موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القسم الثاني- الأموال - السياسة الشرعية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / السياسة الشرعية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية
  
 
السياسة الشرعية - القسم الثاني: الأموال

فصل

القسم الثاني الأموال

القسم الثاني من الأمانات: الأموال، كما قال الله سبحانه وتعالى في الديون: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ(1).

ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك، والمُوَكِّل، والمضارب، ومال المولَّى من اليتيم وأهل الوقف، ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصَدُقات النساء، وأجور المنافع، ونحـو ذلك.

وقـد قـال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً(20)وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً(21)إِلاَّ المُصَلِّينَ(22)الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(2). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً(3). أي لا تخاصم عنهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (4) رواه أهل السنن.

وقال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن من أمِنَه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هَجَر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسَه في ذات الله» (5). وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين، وبعضه صحَّحَه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: « من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (6). رواه البخاري.

وإن كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قُبِضَت بحق ففيه تنبيه على وجوب أداء الغَضْب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العاريَّة، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقال في خطبته: « العارية مؤدَّاة، والمنحة مردودة، والدَّيْن مقضيٌّ، والزعيم غارم، إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث»(7).

وهذا القسم يتناول الرعاة والرعية، فعلى كلٍّ منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه؛ فعلى كل ذي السلطان ونُوَّابه في العطاء أن يؤتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وعلى جُباة الأموال -كأهل الديوان- أن يؤدوا إلى كل ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق.

وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون مـن جنس من قال الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ(58)وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ(59)إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(8).

ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق وإن كـان ظالمًا كـما  أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر جَور الولاة، فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: « كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خَلَفَه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فتكثر». قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: «فوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»(9).

وفيهما عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنكم سترون بعدي أَثَرة وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقَّهم، واسألوا الله حقَّكم» (10).

وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالكُ ملكه، فإنما هم أُمَناء ونُوَّاب ووُكَلاء، ليسوا مُلَّاكًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيثُ أُمِرت»(11). رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بنحوه.

فهذا رسولُ ربِّ العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أُبيح له التصرف في ماله، وكما تفعل الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أبغضوا، وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله سبحانه وتعالى.

وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين لو وسَّعْتَ على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري ما مَثَلي ومَثَل هؤلاء؟ كمثل قومٍ كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالًا وسلَّموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحلُّ لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم(12)؟!

وحُمِل مرةً إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مال عظيم من الخمس فقال: إن قومًا أدوا الأمانة في هذا لأُمناء، فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رَتعتَ لرتَعوا.

وينبغي أن يُعْرَف أن ولي الأمر كالسوق ما نَفَق فيه جُلِب إليه، هكذا قال عمر بن عبد العزيز، فإن نَفَق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جُلِب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجَوْر والخيانة جُلِبَ إليه ذلك. والذي على وليِّ الأمر: أن يأخذ المال من حلِّه، ويضعه في حقِّه، ولا يمنعه من مُسْتحقِّه.

وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إذا بلغه أن بعض نوابه ظَلَم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك.

* * *

فصل

الأموال السلطانية

الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.

فأما الغنيمة: فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال التي أُنْزِلت في غزوة بدر، وسُمِّيت أنفالًا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ... إلى أن قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(13). وقال في أثنائها: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(14).

وفي الصحيحين عن جابر بن عبـد الله -رضي الله عنهمـا- أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: « أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ نبيٌّ قبلي: نُصِرتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تُحَلَّ لأحد قبلي، وأُعْطِيت الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَـث إلى قومـه خـاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عـامة»(15).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة، حتى يُعْبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِل الذلةُ والصَّغَارُ على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (16). رواه أحمد في المسند عن ابن عمر.

فالواجب في المَغْنَم تخميسه، وصرف الخُمُس إلى من ذكره الله تعالى، وقِسْمةُ الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: الغنيمة لمن شَهِد الوقعة(17).

وهم الذين شهدوها للقتال، قاتَلوا أو لم يقاتلوا. ويجب قَسْمُها بينهم بالعدل، فلا يُحَابَى أحدٌ لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها.

وفي صحيح البخاري  أن سعد بن أبي وقاص رأى له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تُنْصَرون وتُرْزَقون إلا بضعفائكم»(18).

