موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - زكاة الأثمان - شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 فَصْلٌ فِي الْمِيَاه
 باب الآنية
 باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
 باب صفة الوضوء
 باب نواقض الوضوء
 باب ما يوجب الغسل وصفته
 باب التيمم
 باب الحيض
 كتاب الصلاة
 شروط الصلاة
 باب صفة الصلاة
 أركان الصلاة
 باب السجود
 سجود السهو
 سجود التلاوة
 سجود الشكر
 باب "مفسدات الصلاة ومكروهاتها"
 باب صـلاة التطوع
 صلاة الكسوف
 صلاة الوتر
 صلاة الاستسقاء
 أوقات النهي
 باب صلاة الجماعة والإمامة
 باب الصـلاة لأهل الأعذار
 صلاة المريض والمسافر
 صلاة الخوف
 باب صلاة الجمعة
 باب صلاة العيدين
 كتاب الجنائز
 كتاب الزكاة
 زكاة الأثمان
 زكاة عروض التجارة
 باب زكاة الفطر
 باب أهل الزكاة ومن لا تدفع له
 كتاب الصيام
 صيام التطوع
 الاعتكاف
 كتاب الحج
 حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
 أركان الحج وواجباته
 محظورات الإحرام
 شروط الطواف وأحكامه
 شروط السعي
 باب الهدي والأضحية والعقيقة
 كتاب البيوع
 شروط البيع
 باب بيع الأصول والثمار
 باب الخيار وغيره
 باب السلم
 باب الرهن والضمان والكفالة
 باب الحجر لفلس أو غيره
 باب الصلح
 باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة
 باب إحياء الموات
 باب الجعالة والإجارة
 باب اللقطة
 باب المسابقة والمغالبة
 باب الغصب
 باب العارية والوديعة
 باب الشفعة
 باب الوقف
 باب الهبة والعطية والوصية
 كتاب المواريث
 أصحاب الفروض والعصبات ومسائل في الميراث
 باب العتق
 كتاب النكاح
 شروط النكاح
 النكاح وشروطه وعيوبه
 باب الشروط في النكاح
 العيوب في النكاح
 كتاب الصداق
 باب عشرة النساء
 باب الخلع
 كتاب الطلاق
 الطلاق البائن والرجعي
 باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك والحضانة
 كتاب الأطعمة
 [باب الذكاة والصيد]
 [باب الأيمان والنذور]
 [كتاب الجنايات]
 كتاب الحدود
 حد الزنا
 حد القذف
 حد التعزير
 حـد السرقة
 حد الحرابة
 حكم البغـاة
 باب حكم المرتد
 كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات
 باب القسمة
 باب الإقرار
شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - زكاة الأثمان

زكاة الأثمان

وأما صدقة الأثمان فإنه ليس فيها شيء حتى تبلغ مائة درهم وفيها ربع العشر وأما صدقة الخارج من الأرض من الحبوب والثمار فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة »(1) متفق عليه.

والوسق ستون صاعا فيكون النصاب للحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر »(2) رواه البخاري.

وعن سهل بن أبي حثمة قال: « أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع »(3) رواه أهل السنن.


ذكر بعد ذلك صدقة الأثمان. عرفنا أن الأثمان: الذهب والفضة يقول: إنه ليس فيها شيء حتى تبلغ مائتي درهم، وفيها ربع العشر؛ وذلك لأن الأصل أنها يمكن أن تنمى يستطيع صاحبها أن ينميها ففيها الزكاة، ولو كانت مخزونة فإذا قال: كيف أؤدي زكاتها كل سنة وهي لا ربح فيها، ولا يحصل فيها زيادة إذا كنت أدفع منها كل سنة زكاة، زكاة، زكاة تنقضي؟ نقول: لماذا تفسدها؟ لماذا تخزنها؟ هي قابلة لأن تنميها إما أنك تنميها بنفسك وتَتَّجَر فيها، وإما أنك تعطيها من يَتَّجَر فيها بجزء من ربحها، فما دام أنها موجودة عندك، فإن فيها الزكاة، ولو لم يكن لها زيادة ونماء.

