلت مثلا في الأماكن المبنية في داخل البيوت، فإنك تنحدر قليلا، ففي تمام حديث أبي أيوب هذا: يقول أبو أيوب: «قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحدر عنها ونستغفر الله عز وجل»(14).

يقول: "فإذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار أو نحوها تنقي المحل" الاستجمار: هو مسح أثر الخارج، أثر البول أو أثر الغائط بالأحجار ونحوها، وسمي استجمارا اشتقاقا من الجمرات، وهي الحجارة الصغيرة؛ لأن الغالب عليها أنها تكون كالجمرات، يعني كجمر النار ونحو هذه الصفة، بها يستجمر بأن يأخذ ثلاثة أحجار، فيمسح بها محل البول -القبل-، أو الدبر.

وذكر قوله: "أو نحوها" يدل على أنه يجوز الاستجمار بغيرها، يعني بغير الأحجار، بكل شيء ينقي إلا ما نهي عنه كما سيأتي، والحكمة في الاستجمار أن يذهب جرم النجاسة، وما يلتصق بالبشرة من النجاسة يزيله بهذه الأحجار، يمسح بها الصرحتين والمشربة، وإذا لم يمكن بثلاثة زاد حتى يمكن.

ويسن ختمه على وتر، ورد في الحديث: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»(15).

الاستنجاء بالماء بعدها أفضل، يعني أن يأتي بالأحجار، ثم بالماء، وذلك لأن الماء يغسل المحل فينظفه، فالاستجمار يزيل العين، والماء ينظف ويغسل الأثر، يكفي الاقتصار على أحدهما إذا أنقى، إذا حصل الإنقاء بالأحجار وإزالة الأثر كله بالأحجار أو نحوها بالاستجمار كفى ذلك.

ويكفي أيضا الاقتصار على الماء، لو لم يستعمل الأحجار، واقتصر على الماء كفى ذلك أيضا؛ لأن الماء ينظف، لكن كأنه يستحب الجمع بينهما، لأنه ذكر الاستجمار ثم الاستنجاء. كأنه يستحب الجمع وهو أفضل أن يبدأ بالاستجمار ثم بالاستنجاء، فإذا اقتصر على أحدهما فالماء أفضل. يقتصر على الماء، فهو أفضل من الاقتصار على الأحجار.

ولا يستجمر بالروث والعظام لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ثبتت بأحاديث كثيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يستنجوا بالعظم والروث، وقال: إنهما لا يطهران.

وفي حديث آخر أنه ألقى الروث، وقال: «هذا رجس»(5) وفي حديث آخر أنه قال: «إنهما طعام إخوانكم من الجن»(16) يعني العظم طعامهم، والروث علف لدوابهم. بكل حال لا يستنجي بها، لا يستنجي مثلا بأوراق المصاحف هذا حرام. ولا بكتب العلم، حرام لما بها من الحرمة، ولا بالطعام ككسر الخبز أو ما أشبهها؛ لما لها من الحرمة.

انتهى ما يتعلق بالاستنجاء والاستجمار، بدأ في محو النجاسة، النجاسة التي تقع على البدن، أو على الإناء، أو على الأرض، أو على الفراش، لا بد من غسلها إذا كانت على البدن، على الجسد كالفخذ والبطن والظهر واليد والرجل، أو على الثوب، على القميص، أو على العمامة، أو على السراويل، أو على العباءة، أو على القلنسوة، أو على البقعة الأرض التي يصلي عليها، أو السجادة مثلا، أو على الأواني.

كيف تزول هذه النجاسة؟

إزالة هذه، إزالة العين، عين النجاسة، إذا زالت العين طهر المحل، يعني صبغة الدم -لونه- مادام أنه إذا غسلته يخرج أثر الدم، فاغسل، فإذا لم يخرج وبقي، ما بقي شيء فإنه قد طهر المحل، وكذلك عين نجاسة البول أو الغائط أو نحوها، فاغسل حتى يزول أثرها وتزول عينها، ولا حاجة إلى عدد إلا في نجاسة الكلب، في نجاسة الكلب أمر بغسلها، ولو لم تظهر عينها سبع مرات ثامنها التراب، أو إحداهما بالتراب كما هو مشهور، ولذلك حكمة معروفة.

الحاصل أن النجاسة على البدن أو على الثوب أو غيره تغسل حتى تزول، فإذا زالت عينها لم يبق لها أثر فإنه يطهر. ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الدم دم الحائض يصيب الثوب، فقال «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»(8) إذا غسل الدم الذي على الثوب، ولكن بقيت صبغته في الثوب شيء لا يزيله الماء فإنه قد طهر.