وفي مسند أحمد  عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله الرجلُ يكون حاميةَ القوم، فيكون سهمه وسهم غيره سواء؟! قال: «ثكلتك أمُّك ابن أم سعد، وهل تُرْزَقون وتُنْصَرون إلا بضعفائكم»؟(19).

وما زالت الغنائم تُقْسَم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لمَّا كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، لكن يجوز للإمام أن يُنَفِّل من ظهر منه زيادة نِكاية، كسَريَّةٍ تَسَرَّت من الجيش، أو رجل صعد حصنًا عاليًا ففتحه، أو حَمَل على مُقَدَّم العدو فقتله فهزم العدُّو، ونحو ذلك؛ فأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءَه كانوا يُنَفِّلون لذلك.

وكان يُنَفِّل السريةَ في البَدْأَة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس.

وهذا النفل قد قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم: إنه يكون من خُمُس الخمس، لئلا يُفَضَّل بعضُ الغانمين على بعض، والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا هوى النفس، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم.

وعلى هذا فقد قيل: إنه يُنَفِّل الربع والثلث بشرط وغير شرط، ويُنَفِّل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ونحو ذلك. وقيل: لا يُنَفِّل زيادة على الثلث، ولا ينفِّلُه إلا بالشرط، وهذان قولان لأحمد وغيره.

وكذلك -على القول الصحيح- للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له، كما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة بدر، إذا رأى المصلحة راجحة على المفسدة.

وإذا كان الإمام يجمع الغنيمة ويقسمها، لم يَجُز لأحد أن يغلَّ منها شيئًا ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ(20) ، فإن الغُلول خيانة. ولا تجوز النُّهْبَة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فإن ترك الإمامُ الجمعَ والقسمةَ وأذِنَ في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عُدوان حل له بعد تخميسه، وكلُّ ما دل على الإذن فهو إذن.

وأما إذا لم يأذن أو أذنَ إذنًا غير جائز = جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحرِّيًا للعدل في ذلك.

ومن حرَّم على المسلمين جمع الغنائم -والحال هذه- أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما شاء، فقد تقابل القولان تقابل الطرفين، ودين الله وسط.

والعدل في القسمة: أن يقسم للرَّاجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر.

ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة؛ ولأن الفرس يحتاج إلى مئونة نفسه وسائسه، ومنفعةُ الناس به أكثر من منفعة راجِلَين. ومنهم من يقول: يسوَّى بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يُسْهَم له سهم واحد، كما رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية، ويسمى في هذا الزمان: التتري، سواء كان حصانًا أو حِجرًا، ويسمى الرَّمَكة، أو خَصِيًّا ويسمى الإكديش.

كان السلف يعدون للقتال الحصان لشدته ولقوَّته وحِدَّته، وللإغارة والبَيات الحِجْر؛ لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسَّيْر الخَصِي لأنه أصبر على السير.

وإذا كان المغنوم مالاً قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول، وعَرَفَه صاحبُه قبل القسمة فإنه يُرَدُّ إليه بإجماع المسلمين.

وتفاريع المغانم وأحكامها فيها أثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض ذِكْر الجمل الجامعة.

* * *

فصل

الصدقات

وأما الصدقات؛ فهي لمن سمى الله سبحانه وتعالى في كتابه، فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم:  أن رجلًا سأله من الصدقة فقال: «إن الله لم يرضَ في الصدقة بقسم نبي ولا غيره، ولكن جزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك»(21).

فـ (الفقراء والمساكين) يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية، فلا تحلُّ الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب.

(والعاملون عليها) هم الذين يَجْبونها، ويحفظونها، ويكتبونها، ونحو ذلك.

(والمؤلفة قلوبهم) سنذكرهم -إن شاء الله تعالى- في مال الفيء.

(وفي الرقاب) يدخل فيه إعانة المُكَاتبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، هذا أقوى الأقوال فيها.

(والغارمون) هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها، فيُعْطَون وفاء دينهم ولو كان كثيرًا، إلا أن يكونوا غَرِموه في معصية الله تعالى، فلا يُعْطَون حتى يتوبوا.

(وفي سبيل الله) هم الغُزَاة الذين لا يُعْطَون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيُعْطَون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة. والحجُّ من سبيل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

(وابن السبيل) هو الذي يجتاز من بلد إلى بلد.

