موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - الفتوى الحموية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / الفتوى الحموية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية
  
 
الفتوى الحموية - مقدمة
مُقَدِّمَةٌ

اَلْفَتْوَى اَلْحَمَوِيَّةُ

مُقَدِّمَةٌ

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ

سُئِلَ شَيْخُ اَلْإِسْلَامِ أَبُو اَلْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ:

وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ, وَجَرَى بِسَبَبِ هَذَا اَلْجَوَابِ أُمُورٌ وَمِحَنٌ, استمع الشرح وَهُوَ جَوَابٌ عَظِيمُ اَلنَّفْعِ جِدًّا. فَقَالَ اَلسَّائِلُ:

مَا قَوْلُكُمْ فِي آيَاتِ اَلصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى﴿ اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾1 [طَه:50] وَقَوْلِهِ تَعَالَى﴿ ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى اَلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾2 [فُصِّلَتْ:11], إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اَلْآيَاتِ وَأَحَادِيثِ اَلصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اَلرَّحْمَنِ »3 وَقَوْلِهِ: « يَضَعُ اَلْجَبَّارُ قَدَمَهُ فِي اَلنَّارِ »4 إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اَلْأَحَادِيثِ, وَمَا قَالَتْ اَلْعُلَمَاءُ وَابْسُطُوا اَلْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَأْجُورِينَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى؟ فَأَجَابَ: استمع الشرح

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ, استمع الشرح قَوْلُنَا فِيهَا مَا قَالَهُ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالسَّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنْ اَلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ, وَمَا قَالَهُ أَئِمَّةُ اَلْهُدَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ اَلَّذِينَ أَجْمَعَ اَلْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ, استمع الشرح وَهَذَا هُوَ اَلْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ اَلْخَلْقِ فِي هَذَا اَلْبَابِ وَغَيْرِهِ, استمع الشرح فَإِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقِّ لِيُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنْ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ, وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ بَعَثَهُ دَاعِيًا إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا, وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾5 [يُوسُفَ: 108].

فَمِنْ اَلْمُحَالِ فِي اَلْعَقْلِ وَالدِّينِ أَنْ يَكُونَ اَلسِّرَاجُ اَلْمُنِيرُ استمع الشرح اَلَّذِي أَخْرَجَ اَللَّهُ بِهِ اَلنَّاسَ مِنْ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ, وَأَنْزَلَ مَعَهُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ, وَأَمَرَ اَلنَّاسَ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ إِلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنْ اَلْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ, وَهُوَ يَدْعُو إِلَى اَللَّهِ وَإِلَى سَبِيلِهِ بِإِذْنِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ, وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ دِينَهُمْ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ استمع الشرح -مُحَالٌ مَعَ هَذَا وَغَيْرِهِ- أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَابَ اَلْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْعِلْمِ بِهِ مُلْتَبِسًا مُشْتَبَهًا, فَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ مِنْ اَلْأَسْمَاءِ اَلْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ اَلْعُلْيَا, وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ. استمع الشرح

فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا أَصْلُ اَلدِّينِ, وَأَسَاسُ اَلْهِدَايَةِ, وَأَفْضَلُ مَا اكْتَسَبَتْهُ اَلْقُلُوبُ, وَحَصَّلَتْهُ اَلنُّفُوسُ, وَأَدْرَكَتْهُ اَلْعُقُولُ, استمع الشرح فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ اَلْكِتَابُ, وَذَلِكَ اَلرَّسُولُ وَأَفْضَلُ خَلْقِ اَللَّهِ بَعْدَ اَلنَّبِيِّينَ لَمْ يُحْكِمُوا هَذَا اَلْبَابَ اِعْتِقَادًا وَقَوْلاً! استمع الشرح

وَمِنْ اَلْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى اَلْخِرَاءَةَ, وَقَالَ « تَرَكْتُكُمْ عَلَى اَلْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ »6 وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ أَيْضًا « مَا بَعَثَ اَللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ »7

وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- « لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مِنْ طَائِرٍ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي اَلسَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَ مِنْهُ عِلْمًا »8

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ « قَامَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا فَذَكَرَ بَدْءَ اَلْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ اَلْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ اَلنَّارِ مَنَازِلَهُمْ, وَحَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ »9 رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. استمع الشرح

مُحَالٌ مَعَ تَعْلِيمِهِمْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي اَلدِّينِ -وَإِنْ دَقَّتْ- أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيمَهُمْ مَا يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ فِي رَبِّهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ , اَلَّذِي مَعْرِفَتُهُ غَايَةُ اَلْمَعَارِفِ وَعِبَادَتُهُ أَشْرَفُ اَلْمَقَاصِدِ وَالْوُصُولُ إِلَيْهِ غَايَةُ اَلْمَطَالِب استمع الشرح ِ, بَلْ هَذَا خُلَاصَةُ اَلدَّعْوَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ وَزُبْدَةُ اَلرِّسَالَةِ اَلْإِلَهِيَّةِ, فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ إِيمَانٍ وَحِكْمَةٍ أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانُ هَذَا اَلْبَابِ قَدْ وَقَعَ مِنْ اَلرَّسُولِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَايَةِ اَلتَّمَامِ, استمع الشرح إِذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَمِنْ اَلْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ أُمَّتِهِ وَأَفْضَلُ قُرُونِهَا قَصَّرُوا فِي هَذَا اَلْبَابِ, زَائِدِينَ فِيهِ أَوْ نَاقِصِينَ عَنْهُ.