هذه زكاة الفضة، أما زكاة الذهب فالذهب أيضًا يزكى ولو كان مرصودًا ولم يذكر المؤلف نصابه. قد ورد في الحديث أن نصابه عشرون مثقالًا أو عشرون دينارًا، والدينار قطعة من الذهب يتعامل بها وتقدر بأربعة أسباع الجنيه السعودي.

الدينار العربي القديم أربعة أسباع الجنيه السعودي، وقدروا عشرين مثقالًا بخمسة وثمانين غرام المعروف على خمسة وثمانين جرام هذه نصاب الذهب هذا إذا كان غير مضروب، أما إذا كان مضروبًا فإن نصابه أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه أو نصف الجنيه إحدى عشر جنيهًا ونصف هذا إذا كان مضروبًا يعني أنه من النقود أما غير المضروب فيراد به مثلًا ما هو تبر أو مقطع أو نصوف أو حلي، كل ذلك يسمى ذهبًا ففيه الزكاة.

ولم يتعرض المؤلف لزكاة الحلي، وكأنه اشتبه عليه الأمر فيها، أو رأى فيها خلافًا قويًا، أو أجراها على ما كان عليه أهل المذهب، فترك الكلام عليها وهي مما يهم أن يتكلم فيها:

زكاة الحلي يراد بها ما يُلْبَس من حلي الذهب أو من حلي الفضة، أي ما تتحلى به النساء؛ لأن التحلي خاص بالنساء، أما الرجل فلا يلبس الحلي، الرجل يمكن يلبس خاتم فضة مثلًا، أو يرخص له بطبيعة السيف ونحوها من الأدوات، أما المرأة فإنها بحاجة إلى أن تلبس حليًا تتجمل به عند زوجها وكذلك عند الُخَّطاب ونحوه. تتجمل بهذا الذهب.

فأبيح لها ما جرت العادة بلبسه، فما يلبس في الرقبة يسمى قلائد، وقد يتوسعون فيها بما يسمى الرشارش حتى تصل إلى الثدي أو تحت الثدي ويلبس أيضًا في الأيدي في الأصابع الخواتيم، ويلبس في الذراع الأسورة. السوار هو ما يكون في الذراع. الأسورة وتسمى غوايش، ويسميها بعضهم بنادر إن هذه من الحلي. ويلبس في الأذن الأقراط واحدها قرط، ويسميها بعضهم فُرص ويتوسعون أيضًا الآن فيلبسون في أوساط البطن ما يسمى بالحزام. إن كانوا أيضًا يلبسون في الأرجل ما يسمى بالخلاخل، وهي الزيادة الخفية التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ (8) فهذا الحلي هل يزكى أم لا؟ فأكثر الفقهاء قالوا: إنه لا يُزَكَّى وما ذاك إلا أنه مُعَدٌّ للاستعمال؛ ولأنه لا يتنامى؛ ولأن المرأة تقتنيه؛ لتتجمل به فهو ملحق بثيابها وبأكسيتها وملحق أيضًا بالأواني التي تستعمل للطبخ وللشرب وما أشبه ذلك ولو كانت ثمينة، ومُلْحَق بما يستعمل من الفُرُش ومن الوسائد وما أشبهها فهو مستعمل هكذا قالوا.

وإذا كان كذلك فلا زكاة فيه كسائر المستعملات سيما وهو لا يتنامى، يُسْتَدَل أيضًا بأن خمسة من الصحابة نقل عنهم أنهم لا يزكون الحلي منهم عائشة كانت تحلى بنات أخيها ولا تزكيهم، بنات محمد بن أبي بكر، ولا تزكيه، ومنها أختها أسماء كان عندها حلي لها ولبناتها ولا تزكيه، ومنهم جابر روى عنه أنه قال: « ليس في الحلي زكاة »(5) هكذا روى عنه موقوفًا، وهو الصحيح، ورواه بعضهم مرفوعًا، ولكنه خطأ، جماعة من الصحابة يعني ذهبوا إلى أن الحلي لا زكاة فيه قياسًا له على سائر المستعملات.