فصل

الفيء

وأما الفيء، فأصله ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر التي أنزلها في غزوة بني النضير بعد بدر من قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(22).

فذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كلُّ مـن جاء على هذا الوجـه إلى يوم القيامـة، كما دخلـوا في قـوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ(23). وفي قـوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ(24). وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ(25).

ومعنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ(26) أي: ما حركتم ولا سقتم خيلاً ولا إبلًا، ولهذا قال الفقهاء: الفيء هو ما أُخِذَ من الكفار بغير قتال؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال.

وسُمِّي فيئا؛ لأن الله سبحانه وتعالى أفاءه على المؤمنين، أي: رده عليهم من الكفار، فإن الأصل أن الله -تعالى- إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباحَ نفوسَهم التي لم يعبدوه بها، وأموالَهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعباده المؤمنين الذين يعبدونه، وأعاد عليهم ما يستحقونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِب من ميراثه، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك.

وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يُصالح عليه العدو، أو يهدونه إلى سلطان المسلمين، كالحمل الذي يُحْمَل من بلاد النصارى ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب وهو العُشْر، ومن تجار أهل الذمة إذا اتَّجروا في غير بلادهم وهو نصف العُشْر. هكذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يأخذ. وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم، وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين.

 ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعَيَّن، مثل من يموت من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغُصُوب، والعواري، والودائع التي تعذَّر معرفة أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين العقار والمنقول.

فهذا ونحوه مال المسلمين، وإنما ذكـر الله سبحانه وتعـالى في القرآن الفيءَ فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارثٌ معيَّن؛ لظهور الأنساب في أصحابه.

وقد مات مرةً رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى كبير تلك القبيلة، أي: أقربهم نسبًا إلى جدهم. وقد قال بذلك طائفة من العلماء كالإمام أحمد في قول منصوصٍ وغيره.

ومات رجل لم يُخَلِّف إلا عتيقًا له فدفع ماله لعتيقه. وقال بذلك طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم.

ودفعَ ميراثَ رجل إلى رجل من أهل قريته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه سبب كما ذكرناه.

ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمرهم بأن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما أمر الله تعالى به في كتابه.

ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوانٌ جامع على عهده وعهد أبي بكر -رضي الله عنه-، بل كان يقسم المال شيئًا فشيئًا، فلما كان في زمان عمر -رضي الله عنه- كَثُرَ المال، واتسعت البلاد، وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم.

وديوان الجيش -في هذا الزمان- مشتمل على أكثر ذلك الديوان، وهو أهم دواوين المسلمين.

وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء وما يُقْبَض من الأموال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات، والفيء، وغير ذلك.

فصارت الأموال في هذه الأزمان وما قبله ثلاثة أنواع:

نوع يستحق الإِمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع، كما ذكرناه.

وقسم يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث، أو يؤخذ من الرجل على حدٍّ ارتكبه، وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقًا.

ونوع فيه اجتهاد وتنازع، كمال من له ذو رحم وليس بذي فرضٍ ولا عَصَبَة، ونحو ذلك.

وكثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية؛ هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجند والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله مما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد يَتْرك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل.

والأصل في ذلك: أن كل من عليه مال يجب أداؤه؛ كرجل عنده وديعة، أو مضاربة، أو شركة، أو مال لمُوَكِّله، أو مال يتيم، أو مال وقف، أو مال لبيت المال، أو عنده دينٌ وهو قادرٌ على أدائه، فإنه إذا امتنع من أداء الحق الواجب من عين أو دين، وعُرِفَ أنه قادر على أدائه = فإنه يستحق العقوبة حتى يُظْهِر المال أو يدل على موضعه، فإذا عُرِفَ المال، وصبر على الحبس = يُسْتوفى الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه.

وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء ضُرِب حتى يؤدِّي الحق أو يُمَكِّن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها؛ لِما روى عَمْرو بن الشـريد عن أبيه عـن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعقوبَتَه» (27). رواه أهل السنن. وقال صلى الله عليه وسلم: « مَطْلُ الغنيِّ ظُلْم»(28). أخرجاه في الصحيحين، والليُّ: هو المطل.

