موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله - السياسة الشرعية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / السياسة الشرعية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية
  
 
السياسة الشرعية - العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله

فصل

العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله

العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:

أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد، كما تقدم.

والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يُقْدَر عليها إلا بقتال. فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله، فكل من بلَغَتْه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به، فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

وكان الله -لما بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وأمره بدعوة الخلق إلى دينه- لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(1).

ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(2).

ووكَّد الإيجابَ وعظَّم أمْرَ الجهاد في عامة السور المدنية، وذمَّ التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ(3). وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(4). وقـال سبحانه وتعـالى: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ(5). فهذا كثير في القرآن.

وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ(6). وكقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(7). وقوله: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(8). وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ (120) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(9).

فذكر ما يولده عن أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال.

والأمرُ بالجهاد وذِكْر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تُحْصر؛ ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحجِّ والعمرة، ومن صلاة التطوع والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: « رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد» (10).

وقال صلى الله عليه وسلم: « إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله» (11) متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: « من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» (12) رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجْري عليه رزقُه، وأمِنَ الفتَّان»(13) رواه مسلم.

وفي السنن: « رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل»(14).

وقال صلى الله عليه وسلم: « عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (15). قال الترمذي: حديث حسن.

وفي مسند أحمد: « حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يُقام ليلُها ويُصام نهارُها»(16).

وفي الصحيحين:  أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه»، قال: فأخْبِرني به، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر؟»، قال: لا، قال: «فذلك الذي يعدل الجهاد»(17).

وفي السنن: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكلِّ أمة سياحة وسياحةُ أمتي الجهاد في سبيل الله»(18).

 وهذا باب واسعٌ لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نَفْع الجهاد عامٌّ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه يشتمل على ما يحبه الله عز وجل، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذِكْر الله سبحانه وتعالى، وسائر أنواع الأعمال = على ما لا يشتمل عليه عمل آخر.

والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا؛ إما النصر والظَّفَر، وإما الشهادة والجنة.

ثم إن الخلق لا بد لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما، فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين والدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل مِيْتة، وهي أفضل المِيتات.

وإذا كان أصلُ القتال المشروع -هو الجهاد- ومقصوده: هو أن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تَكون كلمة الله هي العليا، فمَن منع هذا قُوتِل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَّمِن ونحوهم؛ فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع بمجرَّد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين، والأول هو الصواب، فإن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ(19).

وفي السنـن عنـه صلى الله عليه وسلم:  أنه مَرَّ على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» (20)، وقال لأحدهم: « الْحَق خالدًا فقل له: لا تقتلوا ذريةً ولا عسيفًا»(21) –يعني أجيرًا-.

وفيها عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفـلًا صغـيرًا، ولا امرأة»(22).

وذلك أن الله تعالى أباح مِنْ قَتْل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ(23). أي: أن القتل وإن كان فيه شرٌّ وفساد، ففي فتنة الكفار من الشرِّ والفساد ما هو أكبر منه.

فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يُعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت.

وجاء في الحديث: « إن الخطيئة إذا أُخفيت لم تضرَّ إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنْكر ضرَّت العامة» (24).

 ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قَتْل المقدور عليهم منهم، بل إذا أُسِر الرجلُ منهم في القتال أو غير القتال، مثل أن تُلْقيه السفينةُ إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة؛ فإنه يفعل فيه الإمامُ الأصلح؛ من قتله، أو استعباده، أو المنِّ عليه، أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة. وإن كان من الفقهاء من يرى المنَّ عليه ومفاداته منسوخًا.

فأما أهل الكتاب والمجوس فيُقاتَلون حتى يسلموا أو يُعطوا الجزية من يدٍ وهم صاغرون. ومن سواهم؛ فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم، إلا أن عامَّتهم لا يأخذونها من العرب.

وأيُّما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب جهادُها باتفاق المسلمين، حتى يكون الدين كلُّه لله، كما قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة -رضي الله عنهم- مانعي الزكاة، وقد كان قد توقف في قتالهم بعضُ الصحابة ثم اتفقوا، حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر -رضي الله عنهما-: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله» (25)؟ فقال له أبو بكر –رضي الله عنه-: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعهم. قال عمر: فما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمتُ أنه الحق.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « سيخرج قوم في آخر الزمان حِداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» (26).