ثُمَّ مِنْ اَلْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ اَلْقُرُونُ اَلْفَاضِلَةُ -اَلْقَرْنُ اَلَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ- كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ وَغَيْرَ قَائِلِينَ فِي هَذَا اَلْبَابِ بِالْحَقِّ اَلْمُبِينِ, لِأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ إِمَّا عَدَمُ اَلْعِلْمِ وَالْقَوْلِ, وَإِمَّا اِعْتِقَادُ نَقِيضِ اَلْحَقِّ وَقَوْلِ خِلَافِ اَلصِّدْقِ. وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ.

أَمَّا اَلْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى حَيَاةٍ وَطَلَبٍ لِلْعِلْمِ أَوْ نَهْمَةٍ فِي اَلْعِبَادَةِ يَكُونُ اَلْبَحْثُ عَنْ هَذَا اَلْبَابِ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ وَمَعْرِفَةُ اَلْحَقِّ فِيهِ أَكْبَرُ مَقَاصِدِهِ وَأَعْظَمُ مَطَالِبِهِ, أَعْنِي: بَيَانَ مَا يَنْبَغِي اِعْتِقَادُهُ, لَا مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ اَلرَّبِّ وَصِفَاتِهِ, وَلَيْسَتْ اَلنُّفُوسُ اَلصَّحِيحَةُ إِلَى شَيْءٍ أَشْوَقَ مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا اَلْأَمْرِ.

وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْوَجْدِيَّةِ, فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مَعَ قِيَامِ هَذَا اَلْمُقْتَضَى- اَلَّذِي هُوَ أَقْوَى اَلْمُقْتَضَيَاتِ- أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ فِي أُولَئِكَ اَلسَّادَّةِ فِي مَجْمُوعِ عُصُورِهِمْ, وَهَذَا لاَ يَكَادُ يَقَعُ مِنْ أَبْلَدِ اَلْخَلْقِ, وَأَشَدِّهِمْ إِعْرَاضًا عَنْ اَللَّهِ وَأَعْظَمِهِمْ إِكْبَابًا عَلَى طَلَبِ اَلدُّنْيَا, وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ, فَكَيْفَ يَقَعُ مِنْ أُولَئِكَ؟ ! استمع الشرح

وَأَمَّا كَوْنُهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ فِيهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ أَوْ قَائِلِيهِ فَهَذَا لَا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ عَرَفَ حَالَ اَلْقَوْمِ.

ثُمَّ اَلْكَلَامُ عَنْهُمْ فِي هَذَا اَلْبَابِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ سَطْرُهُ فِي هَذِهِ اَلْفَتْوَى أَوْ أَضْعَافِهَا, يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ طَلَبَهُ وَتَتَبَّعَهُ.

وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اَلْخَالِفُونَ أَعْلَمَ مِنْ اَلسَّالِفِينَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ اَلْأَغْبِيَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَقْدُرْ قَدْرَ اَلسَّلَفِ, بَلْ وَلَا عَرَفَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ اَلْمَعْرِفَةِ اَلْمَأْمُورِ بِهَا مِنْ أَنَّ طَرِيقَةَ اَلسَّلَفِ أَسْلَمُ وَطَرِيقَةَ اَلْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ, فَإِنَّ هَؤُلَاءِ اَلْمُبْتَدِعَةَ اَلَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ اَلْخَلَفِ عَلَى طَرِيقَةِ اَلسَّلَفِ إِنَّمَا أُتُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَةَ اَلسَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ اَلْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ اَلْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ, مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ, بِمَنْزِلَةِ اَلْأُمِّيِّينَ اَلَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَلْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾10 [اَلْبَقَرَة: 78], وَأَنَّ طَرِيقَةَ اَلْخَلَفِ هِيَ اِسْتِخْرَاجُ مَعَانِي اَلنُّصُوصِ اَلْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ اَلْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اَللُّغَاتِ استمع الشرح .

