موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الجنايات - عمدة الفقه _ كتاب الصداق
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / عمدة الفقه _ كتاب الصداق لـ موفق الدين محمد بن قدامة المقدسي
  
 
عمدة الفقه _ كتاب الصداق - كتاب الجنايات

كتاب الجنايات

القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) العمد، وهو أن يقتله بجرح أو فعل يغلب على الظن أنه يقتله كضربة بمثقل كبير أو تكريره بصغير أو إلقائه من شاهق أو خنقه أو تحريقه أو تغريقه أو سقيه سمًّا أو الشهادة عليه زورًا بما يوجب قتله أو الحكم عليه به، أو نحو هذا قاصدًا عالمًا بكون المقتول آدميًا معصومًا، فهذا يخير الولي فيه بين القود والدية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل، وإما أن يفديه»، وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من دية جاز.

(الثاني) شبه العمد، وهو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالبًا، فلا قود فيه، والدية على العاقلة.

(الثالث) الخطأ وهو نوعان ((أحدهما)) أن يفعل ما لا يريد به المقتول فيفضي إلى قتله، أو يتسبب إلى قتله بحفر بئر أو نحوه وقتل النائم والصبي والمجنون فحكمه حكم شبه العمد.

((النوع الثاني)) أن يقتل مسلمًا في دار الحرب يظنه حربيًا، أو يقصد رمي صف الكفار فيصيب سهمه مسلمًا ففيه كفارة بلا دية لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.

 

باب شروط وجوب القصاص واستيفائه

ويشترط لوجوبه أربعة شروط: (أحدها) كون القاتل مكلفًا، فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما (الثاني) كون المقتول معصومًا، فإن كان حربيًا أو مرتدًا أو قاتلًا في المحاربة أو زانيًا محصنًا أو قتله دفعًا عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه (الثالث) كون المقتول مكافئًا للجاني فيقتل الحر المسلم بالحر المسلم ذكرًا كان أو أنثى، ولا يقتل حر بعبد، ولا مسلم بكافر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يقتل مؤمن بكافر» ويقتل الذمي بالذمي، ويقتل الذمي بالمسلم ويقتل العبد بالعبد، ويقتل الحر بالحر.

(الرابع) أن لا يكون أبًا للمقتول فلا يقتل والد بولده وإن سفل، والأبوان في هذا سواء، ولو كان ولي الدم ولدًا أو له فيه حق وإن قل لم يجب القود.

(فصل) ويشترط لجواز استيفائه شروط ثلاثة: (أحدها) أن يكون لمكلف، فإن كان لغيره أو له فيه حق –وإن قل- لم يجز استيفاؤه، وإن استوفى غير المكلف حقه بنفسه أجزأ ذلك.

(الثاني) اتفاق جميع المستحقين على استيفائه، فإن لم يأذن فيه بعضهم أو كان فيهم غائب لم يجز استيفاؤه، فإن استوفاه بعضهم فلا قصاص عليه، وعليه بقية ديته له، ولشركائه حقهم في تركة الجاني، ويستحق القصاص كل من يرث المال على قدر مواريثهم.

(الثالث) الأمن من التعدي في الاستيفاء، فلو كان الجاني حاملًا لم يجز استيفاء القصاص منها في نفس ولا جرح ولا استيفاء حد منها حتى تضع ولدها ويستغنى عنها.

(فصل) ويسقط بعد وجوبه بأمور ثلاثة: (أحدها) العفو عنه أو عن بعضه، فإن عفا بعض الورثة عن حقه أو عن بعضه سقط كله وللباقين حقهم من الدية، وإن كان العفو على مال فله حقه من الدية وإلا فليس له إلا الثواب (الثاني) أن يرب القاتل أو بعض ولده شيئًا من دمه (الثالث) أن يموت القاتل فيسقط وتجب الدية في تركته ولو قتل واحد اثنين عمدًا فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما، وإن تشاحوا في الاستيفاء قتل بالأول والثاني الدية، فإن سقط قصاص الأول، فلأولياء الثاني استيفاؤه، ويستوفى القصاص بالسيف في العتق، ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئًا فيفعل به مثله.

 

باب الاشتراك في القتل

وتقتل الجماعة بالواحد، فإن تعذر قتل أحدهم لأبوته أو عدم مكافأته للقتيل أو العفو عنه قتل شركاؤه، وإن كان بعضهم غير مكلف أو خاطئًا لم يجب القود على واحد منهم، وإن أكره رجل رجلًا على القتل فقتل أو جرح أحدهما جرحًا والآخر مائة، أو قطع أحدهما من الكوع والآخر من المرفق فهما قاتلان وعليهما القصاص، وإن وجبت الدية استويا فيها، وإن ذبحه أحدهما ثم قطع الآخر يده أو قده نصفين فالقاتل الأول، وإن قطعه أحدهما ثم ذبحه الثاني قطع القاطع وذبح الذابح، وإن أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل فالقصاص على المباشر ويؤدب الآمر وإن أمر من لا يعلم تحريمه به أو لا يميز فالقصاص على الآمر، وإن أمسك إنسانًا للقتل فقتل قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت.

باب القود في الجروح

يجب القود في كل عضو بمثله، فتؤخذ بمثله، فتؤخذ العين بالعين والأنف بالأنف وكل واحد من الجفن والشفة واللسان والسن واليد والرجل والذكر والأنثيين بمثله، وكذلك كل ما أمكن القصاص فيه، ويعتبر كون المجني عليه مكافئًا للجاني، وكون الجناية عمدًا، والأمن من التعدي بأن يقطع من مفصل أو حد ينتهي إليه كالموضحة التي تنتهي إلى العظم، فأما كسر العظام والقطع من الساعد والساق فلا قود فيه ولا في الجائفة ولا في شيء من شجاج الرأس إلا الموضحة إلا أن يرض مما فوق الموضحة بموضحة، ولا قود في الأنف إلا من المارن وهو ما لان منه ويشترط التساوي في الاسم والموضع فلا تؤخذ واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى إلا بمثلها، ولا تؤخذ إصبع ولا أنملة ولا سن إلا بمثلها، ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة ولا صحيحة بشلاء، وتؤخذ الناقصة بالكاملة والشلاء بالصحيحة إذا أمن التلف.

(فصل) إذا قطع بعض لسانه أو مارنه أو شفته أو حشفته أو أذنه أخذ مثله يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث ونحوهما، وإن أخذت ديته أخذ بالقسط منها، وإن كسرت بعض سنه برد من سن الجاني مثله إذا أمن انقلاعها، ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها، ولا من الجراح حتى يبرأ، وسراية القود مهدرة، وسراية الجناية مضمونة بالقصاص والدية، إلا أن يستوفى قصاصها قبل برئها فيسقط ضمانها.