موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فصل في الحكم بين الناس في الأموال بالعدل إلى فصل منزلة الولاية - السياسة الشرعية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / السياسة الشرعية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية
  
 
السياسة الشرعية - فصل في الحكم بين الناس في الأموال بالعدل إلى فصل منزلة الولاية

فصل

في الحكم بين الناس في الأموال بالعدل كما أمر الله ورسوله

وأما الحكم في الأموال؛ فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل قَسْم المواريث بين الورثة على ما جاء به الكتاب والسنة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، ولا وصية لوارث»(1) ولما ذكر الله الفرائض -فرائض عمود النسب من الأصول والفروع وفرائض الأطراف من الزوجين والكلالة- قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(2).

فيُمْنَع المريض أن يخص بعضَ الورثة بعطيَّة أو وصية، أو يحتال على ذلك، أو يَشهدوا على إقرار قد لُقِّنوه أو عَرَفوا بطلانه، ولذلك تورَّث النساء والصِّغار بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، وما قد عاد إليه كثير من الأعراب، ويسوَّى بين من سوَّى الله بينه وبين ولد الحرَّة والأمة.

وقد تنازع الصحابة ومن بعدهم في بعض مسائل الفرائض، كالجد مع الإخوة والمشرَّكة والعمريتين وغير ذلك.

وكذلك في العلم بالعدل في المعاملات؛ من البِياعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإنَّ العدلَ فيها هو قِوام العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به.

فمن العدل فيها ما هو ظاهرٌ يعرفه كلُّ أحد بعقله، وهو من المعروف الذي قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ(3) ، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع، وتحريم تطفيف المكاييل والموازين، ووجوب الصِّدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد.

ومنها ما هو خفيٌّ على العقول حتى جاءت به الشرائع وشريعتنا أهل الإسلام، فإن جمهور ما نهى عنه الكتاب والسنَّة من المعاملات تعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دِقِّه وجلِّه، مثل أكل المال بالباطل الذي حرَّمه القرآن، وذَكَر جِنْسَيه: الربا والميسر، ومثل أنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم؛ مثل بيع الغَرَر، وبيع حَبَل الحَبَلة، وبيع الطير في الهواء، والسَّمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصرَّاة، وبيع المدلَّس، وبيع الملامسة، والمنابذة، والمزابنة، والمحاقلة، والنَّجْش، وبيع الثَّمَر قبل بُدُوِّ صلاحه، وغير ذلك، وهو نحو أربعين نوعًا من البيع.

وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة؛ كالمخابرة بزرع بقعة من الأرض، ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه أو اشتباهه.

وقد يرى أحدُهما أنَّ العقدَ والقَبْض عدلٌ لا جورَ فيه، فيكون صحيحًا، وإن كان الآخر يظن أنه مشتمل على جور يكون به فاسدًا، وقد قـال الله تعـالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(4).

والأصل في هذا: أنه لا يُحَرَّم على الناس في المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على تحريمه، كما لا يُشْرَع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حَرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله، حيث حرَّموا من دين الله ما لم يحرمه وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانًا، وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. اللهم فوفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرَّمته، والدين ما شَرَعْته.

وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرَّمة وعقوبة فاعليها مثل الغِش، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على صُبْرة طعام فأدخل يدَه فيها فنالت أصابعه بللًا فقال: «ما هذا يا صاحبَ الطعام»؟! قال: أصابته السماءُ يا رسول الله، قال: «أفلا جعلْتَه فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ، من غشَّ فليسَ منِّي» وفي رواية: «من غَشَّنا فليسَ مِنَّا»(5).

والغِشُّ: اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلافَ باطنه، مثل الذين يحسِّنون ظاهر الأطعمة من الثمار والحبوب ونحوها، ويجعلون الرديء في باطنها، ويفعلون مثل ذلك في الحيوان؛ كتَصْرية الإبل والغنم، وهو أن يجمع اللبن في ضرعها يومين أو ثلاثة ثم يبيعها، فيظن المشتري أنها تحلب كلَّ يوم بقدر ما في الضرع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر»(6) أخرجاه في الصحيحين.