والظالم يستحق العقوبة والتعزير، وهذا أصلٌ متفق عليه: أن كل من فعل محرمًا أو ترك واجبًا استحقَّ العقوبة، فإن لم تكن مُقَدَّرة بالشرع كان تعزيرًا يجتهد فيه وليُّ الأمر فيعاقب الغني الماطل بالحبس، فإن أصرَّ عُوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا.

وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهلَ خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح سأل بعض اليهود -وهو سَعْيَة عم حُيَي بن أخطب- عن كنز حُيَي بن أخطب؟ فقال: أذْهَبَتْه النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سعية إلى الزبير، فمَسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حييًّا يطوف في خِرْبَة ههنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المَسْك في الخربة(29).

وهذا الرجل كان ذميًّا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق، وكذلك كل من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة وغير ذلك عُوقِب على ترك الواجب.

وما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: هدايا العمال غلول.

وروى إبراهيم الحربي في كتاب (الهدايا) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « هدايا الأمراء غلول»(30).

وفي الصحيحين عن أبي حُمَيد الساعدي -رضي الله عنه- قال:  استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزْد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة، فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ؟! فهلَّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَة إبطيه: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت» ثلاثًا(31).

وكذلك محاباة الولاة في المعاملة؛ من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك = هو من نوع الهديَّة، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من عماله من كان له فضل ودين لا يُتَّهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خُصُّوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمامَ عدلٍ يقسم بالسوية.

فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كلِّ إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له.

وقد يُبْتَلى الناسُ من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها، ليتمكن بذلك من استيفاء المظالمِ منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذَ منهم عِوضًا على كَفِّ ظلمٍ وقضاء حاجةٍ مباحة أحبُّ إليهم من هذا، فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسرُ الناسِ صفقةً من باع آخرته بدنيا غيره.

وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها؛ من تبليغ ذي السلطان حاجاتِهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو الأغراض من الكُتَّاب ونحوهم في أغراضهم، ففي حديث هند بن أبي هالة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « أبلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ثَبَّتَ الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام»(32).

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا»(33).

وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: السُّحْت أن يطلب الحاجةَ للرجل، فتُقْضى له، فيُهْدي إليه فيقبلها(34).

وروي أيضًا عن مسروق: أنه كلم ابنَ زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبُها وصيفًا فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من ردَّ عن مسلم مظلمة فرَزَأه عليها قليلًا أو كثيرًا فهو سُحْت. فقلت: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر(35).

فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذويه، فلا ينبغي إعانة واحد منهما، إذ كل منهما ظالم، كلِصٍّ سرق من لص، وكالطائفَتيْن المُقْتَتِلَتَيْن على عصبية ورئاسة، ولا يحلُّ للرجل أن يكون عونًا على ظلم، فإن التعاون نوعان:

الأول: تعاون على البر والتقوى؛ من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسكَ عنه خشيةَ أن يكون من أعوان الظلمة = فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية، متوهِّمًا أنه متورِّع، وما أكثر ما يشتبه الجُبْن والفَشَل بالوَرَع؛ إذ كلٌّ منهما كفٌّ وإمساك.

والثاني: تعاونٌ على الإِثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصوم، أو أخذ مالٍ مغصوب، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله.

نعم، إذا كانت الأموال قد أُخِذَت بغير حق، وقد تَعَذَّر ردُّها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين؛ كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال -إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم- أن يصرفها - مع التوبة إن كان هو الظالم- إلى مصالح المسلمين.

هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلَّت الدلالة الشرعية، كما هو مبسوط في موضع أخر.

وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها كذلك، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أهلها أولي من تركها بيده ومن يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين.

فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(36) ، المفسر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(37) وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (38) أخرجاه في الصحيحين.

وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.

والمُعِين على الإِثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيلُ المظلوم لا وكيلُ الظالم، بمنزلة الذي يُقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم.

مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالمٌ منه مالاً فاجتهد في دفع ذلك بما هو أقل منه إليه أو إلى غيره، بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل.

وكذلك وكيل المالك من المنادين والكُتَّاب وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يُطْلَب منهم، لا يتوكَّل للظالمين في الأخذ.

وكذلك لو وُضِعَت مَظْلمة على أهل قرية أو دَرْب أو سوق أو مدينة، فتوسَّط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإِمكان، وقَسَّطها عليهم قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء، بل توكَّل لهم في الدفع عنهم والإعطاء = كان محسنًا.

