موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الثانية - غلاء الأسعار
  
 
غلاء الأسعار - الخطبة الثانية

الحمد لله :

ولأن في المحن منحا ،وفي المصائب معتبرا ، فعسى أن يكون في هذه المتغيرات ؛ وقفةَ تأمل ومحاسبةً لأنفسنا ،فكم اقترفنا من المعاصي ،وكم فرطنا في جنب الله ،ولنتذكر قول الله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون

عسى أن يكون فيها كبحا لجماح المتظاهرين زروا بالغناء، المتلبسين كذبا بدثار الثراء، ما إن تأتي الإجازة إلا وييمم أحدهم وجه، شطر دولة شرقية أو غربية ، إسلامية أو غير إسلامية، ينفق فيها ماله ، ويتعب فيها جسده، وربما فرط في شيء من دينه، ثم اذا خويت جيوبهم، ونفدت نقودهم، وكلت أقدامهم ، رجعوا قائلين الراتب لا يكفي الحاجة. مع أنه ينفق في إجازة واحدة أضعاف ما فُرض عليه من زيادات خلال عام كامل.

عسى أن يكون فيها تأديبا لأهل المظاهر الكاذبة الجوفاء ،الذين يتزاحمون في الأسواق ، لشراء جديد الجوالات، وما طاب من غالي الماركات ، يتسابقون إليها برغم عدم حاجتهم لها، ولا قدرتهم عليها، ولكن ليقال ذاك عند فلانة.

عسى أن يكون فيها تربيةً لأهل البطون الخاوية، الذين ما تركوا مطعما إلا دخلوه، ولا أكلة ألا جربوها، فاليوم أكلة صينية، وغدا إيطالية، هجروا طبخ البيوت ، فخسروا الأموال، وتعرضوا للأمراض.

عسى أن يكون فيها إيقاظا لأهل البذخ والاسراف، في الولائم والأعراس ، اولئك الذين زعموا انهم غلبوا حاتما في الكرم، فتراه يدعوا شخصا واحدا ،فينحر الإبل ، ويضع حولها الخراف، وفي احشائها الطيور، ثم بعتذر بعد ذلك عن التقصير، ويلقي بقية الأكل في مكبات الزبائل ، في كفر صريح بالنعمة وبطر بالمال.

عسى ان يكون فيها تربيةً لمن أفرط في تربية الأبناء ، فظنها في توفير كل المطالب، فما إن يبدأ طفلُه في أولى الخطوات ، حتى يوفر له جوالا ، ينفق الغالي لشرائه، ثم يعاني من تسديد فواتيره ، وما إن يبلغ الحلم حتى يشتري له سيارة لا لحاجة، لكنها المجاراة للأقران.

عسى أن يكون في هذه الأزمنة شحذا لهمم الشباب، الذين لا همّ لأكثرهم إلا نعومة أجسامهم ، وقصات شعورهم، وأطقم أنديتهم، توجهوا للعمل الحر يا شباب، واقصدوا الأسواق ، تاجروا فيما أحل الله ، وليكن قدوتكم عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، حينما خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة ، تاركا خلفه أمواله وليس معه شيء ، فقال دلوني على السوق فاشترى و باع حتى أصبح من أغنى أغنياء الصحابة رضي الله عنهم، فانفضوا غبار الكسل ، وبادروا بالعمل ، وخففوا عن آبائكم تكاليف الحياة.