ثم نصر هذا القول كثير من العلماء وكتب فيه الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع واختار أنه لا يُزَكَّى وكتب فيه الدكتور إبراهيم الصبيحي، واختار أيضًا أنه لا يزكى وكتب فيه بعض الأخوة مثل أفراح بن هلال ومثل عبد الله الطيار وكلامهم فيه متوقف.

واختار شيخنا الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين أنه يزكى ويستدلون بحديث عبد الله بن عمرو « أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مَسَكَتَان من ذهب فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله »(9) وهكذا ورد هذا الحديث مروي من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلما كان هذا الحديث مقبولًا يقبله من يقبل أحاديث عمرو بن شعيب ويحتج به قالوا: لا عذر لنا في ترك العمل به لصحته وصراحته.

وأجاب الذين قالوا: إنه لا يزكى منهم شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد -رحمه الله- يختار أنها لا تزكى أجابوا بالمقال الذي في عمرو بن شعيب وأجاب بعضهم بأن هذه الزكاة مجملة لا يدرى ما هي يمكن أن زكاته عاريته، يمكن أن زكاته ضمه إلى غيره، يمكن أن زكاته أن يستعمل فيما اشترى لأجله، أو ما أشبه ذلك، وهي توخيات لكن قالوا: إنه مجمل ولا ندري هل بلغ النصاب أم لا سورين قد يكونا على بنت طفلة قد يكون عمرها مثلًا خمس سنين فهل تبلغ النصاب أم لا ؟

فأفادني هذا أن زكاة مجملة فقال بعضهم: إنه يراد بها ما ذكر من أن الزكاة هنا هي العارية ومما استدلوا به أيضًا على وجوب الزكاة حديث عن عائشة الصحيح المروي في السنن وفي المسند قالت: « دخل عليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي يدي فتخات من فضة. -الفتخات واحدة فتخة، وهي الخواتيم من فضة- فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: أردت أن أتجمل لك به. فقال: أتؤدين زكاته؟ قالت: لا. قال: هو حظك من النار »(10) أو كما قال.

هذا أيضًا مما استدلوا به، وهو صريح حديث واضح لا طعن فيه وصحيح ولكنه مشكل أيضًا من حيث أنه لم يعين عدد الزكاة، ولم يعين النصاب ولا غيره، فلعل زكاته عاريته أو نحو ذلك ولكن المشايخ قالوا: لا نأخذ بالتأويلات ونرد اللفظ الصريح؛ فلأجل ذلك يختارون ويرجحون أنه يزكى إذا بلغ النصاب.

ومما استدلوا به أيضًا الآيات الكريمة في سورة التوبة ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (11) وقال ابن عباس: كل مال أديت زكاته فإنه ليس بكنز، فالله تعالى عذب في هذه الآية الذين يكنزون الذهب والفضة.

وإن كان المفسرون أو أكثرهم حملوها على المكنوز الذي هو في الصناديق أو ما أشبهها، ولكن الغالب أن كثيرًا من هذا الحلي يلقى في الصناديق أكثر الزمان، وحيث إن النساء في هذه الأزمنة تباهين في هذا وأكثرن منه فصارت المرأة تشتري بما قيمته مائة ألف أو مائتان أو أكثر أو أقل ولا تلبسه إلا في المناسبات تلبسه في السنة مرة أو مرتين أو مرارًا يسيرة في الأعياد أو في الحفلات ثم تغلق عليه، فأصبح في هذا شيء من الإسراف.

