موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات

كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات

والقضاء لا بد للناس منه، فهو فرض كفاية يجب على الإمام نصب من يحصل به الكفاية، ممن له معرفة بالقضاء، بمعرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس، وعليه أن يولي الأمثل فالأمثل بالصفات المعتبرة في القاضي، ويتعين على من كان أهلا، ولم يوجد غيره، ولم يشغله عمن هو أهم منه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « البينة على المدعي، واليمين على من أنكر »(7)وقال: « إنما أقضي بنحو ما أسمع »(8)فمن ادعى مالا ونحوه فعليه البينة: إما شاهدان عدلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل، ويمين المدعي لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (9) « وقد قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشاهد مع اليمين »(10)وهو حديث صحيح، فإن لم يكن له بينة حلف المدعى عليه، وبرئ، فإن نكل عن الحلف قضي عليه بالنكول، أو ردت اليمين على المدعي، فإذا حلف مع نكول المدعى عليه، أخذ ما ادعى به، ومن البينة القرينة الدالة على صدق أحد المدعيين، مثل أن تكون العين المدعى بها بيد أحدهما، فهي له بيمينه، ومثل أن يتداعى اثنان متاعا لا يصلح إلا لأحدهما كتنازع نجار وغيره آلة النجارة، وحداد وغيره آلة حدادة، ونحوها.

وتحمُّل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية، وأداؤها فرض عين، ويشترط أن يكون الشاهد عدلا ظاهرا وباطنا، والعدل هو من رضيه الناس لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (9)ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية، أو سماع من المشهود عليه، أو استفاضة يحصل بها العلم في الأشياء، التي يحتاج إليها كالأنساب، ونحوها، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل: « ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد، أو دع »(11)رواه ابن عدي.

ومن موانع الشهادة: مظنة التهمة كشهادة الوالدين لأولادهم، وبالعكس، وأحد الزوجين للآخر، والعدو على عدوه، كما في الحديث: « لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت »(12)رواه أحمد، وأبو داود وفي الحديث « من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان »(13)متفق عليه.


ابتدأ في كتاب القضاء، وجعل معه الدعاوي والبينات والشهادات: وهي أبواب كثيرة، لكنه أجملها للاختصار.

القضاء: هو فصل الخصومات وفك المنازعات، معلوم أن الناس لا بد -غالبا- أن يكون بينهم تعديات ومظالم، واعتداء من بعض على البعض، وأخذ لما لا يستحق أن يأخذ، فمثل هذا يعتبر ظالما؛ فلأجل ذلك لا بد أن يؤخذ منه الحق لا بد أنه يقتص منه، ويؤخذ منه الحق، وقد يجحد، وينكره، ويدعي أن الحق معه؛ فلأجل ذلك احتيج إلى نصب القاضي الذي يسمع القضية من هذا، ومن هذا.

وقد « بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا قاضيا »(23) وبعث عليا أيضا، وأمره أن يقضي بين الناس، فقضى في مسائل كثيرة، وأوصاه، وقال له: « إذا جاءك الخصم، فلا تقضي له، حتى تسمع كلام خصمه، فإنك تعرف كيف تقضي »(24)وقال: « من جاءك، وقد فقئت عينه، فلا تسمع منه حتى يأتي خصمه، فربما تكون قد فقئت عيناه »(11).

يعني: لا تحكم على غائب، فدل على أن هناك ما يحتاج إليه في القضاء، وقد ورد الترغيب في القضاء والترهيب منه، فالترهيب مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- « من ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين »(25)يعني: أنه على خطأ؛ لأنه قد يميل مع هذا، أو يحكم بهوى، أو ما أشبه ذلك، ومن الترهيب -أيضا- قوله -صلى الله عليه وسلم-: « يجاء بالقاضي العادل، فيلقى من الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة »(26)وفي رواية « في عمره »(11)يعني: أنه يحاسب حسابا شديدا على القضايا، حتى يتمنى أنه ما دخل في سلك القضاء.