فَهَذَا اَلظَّنُّ اَلْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ اَلْمَقَالَةَ اَلَّتِي مَضْمُونهَا نَبْذُ اَلْإِسْلَامِ وَرَاءَ اَلظَّهْرِ, وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ اَلسَّلَفِ, وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ اَلْخَلَفِ, فَجَمَعُوا بَيْنَ اَلْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ اَلسَّلَفِ فِي اَلْكَذِبِ عَلَيْهِمْ, وَبَيْنَ اَلْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ اَلْخَلَفِ . استمع الشرح

وَسَبَبُ ذَلِكَ اِعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ اَلْأَمْرِ صِفَةٌ دَلَّتْ عَلَيْهَا هَذِهِ اَلنُّصُوصُ لِلشُّبُهَاتِ اَلْفَاسِدَةِ اَلَّتِي شَارَكُوا فِيهَا إِخْوَانَهُمْ مِنْ اَلْكَافِرِينَ, فَلَمَّا اِعْتَقَدُوا اِنْتِفَاءَ اَلصِّفَاتِ فِي نَفْسِ اَلْأَمْرِ -وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ لِلنُّصُوصِ مِنْ مَعْنًى- بَقَوْا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ اَلْإِيمَانِ بِاللَّفْظِ وَتَفْوِيضِ اَلْمَعْنَى - وَهِيَ اَلَّتِي يُسَمُّونَهَا طَرِيقَةَ اَلسَّلَفِ- وَبَيْنَ صَرْفِ اَللَّفْظِ إِلَى مَعَانٍ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ - وَهِيَ اَلَّتِي يُسَمُّونَهَا طَرِيقَةَ اَلْخَلَفِ- فَصَارَ هَذَا اَلْبَاطِلُ مُرَكَّبًا مِنْ فَسَادِ اَلْعَقْلِ وَالْكُفْرِ بِالسَّمْعِ, فَإِنَّ اَلنَّفْيَ إِنَّمَا اِعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى أُمُورٍ عَقْلِيَّةٍ ظَنُّوهَا بَيِّنَاتٍ وَهِيَ شُبُهَاتٌ, وَالسَّمْعُ حَرَّفُوا فِيهِ اَلْكَلَامَ عَنْ مَوَاضِعِهِ . استمع الشرح

فَلَمَّا اِنْبَنَى أَمْرُهُمْ عَلَى هَاتَيْنِ اَلْمُقَدِّمَتَيْنِ الْكُفْرِيَّتَيْنِ كَانَتْ اَلنَّتِيجَةُ: اِسْتِجْهَالَ اَلْأَوَّلِينَ, وَاسْتِبْلاَهَهُمْ, وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا أُمِّيِّينَ, بِمَنْزِلَةِ اَلصَّالِحِينَ مِنْ اَلْعَامَّةِ, لَمْ يَتَبَحَّرُوا فِي حَقَائِقِ اَلْعَلَمِ بِاَللَّهِ, وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا لِدَقَائِقِ اَلْعِلْمِ اَلْإِلَهِيِّ, وَأَنَّ اَلْخَلَفَ اَلْفُضَلَاءَ حَازُوا قَصَبَ اَلسَّبْقِ فِي هَذَا كُلِّهِ. استمع الشرح

ثُمَّ هَذَا اَلْقَوْلُ إِذَا تَدَبَّرَهُ اَلْإِنْسَانُ وَجَدَهُ فِي غَايَةِ اَلْجَهَالَةِ, بَلْ فِي غَايَةِ اَلضَّلَالَةِ.

كَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَأَخِّرِينَ -لَاسِيَّمَا وَالْإِشَارَةُ بِالْخَلَفِ إِلَى ضَرْبٍ مِنْ اَلْمُتَكَلِّمِينَ- اَلَّذِينَ كَثُرَ فِي بَابِ اَلدِّينِ اِضْطِرَابُهُمْ, وَغَلُظَ عَنْ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ حِجَابُهُمْ, وَأَخْبَرَ اَلْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَاتِ إِقْدَامِهِمْ بِمَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ مَرَامِهِمْ حَيْثُ يَقُولُ:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ اَلْمَعَاهِدَ كُلَّهَا

وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنِ تِلْكَ اَلْمَعَالِمِ

فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَــائِرٍ

عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَـادِمِ

وَأَقَرُّوا عَلَى نُفُوسِهِمْ بِمَا قَالُوهُ مُتَمَثِّلِينَ بِهِ أَوْ مُنْشِئِينَ لَهُ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ كَقَوْلِ بَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ اَلْعُقُولِ عِقَــــالُ

وَأَكْثَرُ سَعْيِ اَلْعَالَمِينَ ضَــلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا

وَغَــــايَةُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا

سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا

.. لَقَدْ تَأَمَّلْتُ اَلطُّرُقَ اَلْكَلَامِيَّةَ, وَالْمَنَاهِجَ اَلْفَلْسَفِيَّةَ, فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلاً, وَلَا تَرْوِي غَلِيلاً, وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ اَلطُّرُقِ طَرِيقَةَ اَلْقُرْآنِ.