وفي رواية لمسـلم عن علي -رضي الله عنه- قال: سمـعت رسـول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوزُ صلاتُهم تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِى لهم على لسان نبيهم، لنكلوا عن العمل»(27).

وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: « يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (28). متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: « تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارِقةٌ يلي قتلَهم أولاهما بالحق»(29).

فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- لما خرجت الفُرْقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون: الحرورية = بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته، وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرِّض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام، وفارقوا الجماعة، واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم. وثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يُقاتَل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين.

وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، لو تركت السنة الراتبة، كركعتي الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين.

فأما الواجبات والحرمات الظاهرة المستفيضة، فيُقاتَل عليها بالاتفاق، حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات، ويؤدوا الزكاة، ويصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت، ويلتزموا ترك المحرمات؛ من نكاح المحرمات، وأكل الخبائث، والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال، ونحو ذلك.

وقتال هؤلاء واجب ابتداءً بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بما يُقاتَلون عليه، فأما إذا بدؤوا المسلمين فيتأكد قتالهم، كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطريق وأبلغ.

الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم = يجب ابتداءً ودفعًا؛ فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفيه سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(30).

فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ(31)، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن.

وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قَصَدَهم العدوُّ عام الخندق لم يأذن اللهُ في تركه لأحدٍ، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذمَّ الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً(32).

فهذا دَفْعٌ عن الدين والحُرْمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه لإرهاب العدو، كغزاة تبوك ونحوها، فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف الممتنعة.

فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس، وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك.

فمن كان لا يصلي من جميع الناس: رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عُوقِب حتى يصلي بإجماع العلماء. وأكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل، فيُستتاب فإن صلى وإلا قُتِل. وهل يُقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره، والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب، فأما من جَحَدَ الوجوب فهو كافر بالاتفاق.

بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: « مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع»(33). وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها.

ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم، وأمرهم بأن يصـلوا بهم صـلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: « صلوا كما رأيتموني أن أصلي» (34) رواه البخاري.

  وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي» (35).

وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يُفَوِّتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على إمام للصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجوز لمنفردٍ الاقتصارُ عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر.

وكذلك على إمامهم في الحج، وكذلك أميرهم في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والوليَّ في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله، وهو في مالِ نفسِه يفوِّت نفسَه ما شاء، فأمْرُ الدين أهمّ، وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى.

ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس؛ صلح للطائفتين دينُهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. ومِلاك ذلك كله: حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاصَ والتوكلَ جِماعُ صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(36) فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء.

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرةً في بعض مغازيه فقال: «يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين» فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها (37).

وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ(38) ، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(39).  وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته يقول: «اللهم منك ولك» (40).

وأعظمُ عونٍ لولي الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة أمور:

أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.

والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة.

والثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب؛ ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله في موضعَين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ(41) ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ(42). وقولـه تعـالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا(43). وكذلك في سورة ق: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ(44). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(45).

وأما قِرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًا، فالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يُصْلِح حالَ الراعي والرعية، إذا عرف الإنسانُ ما دخل في هذه الأسماء الجامعة، مثلما يدخل في اسم الصلاة؛ من ذكر الله تعالى، ودعائه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة؛ الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع، من نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنـه قـال: « كلُّ معروفٍ صدقة»(46).

ويدخل فيه كل إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة، ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشقِّ تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة»(47).

وفي السنن قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه مُنْبَسط، ولو أن تُفْرغ من دلوك في إناء المُسْتسقي»(48).

وقال صلى الله عليه وسلم: « إن أثقل ما يوضع في الميزان الخُلُق الحَسَن»(49).

  ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم سلمة: «يا أم سلمة ذهبَ حُسن الخلق بخير الدنيا والآخرة»(50).

وفي الصبر: احتمال الأذى، وكظـم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة الهوى، وترك الأشَـِر والبَطَـر، فإنَّ الصبرَ على السرَّاء أشد من الصبر على الضرَّاء، كما قـال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(51) ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ(52). وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ(53). وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(54). وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(55).

قال الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ألا ليقم من وقع أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح(56).