ومن الترغيب قوله -صلى الله عليه وسلم-: « إذا اجتهد الحاكم، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر »(27)فعذره بشرط الاجتهاد أنه إذا تولى، وهو كفء، فإنه يؤجر على ذلك، ورد في حديث: « القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض عرف الحق وخالفه، فهو في النار، وقاض قضى للناس على جهل، فهو في النار، وقاض عرف الحق وقضى به، فهو في الجنة »(28) وغير ذلك من الأحاديث.

القضاء لا بد للناس منه، يعتبر فرض كفاية على الإمام أن ينصب قضاة في كل قطر؛ حتى يفصلوا بين الناس؛ وحتى يميزوا الحقوق، ويعطوا كل ذي حقا حقه، وحتى لا تكثر المظالم، ولا تعظم المفاسد، فالقضاء فرض كفاية، وإذا لم يوجد إلا هذا الإنسان الذي هو أهل، لم يتول، فإن الحكم يتعطل تعين عليه. يقال: الآن أنت الذي تصلح للقضاء، وإذا تركته، وامتنعت لم نجد غيرك، ولم نجد من يصلح للقضاء في هذه البلاد إلا أنت. إذا، فيلزمك أن تمتثل، وأن تقبل ذلك.

يقول: يجب على الإمام نصب من يحصل به الكفاية، ممن له معرفة بالقضاء؛ المعرفة تكون معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس.

الأحكام أولا: معرفة الأدلة.

ثانيا: معرفة كيفية تطبيقها وكيفية العمل بها.

والقضاة الذين لهم خبرة يعرفون الصادق بمجرد كلامه، ويعرفون الكاذب بمجرد رؤيته، أو بمجرد كلامه، ولهم في ذلك وقائع عجيبة يتعجب منها:

قد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه الذي سماه "الطرق الحكمية" عجائب من القضاة الذين تولوا القضاء، ومنهم علي -رضي الله عنه- له قصص واقعية ذكر بعضها، وكذلك -أيضا هناك- كتاب اسمه: تاريخ القضاة للقاضي وكيع، ترجم فيه للقضاة، وذكر قضايا، وكذلك -أيضا- في أحكام القضاة موجود في ثلاث مجلدات اسمه" أخبار القضاة" للقاضي وكيع، فالحاصل أنهم بممارساتهم القضاء، وقعوا على عجائب، وعرفوا ذلك بذكائهم وفطنتهم، ومعرفتهم الصادق من الكاذب، ولكن لا بد من معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس. على الإمام أن يولي الأمثل، فالأمثل بالصفات المعتبره في القاضي.

يشترطون في القاضي صفات:

أ‌‌ولا: صفات لازمة: فيشترطون -مثلا- أن يكون رجلا لا امرأة، وأن يكون مسلما، وأن يكون حرا، وأن يكون عاقلا، وأن يكون بالغا، وأن يكون عدلا، ويشترطون -أيضا- الأمثل، فالأمثل، فيقدم -مثلا- الذي يسمع على ثقيل السمع، والمبصر على فاقد البصر، والمتكلم على ثقيل الكلام، والعربى الفصيح على العجمي غير الفصيح، وما أشبه ذلك. ويقدم العالم الجليل على المبتدئ، وعلى المتوسط.

وكذلك -أيضا- ينظر إلى أخلاق القاضي، فيقدم -مثلا- كثير الحلم، وكثير التؤدة، وكثير التوازن، وتام العقل، وتام المعرفة، ولين الجانب، وما أشبه ذلك. ويصفونه بأنه لا بد أن يكون لينا، ولكن لا يكون معه ضعف، بحيث يطمع فيه الكاذب، ونحوه، وأن يكون قويا، ولكن لا يكون قوته معها عنف، بحيث إنه ييأس صاحب الحق من حقه، وأشباه ذلك.

يتعين على من كان أهلا، ولم يوجد غيره، ولم يشغله عما هو أهم منه، إذا لم يوجد إلا أنت، وأنت كفء، ولم يوجد غيرك تعين عليك، إذا كلفت من قبل الوالي العام بشرط أن لا يشغلك عما هو أهم منه، أن لا يشغلك -مثلا- عن طلب العلم، أو تعليمه مثلا، أو لا يشغلك عن واجب حق أهلك عليك، أو ما أشبه ذلك، فالحاصل أنه إذا لم يوجد إلا إنسان كفء، ولم يوجد غيره لزمه الامتثال.