أَقْرَأُ فِي اَلْإِثْبَاتِ﴿ اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾1 [طَه: 5],﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ﴾11 [فَاطِر: 10] وَأَقْرَأُ فِي اَلنَّفْيِ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾12 [اَلشُّورَى: 11],﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾13 [طَه: 110], وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي.

وَيَقُولُ اَلْآخَرُ مِنْهُمْ: وَلَقَدْ خُضْتُ اَلْبَحْرَ اَلْخِضَمَّ, وَتَرَكْتُ أَهْلَ اَلْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ, خُضْتُ فِي اَلَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ, وَالْآنَ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍ مِنْهُ فَالْوَيْلُ لِفُلَانٍ, وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي.

وَيَقُولُ اَلْآخَرُ مِنْهُمْ: أَكْثَرُ اَلنَّاسِ شَكًّا عِنْدَ اَلْمَوْتِ أَصْحَابُ اَلْكَلَامِ استمع الشرح

ثُمَّ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَكَلِّمُونَ اَلْمُخَالِفُونَ لِلسَّلَفِ إِذَا حُقِّقَ عَلَيْهِمْ اَلْأَمْرُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ مِنْ حَقِيقَةِ اَلْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَخَالِصِ اَلْمَعْرِفَةِ بِهِ خَبَرٌ.

وَلَمْ يَقِفُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ, كَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ اَلْمَحْجُوبُونَ الْمَنْقُوصُونَ اَلْمَسْبُوقُونَ اَلْحَيَارَى اَلْمُتَهَوِّكُونَ: أَعْلَمَ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ, وَأَحْكَمَ فِي بَابِ آيَاتِهِ وَذَاتِهِ مِنْ اَلسَّابِقِينَ اَلْأَوَّلِينَ مِنْ اَلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ, وَاَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ, مِنْ وَرَثَةِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَخُلَفَاءِ اَلرُّسُلِ, وَأَعْلَامِ اَلْهُدَى وَمَصَابِيحِ اَلدُّجَى, اَلَّذِينَ بِهِمْ قَامَ اَلْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا, وَبِهِمْ نَطَقَ اَلْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا, اَلَّذِينَ وَهَبَهُمْ اَللَّهُ مِنْ اَلْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مَا بَرَزُوا بِهِ عَلَى سَائِرِ أَتْبَاعِ اَلْأَنْبِيَاءِ, فَضْلاً عَنْ سَائِرِ اَلْأُمَمِ اَلَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ, وَأَحَاطُوا مِنْ حَقَائِقِ اَلْمَعَارِفِ وَبَوَاطِنِ اَلْحَقَائِقِ بِمَا لَوْ جُمِعَتْ حِكْمَةُ غَيْرِهِمْ إِلَيْهَا لَاسْتَحْيَا مَنْ يَطْلُبُ اَلْمُقَابَلَةَ . استمع الشرح

ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ خَيْرُ قُرُونِ اَلْأُمَّةِ أَنْقَصَ فِي اَلْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ-لَاسِيَّمَا اَلْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَأَحْكَامِ آيَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ- مِنْ هَؤُلَاءِ اَلْأَصَاغِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ؟ أَمْ كَيْفَ يَكُونُ أَفْرَاخُ اَلْمُتَفَلْسِفَةِ وَأَتْبَاعُ اَلْهِنْدِ وَاَلْيُونَانِ, وَرَثَةُ اَلْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالُ اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ, أَعْلَمَ بِاَللَّهِ مِنْ وَرَثَةِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ اَلْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ؟! استمع الشرح

وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ هَذِهِ اَلْمُقَدِّمَةَ لِأَنَّ مَنْ اِسْتَقَرَّتْ هَذِهِ اَلْمُقَدِّمَةُ عِنْدَهُ عَلِمَ طَرِيقَ اَلْهُدَى أَيْنَ هُوَ فِي هَذَا اَلْبَابِ وَغَيْرِهِ, وَعَلِمَ أَنَّ اَلضَّلَالَ وَالتَّهَوُّكَ إِنَّمَا اِسْتَوْلَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اَلْمُتَأَخِّرِينَ بِنَبْذِهِمْ كِتَابَ اَللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ, وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا بَعَثَ اَللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اَلْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى, وَتَرْكِهِمْ اَلْبَحْثَ عَنْ طَرِيقِ اَلسَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ وَالْتِمَاسِهِمْ عِلْمَ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ مِمَّنْ يَعْرِفُ اَللَّهَ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ, وَلِشَهَادَةِ اَلْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ, وَبِدَلَالَاتٍ كَثِيرَةٍ, وَلَيْسَ غَرَضِي وَاحِدًا وَإِنَّمَا أَصِفُ نَوْعَ هَؤُلَاءِ, وَنَوْعَ هَؤُلَاءِ. استمع الشرح