لكنَّ الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين، محابيًا مرتشيًا مُخْفِرًا لمن يريد، وآخذًا ممن يريد، وهذا من أكبر الظلمة الذي يُحْشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يُقْذَفون في النار.

* * *

فصل

مصارف الفيء

وأما المصارف؛ فالواجب أن يُبتدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة.

فمنهم المقاتِلَة الذين هم أهل النُّصْرَة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء؛ لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختصٌّ بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقًا، إلا ما خص به نوع كالصدقات والمغنم.

ومن المستحقين: ذوو الولايات عليهم؛ كالولاة، والقضاة، والعلماء، والسُّعاة على المال جمعًا وحفظًا وقسمةً ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك.

وكذلك صرفه في الأثمان والأجور لما يعمُّ نفعُه؛ من سداد الثغور بالكُراع، والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس، كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار.

 ومن المستحقين: ذوو الحاجات، فإن الفقهاء قد اختلفوا: هل يقدَّمَون في غير الصدقات من الفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ منهم من قال: يقدَّمون، ومنهم من قال: المال استُحِقَّ بالإِسلام، فيشتركون فيه كما يشترك الورثة في الميراث. والصحيح أنهم يقدَّمون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم ذوي الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير.

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ليس أحدٌ أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجلُ وسابقتُه، والرجلُ وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجلُ وحاجتُه.

فجعلهم عمر -رضي الله عنه- أربعة أقسام:

الأول: ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال.

والثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كالسَّاسة والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين والدنيا.

والثالث: من يُبْلي بلاء حسنًا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله، من الأجناد والعيون الذين هم القُصَّاد والمناصحون ونحوهم.

والرابع: ذوو الحاجات.

وإذا حصل من هؤلاء متبرع فقد أغنى الله به، وإلا أُعْطِي ما يكفيه أو قدر عمله. وإذا عرفتَ أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات –أيضًا- فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نُظَراؤه، مثل أن يكون شريكًا في غنيمة أو ميراث.

ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه لهوى نفسه؛ من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك، فضلًا أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه؛ كعطية المُخنثين من الصبيان المردان؛ الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا، والمغنين، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرَّافين من الكُّهَّان والمُنَجِّمين ونحوهم.

لكن يجوز، بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحلُّ له أخذ ذلك، كما أباح الله سبحانه وتعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الأقْرَع بن حابس سيد بني تميم، وعُيينة بن حِصْن سيد بني فَزَارة، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري سيد بني كلاب. ومثل سادات قريش من الطلقاء؛ كصفوان بن أُمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير.

ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:  بعثَ عليٌّ وهو باليمن بذُهَيبة بِتُرْبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَسَمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر الفَزَاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي أحد بني نبهان.

قال: فغضبت قريش والأنصار فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم»، فجاء رجلٌ كثُّ اللحية، مشرف الوَجْنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فمن يُطِعِ اللهَ إن عصيتُه؟ أيأمَنُنِي على أهل الأرض ولا تأمَنُوني؟»(39).

قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله -ويرون أنه خالد بن الوليد- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ضِئْضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجِرَهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ» (40).

وعن رافع بن خَديج قال:  أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعُيَينةَ بن حصن، والأقرعَ بن حابس، كلَّ إنسان منهم مائةً من الإِبل، وأعطى عباسَ بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:

أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ *** ـدِ بين عيينة والأقرع

فما كان حِصْنٌ ولا حابسٌ *** يفوقان مرداس في المجمع

وما كنتُ دونَ امرئٍ منهما *** ومن تَخْفِضِ اليومَ لا يُرْفَع

قال: فأتمَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة(41). رواه مسلم. والعُبَيد: اسم فرس له.

والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر، ومسلم.

فالكافر: إما أن يُرْجَى بعطيّته منفعة؛ كإسلامه، أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك.

والمسلم المُطاع يُرْجى بعطيته المنفعة أيضًا؛ كحُسْن إسلامه، أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكايةَ في العدو، أو كفِّ ضرره عن المسلمين إذا لم ينكفَّ إلا بذلك.

وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون، وإنما ينكره ذو الدين الفاسد، كذي الخُوَيصرة الذي أنكره على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه ما قال.

وكذا حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- ما قصدَ به المصلحة من التحكيم، ومَحْو اسمه، وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم. وهؤلاء أمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأن معهم دينًا فاسدًا لا يصلح به دنيا ولا آخرة.

وكثيرًا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل، فإن كلاهما فيه ترك، فيشتبه ترك الفساد لخشية الله تعالى بترك ما يُؤمَر به من الجهاد والنفقة: جبنًا وبخلاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « شرُّ ما في المرء شُحٌّ هالعٌ وجُبْن خالع»(42). قال الترمذي: حديث صحيح.

وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنًّا، أو إظهارًا أنه وَرع، وإنما هو كِبْر وإرادةٌ للعلو، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « إنما الأعمال بالنيات» (43) كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهـذا أبعد الخلق عـن الله.

وقـد قال الله عز وجل: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(44) ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ(45). وفي الأثر: «أفضل الإيمان: السماحة والصبر»(46). فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك.

ولهذا كان مـن لا يقم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره، كـما قـال الله تعـالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ(38)إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(47).

وقـال تعـالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الغَنِيُّ وَأَنتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(48).

وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى(49). فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال الذي هو الشجاعة. وكذلك قال في غير موضع: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ(50).

وبيَّن أن البخل من الكبائر في قـوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ(51) ، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(52).

وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ(53). وفي قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ(54) ، وهو كثير في الكتاب والسنة، وهو مما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية:  (لا طعنة ولا جفنة)، ويقولون: (لا فارس الخيل ولا وجه العرب).

ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق:

* فريق غلبَ عليهم حبُّ العلو في الأرض أو الفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يَتأتَّى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلِّها، فصاروا نهَّابين وهَّابين.

وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويُطْعِم، فإنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يُطْعِم، سَخِط عليه الرؤساء وعزلوه، إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يُصْلِح آخرتهم من توبة ونحوها مما يعتقدونه فينجوا منه.

* وفريقٌ عندهم خوفٌ من الله تعالى، ودينٌ يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا، من ظلم الخلق وفعل المحارم، فهذا حسنٌ واجب، لكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون أو يمنعون عنها مطلقا، وربما كان في نفوسهم جُبن أو بخل، أو ضِيق خلق عاضد لما معهم من الدين، فيقعون أحيانًا في ترك واجب يكون تركه أضرَّ عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهيُ عنه من الصدِّ عن سبيل الله.

وقد يكونون متأوِّلين، وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج؛ فهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل، لكن قد يصلح بهم كثيرٌ من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يُعْفَى عنهم في بعض ما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويُغْفَر لهم قصورُهم، وقد يكونون من الأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرَّم.

* الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو: إنفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال لإقامة الدين، والدنيا التي يحتاج إليها الدين. وعِفَّته في نفسه فلا يأخذ ما لا يستحقه، فيجمعون بين التقوى والإِحسان ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ(55).

فلا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة، وهذا هو الذي يُطْعم الناس ما يحتاجون إلى إطعامه، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأُوَل، فإن الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثاني، فإن العِفَّة مع القدرة تقوِّي حُرْمة الدين.

وفي الصحيحين عن أبي سفيان بن حرب ( أن هرقل ملك الروم سأله قال له عن النبي صلى الله عليه وسلم: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصِّلَة) (56).

وفي الأثر: أن الله أوحى إلى رسوله إبراهيم الخليل –صلى الله على نبينا وعلى كافة الأنبياء والمرسلين-: يا إبراهيم أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ لأني رأيتُ العطاءَ أحبَّ إليك من الأخذ (57).

وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع نظيرُه في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضارِّ: أن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث -وهو الوسط- الذي يغضب لربه لا لنفسه كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تُنْتَهَك حُرُمات الله، فإذا انْتُهِكَت حُرُمات الله لم يَقُم لغضبه شيء حتى ينتقم لله تبارك وتعالى) (58).

فأما من يغضبه لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع شرُّ الخلق لا يصلح بهم دين ولا دنيا.

كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرَّمات، وهم الذين يعطون ما يُصْلِح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أُبِيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انْتُهِكَت محارمُه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل.