النجاسات تارة يكون المتنجس طرأت عليه النجاسة، فهذا يغسل حتى تزول النجاسة الطارئة كالبقعة التي تنجست إذا غسلت طهرت، ولكن الأعيان النجسة ما تطهر بالغسل، فالميتة إذا غسلتها ما طهرت، والكلب إذا غسلته أو السباع إذا غسلتها ما طهرت؛ وما ذاك إلا أن نجاستها عينية.

الأنجاس العينية مثل البول -بول الآدمي-، والغائط -العذرة-، والدم، هذه نجسة لأنها مستقذرة مستقبحة، تنفر النفس منها وتستقبحها، فهي نجاسات، فإذا وقعت على ثوب، فإنها تغسل حتى يزول أثرها، يعفى في الدم عن اليسير، إذا كان الدم يسيرا. نقطة، نقطتين، ثلاث نقط متفرقة على الثوب، يعفى عنها؛ لأنها شيء مما تعم به البلوى، وقع ذلك لبعض الصحابة فلم يعيدوا الصلاة.

الدم المسفوح من الحيوان نجس؛ لأن الله حرمه في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا(17) المسفوح هو السائل الذي يسيل من الحيوان حتى ولو كان مأكولا، إذا ذبحت الذبيحة، وسال الدم منها، فإن هذا الدم نجس، أما الدم الذي يبقى في العروق، فإنه يعفى عنه، يعني عروق الذبيحة قد يبقى فيها شيء يتجمد، فلا يسمى مسفوحا، فإنه يعفى عنه ويؤكل تبع اللحم.

من النجاسات بول وروث كل حيوان محرم الأكل كأرواث الحمير والكلاب والسباع وأبوالها، وكذلك كل شيء محرم الأكل كالقطط والسنانير والثعالب، كلها حرام، ونجس بولها، ونجس روثها. السباع مثل الذئاب والفهود والأسود كلها نجسة، يعني نجس روثها، كذلك الميتات، ميتة بهيمة الأنعام، شاة ماتت حتف أنفها نجسة؛ لأن الله حرمها، إلا ميتة الآدمي؛ لقوله ورد في حديث: «المؤمن لا ينجس حيا وميتا»(5).

كذلك ما لا نفس له سائلة؛ لأنه مما تعم به البلوى، فلا ينجس الماء بموته فيه، الذباب والبعوض والفراش والنحل والنمل والذر والحشرات حتى الكبيرة كالعقرب وما أشبهه والجخابز؛ هذه إذا ذبحت لا يخرج منها دم، فتكون ميتتها طاهرة تسهيلا على المسلمين.

وكذلك ما يؤكل، ولو كان ميتة كالسمك والجراد، فإنه طاهر ورد في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت -الحوت يعني السمك- وأما الدمان فالكبد والطحال»(18) الكبد كأنها دم متجمد، لكنها ليست دما، والطحال كذلك كأنه دم متجمد.

الأرواث أرواث الحيوانات المأكولة وأبوالها طاهرة أيضا؛ لقصة العرنيين الذين أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولأنها طاهرة مأكولة اللحم. الإبل والبقر والغنم، وكل المأكولات كالصيد والظباء والوعول والأرنب والضب والوعل والوبر وما أشبهها أبوالها وأرواثها طاهرة.

أما مني الآدمي فيه خلاف كثير، والمؤلف كأنه يختار أنه طاهر، وهو المشهور في المذهب، المني هو الماء الأصفر الغليظ اللزج، الذي يخرج من الإنسان عند الجماع، أو عند الاحتلام، وعند الشهوة القوية، وإذا خرج بردت، أو حس الإنسان ببرود الشهوة بعده، يحدث كثيرا من المحتلم، تخرج منه هذه الشهوة في النوم، هذا المني فهو فيه خلاف، منهم من يقول: إنه طاهر، ومنهم من يقول: نجس، والأقرب أنه طاهر، وذلك لأنه المادة التي خلق منها الإنسان، ورد في الحديث تشبيهه بالمخاط والنخام وما أشبهه، وأنه يكفي أن يمسحه بعود أو بأبخرة.

ورد أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يابسا، وبعضهم يحتاط ويقول: إن كان يابسا فليفرك وإن كان رطبا فليغسل.

بول الآدمي، بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام بشهوة يكفي به النضح، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام»(7) رواه أبو داود والنسائي.