ومثال ذلك: تحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها وتجعيده.

وكذلك الغش في الصناعات، كمن يصنع للناس بالأجرة، أو من يصنع لنفسه ثم يبيع الناس؛ من النساجين، والطباخين، والخبازين، والشوَّائين، والطحَّانين، والمناديين، والسَّماسرة = فإنّ الغشّ يكثر في هؤلاء، وهو من الخيانة وعدم النصيحة.

وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله قال: بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النُّصْحِ لكلِّ مسلم(7).

وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورِكَ في بيعهما وإن كَذَبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما»(8).

ومن أعظم الغش: الغش في جنس الأثمان؛ من الدراهم والدنانير والمصوغ منهما، فلا يمكن أحدًا أن يضرب الدراهم والدنانير بأمر السلطان خوفًا من الغش، ولا يجوز لذي سلطان أن يكسر سكة المسلمين ليربح فيها، أو لأجل كتابة اسم، فقد روى أبو داود في سننه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كَسْر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس(9).

وقال بعض السلف: كسر سكة المسلمين من الفساد في الأرض.

وقد قيل: إنه مما عابه الله عز وجل على قوم شعيب حيث قال: ﴿وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ(10).

نعم يجوز كسر السِّكة المغشوشة، فإن الناس إذا مُكِّنوا من ذلك لم يتبين مقدار الغش. وقد روى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن شَوْب اللبن بالماء للبيع. يعني أنه يجوز أن يُشاب اللبن للشرب، فأما البيع فلا يجوز وإن علم المشتري أنه مشوب؛ لأنه لا يتبين مقدار الشَّوْب.

ومن أعظم أنواع الغش: الكيمياء، وهو عمل ما يشبه الذهب والفضة، وكذلك يعمل ما يشبه الجواهر والطِّيْب من المِسْك والزعفران والعنبر وغير ذلك. ومعنى الكيمياء: الشَّبَه. فإن ذلك كله محرم، إذ لا يكون المصنوع مثل المخلوق قط، وإنما غايته أن يُشَبَّه به في الظاهر وفي بعض صفاته.

ولم يخلق الله شيئًا وجعلَ للخلق سبيلًا أن يخلقوا كخلقه ولا أقدرهم على أن ينقلوا نوعًا من أنواع خلقه إلى نوع آخر، وإنما صنَعَ الناسُ الزجاجَ؛ لأن الله لم يخلق زجاجًا كما خلقَ ذهبًا وفضة.

وقد اتفق عقلاء بني آدم على أن غاية الكيمياء الزَّغَل الجيد الذي لا ينكشف إلا بعد مدة طويلة، ولا يتعلَّق بها إلا أحد رجلين: قليل العقل يعتقد صحَّتها، أو قليل الدين يستحل إنفاق المغشوش. وما يُذكر فيها من الحكايات الصحيحة غايته المغشوش الجيد الذي يروج على خلقٍ من النقَّاد، فالإنكارُ على هذا الضرب وعقوبتهم من أعظم الواجبات. وأكثر ما فسد حالُ كثير من الناس من هذا الوجه، ولهذا لم يذكر الفقهاء ما يجب في الكيمياء كما يجب في المعدن والركاز، إذ كان للركاز حقيقة، وهي الكنوز العادية التي تسمى المطالب، وليس للكيمياء حقيقة.

ومن ادعى على النبي صلى الله عليه وسلم أو على موسى –عليه السلام- أنه كان يَعْملها أو يُعَلِّمها فقد كذب وافترى. وجابر بن حيَّان الذي تُعْزَى إليه مصنفاتها مجهولٌ كثير التخليط والتناقض.

والكيمياء من جنس السيمياء، وهو السحر الذي يُخَيِّل الشيءَ بخلاف ما هو عليه، كما حكى الله تعالى عن سَحَرة قوم فرعون أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(11).