فليجتهد المسلم في التقرُّب إليها بجهده، ويستغفر الله تعالى بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمالَ ما بَعَث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين.

فهذا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(59).

* * *


(1) البقرة: 283.
(2) المعارج: 19-32.
(3) النساء: 105.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع- باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (3535)، والترمذي في كتاب البيوع- باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر (1264).
(5) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (10)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل (40)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها (2387).
(7) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/267)، وأبو داود في كتاب البيوع- باب في تضمين العور (3565)، والترمذي في كتاب البيوع- باب ما جاء في أن العارية مؤداة (1265)، وابن ماجه في كتاب الأحكام- باب الكفالة (2405)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (4116).
(8) التوبة: 58-60.
(9) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3455)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (1842).
(10) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (3603)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (1843).
(11) أخرجه البخاري، في كتاب فرض الخمس، باب قول الله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول} الأنفال: 41 "، (3117).
(12) أخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة»، (2/697).
(13) الأنفال: 1-41.
(14) الأنفال: 69.
(15) أخرجه البخاري في كتاب التيمم- باب وقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (335)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (521).
(16) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/50، 92) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال شعيب الأرنؤوط: «ضعيف».
(17) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، (9689)، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (33226).
(18) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، (2896).
(19) أخرجه أحمد في «مسنده»، (1493).
(20) آل عمران: 161.
(21) أخرجه الدارقطني، في كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة وبيان قسمتها، (2063)، وابن الأعرابي في «معجمه»، (2406)، من حديث زياد الصدائي رضي الله عنه.
(22) الحشر: 6-10.
(23) الأنفال: 75.
(24) التوبة: 100.
(25) الجمعة: 3.
(26) الحشر: 6.
(27) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/222، 388)، وأبو داود في كتاب الأقضية- باب في الحبس في الدين وغيره (3628)، والنسائي في كتاب البيوع- باب مطل الغني (4689)، (4690)، وابن ماجه في كتاب الأحكام- باب الحبس في الدين والملازمة (2427)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(28) أخرجه البخاري، في كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب مطل الغني ظلم، (2400)، ومسلم، في كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة، واستحباب قبولها إذا أحيل على ملي، (1564)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(29) لم أقف عليه بهذا اللفظ في «صحيح البخاري»، وأخرجه البخاري، في كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر ونحوه، (2328)، ولفظه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير»، فقسم عمر خيبر «فخير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن».
(30) لم أقف عليه من حديث ابن عباس، وأخرجه البيهقي في «الكبرى»، كتاب آداب القاضي، باب لا يقبل منه هدية، (20474)، من حديث حميد الساعدي، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، (21958)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
(31) أخرجه البخاري، في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من لم يقبل الهدية لعلة، (2597)، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، (1832).
(32) أخرجه الطبراني في «الكبير»، (414)، والبيهقي في «شعب الإيمان»، (1362).
(33) أخرجه أبو داود في أبواب الإجارة، باب في الهدية لقضاء الحاجة، (3541)، وأحمد في «مسنده»، (22251). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (2/1082): حسن.
(34) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (20868).
(35) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، (14664)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى»، (1003).
(36) التغابن: 16.
(37) آل عمران: 102.
(38) سبق تخريجه.
(39) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064).
(40) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064).
(41) أخرجه مسلم، في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، (1060).
(42) أخرجه أبو داود، في كتاب الجهاد، باب في الجرأة والجبن، (2511)، وأخرجه أحمد في «مسنده»، (8010). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (3709): صحيح.
(43) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي- باب بدء الوحي (1)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب قوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَةِ» (1907).
(44) العصر: 3.
(45) البلد: 17.
(46) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، (9262)، وأبو نعيم في «الحلية»، (3/357).
(47) التوبـة: الآيتان 38، 39.
(48) محمد: 38.
(49) الحديد: 10.
(50) التوبة: 20.
(51) آل عمران: 180.
(52) التوبة: 34.
(53) الأنفال: 16.
(54) التوبة: 56.
(55) النحل: 128.
(56) أخرجه البخاري، في كتاب الأدب، باب صلة المرأة أمها ولها زوج، (5980)، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، (1773).
(57) أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، (8/242).
(58) أخرجه البخاري، في كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، (6853)، ومسلم، في كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح، أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، (2328).
(59) النساء: 58.