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَهَذَا كِتَابُ اَللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ, وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا, ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ, ثُمَّ كَلَامُ سَائِرِ اَلْأُمَّةِ مَمْلُوءٌ بِمَا هُوَ إِمَّا نَصٌّ وَإِمَّا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلِيٌّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, وَأَنَّهُ فَوْقَ اَلْعَرْشِ, وَأَنَّهُ فَوْقَ اَلسَّمَاءِ, مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾11 [فَاطِر:10]﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾14 [آل عِمْرَانَ:55]﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾15

[اَلْمُلْكِ:15-16]﴿ بَلْ رَفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ﴾16 [اَلنِّسَاءِ:158]﴿ تَعْرُجُ اَلْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾17 [اَلْمَعَارِج:4],﴿ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾18

[اَلسَّجْدَة:5],﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾19 [اَلنَّحْل:50],﴿ ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾20 [يُونُس:3] فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ,﴿ اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾1 [طَه:5],﴿ يَا هَامَانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبَابَ أَسْبَابَ اَلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾21 [غَافِر:36-37]﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾22 [فُصِّلَتْ:42]﴿ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾23 [اَلْأَنْعَام:114], إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ. استمع الشرح

وَفِي اَلْأَحَادِيثِ اَلصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ مَا لاَ يُحْصَى.

مِثْلُ قِصَّةِ مِعْرَاجِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ, وَنُزُولِ اَلْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ وَصُعُودِهِمْ إِلَيْهِ, وَقَوْلِ اَلْمَلَائِكَةِ اَلَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, فَيَعْرُجُ اَلَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ إِلَى رَبِّهِمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ.

وَفِي اَلصَّحِيحِ فِي حَدِيثِ اَلْخَوَارِجِ: « أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي اَلسَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ اَلسَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً »24

وَفِي حَدِيثِ اَلرُّقْيَةِ اَلَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: « رَبُّنَا اَللَّهُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاءِ تَقَدَّسَ اِسْمُك, أَمْرُك فِي اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ, كَمَا رَحْمَتُك فِي اَلسَّمَاءِ, اِجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي اَلْأَرْضِ اِغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا, أَنْتَ رَبُّ اَلطَّيِّبِينَ, أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ, وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا اَلْوَجَعِ »25

قَالَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِذَا اِشْتَكَى أَحَدٌ مِنْكُمْ, أَوْ اِشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ رَبُّنَا اَللَّهُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاءِ »26 وَذَكَرَهُ.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اَلْأَوْعَالِ « وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ, وَاَللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ, وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ »27 رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَهَذَا اَلْحَدِيثُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَهْلُ اَلسُّنَنِ كَأَبِي دَاوُدَ, وَابْنُ مَاجَهْ, وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ, فَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَشْهُورَيْنِ, فَالْقَدْحُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَقْدَحُ فِي اَلْآخَرِ, وَقَدْ رَوَاهُ إِمَامُ اَلْأَئِمَّةِ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ اَلتَّوْحِيدِ, اَلَّذِي اِشْتَرَطَ فِيهِ أَنَّهُ لاَ يَحْتَجُّ فِيهِ إِلَّا بِمَا نَقَلَهُ اَلْعَدْلُ عَنْ اَلْعَدْلِ, مَوْصُولاً إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَوْلُهُ فِي اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ لِلْجَارِيَةِ: « أَيْنَ اَللَّهُ؟ قَالَتْ فِي اَلسَّمَاءِ, قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اَللَّهِ, قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ »28

وَقَوْلُهُ فِي اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ: « إِنَّ اَللَّهَ لَمَّا خَلَقَ اَلْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَهُ فَوْقَ اَلْعَرْشِ, إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي »29

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قَبْضِ اَلرُّوحِ: « حَتَّى يُعْرَجَ بِهَا إِلَى اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي فِيهَا اَللَّهُ »30 إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ اَلصَّحِيحَيْنِ. استمع الشرح

وَقَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ اَلَّذِي أَنْشَدَهُ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ:

شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْــدَ اَللَّهِ حَقٌّ

وَأَنَّ اَلنَّــارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا

وَأَنَّ اَلْعَرْشَ فَوْقَ اَلْمَاءِ طَافٍ

وَفَـوْقَ اَلْعَرْشِ رَبُّ اَلْعَالَمِينَا

وَقَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي اَلصَّلْتِ اَلثَّقَفِيِّ اَلَّذِي أُنْشِدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شِعْرِهِ فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ: « آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ »31

مَجِّـــدُوا اَللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ

رَبُّنَا فِي اَلسَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا

بِالْبِنَاءِ اَلْأَعْلَى اَلَّذِي سَبَقَ اَلنَّاسَ

وَسَوَّى فَوْقَ اَلسَّمَاءِ سَرِيرَا

شَرْجَعًا مَا يَنَــالُهُ بَصَرُ اَلْعَيْنِ

يَرَى دُونَهُ اَلْمَلَائِكَة صُـورَا

وَقَوْلُهُ فِي اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي فِي اَلسُّنَنِ: « إِنَّ اَللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا »32 وَقَوْلُهُ: « يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ.. »31

إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْصِيهِ إِلَّا اَللَّهُ, مِمَّا هُوَ مِنْ أَبْلَغِ اَلْمُتَوَاتِرَاتِ اَللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ, اَلَّتِي تُورِثُ عِلْمًا يَقِينِيًّا مِنْ أَبْلَغِ اَلْعُلُومِ اَلضَّرُورِيَّةِ أَنَّ اَلرَّسُولَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلْمُبَلِّغُ عَنْ اَللَّهِ أَلْقَى إِلَى أُمَّتِهِ اَلْمَدْعُوِّينَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ اَلْعَرْشِ وَأَنَّهُ فَوْقَ اَلسَّمَاءِ, كَمَا فَطَرَ اَللَّهُ جَمِيعَ اَلْأُمَمِ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ, فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ, إِلَّا مَنْ اِجْتَالَتْهُ اَلشَّيَاطِينُ عَنْ فِطْرَتِهِ. استمع الشرح

ثُمَّ عِنْ اَلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ مِنْ اَلْأَقْوَالِ مَا لَوْ جُمِعَ لَبَلَغَ مِئَاتٍ, أَوْ أُلُوفًا.

ثُمَّ لَيْسَ فِي كِتَابِ اَللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ اَلْأُمَّةِ لَا مِنْ اَلصَّحَابَةِ, وَالتَّابِعِينَ, وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ اَلدِّينِ- اَلَّذِينَ أَدْرَكُوا زَمَنَ اَلْأَهْوَاءِ وَالِاخْتِلَافِ- حَرْفٌ وَاحِدٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ لاَ نَصًّا وَلاَ ظَاهِرًا. استمع الشرح

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ إِنَّ اَللَّهَ لَيْسَ فِي اَلسَّمَاءِ, وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اَلْعَرْشِ, وَلَا أَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ, وَلَا أَنَّ جَمِيعَ اَلْأَمْكِنَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ, وَلَا أَنَّهُ لاَ دَاخِلَ اَلْعَالِمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُتَّصِلَ وَلَا مُنْفَصِلَ, وَلَا أَنَّهُ تَجُوزُ اَلْإِشَارَةُ اَلْحِسِّيَّةُ إِلَيْهِ بِالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا, بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي اَلصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ « أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَ خُطْبَتَهُ اَلْعَظِيمَةَ يَوْمَ عَرَفَاتٍ, فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَضَرَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, جَعَلَ يَقُولُ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ, فَيَرْفَعُ أُصْبُعَهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: اَللَّهُمَّ اِشْهَدْ »33 غَيْرَ مَرَّةٍ, وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. استمع الشرح

فَإِنْ كَانَ اَلْحَقُّ فِيمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ السَّالِبُونَ اَلنَّافُونَ لِلصِّفَاتِ اَلثَّابِتَةِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ, مِنْ هَذِهِ اَلْعِبَارَاتِ وَنَحْوِهَا دُونَ مَا يُفْهَمُ مِنْ اَلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا, فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى اَللَّهِ ثُمَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَلَى خَيْرِ اَلْأُمَّةِ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ دَائِمًا بِمَا هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي يَجِبُ اِعْتِقَادُهُ وَلَا يَبُوحُونَ بِهِ قَطُّ, وَلَا يَدُلُّونَ عَلَيْهِ لاَ نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا, حَتَّى يَجِيءَ أَنْبَاطُ اَلْفُرْسِ وَالرُّومِ وَفُرُوخُ اَلْيَهُودِ وَالْفَلَاسِفَةِ يُبَيِّنُونَ لِلْأُمَّةِ اَلْعَقِيدَةَ اَلصَّحِيحَةَ اَلَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ, أَوْ كُلِّ فَاضِلٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا!

لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَكَلِّمُونَ اَلْمُتَكَلِّفُونَ هُوَ اَلِاعْتِقَادُ اَلْوَاجِبُ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أُحِيلُوا فِي مَعْرِفَتِهِ عَلَى مُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اَلْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا, لَقَدْ كَانَ تَرْكُ اَلنَّاسِ بِلَا كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ أَهْدَى لَهُمْ وَأَنْفَعَ عَلَى هَذَا اَلتَّقْدِيرِ, بَلْ كَانَ وُجُودُ اَلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا فِي أَصْلِ اَلدِّينِ. استمع الشرح

فَإِنَّ حَقِيقَةَ اَلْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ اَلْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ اَلصِّفَاتِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا لَا مِنْ اَلْكِتَابِ وَلَا مِنْ اَلسُّنَّةِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ اَلْأُمَّةِ.

وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ اَلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ-سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي اَلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ- وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ!ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَالَمْ تُثْبِتُهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ, وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ- اَلَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مُضْطَرِبُونَ اِخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ اِخْتِلَافٍ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ- فَانْفُوهُ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوافِيهِ, وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ- اَلَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مُضْطَرِبُونَ اِخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ اِخْتِلَافٍ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ- فَانْفُوهُ, وَإِلَيْهِ عِنْدَ اَلتَّنَازُعِ فَارْجِعُوا, فَإِنَّهُ اَلْحَقُّ اَلَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ, وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي اَلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا, أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ- عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ- فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لاَ لِتَأْخُذُوا اَلْهُدَى مِنْهُ, لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اَللُّغَةِ, وَوَحْشِيِّ اَلْأَلْفَاظِ, وَغَرَائِبِ اَلْكَلَامِ, وَأَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إِلَى اَللَّهِ, مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ اَلصِّفَاتِ, هَذَا حَقِيقَةُ اَلْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَكَلِّمِينَ. استمع الشرح

وَهَذَا اَلْكَلَامُ قَدْ رَأَيْتُهُ صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ, وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لاَ مَحِيدَ عَنْهُ, وَمَضْمُونُهُ أَنَّ كِتَابَ اَللَّهِ لَا يُهْتَدَى بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اَللَّهِ, وَأَنَّ اَلرَّسُولَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْزُولٌ عَنْ اَلتَّعْلِيمِ وَالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِ مَنْ أَرْسَلَهُ, وَأَنَّ اَلنَّاسَ عِنْدَ اَلتَّنَازُعِ لَا يَرُدُّونَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ, بَلْ إِلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ, وَإِلَى مِثْلِ مَا يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ كَالْبَرَاهِمَةِ, وَالْفَلَاسِفَةِ- وَهُمْ اَلْمُشْرِكُونَ- وَالْمَجُوسُ, وَبَعْضُ اَلصَّابِئِينَ. استمع الشرح

وَإِنْ كَانَ هَذَا اَلرَّدُّ لَا يَزِيدُ اَلْأَمْرَ إِلَّا شِدَّةً وَلاَ يَرْتَفِعُ اَلْخِلَافُ بِهِ إِذْ لِكُلِّ فَرِيقٍ طَوَاغِيتُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ, وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ, وَمَا أَشْبَهَ حَالَ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَكَلِّفِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى اَلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ اَلشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ وَإِلَى اَلرَّسُولِ رَأَيْتَ اَلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾34 [اَلنِّسَاءِ:60-62] فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا دُعُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ مِنْ اَلْكِتَابِ وَإِلَى اَلرَّسُولِ- وَالدُّعَاءِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ اَلدُّعَاءُ إِلَى سُنَّتِهِ- أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّا قَصَدْنَا اَلْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلاً بِهَذِهِ اَلطَّرِيقِ اَلَّتِي سَلَكْنَاهَا, وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ اَلدَّلَائِلِ اَلْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. استمع الشرح

ثُمَّ عَامَّةُ هَذِهِ اَلشُّبُهَاتِ اَلَّتِي يُسَمُّونَهَا دَلَائِلَ إِنَّمَا تَقَلَّدُوا أَكْثَرَهَا عَنْ طَوَاغِيتِ اَلْمُشْرِكِينَ أَوْ اَلصَّابِئِينَ, أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِمْ اَلَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ, مِثْلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ, أَوْ عَنْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾35 [ اَلنِّسَاءِ:65],﴿ كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾36 [اَلْبَقَرَةِ:213]. استمع الشرح

وَلَازِمُ هَذِهِ اَلْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونُ اَلْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ, وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي اَلصُّدُورِ وَلَا نُورًا وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ اَلتَّنَازُعِ, إِنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ اَلْمُتَكَلِّفُونَ أَنَّ اَلْحَقَّ اَلَّذِي يَجِبُ اِعْتِقَادُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اَلْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ, لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا, وَإِنَّمَا غَايَةُ اَلْمُتَحَذْلِقِ أَنْ يَسْتَنْتِجَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾37 [ اَلْإِخْلَاصِ:4] ,﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾38 [مَرْيَمَ:65].

وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ اَلْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ عَلَى اَلْعَرْشِ, وَلَا فَوْقَ اَلسَّمَاوَاتِ, وَنَحْوِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾38 لَقَدْ أَبَعْدَ اَلنُّجْعَةَ وَهُوَ إِمَّا مُلْغِزٌ أَوْ مُدَلِّسٌ, لَكَ يُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.