فلأجل ذلك يترجح أنه يزكى عملًا بهذه الأدلة التي استدل بها مشايخنا وعملًا بأنه من جملة الكنز أو داخلا فيما تضمنته هذه الآية ونقف على صدقة الخارج من الأرض لنواصل القراءة فيها غدًا إن شاء الله.

وقفنا على زكاة الخارج من الأرض ويراد به الثمار والحبوب التي تنبت بالسقى وتنمو، وهي من رزق الله تعالى. الله تعالى جعل الأرض رخاء تنبت ما يأكلون.

لو كانت الأرض ذهبا أو فضة لو كانت كلها من ذهب أو من فضة لما عاش عليها دابة ولا إنسان، ولكن الله جعلها قابلة للإنبات، وأنزل من السماء هذا الماء وأسكنه في الأرض وجعل في الأرض مستودعات تخزن فيها المياه إذا كثرت تبتلعها الأرض وتمسكها حتى يستخرجها الناس عند الحاجة إليها لشربهم ولسقي دوابهم ولسقي حروثهم وأشجارهم التي فيها معاشهم وبها حياتهم.

هذا الخارج من الأرض تارة يحتاج إلى سقي وإلى مؤونة وإلى كلفة في السقي فتكون زكاته أقل، وتارة لا يحتاج إلى سقي بل ينبت بنفسه ويستقي بعروقه أو نحو ذلك فتكون زكاته أكثر؛ لأن المؤونة فيه أقل. أكثر الفقهاء على أن الزكاة بالخارج تختص بالحبوب والثمار التي تكال وتُدخر، وأنه لا زكاة فيما سوى ذلك؛ وذلك لأنها إذا كانت لا تدخر فلا تتم بها النعمة، أما التي تدخر فإنه ينتفع بها في الحال، وفي المآل بخلاف التي لا تدخر فمثلًا الفواكه التي تؤكل وهي رطبة ولا تدخر هذه لا ينتفع بها إلا في الحال.

هذا هو القول الراجح والمشهور وهناك من يقول من العلماء كالحنفية: إن فيها زكاة، إن كل شيء ينبت وفيه منفعة وفيه غذاء أو نفع فإنه يزكى ويستدلون، يستدل الحنفية بقوله -صلى الله عليه وسلم-: « فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالنضح والدلاء نصف العشر »(12) .

فقالوا: كلمة « فيما سقت السماء »(2) عام يدخل فيها مثلًا الفواكه فتكون فيها زكاة واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (7) على القول بأن حقه هو الزكاة، قالوا: الأمر يعود إلى أقرب مذكور، الآية ذكر فيها النخل والزرع وهما زَكَوِيَّان؛ لأن ثمرهما يكال ويدخر، وذكر فيها الزيتون والرمان والغالب أنهما لا يدخران.

الرمان يفسد إذا طال زمانه فلا يدخر، والزيتون يمكن أن يصبغ ويمكن أن يصبر ويعتصر منه الزيت، زيت الزيتون، ولكن نفسه لا يدخر أصلًا ومع ذلك فالآية يعقبها ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ (7) يعني يعود إلى أقرب مذكور ﴿إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (7) فهو دليل على أن فيه زكاة، أن الرمان فيه زكاة، وأن الزيتون فيه زكاة، هذا ما استدلوا به، وعلى هذا القول تخرج الزكاة من كل خارج من الأرض، كل ما سقت السماء كان عثريًا، وكل ما سقى بالنضج ونحوه، فيلزمون أصحاب البقول بالزكاة منها أو من ثمنها.

البقول: مثل الخص والفجل والرجلة والنعنخة وأشباهها من هذه البقول، وكذلك أيضًا الفواكه يخرجون الزكاة من البطيخ ومن التفاخ والموز والبرتقال والمشمش والخوخ، وما أشبهها وذلك؛ لأنها من جملة ما يسقى وما ينبت. هذا هو قول الحنفية ونحوهم وقالوا: إنها من جملة الأموال فتدخل في قوله: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (4) وتدخل في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً (6) .