وليس حُسْن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعلَ ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ(57). وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ(58). وإنما الإحسان إليهم فِعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه»(59). وقال صلى الله عليه وسلم: « إن الله رفيق يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»(60).

وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يقول: والله إني لأريد أن أخرج لهم المُرَّة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه.

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة لم يرده –وكان محتاجًا- إلا بها أو بميسـورٍ مـن القـول.

  وسأله مرةً بعضُ أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (61). فمنعهم إياها وعوَّضهم من الفيء.

وتحاكم إليه عليٌّ وزيدٌّ وجعفر -رضي الله عنهم- في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم ولكن قضى بها لخالتها، ثم إنه طيَّب قلبَ كلِّ واحد منهم بكلمة حسنة،  فقال لعلي: «أنتَ منِّي وأنا منك»،  وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي»،  وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (62).

فهكذا ينبغي لوليِّ الأمر في قَسْمِه وحكمه، فإن الناس دائمًا يسألون وليَّ الأمر ما لا يصلح بَذْله من الولايات، والأموال، والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود، وغير ذلك؛ فيعوِّضهم من جهةٍ أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسورٍ من القول ما لم يحتج إلى الإغلاظ، فإنَّ ردَّ السائل يؤلمُه، خصوصًا من يُحتاج إلى تأليفه، وقد قـال تعـالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ(63) ، وقـال تعـالى: ﴿وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً(64).

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذَّى، فإذا طيَّب نفسَه بما يصلح من القولِ والعمل؛ كان ذلك تمامَ السياسة، وهو نظيرُ ما يعطيه الطبيبُ للمريض من الطِّيْب الذي يُسَوِّغ الدواءَ الكريه، وقد قال الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(65).

  وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ وأبي موسى الأشعري -لما بعثهما إلى اليمن-: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (66).

  وبال مرةً أعرابيٌّ في المسجد فقام أصحابه إليه، فقال: «لا تُزْرِمُوه» -أي لا تقطعوا عليـه بولـه- ثم أمـر بدلو من ماء فصُبَّ عليـه،  وقال: «إنما بُعِثْتم مُيَسِّرِين ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين» (67). والحديثان في الصحيحين.

وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته، فإنَّ النفوس لا تقبل الحقَّ إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة، ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجبَ عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدَّى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدَّمة على غيره، ففي السنن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به» (68).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمُهما أجرًا الذي أنفقته على أهلك» (69).

وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا ابن آدم إنك إن تُنفقِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كَفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العُليا خير من اليد السفلى» (70).

وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ(71) ، أي: الفضل، وذلك لأن نفقةَ الرجل على نفسه وأهله فرضُ عين، بخلاف النفقة في الغزو وفي المساكين، فإنه في الأصل إما فرضٌ على الكفاية، وإما مستحبٌ. وإن كان قد يصير مُتعينًا إذا لم يقم غيره به، فإن إطعام الجائع واجب، ولهذا جاء في الحديث: « لو صَدَق السائلُ لما أفلحَ من ردَّه» (72) ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا عُلِم صدقه وجبَ إطعامُه.

وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل الذي فيه أنواع من العلم والحكمة، وفيه: «أنه كان في حكمة آل داود: حقٌّ على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذيِن يخبرونه بعيوبه، ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يَحِل ويَجْمُل، فإنَّ في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وينبغي للعاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مقبلاً على شأنه» (73). فبين أنه لا بدَّ من اللذات المباحة الجميلة، فإنها تُعِين على تلك الأمور.

ولهذا ذكر الفقهاء أن العدالة هي: الصلاح في الدين، والمروءة. وفسَّروا المروءة باستعمال ما يجمِّله ويزيِّنه، وتجنب ما يُدَنِّسه ويُشِينُه.

وكان أبو الدرداء يقول: إني لأستجمُّ نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق.

والله سبحانه وتعالى إنما خلق الشهوات في الأصل واللذات لتمام مصلحة الخلق، فإنه بذلك يجتلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب ليدفعون به ما يضرهم. وحرَّم منها ما يضر تناوله، وذمَّ من اقتصر عليها، واشتغل بها عن مصلحة دينه، ومن أسرف فيها في النوع أو القَدْر، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ(74) ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً(75) ، وقال: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً(76). حتى حَجَرَت الشريعة عند الجمهور على المبذِّر الذي يصرف المال فيما لا ينفعه.

