موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الأولى - من أحكام البر والرحلات
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الخطب / من أحكام البر والرحلات
  
 
من أحكام البر والرحلات - الخطبة الأولى

أيها المسلمون: نعمُ اللهِ علينا لا تُحصى، وفضلُهُ وكرمهُ لا يُستقصى، فقد هطلت الأمطار، وبدأت الأرضُ تأخذ زينتها، فطاب الخروجُ إلى البراري، وهو عملٌ مباحٌ، قد يصاحبه برّ بوالدٍ، أو صلةُ قريبٍ، أو صُحبةُ حبيبٍ، وقد روى أبو داودَ وغيرُه عن شُريحِ الحارثيِّ قالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْبَدْوِ قُلْتُ : َهَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْدُو؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ يَبْدُو إِلَى هَؤُلاَءِ التِّلاعِ". والتلاعُ هي: مسايلُ الماءِ.

يقولُ بعضُ السلفِ: "إني لأستجمُّ لقلبي بالشيءِ من اللهوِ، ليكونَ أقوى لي على الحقِّ"، ففي الترفيهِ والفسحةِ، تظهرُ سماحةُ الإسلامِ, وشمولُه لجميع مناحي الحياة.

أيها المسلمون: الموفقونَ هم من يُكثرونَ التفكرَ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ، يقلبونَ النظرَ في سماءٍ ذاتِ أبراجٍ، وأرضٍ ذات فجاجٍ، وأشجارٍ ونباتاتٍ، وسهولٍ وشعابٍ وجبالٍ، ومخلوقاتٍ بديعةِ الحسنِ والجمالِ، جبالٌ نُصبتْ، وأرضٌ سطحتْ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾.

عباد الله: للرحلات آداب وأحكام ؛ينبغي للمسلم أن يراعيها، ومن ذلك الدعاء فقد ‏قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه مسلم .

ومن الآداب: حسن اختيار المكان, بأن يكون آمنا من الأخطار والأضرار ومجاري السيول، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل» رواه مسلم، والمراد بالتَّعْرِيس: نزُول المسافر فِي أَوَاخِر اللَّيْل لِلنَّوْمِ وَالرَّاحَة.

ومن الآداب رفع ‏الأذان للصلاة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أراك تحب الغنم و البادية ؛فإن كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة»

ومن الآداب الحرص على الوضوء عند اشتداد البرد: ‏فعن أبي هريرة أن صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا و يرفع الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال «إسباغ الوضوء على المكاره» رواه مسلم، ‏ومن سماحة الإسلام أن شرع ‏التيمم لمن عجز عن الوضوء.

و يجب على المسلم أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، مع مراعاة أحكام القصر والجمع، فإن كان محل الرحلة أو النزهة يعد سفرا، فيشرع قصر الرباعية، والأفضل عدم الجمع مادام مستقرا في مكانه، إلا أن احتيج إليه كما لو كانوا في شدة برد، أو مع قلة الماء، فلهم الجمع بين الصلاتين، وقد جاء في فضل الصلاة في البر ما رواه أبو سعيد رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة، فإذا صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها وسجودها بلغت صلاته خمسين درجة».

عباد الله : تشرع الصلاة في النعال، فقد ‏جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» رواه أبو داود .

 ‏ ‏ومن الآداب: ‏النهي عن تسوية التراب في السجود أثناء الصلاة فعن معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمسح و أنت تصلي، فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة تسوية الحصى» متفق عليه.

عباد الله: ومع شدة البرد قد يغطي بعض الناس فيه بغترته ونحوها وهو في الصلاة وقد «‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» رواه أبو داود .