موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - فائدة جليلة في قواعد الأسماء والصفات
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / فائدة جليلة في قواعد الأسماء والصفات لـ العلامة ابن القيم
  
 
 فائدة جليلة في قواعد الأسماء والصفات
 مقدمة
 الفائدة الأولى: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته
 الفائدة الثانية: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه
 الفائدة الثالثة: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق
 الفائدة الرابعة: أن أسماءه الحسنى هي أعلام وأوصاف
 الفائدة الخامسة: أن الاسم من أسمائه تعالى له دلالات
 الفائدة السادسة: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران
 الفائدة السابعة: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي
 الفائدة الثامنة: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل
 الفائدة التاسعة: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته
 الفائدة العاشرة: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم
 الفائدة الحادية عشرة: أن أسماءه كلها حسنى
 الفائدة الثانية عشرة: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة
 الفائدة الثالثة عشرة: الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد
 الفائدة الرابعة عشرة: الاسم والصفة له ثلاثة اعتبارات
 الفائدة الخامسة عشرة: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة
 الفائدة السادسة عشرة: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد
 الفائدة السابعة عشرة: أسماؤه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره
 الفائدة الثامنة عشرة: الصفات ثلاثة أنواع
 الفائدة التاسعة عشرة: من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات
 الفائدة العشرون: معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه
فائدة جليلة في قواعد الأسماء والصفات - مقدمة

مِنْ كِتَابِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ:
فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي قَوَاعِدِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى

لِلْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ
691 - 751 هـ

مُقَدِّمَةٌ

 

فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ :

مَا يَجْرِي صِفَةً أَوْ خَبَرًا عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَقْسَامٌ.

أَحَدُهَا : مَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الذَّاتِ، كَقَوْلِكَ: ذَاتٌ، وَمَوْجُودٌ، وَشَيْءٌ. استمع الشرح

الثَّانِي : مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ، كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ. استمع الشرح

الثَّالِثُ : مَا يَرْجِعُ إِلَى أَفْعَالِهِ، نَحْوُ: الْخَالِقِ وَالرَّزَّاقِ. استمع الشرح

الرَّابِعُ : مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّنْزِيهِ الْمَحْضِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَضَمُّنِهِ ثُبُوتًا إِذْ لَا كَمَالَ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ، كَالْقُدُّوسِ السَّلَامِ. استمع الشرح

الْخَامِسُ : وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَهُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى جُمْلَةِ أَوْصَافٍ عَدِيدَةٍ لَا تَخْتَصُّ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى مَعَانٍ لَا عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ، نَحْوُ: الْمَجِيدِ الْعَظِيمِ الصَّمَدِ، فَإِنَّ الْمَجِيدَ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلسَّعَةِ وَالْكَثْرَةِ وَالزِّيَادَةِ وَمِنْهُ: قَوْلُهُمْ (فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ وَاِسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعِفَارُ وَأَمْجَدَ النَّاقَةَ عَلَفًا )، وَمِنْهُ: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ ﴾(1) [ الْبُرُوجِ: 15 ] صِفَةٌ لِلْعَرْشِ لِسَعَتِهِ وَعِظَمِهِ وَشَرَفِهِ.

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَاءَ هَذَا الِاسْمُ مُقْتَرِنًا بِطَلَبِ الصَّلَاةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ كَمَا عَلَّمَنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ طَلَبِ الْمَزِيدِ وَالتَّعَرُّضِ لِسَعَةِ الْعَطَاءِ وَكَثْرَتِهِ وَدَوَامِهِ، فَأَتَى فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ بِاسْمٍ يَقْتَضِيهِ، كَمَا تَقُولُ: اِغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَلَا يَحْسُنُ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَبِ الْوَسَائِلِ وَأَحَبِّهَا إِلَيْهِ.

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ: « أَلِظُّوا بِـ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ »(2) وَمِنْهُ: « اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ »(3) فَهَذَا سُؤَالٌ لَهُ، وَتَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِحَمْدِهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَنَّانُ، فَهُوَ تَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا أَحَقُّ ذَلِكَ بِالْإِجَابَةِ وَأَعْظَمُهُ مَوْقِعًا عِنْدَ الْمَسْؤُولِ.

وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ أَشَرْنَا إِلَيْهِ إِشَارَةً، وَقَدْ فُتِحَ لِمَنْ بَصَّرَهُ اللَّهُ.

وَلِنَرْجِعَ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ وَصْفُهُ تَعَالَى بِالِاسْمِ الْمُتَضَمَّنِ لِصِفَاتٍ عَدِيدَةٍ، فَالْعَظِيمُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَكَذَلِكَ الصَّمَدُ، قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي اِنْتَهَى سُؤْدُدُهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السُّؤْدُدُ فَقَدْ صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. وَقَالَ اِبْنُ الْأَنْبَارِيِّ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّمَدَ السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ، الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَأُمُورِهِمْ.

وَاشْتِقَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ مِنَ الْجَمْعِ وَالْقَصْدِ، فَهُوَ الَّذِي اِجْتَمَعَ الْقَصْدُ نَحْوَهُ وَاجْتَمَعَتْ فِيهِ صِفَاتُ السُّؤْدُدِ، وَهَذَا أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا قَالَ:

أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ

بِعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

وَالْعَرَب تُسَمِّي أَشْرَافَهَا بِالصَّمَدِ، لِاجْتِمَاعِ قَصْدِ الْقَاصِدِينَ إِلَيْهِ، وَاجْتِمَاعِ صِفَاتِ السِّيَادَةِ فِيهِ. استمع الشرح

السَّادِسُ : صِفَةٌ تَحْصُلُ مِنِ اقْتِرَانِ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ وَالْوَصْفَيْنِ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُفْرَدَيْهِمَا، نَحْوُ: الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ، الْعَفَوِّ الْقَدِيرِ، الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ. وَهَكَذَا عَامَّةُ الصِّفَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُزْدَوِجَةِ فِي الْقُرْآنِ. فَإِنَّ الْغِنَى صِفَةُ كَمَالٍ وَالْحَمْدُ كَذَلِكَ، وَاجْتِمَاعُ الْغِنَى مَعَ الْحَمْدِ كَمَالٌ آخَرُ، فَلَهُ ثَنَاءٌ مِنْ غِنَاهُ، وَثَنَاءٌ مِنْ حَمْدِهِ، وَثَنَاءٌ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا. وَكَذَلِكَ الْعَفُوُّ الْقَدِيرُ، وَالْحَمِيدُ الْمَجِيدُ وَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَعَارِفِ. استمع الشرح

وَأَمَّا صِفَاتُ السَلْبِ الْمَحْضِ فَلَا تَدْخُلُ فِي أَوْصَافِهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُتَضَمِّنَةً لِثُبُوتٍ كَالْأَحَدِ الْمُتَضَمِّنِ لِانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، وَالسَّلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِبَرَاءَتِهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ يُضَادُّ كَمَالَهُ، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بالسُلُوبِ، إِنَّمَا هُوَ لِتَضَمُّنِهَا ثُبُوتًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾(4) [ الْبَقَرَة: 255 ] فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍِ ﴾(5) [ ق: 38 ] مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾(6) [ يُونُسَ: 61 ]، مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ عِلْمِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾(7) [ الْإِخْلَاصِ: 3 ] مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ صَمَدِيَّتِهِ وَغِنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾(8) [ الْإِخْلَاصِ: 4 ] مُتَضَمِّنٌ لِتَفَرُّدِهِ بِكَمَالِهِ وَأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾(9) [ الْأَنْعَامِ: 103 ] مُتَضَمِّنٌ لِعَظَمَتِهِ وَأَنَّهُ جَلَّ عَنْ أَنْ يُدْرَكَ بِحَيْثُ يُحَاطُ بِهِ.

وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي كُلِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ السَّلُوبِ. استمع الشرح

(1) سورة البروج (سورة رقم: 85)؛ آية رقم:15
(2) تخريج الحديث الترمذي : الدعوات (3524).
(3) تخريج الحديث النسائي : السهو (1300) , وأبو داود : الصلاة (1495).
(4) سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:255
(5) سورة ق (سورة رقم: 50)؛ آية رقم:38
(6) سورة يونس (سورة رقم: 10)؛ آية رقم:61
(7) سورة الإخلاص (سورة رقم: 112)؛ آية رقم:3
(8) سورة الإخلاص (سورة رقم: 112)؛ آية رقم:4
(9) سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:103