أما كيفية القضاء: فقد دل عليها الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- « البينة على المدعي، واليمين على من أنكر »(7)هذا الحديث، وإن كان فيه مقال، ذكره النووي في الأربعين النووية وحسنه، وهو مروي في البيهقي وغيره، والروايه التي في الصحيح قوله -صلى الله عليه وسلم- « اليمين على المدعى عليه »(29)اليمين، يعني: الحلف على المدعى عليه، يعني: هو المنكر، وسبب ذلك أن المدعي، جانبه ضعيف، والمدعى عليه جانبه قوى؛ لأن الأصل براءة زمته، جاءك إنسان بعيد، وقال: عندك لي ألف، ولم يكن هناك قرائن، فأنت جانبك قوي، الأصل براءة زمتك، لا بد أن يطالب هو بشهود يشهدون على الدين الذي في ذمتك، أنه ثابت، وأنك لم تقضه، وأنه صحيح ما ذكره، فإذا شهد الشاهدان على هذا الدين، حكم على المدعى عليه بالبينة، وألزم بدفعه، فإذا لم يجد البينة حلف المدعى عليه، وهو المنكر، وبرئت زمته. اليمين على من أنكر في حديث أم سلمة « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع خصومة بالباب، فخرج إليهم، وقال: إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع »(30)وفي رواية: « إنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها، أو ليدعها »(8)استدلوا بذلك على أن حكم الحاكم، لا يحرم الحلال، ولا يحلل الحرام، وإنما هو حكم ظاهري، فلا يغير ما في نفس الأمر، فإذا حكم لك القاضي، وأنت كاذب، تعلم أنك مدين، فحكم ببراءة زمتك، حيث حلفت على ذلك، فحكم ببراءتك، فلا تبرأ زمتك أنت مدين بهذا الدين الذي تعلم أنه في ذمتك.

كذلك لو أتيت بشهود زور، فحكم القاضي على المدعى عليه، وانتزع منه الدعوة التي هي -مثلا- دين، وأخذته أنت، فإنما تأخذ قطعة من النار، حيث إنك أخذت ما لا يحل لك قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (31)يعني: تحتجون بحكم الحاكم، فحكم الحاكم لا يغير ما في نفس الأمر، فالحاصل أن من ادعى مالا، ونحوه فعليه البينة، البينة هي الشاهدان العدلان، أو الشاهد واليمين، أو رجلا وامرأتان، فيما يتعلق بالأموال. شهادة النساء لا تصح إلا في الأموال، وأما في الطلاق -مثلا- والنكاح وما أشبهها، فلا وكذلك شهود الزنا لا يصلح فيها إلا الرجال.

فإذا أتى بشاهدين عدلين حكم له، فإن لم يجد، وأتى برجل، وامرأتين حكم له، فإن لم يجد إلا رجلا وحلف مع شاهده حكم له، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (9)ذكروا أن امرأتين شهدتا عند رجل، عند قاض، فأراد أن يفرق بينهما، ويسأل كل واحدة على حدة، فامتنعت الأخرى، وقالت: الله يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (9) يعنى: أن إحداهما قد تخبر بشيء نسيته، أو جهلته، فتذكرها الأخرى، فهذا في الأيمان.

وثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بالشاهد واليمين في عدة أحاديث صحيحة، أو مجموعها يبلغ درجة الصحة، فإن لم يكن له بينه لا شاهدان ولا شاهد رجل مع امرأة، ولا رجل ويمين، ردت اليمين على المدعى عليه، حلف المدعى عليه وبرئ، ويحلف على البراءة، فيقول: والله ما عندى له شيء، يعني ليس عندي له مال، أو والله ما عندي له المال الذي يدعي به، ولا جزء منه، فحين إذ تبرأ ذمته، فإن نكل عن الحلف قيل له: احلف، فتوقف، فمن العلماء من يقول: يقضي عليه بمجرد النكول، ومنهم من يقول: بل يحلف خصمه المدعي.