وذمَّ أيضًا من ترك ما يحتاج إليه منها، حتى قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ(77).

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه عن أصحابه أنه قال بعضهم: أمَّا أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (78).

ونهى أمَّته عن الوِصال في الصيام، وقال: «من صامَ الدَّهرَ فلا صام ولا أفطر». وقال: «أفضلُ الصيامِ صيامُ داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفِرُّ إذا لاقى» (79).

وذمَّ الرهبانية التي في ترك النساء واللحم، كما يقول الجهال في مدح بعض الناس: ما نكح ولا ذبح. فإن مَدْح مثل هذا من الرهبانية التي ابتدعها النصارى ليست من دين الإسلام، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكلِّ أمةٍ رهبانية ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله» (80).

وجعل من استعانه بالمباح الجميل على الحق من الأعمال الصالحة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:  «في بُضْعِ أحدكم صدقة، قالوا أيأتي أحَدُنا شهوتَه ويكون له أجرٌ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان يكون عليه وِزْر؟ قالوا: بلى، قال: فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال» (81).

وروى أحمد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يكره أن تُؤتى معصيته» (82).

وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله، إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك» (83).

والنصوص في هذا كثيرة، فالمؤمن إذا كانت له نية أثيب على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعمالِه لصلاح قلبه ونيته، والمنافقُ لفسادِ قلبه ونيته يُعاقب على ما يُظهره من صُوَر العبادات رياءً، فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، واذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (84).

* * *

فصل

وكما أن العقوبات شُرِعَت داعيةً إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شُرِع أيضًا كلُّ ما يعين على ذلك، فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن، مثل أن يبذل لولده أو أهله أو رعيته ما يُرَغِّبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره.

فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا، وكان يؤلف الناس بالنفع والمال على الإسلام وشرائعه، ويثني على من أحسن فيه، كما أثنى على غير واحد من أصحابه، ويدعو أيضًا لمن أتى بما يستحق الدعاء، كما قال الله تعالى له: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ(85) ، ولهذا قال الفقهاء: ينبغي للإمام إذا قبض الصدقة أن يدعو لمن أعطاها، مثل أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا.

وكذلك أيضًا ذكر فضائل الأعمال الصالحة وثوابها ومنفعتها في الدنيا والآخرة فإن الكتاب والسنة مملوءة من ذلك، وهذا أنفع في الحقيقة لمن استجاب له من الرهبة بالعقوبة الدنيوية فقط، وإنما يُصار إلى العقوبة الدنيوية إذا ظلمَ الخلقُ بالنكولِ عن هذه الطريقة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ(86).

ولأجل الرغبة في مصالح الدين شُرِعت المسابقة بالخيل والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخْذ السَبَق فيها؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة، ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله تعالى، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل»(87)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسبِّق بين الخيل هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق من بيت المال للسابقين، وكذلك إعطاء المؤلفة قلوبهم.

فقد رُوي: «أنَّ الرجلَ كان يُسْلِم أول النهار رغبة في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس».

وكذلك شَرَع في الشرِّ والمعصية حَسْمَ مادته، وسدَّ ذريعته، ودفعَ ما يفضي إليه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، مثال ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (88).

وقال: « لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم» (89). فنهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر.

ورُوي عن الشعبي: أن  وفد عبد القيس لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجْلَسَه خلفَ ظهره، وقال: «إنما كانت خطيئة داود النظر» (90).

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يعسُّ بالمدينة فسمع امرأةً تتغنِّي بأبيات وتقول فيها:

هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربُها  *** أو من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج

ففتش عليه فوجده شابًّا حسنًا، فحلق رأسَه فازداد جمالًا، فنفاه إلى البصرة لئلا يَفْتِن النساء(91).

ورُوي عنه: أنه بلغه أن رجلًا يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته.

وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنث الذي كان يدخل على أزواجه، وأمر بنفي المخنثين من المدينة، وأذن أن يدخلوا يوم الجمعة ليسألوا الناس عما يبتاعون به، ونص على اتباع هذه السنة الفقهاء كالشافعي وأحمد، وقالوا: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نَفْي الزاني ونَفْي المُخَنَّث، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، والمتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وجلّ هذه الأحاديث في الصحيح. فلم يكتف باللعنة حتى نفاه؛ لأن فيه مضرة على النساء وعلى الرجال.

فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال أو النساء، مُنِعَ وليُّه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه لا سيما تبريجه وتجريده في الحمامات، وإحضاره مجالس اللهو والأغاني، فإن هذا مما ينبغي التعزيرُ عليه.

وكذلك من ظهر منه الفجور يُمْنَع من تملُّك الغلمان المُرْدان الصِّباح، ويُفرَّق بينهما وإن لم يقر أو يعمد فيه بفجوره، فإن ما كان مقصوده إلى دفع المنكر لا عقوبة فاعله فيُكتفى فيه بالدلالة، حتى اتفق الفقهاء على أنه لو شهد شاهد به عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، بل يجرحه الجارح عند الحاكم بذلك بناءً على الاستفاضة وإن لم يره،  فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت»، ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: «وجبت وجبت»، فسألوه عن ذلك فقال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (92).

مع أنه كان في زمانه امرأة تفعل الفجور، فقال: « لو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتُ هذه»(93). هكذا في الحديث الصحيح. فبين أن الحدود لا تُقام إلا بالبينة.

وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك؛ فتكون بـالمظنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه ولا تجوز شهاد القانع لأهل البيت»(94) وعنه أنه قال: «لا تجوز شهادة ظنين –أي متهم- في ولاء أو قرابة»(95).

والاستفاضة كافية في ذلك وما هو دون الاستفاضة، حتى أنه يُستدل على الرجل بأقرانه، كما قال ابن مسعود: «اعتبروا الناس بأخدانهم»(96). وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يُخالِل» (97). فإن المقصود من هذا دفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر -رضي الله عنه-: «احترسوا من الناس بسوء الظن»(98). ولا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن به.

لهذا ينبغي للوالي والعالم أن يكون خبيرًا بالشر وأسبابه وعلاماته، مثل الخبرة بالكفر والفسوق وأحوال العدو في دينهم ودنياهم؛ ليحترس من شرِّ ذلك.

وكان من أعظم المصالح: إزجاء العيون –الذين هم الجواسيس- إلى العدو، والمعرفة بطريق الكفر، كما قد ورد عن بعض السلف أنه قال: إنما تُنْقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وهذا لأن من لا يعرف الأمراض وأسبابها قد يغتر بالعافية، ولا يحترز من أسباب المرض أو ذاته، وعرف سببه وعلامته فإنه يصلح للطبيب.

والولاة والعلماء أطبَّاءُ الخلق، كما كتب سلمان إلى أبي الدرداء، لما تولى القضاء: بلغني أنك قعدت طبيبًا فإياك أن تقتل مسلمًا.

وكان عمر –رضي الله عنه- يقول: لست بخبٍّ ولا يخدعني الخب (99).

وقالوا: كان عمر أورع من أن يَخْدع وأعقل من أن يُخْدع.

وسلامة القلب المحمودة: هي سلامته من الأمراض، كالشبهات والأخلاق الردية؛ من النفاق والغِلّ والحسد والبخل والجُبْن وشهوة الزِّنا والكِبر ونحو ذلك.

فأما الجهلُ بالحقائق فليس في نفسه محمودًا؛ إذ العلم صفة كمال، وما ينتفع به إما واجب وإما مستحب. والسياسةُ بالرأي والخبرة أعظم من السياسة بالشجاعة والقوة وأنفع.

وبذلك يرفع الله الدرجات، كما قال في خبر يوسف عليه السلام: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(100) ، وقال في ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً(101) قالوا: علمًا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحربُ خدعَة»(102). ومن حكمة الشعر عن أبي الطيب.

الرأيُ قبل شجاعةِ الشُّجعان *** هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مِرَّةً *** بلغت من العلياءِ كلَّ مكان

لكن لا بدَّ للوالي من التغافل عن العقوبة على ما يعمله الناس من الذنوب التي لا تضرُّ إلا صاحبَها، كما روى معاوية –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الولي إذا ابتغى الريبة في الناس إلا كاد يفسدهم»(103).

قال الحسن: كلمةٌ سمعها معاويةُ من النبي صلى الله عليه وسلم نفعه الله بها.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليَسْتَتِر بستر الله، فإنه من يُبْدِ لنا صَفْحَتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله»(104).

