موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الأولى - البشارة في القرآن
  
 
البشارة في القرآن - الخطبة الأولى

يختار القرآن الكريم من الألفاظ ما هو أوقع في القلوب، وما يوصل للمطلوب ، وبقدر ما يكون هذا اللفظ واضحاً ومشرقاً، بقدر ما يحدث أثراً في النفس، فتسرع لقبوله، والأخذ بمضمونه ومدلوله. ومن الألفاظ القرآنية المتصفة بما ذكرنا لفظ (البشارة)، إذ يدل على ظهور الشيء مع حسن وجمال. و(البشارة) أصلها الخبر بما يُسَرُّ به المُخبَرُ.

أنزل الله القرآنَ ﴿تِبيانًا لكل شيء، وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ والرسولُ مُبشِّر ونذيرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

دعا النبي إلى التبشير، ونهَى عن التنفير، فقال: «بشِّروا ولا تُنفِّروا، ويسِّروا ولا تُعسِّروا».

قال جبريل عليه السلام لنبيِّنا محمدٍ : «هذا بابٌ من السماء فُتِح اليوم، لم يُفتَح قطُّ إلا اليوم، فنزلَ منه ملَكٌ، فقال: هذا ملَكٌ نزلَ إلى الأرض، لم ينزِل قطُّ إلا اليوم، فسلَّم وقال: أبشِر بنُورَين أُوتِيتَهما، لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطِيتَه» أخرجه مسلم.

المُنيبُون لهم البُشرى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ والمُتَّقون بِشارتُهم الفوز، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ والمُجاهِدون بِشارتُهم الرحمة والرِّضوانُ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ أما الصابِرون فيقول الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وأولياءُ الله لهم البُشرى في الدنيا والأخرى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ

والبِشارةُ للمشَّائين إلى المساجد، قال رسولُ الله : «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجِد بالنُّور التامِّ يوم القيامة». وقد أمرَ النبي أن يُبشِّر خديجة ببيتٍ في الجنة من قصَبٍ لا صخَبَ فيه ولا نصَب. وبشَّر رسولُ الله عمَّار بن ياسر فقال: «أبشِر عمَّار، تقتُلُك الفئةُ الباغيةُ».

ومن عاجِل بُشرى المؤمن: ثناءُ الناس على أعمالِه التي أخفاها فأظهرها الله، عن أبي ذرٍّ قال: قيل لرسول الله : أرأيتَ الرجلُ يعملُ العملَ من الخير ويحمَدُه الناسُ عليه؟ قال: «تلك عاجِلُ بُشرى المُؤمن». والرُّؤيا الصالحةُ من صُور البُشرى، قال رسولُ الله : «لم يبقَ من النبُوَّة إلا المُبشِّرات»، قالوا: وما المُبشِّراتُ يا رسول الله؟ قال: «الرُّؤيا الصالحة» رواه البخاري ومسلم. والرِّياحُ مُبشِّرات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ومن المُبشِّرات العظيمة: البِشارةُ بقبول التوبة، يتجلَّى ذلك في توبةِ كعبِ بن مالكٍ ، فبعد أن أمضَى الثلاثةُ الذين خُلِّفُوا خمسين ليلةً في عُزلةٍ عن مُجتمع المدينة، يقول كعبُ بن مالكٍ: فبيْنَا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذكرَ الله عز وجل منَّا، قد ضاقَت عليَّ نفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رحُبَت، سمعتُ صوتَ صارِخٍ أوفَى على سَلْعٍ يقول بأعلى صوتِه: يا كعب بن مالك أبشِر، قال: فخررتُ ساجِدًا، وعرفتُ أن قد جاء فرَجٌ، فتلقَّاني الناسُ فوجًا فوجًا، يُهنِّئُونني بالتوبة، ويقولون لي: لتهنك توبةُ الله عليك. قال كعبٌ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ، قال وهو يبرُقُ وجهُه من السرور: «أبشِر بخيرٍ يومٍ مرَّ عليك مُنذ ولدَتْك أمُّك»، قال: فقلتُ: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: «لا، بل من عند الله». وكان رسولُ الله إذا سُرَّ استنارَ وجهُه كأنَّ وجهه قطعةُ قمر، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فاللهم ......