يقال: أنت تدعي، ولم تجد بينة، وطلبنا من خصمك اليمين، فلم يحلف، فاحلف أنت، فإن حلف حكم له، وإن امتنع -أيضا- امتنع المدعي أن يحلف، وامتنع المدعى عليه أن يحلف، فالقاضي قد يتوقف، ويوقف القضية حتى يحلف أحدهما.

ومن العلماء من يقول: إن نكول المدعى عليه دليل على أنه مدين، فالحاصل أنه إن نكل قضي عليه بالنكول، أو ردت اليمين على المدعي، فإن حلف مع نكول المدعى عليه أخذ ما ادعاه، وإن نكل كلاهما توقف القاضي.

البينة: البينة القرينة الدالة على صدق أحد المدعيين، هذه هي البينة. وسميت بذلك: لأنها تبين الحق وتدل عليه. فالشهود بينة، والقرائن بينة. مثل أن تكون العين المدعى بها بيد أحدهما، فهى له، إذا كانت هذه الناقة معه منذ أن كانت صغيرة وبيده، وهو الذي يحلبها، وهو الذي يركبها، وهو الذي يولدها، فجاء إنسان وقال: هذه ناقتى، فهذه كونها في يده دليل على أنها له، فالأغلب -على الظن- أنها ملكه، كذلك لو جاءك إنسان، وادعى حذاءك الذي في رجلك مثلا، أو عمامتك التي على رأسك، فإن القرائن تدل على أنه خاطئ، وأنك أنت المصيب؛ لأنها في يدك.

يقول: فهي له بيمينه. ومنها أن يتداعى اثنان متاعا لا يصلح إلا لأحدهما كتنازع نجار وغيره في آلة النجارة، النجار -مثلا- عنده آلة النجارة كالقدوم الذي يقطع به، والمنشار الذي يقطع به الخشب، وما أشبه ذلك، فإذا جاءه إنسان وقال: هذا لي، وهو معروف أنه ليس نجارا، فإنه يحكم للنجار؛ لأنه صاحبه. كذلك الحداد يحكم له بآلة الحدادة وما أشبهها.

ثم تكلم على الشهادة تحملها، وأدائها: ، فإذا قيل: ما حكم تحملك الشهادة ؟ تحملها فرض كفاية. فإذا جاءك إنسان وقال: أريد أن تذهب تشهد لي على بيع، أو على نكاح، أو على طلاق، فإذا لم يوجد غيرك، فإنك تذهب معه، فإن كان يجد غيرك، فلا يلزمك، إنما هو فرض كفاية. كونك تتحمل الشهادة، أما إذا تحملتها، وأن صرت شاهدا له، ثم طلب منك أن تؤديها، فإن أداءها فرض عين قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا (9)يعني: لأداء الشهادة ﴿وَلَا يَأْبَ (9)يعني: لا يمتنع الشاهد من أداء الشهادة بعد أن تحملها، ثم قال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ (9)إذا كان عليه ضرر، فلا يضار.

يشترط أن يكون الشاهد عدلا ظاهرا وباطنا؛ لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (32)قد تكلم العلماء على العدالة، وأطالوا في اشتراطها، وفي القوادح التي في الشهادة، حتى ذكر بعضهم أكثر من مائة قادح، تقدح في الشهادة، حتى ذكروا الأمور العادية، فالحاصل أن الشاهد لا بد أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا، فالظاهر في أخلاقه مثلا. فإذا كان معروفا بالصدق، ومحافظا على الصلوات، ومؤديا لحقوق الله، ومؤديا لحقوق الناس، ولا يعرف منه الكذب، ولا يعرف منه الظلم، ولا التعدي، فهذا عدل في الظاهر، كذلك -أيضا- في الباطن ما عرف منه سرقة ولا اختلاس ولا خيانة في أمانة، ولا فجور، ولا معاص، ولا زنا ولا فواحش ما عرف منه، فإن عرف منه شيء من ذلك، فليس بعدل. ويقال -أيضا-: العدل من رضيه الناس؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (9)ولهذا يمكن الخصم من الطعن في الشاهد، فيقال هذا الشاهد شهد ضدك اطعن فيه، فإن طعن فيه بفعل ظاهر كأن يقول -مثلا-: إنه يشرب الدخان، أو إنه حليق اللحية مثلا، أو إنه يترك الصلاة، أو يتخلف عن الجماعة، فإن ذلك قادح.