وَلَازِمُ هَذِهِ اَلْمَقَالَةِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ اَلنَّاسِ بِلَا رِسَالَةٍ خَيْرًا لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ, لِأَنَّ مَرَدَّهُمْ قَبْلَ اَلرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ, وَإِنَّمَا اَلرِّسَالَةُ زَادَتْهُمْ عَمًى وَضَلَالاً. استمع الشرح

يَا سُبْحَانَ اَللَّهِ! كَيْفَ لَمْ يَقُلْ اَلرَّسُولُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مِنْ اَلدَّهْرِ, وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ اَلْأُمَّةِ: هَذِهِ اَلْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لاَ تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ, لَكِنْ اِعْتَقِدُوا اَلَّذِي تَقْتَضِيه مَقَايِيسُكُمْ, أَوْ اِعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ اَلْحَقُّ, وَمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ, وَانْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاعْتَقِدُوهُ, وَمَا لَا فَتَوَقَّفُوا فِيهِ وَانْفُوهُ؟ استمع الشرح

ثُمَّ اَلرَّسُولُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً, فَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ, ثُمَّ قَالَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا, كِتَابَ اَللَّهِ »39

وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ اَلْفِرْقَةِ اَلنَّاجِيَةِ: « هُوَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اَلْيَوْمَ وَأَصْحَابِي »40 استمع الشرح

فَمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ اَلْقُرْآنِ فِي بَابِ اَلِاعْتِقَادِ فَهُوَ ضَالٌّ؟ وَإِنَّمَا اَلْهُدَى رُجُوعُكُمْ إِلَى مَقَايِيسِ عُقُولِكُمْ, وَمَا يُحْدِثُهُ اَلْمُتَكَلِّمُونَ مِنْكُمْ بَعْدَ اَلْقُرُونِ اَلثَّلَاثَةِ, وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ اَلتَّابِعِينَ, استمع الشرح

1 : سورة طه (سورة رقم: 20)؛ آية رقم:5
2 : سورة فصلت (سورة رقم: 41)؛ آية رقم:11
3 : مسلم : القدر (2654) , وأحمد (2/168).
4 : البخاري : تفسير القرآن (4848) , ومسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2848) , والترمذي : تفسير القرآن (3272) , وأحمد (3/234).
5 : سورة يوسف (سورة رقم: 12)؛ آية رقم:108
6 : تخريج الحديث ابن ماجه : المقدمة ( 44) , وأحمد ( 4/126).
7 : تخريج الحديث مسلم : الإمارة ( 1844) , والنسائي : البيعة ( 4191) , وابن ماجه : الفتن ( 3956) , وأحمد ( 2/191).
8 : تخريج الحديث أحمد ( 5/153).
9 : تخريج الحديث البخاري : بدء الخلق ( 3192).
10 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:78
11 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:10
12 : سورة الشورى (سورة رقم: 42)؛ آية رقم:11
13 : سورة طه (سورة رقم: 20)؛ آية رقم:110
14 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:55
15 : سورة الملك (سورة رقم: 67)؛ آية رقم:16 - 17
16 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:158
17 : سورة المعارج (سورة رقم: 70)؛ آية رقم:4
18 : سورة السجدة (سورة رقم: 32)؛ آية رقم:5
19 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:50
20 : سورة يونس (سورة رقم: 10)؛ آية رقم:3
21 : سورة غافر (سورة رقم: 40)؛ آية رقم:36
22 : سورة فصلت (سورة رقم: 41)؛ آية رقم:42
23 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:114
24 : تخريج الحديث البخاري : المغازي ( 4351) , ومسلم : الزكاة ( 1064) , والنسائي : الزكاة ( 2578) , وأبو داود : السنة ( 4764) , وأحمد ( 3/68).
25 : تخريج الحديث أبو داود : الطب ( 3892).
26 : تخريج الحديث أبو داود : الطب ( 3892).
27 : الترمذي : تفسير القرآن (3320) , وأبو داود : السنة (4723) , وابن ماجه : المقدمة (193) , وأحمد (1/206).
28 : تخريج الحديث مسلم : المساجد ومواضع الصلاة ( 537) , والنسائي : السهو ( 1218) , وأبو داود : الصلاة ( 930).
29 : تخريج الحديث البخاري : التوحيد ( 7422) , ومسلم : التوبة ( 2751) , والترمذي : الدعوات ( 3543) , وابن ماجه : المقدمة ( 189) , وأحمد ( 2/257).
30 : تخريج الحديث ابن ماجه : الزهد ( 4262) , وأحمد ( 2/364).
31 :
32 : تخريج الحديث الترمذي : الدعوات ( 3556) , وأبو داود : الصلاة ( 1488) , وابن ماجه : الدعاء ( 3865) , وأحمد ( 5/438).
33 : تخريج الحديث البخاري : الأضاحي ( 5550) , ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات ( 1679) , وابن ماجه : المقدمة ( 233).
34 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:60 - 62
35 : سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:65
36 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:213
37 : سورة الإخلاص (سورة رقم: 112)؛ آية رقم:4
38 : سورة مريم (سورة رقم: 19)؛ آية رقم:65
39 : تخريج الحديث الترمذي : المناقب ( 3788) , وأحمد ( 3/14).
40 : تخريج الحديث الترمذي : الإيمان ( 2641).