فيقال: إنهم تحيلوا على ذلك بزئبق وضعوه فيها، فلما حمي الحرُّ تحرَّك الزئبق بها. وهو نظير ما يفعله رهبان النصارى من البحاريق والمصعون، فمن ينسب إلى الصلاح بلا حقيقة. وكل هذا من نوع الكذب والنفاق والغش والخديعة والمكر، وكل هؤلاء يستحق العقوبة البالغة؛ لما فيهم من الضرر على أنفسهم وعلى الناس في دينهم ودنياهم.

فأما معرفة هذه الأشياء بلا غشٍّ لأحد لكن لمعارضة المُبْطِل وكشف غِشِّه وتدليسِه = فإنه قد ينتفع بذلك، إذ لو لا معرفة ذلك عند أهل الحق لنفق الباطل عند كثير ممن لا يعرفها.

نعم قد يخرق العادة لمن شاء من عباده بمعجزات الأنبياء وذكر آيات الصالحين، ولكن ذلك لا يقف على الأسباب التي يتعاطاها أهل الغش من الكيمياوية والسَّحَرة، بل قد يقلب الله الباذنجان والحصى ذهبًا وفضةً لمن شاء، مع أن عامة هؤلاء ينفقون منها ولو قلبها الله لهم.

ومما يتعين أيضًا على ولي الأمر: النظر في ولاة الحِسْبة وما يدخلون لله من أسعار المسلمين ومداهنة باعة الدقيق وغيره لما ينالهم من السُّحْت، فإن مضرة هذا عامة. وإن لم يكن ناظر الحِسْبة ممن يخشى الله ويوثق بأمانته، وإلا فما يُبْذَل له من المال يزلزل أمثاله، فإن هؤلاء الذين يبخسون الناسَ أشياءَهم ويعثون في الأرض مفسدين، فجعلهم غرض عظيم فيما يحصلونه من المال الخبيث، فيبذلون فيه عظيمًا، وهو قليل من كثير، فقد قال سلفهم قديمًا لشعيب صلى الله عليه وسلم: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ(12).

مع أن هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداءً كأمر حقوق الله ليست حقًّا لآدمي معيَّن لكن كثيرًا ما يقع الشكوى فيها من المعينين، فهي داخلة في الحكم بين الناس في الأموال والقضاء، والحكم فيها كأمثالها، والله أعلم.

* * *

فصل

في المشورة

لا غنى لولي الأمر عن المشـاورة، فإن الله أمـر بها نبيه، فقـال سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ(13).

وقد رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ( لم يكن أحدٌ أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم)(14).

وقد قيل: إن الله تعالى أمر بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم لتأليفِ قلوبِ أصحابِه، وليقتدي به من بعده، وليَسْتَخْرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الحربية وغير ذلك؛ فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشاورة.

وقـد أثنى الله سبحانه وتعالى عـلى المؤمنين بذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(15). وإذا استشارَهم، فإن بيَّن له بعضهم ما يجبُ اتباعُه من كتاب الله أو سنة رسوله، أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحدٍ في خلاف ذلك، وإن كان عظيمًا في الدين أو الدنيا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(16).

وإن كان أمرًا قد تنازع فيه المسلمون؛ فينبغي أن يستخرج من كل واحدٍ منهم رأيَه ووجْهَ رأيِه، فأيُّ الآراء كان أشبهَ بكتاب الله وسنة رسوله عُمِلَ به، كما قال تعالى:﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ(17).

وأولو الأمر صنفان؛ الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فأكثر ما يُخافُ على الناس ضررهما، وكان السلفُ يحذِّرون فتنتهما: فتنة المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه، صاحب هوىً قد أعماه هواه، وصاحب دنيا قد أغوته دنياه، فتنة الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وفتنة الذين خاضوا كما خاض الذين من قبلهم.

وكانوا يقولون: من نجا من فتنة أهل البدع، وفتنة ذي السلطان نجا.

فعلى كلٍّ منهما أن يتحرَّى بما يقوله ويفعله طاعةَ الله ورسوله، واتباعَ كتاب الله وسنة رسوله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة = كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك؛ فله أن يقلد من يرتضي علمَه ودينَه. هذا أقوى الأقوال.

وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره.

وكذلك ما يُشْتَرط في القضاة والولاة من الشروط، يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر شروط العبادات؛ من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كلُ ذلك واجب مع القدرة، فأمَّا مع العجز فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؛ ولهذا أمرَ الله المصلي أن يتطهَّر بالماء، فإن عدمه أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو لجروح به أو غير ذلك = تيمم الصعيدَ الطيب؛ فمسح بوجهه ويديه منه،  وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» (18).

فقد أوجب الله تعالى الصلاة في الوقت على أيِّ حالٍ أمكن، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(19).

فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف والمريض والفقير الذي لا يجد طهورًا أو لا يجد مَيْسَرة، كما جاء به الكتاب والسنة.

وأسقط ما يعجز عنه العبد من واجباتها؛ من الطهارة، واستقبال الكعبة، وقراءة الفاتحة، وتكميل الركوع والسجود والقيام.

فلو انكسرت سفينة بقوم، أو سلبهم المحاربون ثيابهم؛ صلوا عراةً بحسب أحوالهم، وكان إمامُهم وسطهم؛ لئلا يرى الباقون عورته.

ولو اشتبهت عليهم القبلة اجتهدوا في الاستدلال عليها، فلو عَمِيَت الدلائلُ صلوا كيف أمكنهم، كما قد رُوي أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك لو حُبِس بمكان ضَيِّق، أو كان حال مساورة العدو وغير ذلك، فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمـور الدين، وذلك كله في قـوله تعـالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(20). وفي قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مـا استطعتـم» (21).

كما أن الله تعالى لما حـَّرم المطاعم الخبيثة قـال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ(22) ، وقال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(23) ، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ(24) ، فلم يوجب ما لا يُسْتطاع، ولم يحرِّم ما يُضْطَر إليه إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد.

* * *

فصل

منزلة الولاية

ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا تمام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض تعاونًا وتناصرًا؛ يتعاونون على جلب المنفعة، ويتناصرون لدفع المضرة، إذ الواحد منهم لا يقدر وحده على جلب جميع منافعه، ودفع جميع مضارِّه.

ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا خرج ثلاثةٌ في سفر فليؤمِّروا أحدهم»(25) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.

وروى الإمام أحمد في المسند عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يحِلُّ لثلاثة يكونوا بفلاةٍ من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدَهم»(26).

فأوجب صلى الله عليه وسلم تأميرَ الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع التي هي أكثر وأدْوَم، ولأن الله تعالى أوجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يتمُّ ذلك إلا بقوَّة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجُمَعِ والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود = لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا رُوي: « إن السلطانَ ظلُّ الله في الأرض»(27) ويقال: «ستونَ سنة من إمامٍ جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان»(28).

والتجربة تبيِّن ذلك، فإن الوقت والمكان الذي يعدم فيه السلطان بموت أو قتل، ولم يقم غيره، أو تجري فيه فتنة بين طائفتين، أو يخرج أهله عن حكم سلطان، كبعض أهل البوادي والقرى = يجري فيها من الفساد في الدين والدنيا، ويفقد فيه من مصالح الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله.

ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم- يُعَظِّمون قدرَ نعمة الله به، ويرون الدعاء له ومناصحته من أعظم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى،مع عدم الطمع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه أمركم»(29).

وقال: « ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تُحيط من ورائهم» (30).

وهذان حديثان حسنان.

وفي الصحيح عنه أنه قال: « الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (31).

وإن كان أكثر من يدخل فيها لا يقصد العبادة ... والتقرب، بل لما في النفوس من حب الشرف والعلو. فكما أن أكثر من يأكل ويشرب وينكح لا يقصد العبادة المحضة –وهو من الواجبات-. بل من أكثر من يؤدي الأمانات الظاهرة، كقضاء دين الناس، وما عنده من أموال المضاربات والشركات إنما يقصد بها قيام حُرمته وجاهه عندهم –وهي من الواجبات- فنظيره كثير.

فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقُرْبة يتقرب بها بالعمل الصالح فيها إلى الله تعالى، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما فسدَ فيها حالُ أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها فقط.

وقد روى كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما ذئبان جائعان أُرْسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»(32). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

فأخبر أنَّ حرص المرء على المال والرئاسة يُفْسد دينه، مِثْل أو أكثر من إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم.

وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتَى كتابه بشماله أن يقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ(33).

وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ(34) ، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(35).

فالناس أربعة أقسام:

القسم الأول: قومٌ يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله تعالى، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شرار الخلق، قـال الله تعـالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ(36).

وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم « لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كِبر، ولا يدخل النارَ من في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (37)، فقال رجل: يا رسول الله إني أحبُّ أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنًا أفمن الكِبْر ذاك؟ قال: «لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس» (38).

فبَطَر الحق: جَحْده، وغَمْط الناس: احتقارهم وازدراؤهم. فهذه حال من يريد العلو في الأرض والفساد.

والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسُّرَّاق والمجرمين من سَفِلَة الناس ونحوهم.

والقسم الثالث: يريدون العلوَّ بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس، وهو أكثر في المتعلقة بنوعٍ من العلم أو نوع من الورع.

وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، مع أنهم قـد يكونون أعلى مـن غيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(39). وقـال تعـالى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(40). وقال: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(41).

فكم ممن يريد العلوَّ ولا يزيده ذلك إلا سفولًا، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلمٌ له. ثم مع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم ما يحب أن يكون مقهورًا لنظيره، وغير العادل منهم يُؤْثِر أن يكون هو القاهر.

فمريدُ العلوِّ فسد عليه دينُه ودنياه بظلم الناس ومعاداتهم لذلك، فيحتاج لذلك إلى أعوانه يدفعون أعداءه، والأعوان في الحقيقة أعداء له، إنما يعينونه لما ينالونه من أهوائهم، فلهذا كان من طلبَ الرياسة إليه أحمقَ جاهلاً، وإنما المطلوب منها ما يدفع به الإنسان عنه الضرر في دينه ودنياه، وهو في الحقيقة دفع علوِّ غيره عنه بالباطل، لا إرادة منه علوًّا على غيره ... إلا يسمى إلا برياسة.

وأما من دخل فيه ديانةً كما يدخل الرجل في الجهاد باذلاً نفسَه ومالَه، فهذا هو الذي يعد اعتقاده ... أدفع ما فيها من الفتنة في الدين إلا من عصم الله، والمضرَّة في الدنيا إلا لمن أيَّده الله تعالى.

ولا بد -في العقل والدين- من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قد بيناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ(42). وقـال تعـالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً(43). فلذلك جاءت الشريعة بجعل السلطان والمال في سبيل الله تعالى عونًا على دين الله.

فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإقامة دينه، وإنفاق ذلك في سبيله = كان ذلك صلاح الدين والدنيا، وإن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان فسدت أحوالُ الناس في الأموال.

وإنما يتميَّز أهلُ طاعة الله عن أهل معصية الله بالنية والعمل الصالح، كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إنَّ الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (44).

ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا بمعزلٍ عن حقيقة الإيمان في ولايتهم = رأى كثيرٌ من الناس أنَّ الإمارات تنافي الإيمان وكمال الدين.

ثم منهم من غلَّب الدينَ وأعرضَ عما لا يتمُّ الدينُ إلا به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرِضًا عن الدين؛ لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدينُ عنده في محلِّ الرحمة والذل، لا في محلِّ العلوِّ والعزِّ.

وكذلك لما غلبَ على كثير من أهل الديانين العجزُ عن تكميل الدين، والجَزَعِ لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء = استضعفَ طريقَتهم واستذلَّها من رأى أنه لا تقوم مصلحتُه ومصلحة غيره بها.

وهذان السبيلان الفاسدان: سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين = هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأولى للضالين النصارى، الثانية للمغضوب عليهم اليهود.

وأما الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، وهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ(45).

فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولايةً قصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتنب ما يمكنه من المحرمات = لم يؤاخذ بما يعجز عنه.

فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبة الخير وأهله، وفعل ما يقدر عليه من الواجبات = لم يُكَلَّف بما يعجز عنه، فإنَّ قِوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر، كما ذكر الله تعالى.

فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله، ويطلب ما عنده مستعينًا بالله في ذلك. ثم الدنيا تخدم الدين، كما قال معاذ بن جبل: ابن آدم أنت محتاجٌ إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحْوَج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مَرَّ بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر.

ودليل ذلك: ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من أصبح والآخرة أكبر هَمَّه جمع له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن أصبح والدنيا أكبر هَمِّه فرَّق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِب له»(46).

وأصـل ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ(47).

فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا، وجميع المسلمين، لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.


(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/267)، وأبو داود في كتاب الوصايا- باب ما جاء في الوصية للوارث (2870)، والترمذي في كتاب الوصايا- باب ما جاء لا وصية لوارث (2120)، وابن ماجه في كتاب الوصايا- باب لا وصية لوارث (2713)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (1789).
(2) النساء: 13، 14.
(3) الأعراف: 157.
(4) النساء: 59.
(5) أخرجه مسلم في كتابِ الإيمان- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (101).
(6) أخرجه البخاري، في كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، والبقر والغنم وكل محفلة، (2148)، ومسلم، في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، (1515)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) أخرجه البخاري، في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة، (27147)، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، (56).
(8) أخرجه البخاري في كتاب البيوع- باب النهي عن تلقي الركبان وأن بيعه مردود (2162)، ومسلم في كتاب البيوع- باب تحريم بيع الحاضر للبادي (1523)، من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه.
(9) أخرجه أبو داود، في أبواب الإجارة، باب في كسر الدراهم، (3449). وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (10/253): ضعيف.
(10) هود: 85.
(11) طه: 65، 66.
(12) هود: 87.
(13) آل عمران: 159.
(14) أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، كتاب السير، باب الموادعة والمهادنة، ذكر ما يستحب للإمام استعمال المهادنة بينه وبين أعداء الله إذا رأى بالمسلمين ضعفا يعجزون عنهم، (4872).
(15) الشورى: 38.
(16) النساء: 59.
(17) النساء: 59.
(18) أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب: إذا لم يطق قائما صلى على جنب (1117).
(19) البقرة: 238، 239.
(20) التغابن: 16.
(21) سبق تخريجه.
(22) البقرة: 173.
(23) الحج: 78.
(24) المائدة: 6.
(25) أخرجه أبو داود، في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، (2608)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/148): صحيح.
(26) أخرجه أحمد في «مسنده»، (6647). وقال الألباني في «إرواء الغليل» (6/351): ضعيف.
(27) أخرجه البيهقي في «الكبرى»، كتاب قتال أهل البغي، فضل الإمام العادل، (16650)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 100): ضعيف.
(28) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(29) سبق تخريجه.
(30) أخرجه الترمذي في «جامعه»: كتاب العلم- باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658)، والشافعي في «مسنده» (1190)، والحميدي في «مسنده» (88)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (680 ابن بلبان)، والطبراني في «المعجم الكبير» (5/154/4925)، وتمام الرازي في «الفوائد» (1461)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/273)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

(31) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب- باب في النصيحة (4944).
(32) أخرجه الترمذي، في أبواب الزهد، باب، (2376)، والنسائي في «الكبرى»، كتاب الرقائق، (11796). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (2/983): صحيح.
(33) الحاقة: 25-29.
(34) غافر: 21.
(35) القصص: 83.
(36) القصص: 4.
(37) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب تحريم الكبر وبيانه (91).
(38) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب تحريم الكبر وبيانه (91).
(39) آل عمـران: 139.
(40) محمد: 35.
(41) المنافقون: 8.
(42) الأنعام: 165.
(43) الزخرف: 32.
(44) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله (2564)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(45) التوبة: 100.
(46) أخرجه الترمذي، في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب، (2465)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (2/1110): صحيح.
(47) الذاريات: 56-58.