لا يجوز أن يشهد شاهد إلا بما علمه برؤية، أو سماع من المشهود عليه، أو استفاضة يحصل بها العلم في الأشياء، التي يحتاج إليها كالأنساب، ونحوها لقوله تعالى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا (33)حكاية عن إخوة يوسف، فالشاهد لا بد أن يشهد عن علم، فلا يشهد بمجرد الظن، فلا بد أن تحصل رؤيته، فيقول: نعم. رأيته يشتري من هذا، رأيته عندما أقبضه وسلمه، رأيته عندما ضربه، أو شجه، يشهد برؤية، أو سماع: سمعته يقذفه، سمعته يرميه بفاحشة مثلا، أو سمعته يعترف له بحق، أو ما أشبه ذلك، أو استفاضة، الاستفاضة هي: الخبر الذي ينتشر في البلاد، ويكون مشتهرا عند الخاص والعام، استفاضة يحصل بها العلم بالأشياء التي يحتاج إليها، كأنه يقول: أنا ما رأيته عندما ولدته أمه، ولكن الناس كلهم يقولون هذا: فلان ابن فلان التي هي زوجته فلانة بنت فلان، فأشهد بأنه ابن فلان، وبأنه من القبيلة الفلانية؛ للشهرة ولانتشار الخبر، فله أن يشهد بالنسب مثلا.

وكذلك إذا اشتهر خبر في البلاد أن فلانا -مثلا- قاتل، أو أنه -مثلا- مدين بكذا وكذا، فله أن يشهد بالشهرة.

قوله: وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل: « ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد، أو دع »(11)رواه ابن عدي.

حديث مذكور في بلوغ المرام، ولكنه بإسناده ضعف، ولكنه دليل على أن الشاهد لا يشهد إلا بما تحققه وتيقنه، مثل رؤيته للشمس التي لا يشك في أنها: هي الشمس.

موانع الشهادة: منها مظنة التهمة: كشهادة الوالدين لأولادهم، وبالعكس الوالد لولده، أو الولد لوالده، قد يتساهل فيشهد له، فلا تقبل شهادته له، وما ذاك إلا أنه قد يتمنى إيصال الخير له، فشهادة الولد، أو الوالد مظنة تهمة.

أما الأخ: فتقبل شهادته إذا كان بينه.. يعني: عادة أنه من أهل الورع، وإن كان بعضهم يرد شهادة الأخ لأخيه، إذا عرف منه محاباة، أو عصبية، أو تحملا، أو نحو ذلك.

كذلك الزوجان: لا يشهد لزوجته، ولا تشهد له؛ وذلك لأنه قد يتسامح معها، وقد يتساهل؛ فيشهد لها؛ لأن الذي لها له، وكذلك هي معه.

كذلك العدو: إذا شهد على عدوه، أو شهد الخصم على خصمه، فقد يقال: إنه شهد عليه؛ ليضره، فيقول المشهود عليه لا أقبل شهادته؛ لأنه عدوي؛ لأنه مشهور أنه قد ضرب ولدي، أو قد -مثلا- انتهب حقي، أو قد جحدني، أو ما أشبه ذلك، فلا تقبل شهادة العدو على عدوه.

يقول في الحديث: « لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة »(12) إذا اتهم بالخيانة، فإن الخيانة قادح، خيانة الأمانة مثلا، أو خيانة الشهادة، أو ما أشبه ذلك.