وأيضًا تدخل في قوله: « تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم »(13) فإن أكثر الذين يزرعون هذه البقول يبيعون منها بكميات طائلة يبيعون مثلًا من البطيخ بعشرات الألوف بأنواعه، البطيخ بأنواعه ومنه الجح والهنادوه والشمام وما أشبهها ويبيعون أيضًا من الفواكه من الرمان مثلًا ومن الخوخ والمشمش والكمثرى وما أشبهها يبيعون منها بكميات كثيرة.

فإذا أسقطنا منها الزكاة فقد أسقطنا حقًا للفقراء مذكور في هذه الآية ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (4) هذا وجه من أوجب الزكاة في كل خارج من الأرض حتى أوجبوها أيضًا في الخضار يعني إما منها وإما من قيمتها.

الخضار التي تطبخ وتؤكل مثل الدباء والباذنجان أو تؤكل بدون طبخ كالخيار والطروح، وهذه قالوا: إنها كلها من جملة الخارج من الأرض فتؤدى زكاتها، والقول الثاني: إنها لا تخرج إلا مما يكال ويدخر، ومعنى يكال يعني يعبر بالوزن أو بالمكيال فجعلوا الكيل والوزن يعني والادخار هو السبب.

الادخار معناه الاحتفاظ بها في المآل بحيث ينتفع بها في الحال وفي المآل فمثلًا التمور تكال وتدخر تؤكل في الحال، وتؤكل بعد الحال يعني أكلها في الحال رطب ولكنها تصير تمرًا ويجفف ويخزن ويكنز وينتفع به فهو زكوى.

الزبيب مثله وهو العنب يؤكل عنبًا رطبًا ويزبب ويترك في شجره حتى يصير زبيبًا ثم بعد ذلك يجفف ثم يدخر ويؤكل زبيبًا فهو من جملة ما ينتفع به في الحال وفي المآل، كذلك الحبوب بأنواعها سواء كانت قوتًا كالبر والأرز والدخن والشعير والذرة أو لم تكن قوتًا ولكنها تكال وتدخر.

الأباذير التي تبذر كالحبة السوداء والحلب والرشاد وكذلك الحبوب الأخرى مثل القهوة، الهيل، القرنفل، الزنجبيل وأشباهها هذه تدخر ينتفع بها في الحال وفي المآل. أما إذا كانت تفسد إذا خزنت كالبصل، البصل في الأصل إذا خزن فإنه يفسد إذا طالت مدته، وإن كان يصبر في هذه الأزمنة، ويحتفظ به فلا تخرج منه الزكاة على هذا القول.

فالحاصل أن القول الذي اختاره أكثر الفقهاء ومنهم ابن سعدي أنها خاصة بالحبوب والثمار وأن الحبوب يعم ما كان قوتًا يعني يؤكل كالبر والشعير والأرز والدخن ونحوه ويعم ما ليس بقوت كالأباذير التي ليست قوتًا ولكنها دواء ونحوه كالحلب والأدوية كالحبة السوداء، وما أشبهها أن الجميع يكال ويدخر ففيه الزكاة.

ثم لا بد من النصاب، هذا هو القول الراجح، أنه لا بد أن تبلغ نصابًا وهناك من يقول: لا يشترط النصاب قول عند الحنفية لا يشترطون النصاب ويستدلون بعموم الحديث الذي ذكرنا « فيما سقت السماء أو كان عثريًا العشر »(14) قالوا: يعم القليل والكثير. إذا زرع عثريًا، أو زرع ما يسقى وحصده وله عشرة آصع أو عشرون صاع دخل في الحديث « فيما سقت السماء أو كان عثريًا العشر »(14) ولكن القول الصحيح أنه لا بد من النصاب؛ وذلك لأن الزكاة شرعت لأجل المواساة والقليل لا مواساة فيه، فإذا كان محصوله مثلا عشرين صاع أو مائة صاع قليلة بالنسبة إلى محصول غيره، فلا يكون فيها زكاة؛ لأنها بقدر قوته وقوت عياله.