ولا ينبغي له أن يُظْهِر للناس أن يعرف ما أخفوه من سيئاتهم إذا لم يُعاقِب عليه، فإنَّ ذلك يغير قلوبَهم ويحرِّك الفتنةَ بلا فائدة.

* * *

فصلٌ

حقوق الله: اسمٌ جامع لكل ما فيه منفعة عامة لا تختصُّ بمعين، أو دَفْع مضرة عامة بما يتعلق بالدين أو الدنيا، كالنظر في المساجد وأئمتها ومؤذنيها، والوقوف والطرقات والضِّياع، وإحياء السنن النبوية، وإماتة البدع المُضِلَّة، وتقديم من ينتفع به في ذلك وغيره من خيار الناس، وأهل الدين والعلم، والبر والتقوى من كل صِنف من أصناف الناس، ومجانبة ذوي الإثم والعدوان، وأهل الحيلة والخديعة، والكذب والإِدْهان، وغير ذلك من المصالح العامة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه عامة ذلك، ويستنيب فيما بَعُدَ عنه، ويوكِّل في بعض الأمور لمن حضر عنده.

وكان المسلمون يتعاونون على ذلك، وكان خلفاؤه قريبًا من ذلك، وكانوا يستخلفون في مصرهم قاضيًا فيما يتفق حكمهم فيه، فإذا نزل بالقاضي ما فيه إشكال يراجع الخليفة، كما كان زيدٌ يراجع عمر في مسائل الجد والطلاق وغير ذلك.

وأما بعد الخلفاء؛ فتنوعت العادات في ذلك في الأعصار والأمصار بحسب قلة الحاجة وكثرتها، وبحسب قدرة الوالي الكبير وعجزه، وقيامه بالأمر وإعراضه وأسباب أخر، فصار بعض هذه الأمور يتولاها والي الحرب الذي هو صاحب الشرطة.

وكان صاحب الشرطة مثل المنفذ لأمر الولي الكبير الذي يقال له: (نائب السلطان). قال أنس بن مالك: كان سعدٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.

وبعضها يتولَّاها المحتَسِب الذي وَليَ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، وولايته قد تدخل في ولاية القاضي. وبعضها يتولاها القاضي.

وأيُّ شيء من الولايات عُمِل فيه بطاعة الله ورسوله كانت ولايةً شرعية، وأيُّ شيء عُمِل فيها بخلاف ذلك، أو تُرِك فيها ما يجب لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله وأكثر معرفة بالشريعة = صار كثيرٌ من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون أن الشرع ما حَكَم به القاضي، وربما فرُّوا من هذا الشرع؛ إما خروجًا منهم عن الحق، أو لتقصيرٍ يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع اسم لما بعث الله تعالى به رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، وحُكْمُه لازمٌ جميعَ الخلق.

فعلى كل والٍ أن يتبع هذا الشرع، وكثيرًا ما يوافقه النائب والوالي والمحتسب، كما أنه كثيرًا ما يخالفه بعض القضاة؛ إما لعدم معرفته، أو لغرض مذموم، أو لتقليد عالم أو غير ذلك، فإن الموافق له من غير القضاة. وقد يوافقه لظهور الحق الذي اتفقت عليه العقول أو الأديان أو شريعتنا، أو لمعرفته بذلك من الكتاب والسنة، أو لصحة رأيه، أو لتقليد مُصيب في ذلك، أو هو اتفاقًا من غير سلوك طريقٍ صحيح، لكنَّ موافقة الشرع في القضاء أكثر من موافقته في غيره من الولايات.

وقد رؤي من الولاة من هو غير من أكثر القضاة، ورؤي من القضاة من هو شرٌّ من فُسَّاق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولي، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جُعِل سلطانٌ يقام به الدين على الوجه المشروع، كان ذلك مقصود الولاية.

وقد ذكر طوائف من الفقهاء أن ولاية القضاء المطلقة تقتضي عدة أنواع، واختلفوا في أشياء، وهذا بحسب مقتضى لفظ الولاية وعُرْفها، فإن ذلك يختلف باختلاف معاني العُرْف حتى قالوا: ذلك يقتضي هذا، فإن موجبات العقود كلها تُتَلَقَّى من اللفظ أو العرف إذا لم يكن الشرع قد جعل لها حدًّا.