الإنسان مأمور بأن يؤدي الحقوق قال تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ (34)فإذا لم يؤد الأمانة، فهو خائن، فإذا عرفت خيانته، كان ذلك قادحا في شهادته؛ ولأنها من خصال النفاق « وإذا أؤتمن خان »(35)« ولا ذي غمر على أخيه »(36)الغمر: العداوة، يعني: إذا عرف أن في قلبه ضغائن على هذا الإنسان، يحب ضرره، يحب إيصال الشر إليه، يحب أن يحبس، وأن ينكل به؛ لأنه عدو له في قلبه ضغينة عليه، فلا يشهد عليه؛ لأنه يطعن فيه، ويقول: نعم، هذا عدوي، كيف يشهد علي، وهو عدوي؟‍‍

ولا شهادة القانع لأهل البيت: القانع لهم، هو المحامي، مهم كالخادم الذي يخدم أهل البيت يشهد لهم؛ لأنه يحب إيصال الخير إليهم، فلا تقبل شهادته لهم؛ لأنه كأنه واحد من أفرادهم، يعني: كأنه ولد من أولادهم يخدمهم، ويقود بهم، ويعطونه، ويواسونه، ويشتغل معهم، وفي الحديث الثاني « من حلف على يمين؛ يقطتع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر لقي الله، وهو عليه غضبان »(37)تحذير من الحلف الكاذب، وذلك أن الإنسان إذا عرف أنه لا حق له على شيء، فعليه أن يعترف بما عنده، فإذا حلف، وهو كاذب، واقطتع مالا بيمينه في هذه القضية، فقد أكل حراما وفجر، واستهان باسم الله تعالى أو بأسماء الله التي حلف بها.


(7) الترمذي : الأحكام (1341).
(8) أبو داود : الأقضية (3583) , وابن ماجه : الأحكام (2317) , وأحمد (6/320) , ومالك : الأقضية (1424).
(9) سورة البقرة: 282
(10) الترمذي : الأحكام (1345).
(11)
(12) أبو داود : الأقضية (3600) , وابن ماجه : الأحكام (2366) , وأحمد (2/204).
(13) البخاري : تفسير القرآن (4550) , ومسلم : الإيمان (138) , والترمذي : تفسير القرآن (2996) , وأبو داود : الأيمان والنذور (3243) , وابن ماجه : الأحكام (2323) , وأحمد (1/377).
(23) الترمذي : الأ��;�; ���y(<�; �;�مقدمة (168).
(24) الترمذي : الأحكام (1331) , وأبو داود : الأقضية (3582).
(25) الترمذي : الأحكام (1325) , وأبو داود : الأقضية (3571) , وابن ماجه : الأحكام (2308) , وأحمد (2/230).
(26) أحمد (6/75).
(27) البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة (7352) , ومسلم : الأقضية (1716) , وأبو داود : الأقضية (3574) , وابن ماجه : الأحكام (2314) , وأحمد (2/187).
(28) الترمذي : الأحكام (1322) , وأبو داود : الأقضية (3573) , وابن ماجه : الأحكام (2315).
(29) البخاري : الرهن (2514) , ومسلم : الأقضية (1711) , والترمذي : الأحكام (1342) , والنسائي : آداب القضاة (5425) , وأبو داود : الأقضية (3619) , وابن ماجه : الأحكام (2321).
(30) البخاري : المظالم والغصب (2458) , ومسلم : الأقضية (1713) , والنسائي : آداب القضاة (5401) , وأبو داود : الأقضية (3583) , وابن ماجه : الأحكام (2317) , وأحمد (6/320) , ومالك : الأقضية (1424).
(31) سورة البقرة: 188
(32) سورة الطلاق: 2
(33) سورة يوسف: 81
(34) سورة البقرة: 283
(35) البخاري : الإيمان (33) , ومسلم : الإيمان (59) , والترمذي : الإيمان (2631) , والنسائي : الإيمان وشرائعه (5021) , وأحمد (2/536).
(36) أبو داود : الأقضية (3600) , وأحمد (2/204).
(37) البخاري : الخصومات (2417) , ومسلم : الإيمان (138) , والترمذي : البيوع (1269) وتفسير القرآن (2996) , وأبو داود : الأيمان والنذور (3243) , وابن ماجه : الأحكام (2323) , وأحمد (1/377 ,1/379 ,1/416 ,1/426 ,1/442 ,1/460).