والدليل على اشتراط الأنصباء هذا الحديث عن أبي سعيد الذي في الصحيح قوله -صلى الله عليه وسلم-: « ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة »(1) ذكر التمر كمثال وإلا غيره مثله: خمسة أوسق من البر، خمسة أوسق من الدخن، خمسة أوسق من الذرة.

وأشباه ذلك من كل شيء يكال. جعل التمر كمثال فيلحق به كل ما يكال كالزبيب مثلًا ونحوه الوسق ستون صاعًا، الأصل أن الوسق هو مكيس يجعل فوق ظهر البعير إذا جعل عليه عدلين عن جانبيه يجعل فوق ذلك وسق في الوسط يقدر بأنه أكثر شيء ستون صاعًا ثم استقر أن الوسق ستون صاعًا فيكون النصاب للحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني ستين في خمسة بثلاثمائة.

والصاع النبوي هو مثل صاعنا الآن إلا أنه لا يجعل له علاوة صاعنا يجعل له علاوة فوقه، وأما في ذلك الوقت فكانوا يمسحونه مسحًا ولا يجعلون له علاوة فقدروه بأنه أقل من صاعنا بالخمس وخمس الخمس، ثم قدره بعضهم بالكيلو فأقل ما قيل فيه أن الصاع النبوي اثنين كيلو وأربعين جرام يعني أكثر من ثلثي الصاع. الصاع الذي عندنا في الأصل أنه ثلاث كيلو، ولكن لما اعتبروا الصاع النبوي وجدوه بهذا القدر، وكانوا يعبرون الصاع بالوزن كان عندنا في هذه البلاد، وفي غيرها الكيل بالصاع والوزن بالوزنة.

والوزنة معيار معروف عندهم زنته خمسون ريالًا فرنسية، قدرنا الصاع وإذا هو مائة. الصاع مائة ريال فرنسي يعني وزن مائة إذا كان هذا يعني هو الوزن المعتاد، لكن اضمحلت الوزنة، وجاء بدلها هذا الكيلو فيحتاج إلى معرفة مقداره بهذه المكاييل. على هذا من بلغ عنده هذا النصاب فعليه زكاة فيه، ومن نقص عنه فلا زكاة عليه.

فهذا الحديث الذي ذكرنا « فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر »(15) المراد بالسماء المطر، ما سقت السماء يعني ما سقاه المطر، ويسمى بعلا بعولًا يعني إذا قرب نزول المطر يذهب أناس إلى بعض الأماكن، ويبذرون فيها ويحرثونها ويسوونها، فيأتي المطر ويسقيها فتنبت وتنمو إلى أن تنضج ولا يشتغلون فيها إلا بالبذر وبالحصاد فهذه ليس فيها كلفة ففيها العشر من كل مائة صاع عشرة آصع لهذه تسمى ما سقت السماء، ويوجد أيضًا في بعض البلاد النخيل التي تشرب من السماء أو تشرب من عروقها، وكذلك الأشجار كثير من الأشجار وتسمى عثرية.

العثرى هو الذي يشرب بعروقه يوجد في أطراف المملكة وفي خارج المملكة في العراق كثيرًا، وكذلك في بعض نواحي المملكة قرب الأردن في وادي السرحان يوجد أنهم يغرسون شجرة كالنخلة مثلًا ثم إنها تصل بعروقها إلى الماء وتعيش فتسمى عثرية، وكذلك الذي يسقى بالعيون لا كلفة عليهم أيضًا هناك في كثير من البلاد في الشام وفي اليمن وفي العراق وفي مصر يسقونها بالعيون عندهم عيون جارية كالنيل الذي في مصر وغيره الوادي يمشي. دائمًا هذا النيل وكذلك العيون يفجرونها ويسقون أشجارهم بدون مؤونة فهذه لا كلفة فيها.