النضح هو الغسل الخفيف، يعني: أن يصب عليه الماء دون فرك ودلك، يكفي أن تصب عليه الماء، وتتبعه إياه كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، بشرط ألا يكون قد أكل الطعام بشهوة، أي لا يشتهي الطعام فيطلبه، أو يكون غذائه الطعام، أو أكثر غذائه الطعام، أما إذا كان غذاؤه اللبن، فإنه يكفي فيه الرش والنضح.

وقالوا: السبب في ذلك -والله أعلم- أن النفوس تغشى الذكور فيبتلون بحمل الذكر كثيرا، نشأ حجم نجاسته -بوله- صغيرة، أما غائطه فإنه يغسل منه، الاستثناء خاص بالبول، أما الأنثى فيغسل بولها كبول الكبير.

يقول: إذا زالت عين النجاسة طهرت، ولم يضر بقاء اللون أو الريح، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لخولة بنت يسار في دم الحيض: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»(8) ذكر أن النجاسة تغسل حتى يزول عينها، حتى تزول عين النجاسة، فإذا كانت النجاسة مثلا على بلاط ثم صب عليها ماء وزال عينها زالت عين النجاسة، طهر المحل.

وكذلك إذا كانت النجاسة على الثوب، نجاسة بول أو غائط، وصببت الماء عليها حتى لم يبق لها عين -عينها يعني جرمها- طهر المحل، وكذلك الدم على الثوب ونحوه يكفي فيه الماء، لكن بعدما تزول أو تخفف عينه.

في الحديث الآخر أنه سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه»(19) أمرها أولا أن تحت المتجمد، تحته بين أصابعها، أو تحته بظفرها، أو بعود أو بعظم أو نحوه؛ حتى يتساقط المتجمد، ثم بعد ذلك تقرصه بالماء، تصب الماء بين أصابعها وتمسكه وتفركه، وتدلكه حتى يزول بالماء، ثم بعد ذلك تغمره بالماء وتنضحه.

بهذا آخر هذا الباب نقتصر عليه، وبعده غدا- إن شاء الله- نقرأ صفة الوضوء ونواقضه والغسل والتيمم، لعلنا نصل إلى الصلاة حتى نسرع في السير، حتى نقطع شوطا من الكتاب.

والآن نبدأ في صفة الوضوء:


(1) البخاري : الوضوء (142) , ومسلم : الحيض (375) , والترمذي : الطهارة (5) , والنسائي : الطهارة (19) , وأبو داود : الطهارة (4) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (296) , وأحمد (3/99) , والدارمي : الطهارة (669).
(2) ابن ماجه : الطهارة وسننها (301).
(3) البخاري : الصلاة (394) , ومسلم : الطهارة (264) , والنسائي : الطهارة (21) , وأبو داود : الطهارة (9) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (318) , وأحمد (5/419).
(4) سورة المائدة: 3
(5)
(6) ابن ماجه : الأطعمة (3314) , وأحمد (2/97).
(7) النسائي : الطهارة (304) , وأبو داود : الطهارة (376) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (526).
(8) أبو داود : الطهارة (365) , وأحمد (2/364).
(9) البخاري : اللباس (5891) , ومسلم : الطهارة (257) , والترمذي : الأدب (2756) , والنسائي : الزينة (5225) , وأبو داود : الترجل (4198) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (292) , وأحمد (2/239) , ومالك : الجامع (1709).
(10) أبو داود : الطهارة (35) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (338) , وأحمد (2/371) , والدارمي : الطهارة (662).
(11) البخاري : الوضوء (142) , ومسلم : الحيض (375) , والترمذي : الطهارة (5) , والنسائي : الطهارة (19) , وأبو داود : الطهارة (4) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (296) , وأحمد (3/99) , والدارمي : الطهارة (669).
(12) ابن ماجه : الطهارة وسننها (301).
(13) ابن ماجه : الطهارة وسننها (301).
(14) البخاري : الصلاة (394).
(15) البخاري : الوضوء (162) , ومسلم : الطهارة (237) , والنسائي : الطهارة (88) , وأبو داود : الطهارة (35) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (338) , وأحمد (2/371) , ومالك : الطهارة (33) , والدارمي : الطهارة (662).
(16) مسلم : الصلاة (450) , والترمذي : الطهارة (18) , وأحمد (1/436).
(17) سورة الأنعام: 145
(18) ابن ماجه : الأطعمة (3314) , وأحمد (2/97).
(19) البخاري : الوضوء (227) , ومسلم : الطهارة (291) , والترمذي : الطهارة (138) , والنسائي : الطهارة (293) , وأبو داود : الطهارة (361) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (629) , وأحمد (6/345) , ومالك : الطهارة (136) , والدارمي : الطهارة (772).