وكل ما كان من باب الوكالات والولايات التي تُستفاد بالشرط لا بالشرع، كالوصية، والقضاء، وأمارة الحرب، وولاية الأمصار، ونحو ذلك، فإن عمومَها وخصوصَها يُستفادُ من المولى لفظًا وعرفًا على ما يثبت بالشرع، كولاية الأب على ابنه، فإن عموم ذلك يستفاد بنفس الشرع.

* * *


(1) الحج: 39-41.
(2) البقرة: 216.
(3) التوبة: 24.
(4) الحجرات: 15.
(5) محمد: 20، 21.
(6) الصف: 10-13.
(7) التوبة: 19-22.
(8) المائدة: 54.
(9) التوبة: 120، 121.
(10) سبق تخريجه.
(11) سبق تخريجه.
(12) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب المشي إلى الجمعة (907)، من حديث أبي عبس رضي الله عنه.
(13) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل، (1913).
(14) أخرجه الترمذي، في أبواب فضل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط، (1667)، والنسائي في «الكبرى»، كتاب الجهاد، فضل المرابط، (4363). وقال الألباني في «المشكاة» (2/1126): ضعيف.
(15) أخرجه الترمذي في «جامعه»: كتاب فضائل الجهاد- باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله (1639)، وقال: «حديثٌ حسنٌ»، والقضاعي في «مسند الشهاب» (320).
(16) أخرجه أحمد في «مسنده»، (433، 463). وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 400): ضعيف.
(17) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، (2785)، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، (1878).
(18) أخرجه الطبراني في «الكبير»، (7708). وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 277): ضعيف جدًّا.
(19) البقرة: 190.
(20) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد- باب في قتل النساء (2669).
(21) أخرجه أبو داود في «السنن» في كتاب الجهاد – باب في قتل النساء (2669)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (9/82)، والنسائي في «الكبرى» في كتاب السير – باب قتل العسيف (8571).
(22) أخرجه أبو داود، في كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين، (2614). وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 194): ضعيف.
(23) البقرة: 217.
(24) سبق تخريجه. منهم.
(25) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (25)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (22)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة (1400)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (20)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب فضل استقبال القبلة، يستقبل بأطراف رجليه (393)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(26) أخرجه البخاري في كتاب المناقب – باب علامات النبوة في الإسلام (3611)، ومسلم في كتاب الزكاة – باب التحريض على قتل الخوارج (1066) عن علي رضي الله عنه.
(27) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة- باب التحريض على قتل الخوارج (1066).
(28) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064).
(29) أخرجه مسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، (1064).
(30) النساء: 95.
(31) الأنفال: 72.
(32) الأحزاب: 13.
(33) أخرجه أبو داود كتاب الصلاة- باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (495، 496)، وأحمد (2/187)، وابن أبي شيبة فى «المصنف» (1/137/2)، وحسنه الألباني «صحيح سنن أبي داود».
(34) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة (631)، ومسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (674).
(35) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب الخطبة على المنبر (917)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة- باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (544).
(36) الفاتحة: 5.
(37) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، (8163). وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (11/179): ضعيف.
(38) هود: 123.
(39) هود: 88.
(40) أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا – باب ما يستحب من الضحايا (2797).
(41) البقرة: 45، 135.
(42) هود: 114، 115.
(43) طه: 130.
(44) ق: 39.
(45) الحجر: 97، 98.
(46) أخرجه البخاري، في كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة، (6021)، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، (1005).
(47) أخرجه البخاري، في كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، (7512)، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، (1016).
(48) أخرجه النسائي في «الكبرى»، كتاب الزينة، باب الاختلاف على أبي إسحاق فيه، (9616)، وأحمد في «مسنده»، (20633). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/81): صحيح.
(49) أخرجه أبو داود، في كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، (4799)، وأحمد في «مسنده»، (27532)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (2/950): صحيح.
(50) أخرجه الطبراني في «الكبير»، (870).
(51) هود: 9-11.
(52) الأعراف: 199.
(53) آل عمران: الآيتان 133، 134.
(54) فصلت: 34-36.
(55) الشورى: 40.
(56) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان»، (9/524)، وأبو نعيم في «الحلية»، (9/203). وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 96): ضعيف.
(57) المؤمنون: 71.
(58) الحجرات: 7.
(59) أخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الهجرة (2478).
(60) أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم- باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ﷺ (6927)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب – باب فضل الرفق (2593).
(61) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة- باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة (1072).
(62) أخرجه البخاري، في كتاب الصلح، باب: كيف يكتب هذا: ما صالح فلان بن فلان، وفلان بن فلان، وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه، (2699)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(63) الضحى: 10.