المراد بالنضح السقى بالدلاء القديمة إن كانوا يسقون على النواضح وهي الدواب من الإبل والبقر والخيل والحمير ونحوها يعلقون الرشا في ظهرها ثم تجره حتى يخرج وينصب في مصب مهيأ له في المصبات التي يسمونها الألزية هذا يسمى السقى بالنضح ويسمى أيضًا الدلو الكبير يسمى الغرب غربًا وجمعها غروب، والنواضح هي الإبل أو البقر التي تجر هذه الدلاء يسمونها نواضح ما سقى بالنضح ففيه نصف العشر.

جاءت أيضًا الدواليب ولكنها تحتاج إلى بقر أو إبل تديرها يجعل لها ناعورة وتعلق فيها دلاء على هيئة أسطال تمتلئ ثم تستدير وتخرج وتنصب في المصبات. هذه أيضًا مؤونة ثم جاءت بعد هذه المضخات هذه الماكينات فإنها أيضًا تحتاج إلى مؤونة تحتاج إلى زيت وتحتاج إلى وقود وتحتاج إلى قيمة وإلى إصلاحات فكلها تحتاج إلى مؤونة ففيما سقى بها نصف العشر.

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نضجت الثمار أو الحبوب يرسل من يخرصها على أهلها فكان يقول: « إذا خرصتم فَدَعُوا الثلث، فإن لم تَدَعُوا الثلث فدعوا الربع »(16) ولكن هذا خاص بالنخل؛ لأن العادة أنه يذهب كثير منه هدايا وعطايا ومنح وأكلا، فأمرهم بأن يتركوا منه الثلث طعامًا لأهله وهدايا فإن كان الثلث كثير فليقتصروا على الربع إن هذا يمكن أن يكون أيضًا في العنب.

العنب أيضًا يخرص لأنه يزبب فيقول أيضًا: إذا خرصتم العنب فإن العنب كثيرًا ما يؤكل وهو عنب ويدفع مثلًا منه للضيوف والأقارب كهدايا فيذهب كثير منه فلذلك إذا خرص فإنه يترك لأهله الثلث، فإن كان الثلث كثير ترك لهم الربع.


(1) البخاري : الزكاة (1459) , ومسلم : الزكاة (979) , والترمذي : الزكاة (626) , والنسائي : الزكاة (2476) , وأبو داود : الزكاة (1558) , وابن ماجه : الزكاة (1793) , وأحمد (3/30) , ومالك : الزكاة (576) , والدارمي : الزكاة (1633).
(2) البخاري : الزكاة (1483) , والترمذي : الزكاة (640) , والنسائي : الزكاة (2488) , وأبو داود : الزكاة (1596) , وابن ماجه : الزكاة (1817).
(3) الترمذي : الزكاة (643) , والنسائي : الزكاة (2491) , وأحمد (3/448) , والدارمي : البيوع (2619).
(4) سورة المعارج: 24 - 25
(5)
(6) سورة التوبة: 103
(7) سورة الأنعام: 141
(8) سورة النور: 31
(9) النسائي : الزكاة (2479) , وأبو داود : الزكاة (1563) , وأحمد (2/204).
(10) أبو داود : الزكاة (1565).
(11) سورة التوبة: 34
(12) البخاري : الزكاة (1483) , والترمذي : الزكاة (640) , والنسائي : الزكاة (2488) , وأبو داود : الزكاة (1596) , وابن ماجه : الزكاة (1817).
(14) البخاري : الزكاة (1483) , والترمذي : الزكاة (640) , والنسائي : الزكاة (2488) , وأبو داود : الزكاة (1596) , وابن ماجه : الزكاة (1817).
(15) البخاري : الزكاة (1483) , والترمذي : الزكاة (640) , والنسائي : الزكاة (2488) , وأبو داود : الزكاة (1596) , وابن ماجه : الزكاة (1817).
(16) الترمذي : الزكاة (643) , والنسائي : الزكاة (2491) , وأحمد (3/448) , والدارمي : البيوع (2619).