(64) الإسراء: 26-28.
(65) طه: 44.
(66) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه، (3038)، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، (1733).
(67) أخرجه البخاري، في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، (220)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(68) أخرجه أبو داود، في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، (1691)، والنسائي في «الكبرى»، كتاب الزكاة، باب تفسير ذلك، (2327). وقال الألباني في «إرواء الغليل» (3/408): حسن.
(69) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة- باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، (995).
(70) أخرجه مسلم، في كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة، (1036).
(71) البقرة: 219.
(72) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه الطبراني في «الكبير»، (7967)، بلفظ: «لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم». وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 700): ضعيف جدًّا.
(73) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، (4352)، وابن المبارك في «الزهد والرقائق»، (313).
(74) الأنعام: 141.
(75) الفرقان: 67.
(76) الإسراء: 26، 27.
(77) المائدة: 87.
(78) أخرجه البخاري في كتاب النكاح- باب الترغيب في النكاح (5063)، ومسلم في كتاب النكاح- باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (1401).
(79) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب فضل ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقوم (1152)، ومسلم في كتاب الصيام- باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به فوت (1159).
(80) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (19333)، والبيهقي في «شعب الإيمان»، (3923).
(81) أخرجه مسلم، في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، (1006)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(82) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/108).
(83) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب حجة الوداع (4409)، ومسلم في كتاب الوصية- باب الوصية بالثلث (1628).
(84) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم في كتاب المساقاة- باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(85) التوبة: 103.
(86) العنكبوت: 46.
(87) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد- باب في السبق (2574)، والترمذي في كتاب الجهاد- باب ما جاء في الرهان والسبق (1700)، وابن ماجه في كتاب الجهاد- باب السبق والرهان (2878)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (7498).
(88) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في لزوم الجماعة (2165)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2546).
(89) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب في كم يقصر الصلاة (1088)، ومسلم في كتاب الحج- باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (1339).
(90) أخرجه الشوكاني في «الفوائد المجموعة»، وقال: لا أصل له، وفي إسناده مجاهيل. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (6/212): موضوع.
(91) أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، (4/322).
(92) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ثناء الناس على الميت (1367)، ومسلم في كتاب الجنائز- باب فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى (949)، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(93) أخرجه البخاري، في كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة، (6855)، ومسلم، في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، (1497).
(94) أخرجه أبو داود، في كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته، (3601)، وابن ماجه، في كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته، (2366). وقال الألباني في «إرواء الغليل» (8/283): حسن.
(95) أخرجه الترمذي، في أبواب الشهادات، باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته، (2298)، والبيهقي في «الكبرى»، كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته، (20570)، من حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدا ولا مجلودة، ولا ذي غمر لأخيه، ولا مجرب شهادة، ولا القانع ص:546 أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة». وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (22857)، بلفظ: «لا يجوز في الطل@!W@!W�g ��!W`!W� `!Wليل» (8/292): ضعيف.
(96) أخرجه الطبراني في «الكبير»، (8919)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى»، (376).
(97) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب- باب من يؤمر أن يجالس (4833)، والترمذي في كتاب الزهد- باب ما جاء في أخذ المال بحقه (2378)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(98) أخرجه أبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها»، (238)، وأورده البغوي في «شرح السنة»، (13/111)، بلفظ: «احتجزوا مِن النّاس بِسوء الظَّن ...». وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/288): ضعيف جدًّا.
(99) أورده ابن القيم في «إعلام الموقعين»، (5/189).
(100) يوسف: 76.
(101) الكهف: 84.
(102) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، (3030)، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، (1739).
(103) لم أقف عليه من حديث معاوية رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود، في كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس، (4889)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/329): صحيح.
(104) أخرجه الحاكم، في كتاب التوبة والإنابة، (7615)، والبيهقي في «الكبرى»، كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في الاستتار بستر الله عز وجل، (17601)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/93): صحيح.